<?xml version="1.0" encoding="windows-1256"?>

<rss version="2.0" xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/" xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/">
	<channel>
		<title>منتديات شبوة نت - القرآن الكريم وعلومه</title>
		<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/</link>
		<description>القرآن الكريم منتدى يحتوي على القرآن الكريم كاملاً يمنع اي نقاش او تحاور بهذا القسم منعا باتامخصص للقران وعلومة فقط ومادون ذالك يحذف</description>
		<language>ar</language>
		<lastBuildDate>Mon, 23 Nov 2009 03:08:01 GMT</lastBuildDate>
		<generator>vBulletin</generator>
		<ttl>60</ttl>
		<image>
			<url>http://i1.makcdn.com/sh3bwah/images_no_sponcer/misc/rss.jpg</url>
			<title>منتديات شبوة نت - القرآن الكريم وعلومه</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/</link>
		</image>
		<item>
			<title>القرآن الكريم مقسم الى أجزاء بصوت فضيلة الشيخ فارس عباد وبجودة عالية</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=228515&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sat, 21 Nov 2009 01:11:52 GMT</pubDate>
			<description>
صورة: http://i41.tinypic.com/6fch7a.jpg 

*القرآن الكريم مقسم الى أجزاء بصوت فضيلة الشيخ فارس عباد وبجودة عالية *

وحقيقي هذه الجودة تختلف اختلافا كبيرا عن الاجزاء الموجودة على الانترنت 

ويمكن لك ان تقوم بتحميل سورة الفاتحة فقط للتأكد من صحة أقوالى وبعد ذلك لك القرار النهائي في التحميل

وقد قمت بعمل ذلك ليستطيع اي مسلم ان يستمع ويقرأ جزء يوميا 
وبذلك يستطيع ختم القرآن الكريم مرة كل شهر وايضا بدون أخطاء في التشكيل 

واليكم روابط التحميل

أولا رابط سورة الفاتحة

صورة: http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png  (http://www.multiupload.com/Y819T2L1TE)

وقد قمت بتقسيم روابط التحميل الى ستة روابط في كل رابط خمسة اجزاء
وكل رابط يمكنك ان تقوم بتحميله من أحد هذه المراكز كما في الصورة التالية 

صورة: http://img40.imageshack.us/img40/9214/38160915.png 

الرابط الأول

صورة: http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png  (http://www.multiupload.com/P43COW65GR)

الرابط الثاني

صورة: http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png  (http://www.multiupload.com/7TVPI7H18V)

الرابط الثالث

صورة: http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png  (http://www.multiupload.com/P6ARRWK84C)

الرابط الرابع

صورة: http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png  (http://www.multiupload.com/W0FNR6LQME)

الرابط الخامس

صورة: http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png  (http://www.multiupload.com/T70ZHQHC13)

الرابط السادس والأخير

صورة: http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png  (http://www.multiupload.com/LD4H313N0O)

ولاأريد كلمة شكر ولكن أريد الدعاء لى ومن يقوم بالتحميل فهو مدين لى بالدعاء 

صورة: http://img144.imageshack.us/img144/2949/nevr1gs0.gif 


14a:-

</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><div align="center"><br />
<img src="http://i41.tinypic.com/6fch7a.jpg" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /><br />
<br />
<b><font size="5"><font color="Blue">القرآن الكريم مقسم الى أجزاء بصوت فضيلة الشيخ فارس عباد وبجودة عالية </font></font></b><br />
<br />
وحقيقي هذه الجودة تختلف اختلافا كبيرا عن الاجزاء الموجودة على الانترنت <br />
<br />
ويمكن لك ان تقوم بتحميل سورة الفاتحة فقط للتأكد من صحة أقوالى وبعد ذلك لك القرار النهائي في التحميل<br />
<br />
وقد قمت بعمل ذلك ليستطيع اي مسلم ان يستمع ويقرأ جزء يوميا <br />
وبذلك يستطيع ختم القرآن الكريم مرة كل شهر وايضا بدون أخطاء في التشكيل <br />
<br />
واليكم روابط التحميل<br />
<br />
أولا رابط سورة الفاتحة<br />
<br />
<a href="http://www.multiupload.com/Y819T2L1TE" target="_blank"><img src="http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /></a><br />
<br />
وقد قمت بتقسيم روابط التحميل الى ستة روابط في كل رابط خمسة اجزاء<br />
وكل رابط يمكنك ان تقوم بتحميله من أحد هذه المراكز كما في الصورة التالية <br />
<br />
<img src="http://img40.imageshack.us/img40/9214/38160915.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /><br />
<br />
الرابط الأول<br />
<br />
<a href="http://www.multiupload.com/P43COW65GR" target="_blank"><img src="http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /></a><br />
<br />
الرابط الثاني<br />
<br />
<a href="http://www.multiupload.com/7TVPI7H18V" target="_blank"><img src="http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /></a><br />
<br />
الرابط الثالث<br />
<br />
<a href="http://www.multiupload.com/P6ARRWK84C" target="_blank"><img src="http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /></a><br />
<br />
الرابط الرابع<br />
<br />
<a href="http://www.multiupload.com/W0FNR6LQME" target="_blank"><img src="http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /></a><br />
<br />
الرابط الخامس<br />
<br />
<a href="http://www.multiupload.com/T70ZHQHC13" target="_blank"><img src="http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /></a><br />
<br />
الرابط السادس والأخير<br />
<br />
<a href="http://www.multiupload.com/LD4H313N0O" target="_blank"><img src="http://img43.imageshack.us/img43/5443/10178073.png" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /></a><br />
<br />
ولاأريد كلمة شكر ولكن أريد الدعاء لى ومن يقوم بالتحميل فهو مدين لى بالدعاء <br />
<br />
<img src="http://img144.imageshack.us/img144/2949/nevr1gs0.gif" border="0" alt="" onload="NcodeImageResizer.createOn(this);" /><br />
<br />
<br />
14a:-<br />
</div></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>محمد حسين بهجت</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=228515</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة ايه 66 -67-68-69</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=227938&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Tue, 17 Nov 2009 18:58:16 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 66
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لّلْمُتّقِينَ }
   وهذه الآية مـما وبخ الله بها الـمخاطبـين من بنـي إسرائيـل فـي نقض أوائلهم الـميثاق الذي أخذه الله علـيهم بـالطاعة لأنبـيائه, فقال لهم: واذكروا أيضا من نكثكم ميثاقـي, إذ قال موسى لقومه, وقومه بنو إسرائيـل, إذ ادّارءوا فـي القتـيـل الذي قتل فـيهم إلـيه
الآية : 67-68
تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوَاْ أَتَتّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *  قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّنَ لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ لاّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ }
    والهزو: اللعب والسخرية, كما قال الراجز:
 قَدْ هَزِئَتْ مِنّـي أُمّ طَيْسَلَهْقالَتْ أرَاهُ مُعْدِما لا شَيْءَ لَهْ 
  يعنـي بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت. ولا ينبغي أن يكون من أنبـياء الله فـيـما أخبرت عن الله من أمر أو نهي هزو أو لعب. فظنوا بـموسى أنه فـي أمره إياهم عن أمر الله تعالـى ذكره بذبح البقرة عند تدارئهم فـي القتـيـل إلـيه أنه هازىء لاعب, ولـم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبـيّ الله, وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة, وحذفت الفـاء من قوله: أتَتّـخِذُنا هُزُوا وهو جواب, لاستغناء ما قبله من الكلام عنه, وحسن السكوت علـى قوله: إنّ اللّهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فجاز لذلك إسقاط الفـاء من قوله: أتَتّـخِذُنا هُزُوا كما جاز وحسن إسقاط من قوله تعالـى: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أيّها الـمُرْسَلُونَ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا ولـم يقل: فقالوا إنا أرسلنا, ولو قـيـل: «فقالوا», كان حسنا أيضا جائزا, ولو كان ذلك علـى كلـمة واحدة لـم تسقط منه الفـاء وذلك أنك إذا قلت قمت وفعلت كذا وكذا ولـم تقل: قمت فعلت كذا وكذا, لأنها عطف لا استفهام يوقـف علـيه, فأخبرهم موسى إذ قالوا له ما قالوا إن الـمخبر عن الله جل ثناؤه بـالهزء والسخرية من الـجاهلـين وبرأ نفسه مـما ظنوا به من ذلك, فقال: أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ يعنـي من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والبـاطل. وكان سبب قـيـل موسى لهم: إنّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ما:
  863ـ حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى قال: حدثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان, قال: سمعت أيوب, عن مـحمد بن سيرين, عن عبـيدة, قال: كان فـي بنـي إسرائيـل رجل عقـيـم أو عاقر, قال: فقتله ولـيه, ثم احتـمله, فألقاه فـي سبط غير سبطه. قال: فوقع بـينهم فـيه الشرّ, حتـى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النّهَى: أتقتتلون وفـيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأتوا نبـيّ الله, فقال: اذبحوا بقرة فقالوا: أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجَاهِلـينَ قالُوا ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما هي قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَة إلـى قوله: فَذَبَحُوهَا وَما كادُوا يَفْعَلُونَ قال: فضُرب فأخبرهم بقاتله. قال: ولـم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبـا. قال: ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم, فلـم يورث قاتل بعد ذلك.
  864ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنـي أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قول الله إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة قال: كان رجل من بنـي إسرائيـل, وكان غنـيا ولـم يكن له ولد, وكان له قريب وكان وارثه, فقتله لـيرثه, ثم ألقاه علـى مـجمع الطريق, وأتـى موسى, فقال له: إن قريبـي قتل, وأتـى إلـيّ أمرٌ عظيـم, وإنـي لا أجد أحدا يبـين لـي من قتله غيرك يا نبـيّ الله. قال: فنادى موسى فـي الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علـم إلا بـينه لنا فلـم يكن عندهم علـمه, فأقبل القاتل علـى موسى فقال: أنت نبـيّ الله, فـاسأل لنا ربك أن يبـين لنا فسأل ربه فأوحى الله إلـيه: إنّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فعجبوا وقالوا: أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبكَ يُبَـيّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إنّه يَقُولُ إنّهَا بَقَرَة لا فـارِض يعنـي هرمة وَلا بكْر يعنـي ولا صغيرة عَوَان بـينَ ذلكَ أي نصف بـين البكر والهرمة, قالُوا ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنْ لَنا ما لَوْنُها قال إنهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَة صَفْرَاءُ فـاقِع لَوْنُها أي صاف لونها تَسُرّ النَاظِرِينَ أي تعجب الناظرين. قالُوا ادْعُ لَنا رَبكَ يُبَـيّنْ لَنا ما هِيَ إنّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَـيْنَا وَإنَا إنْ شاءَ الله لـمهتدون قال أنه يقول أنها بقرة لا ذلول أي يذللها العمل تثـير الأرض يعنـي يسق بذلول فتثـير الأرض ولا تسقـي الـحرث يقول ولا تعمل فـي الـحرب مسلـمة يعنـي مسلـمة من العيوب لاشية فـيها. يقول لا بـياض فـيها. قالُوا الاَنَ جِئْتَ بـالـحَقّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ. قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها, ولكنهم شددوا علـى أنفسهم, فشدّد الله علـيهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا إنا إن شاء الله لـمهتدون لـما هدوا إلـيها أبدا فبلغنا أنهم لـم يجدوا البقرة التـي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى وهي القـيـمة علـيهم فلـما علـمت أنهم لا يزكو لهم غيرها أضعفت علـيهم الثمن فأتوا موسى فأخبروه أنهم لـم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة وأنها سألتهم أضعاف ثمنها فقال لهم موسى أن الله قد كان خفف علـيكم فشددتـم علـى أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها ففعلوا واشتروها فذبحوها فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فـيضربو به القتـيـل ففعلوا فرجع إلـيه روحه فسمى لهم قاتله ثم عاد ميتا كما كان فأخذوا قاتله وهو الذي كان أتـى موسى فشكى إلـيه فقتله الله علـى أسوء عمله. حدثنـي موسى قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسبـاط عن السدي وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قال كان رجل من بنـي إسرائيـل مكثرا من الـمال, وكانت له ابنة وكان له ابن أخ مـحتاج. فخطب إلـيه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوّجه إياها, فغضب الفتـى وقال: والله لأقتلنّ عمي ولاَخذنّ ماله ولأنكحنّ ابنته ولاَكلنّ ديته فأتاه الفتـى وقد قدم تـجار فـي بعض أسبـاط بنـي إسرائيـل, فقال: يا عم انطلق معي فخذ لـي من تـجارة هؤلاء القوم لعلـي أصيب منها, فإنهم إذا رأوك معي أعطونـي. فخرج العم مع الفتـى لـيلاً, فلـما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتـى ثم رجع إلـى أهله. فلـما أصبح جاء كأنه يطلب عمه, كأنه لا يدري أين هو فلـم يجده, فـانطلق نـحوه فإذا هو بذلك السبط مـجتـمعين علـيه, فأخذهم وقال: قتلتـم عمي فأدّوا إلـيّ ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب علـى رأسه وينادي واعماه. فرفعهم إلـى موسى, فقضى علـيهم بـالدية, فقالوا له: يا رسول الله: ادع لنا حتـى يتبـين له من صاحبه فـيؤخذ صاحب الـجريـمة, فوالله إن ديته علـينا لهينة, ولكنا نستـحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وَإذْ قَتَلْتُـمْ نَفْسا فـادّارَأتُـمْ فـيها وَاللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُـمْ تَكْتُـمُونَ فقال لهم موسى: إنّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالوا: نسألك عن القتـيـل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة, أتهزأ بنا؟ قال موسى: أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجَاهِلِـينَ. قال: قال ابن عبـاس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم, ولكنهم شدّدوا وتعنتوا موسى, فشدد الله علـيهم فقالوا: ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَةٌ لا فـارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بـينَ ذلكَ والفـارض: الهرمة التـي لا تلد, والبكر: التـي لـم تلد إلا ولدا واحدا, والعوان: النصف التـي بـين ذلك التـي قد ولدت وولد ولدها فـافعلوا ما تؤمرون. قالُوا ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فـاقِعٌ لَوْنُها تَسُرّ النّاظِرِينَ قال: تعجب الناظرين: قالُوا ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما هِيَ إنّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَـيْنا وَإنّا إنْ شاءَ اللّهُ لَـمُهْتَدُونَ قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِـيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِـي الـحَرْثَ مُسَلّـمَةٌ لا شِيَةَ فِـيها من بـياض ولا سواد ولا حمرة. قالُوا الاَنَ جِئْتَ بـالـحَقّ فطلبوها فلـم يقدروا علـيها. وكان رجل من بنـي إسرائيـل من أبرّ الناس بأبـيه. وأن رجلاً مرّ به معه لؤلؤ يبـيعه, فكان أبوه نائما تـحت رأسه الـمفتاح, فقال له الرجل: تشتري منـي هذا اللؤلؤ بسبعين ألفـا؟ فقال له الفتـى: كما أنت حتـى يستـيقظ أبـي فآخذه بثمانـين ألفـا. فقال له الاَخر: أيقظ أبـاك وهو لك بستـين ألفـا. فجعل التاجر يحطّ له حتـى بلغ ثلاثـين ألفـا, وزاد الاَخر علـى أن ينتظر حتـى يستـيقظ أبوه حتـى بلغ مائة ألف. فلـما أكثر علـيه قال: لا والله لا أشتريه منك بشيء أبدا, وأبى أن يوقظ أبـاه. فعوّضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة, فمرّت به بنو إسرائيـل يطلبون البقرة, فأبصروا البقرة عنده, فسألوه أن يبـيعهم إياها بقرة ببقرة فأبى, فأعطوه ثنتـين فأبى, فزادوه حتـى بلغوا عشرا فأبى, فقالوا: والله لا نتركك حتـى نأخذها منك. فـانطلقوا به إلـى موسى, فقالوا: يا نبـيّ الله إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبى أن يعطيناها, وقد أعطيناه ثمنا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك فقال: يا رسول الله أنا أحقّ بـمالـي. فقال: صدقت, وقال للقوم: أرضوا صاحبكم فأعطوه وزنها ذهبـا فأبى, فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها حتـى أعطوه وزنها عشر مرّات, فبـاعهم إياها وأخذ ثمنها. فقال: اذبحوها فذبحوها, فقال: اضربوه ببعضها فضربوه بـالبضعة التـي بـين الكتفـين فعاش, فأسلوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقتله وآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.
  865ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة. وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, عن ابن زيد, عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, قال: حدثنـي خالد بن يزيد, عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل, عن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبـا يذكر. وحدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, وحجاج, عن أبـي معشر, عن مـحمد بن كعب القرظي ومـحمد بن قـيس. وحدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: أخبرنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس. فذكر جميعهم: أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً نـحو السبب الذي ذكره عبـيدة وأبو العالـية والسدي. غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتـيـل الذي اختصم فـي أمره إلـى موسى كان أخا الـمقتول. وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه. وقال بعضهم: بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته. إلا أنهم جميعا مـجمعون علـى أن موسى إنـما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتـيـل إذا احتكموا إلـيه عن أمر الله إياهم بذلك, فقالوا له: وما ذبح البقرة يبـين لنا خصومتنا التـي اختصمنا فـيها إلـيك فـي قتل من قتل فـادعى علـى بعضنا أنه القاتل أتهزأ بنا؟ كما:
  866ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: قتل قتـيـل من بنـي إسرائيـل, فطرح فـي سبط من الأسبـاط. فأتـى أهل ذلك القتـيـل إلـى ذلك السبط, فقالوا: أنتـم والله قتلتـم صاحبنا قالوا: لا والله. فأتوا موسى, فقالوا: هذا قتـيـلنا بـين أظهرهم وهم والله قتلوه. فقالوا: لا والله يا نبـيّ الله طرح علـينا. فقال لهم موسى: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فقالوا: أتستهزىء بنا؟ وقرأ قول الله جل ثناؤه: أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالوا: نأتـيك فنذكر قتـيـلنا والذي نـحن فـيه فتستهزىء بنا؟ فقال موسى: أعُوذُ بـالله أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ.
  867ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد وحجاج, عن أبـي معشر, عن مـحمد بن كعب القرظي, ومـحمد بن قـيس: لـما أتـى أولـياء القتـيـل والذين ادّعوا علـيهم قتل صاحبهم موسى وقصوا قصتهم علـيه, أوحى الله إلـيه أن يذبحوا بقرة, فقال لهم موسى: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتّـخِذُنَا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ قالوا: وما البقرة والقتـيـل؟ قال: أقول لكم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة, وتقولون: أتتـخذنا هزوا
  قال أبو جعفر: فقال الذين قـيـل لهم: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذبَحُوا بَقَرَةً بعد أن علـموا واستقرّ عندهم أن الذي أمرهم به موسى علـيه السلام من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة جدّ وحق: ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا مَا هِيَ فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفـاهم بقوله لهم: اذبحوا بقرة لأنه جل ثناءه إنـما أمرهم بذبح بقرة من البقر أيّ بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك علـى نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف, فقالوا بجفـاء أخلاقهم وغلظ طبـائعهم وسوء أفهامهم, وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤنته, تعنتا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما:
  868ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي, أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: لـما قال لهم موسى: أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـين قالوا له يتعنتونه: ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما هيَ فلـما تكلفوا جهلاً منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التـي أمروا بذبحها تعنتا منهم بنبـيهم موسى صلوات الله علـيه بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فـيـما أخبرهم عن الله جل ثناؤه بقولهم: أتَتّـخِذُنا هُزُوا عاقبهم عز وجل بأن خصّ بذبح ما كان أمرهم بذبحه من البقر علـى نوع منها دون نوع, فقال لهم جل ثناؤه إذ سألوه فقالوا: ما هي صفتها وما حلـيتها؟ حَلّها لنا لنعرفها قالَ إنّهَا بَقَرَةٌ لا فَـارِضٌ وَلا بِكْرٌ يعنـي بقوله جل ثناؤه: لا فـارض: لا مسنة هرمة, يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضا, يعنـي بذلك أسنّت, ومن ذلك قول الشاعر:
 يا رُبّ ذِي ضِغْنٍ عَلَـيّ فـارِضِلَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الـحائِضِ 
  يعنـي بقوله فـارض: قديـم يصف ضغنا قديـما. ومنه قول الاَخر:
 لَهُ زِجاجٌ ولَهَاةُ فـارِرُضهَدْلاء كالوَطْبِ نَـحَاهُ الـمَاخِضُ 
  وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل فـارض قال الـمتأوّلون. ذكر من قال ذلك:
  869ـ حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي, قال: حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مـجاهد: لا فـارِض قال: لا كبـيرة.
  870ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن عطية, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, أو عن عكرمة, شك شريك لا فَـارِضٌ قال: الكبـيرة.
  871ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: أخبرنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: لا فـارِضٌ الفـارض: الهرمة.
   حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: لا فـارِضٌ يقول: لـيست بكبـيرة هرمة.
   حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, عن عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس: لا فـارِضٌ الهرمة.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: الفـارض: الكبـيرة.
   حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن مـجاهد قوله: لا فـارِض قال: الكبـيرة.
  872ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: لا فـارِضٌ يعنـي لا هرمة.
  873ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.
  874ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: الفـارض: الهرمة.
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: قال معمر, قال قتادة: الفـارض: الهرمة يقول: لـيست بـالهرمة ولا البكر عوان بـين ذلك.
  875ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: الفـارض: الهرمة التـي لا تلد.
  876ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الفـارض: الكبـيرة.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ولا بِكْر.
  والبكر من إناث البهائم وبنـي آدم ما لـم يفتـحله الفحل, وهي مكسورة البـاء لـم يسمع منه «فَعَل» ولا «يفعل». وأما «البَكْر» بفتـح البـاء فهو الفتـى من الإبل. وإنـما عنى جل ثناؤه بقوله وَلا بِكْر ولا صغيرة لـم تلد. كما:
  877ـ حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي, قال: حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مـجاهد: وَلا بِكْر صغيرة.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: البكر: الصغيرة.
  878ـ حدثنا أبو كريب قال: حدثنا الـحسن بن عطية, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد, عن ابن عبـاس أو عكرمة شك: ولا بِكْر قال: الصغيرة.
  879ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, عن عطاء الـخراسانـي, عن ابن عبـاس: ولا بِكْر الصغيرة.
  880ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي أبو سفـيان, عن معمر, عن قتادة: ولا بِكْرٌ ولا صغيرة.
   حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَلا بكْرٌ ولا صغيرة ضعيفة.
  881ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع: عن أبـي العالـية: وَلا بِكْرٌ يعنـي ولا صغيرة.
  882ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.
  883ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فـي «البكر» لـم تلد إلا ولدا واحدا.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: عَوَانٌ.
  قال أبو جعفر: العوان: النصف التـي قد ولدت بطنا بعد بطن, ولـيست بنعت للبكر, يقال منه: قد عوّنت إذا صارت كذلك. وإنـما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فـارض ولا بكر بل عوان بـين ذلك. ولا يجوز أن يكون عوان إلا مبتدأ, لأن قوله: بَـيْنَ ذَلِكَ كناية عن الفـارض والبكر, فلا يجوز أن يكون متقدما علـيهما. ومنه قول الأخطل:
 وَما بِـمَكّةَ مِنْ شُمْطٍ مُـحَفّلَةٍوَما بِـيَثْرِبَ مِنْ عُونٍ وأبْكارٍ 
  وجمعها عون يقال: امرأة عَوَانٌ من نسوة عُونٍ. ومنه قول تـميـم بن مقبل:
 وَمأتـم كالدّمَى حُورٍ مَدَامِعُهالَـمْ تَبْأسِ العَيْشَ أبْكارا وَلا عُونَا 
  وبقرة عوان وبقر عون. قال: وربـما قالت العرب: بقرٌ عُون, مثل رسل يطلبون بذلك الفرق بـين جمع عوان من البقر, وجمع عانة من الـحمر. ويقال: هذه حرب عوان: إذا كانت حربـا قد قوتل فـيها مرّة بعد مرة, يـمثل ذلك بـالـمرأة التـي ولدت بطنا بعد بطن. وكذلك يقال: حالة عوان إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.
  884ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب أن ابن زيد أنشده:
 قُعُود لَدَى الأبْوَابِ طُلاّبُ حاجَةٍعَوَانٍ مِنَ الـحاجاتِ أوْ حاجَةً بِكْرا 
  قال أبو جعفر: والبـيت للفرزدق. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك تأوله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.
  885ـ حدثنا علـيّ بن سعد الكندي, حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مـجاهد: عَوَانٌ بـينَ ذلكَ: وسط قد ولدن بطنا أو بطنـين.
   حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: عَوانٌ قال: العوان: العانس النصف.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: العوان: النصف.
  886ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن عطية, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس أو عكرمة, شكّ شريك: عَوَانٌ قال: بـين ذلك.
  887ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: عَوَانٌ قال بـين الصغيرة والكبـيرة, وهي أقوى ما تكون من البقر والدوابّ وأحسن ما تكون.
  888ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, عن عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس: عَوَانٌ قال: النصف.
  889ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: عَوَانٌ نصف.
  890ـ وحدثت عن عمار, عن ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.
  891ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: العوان: نصف بـين ذلك.
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن مـجاهد: عَوَانٌ التـي تنتـج شيئا بشرط أن تكون التـي قد نتـجت بكرة أو بكرتـين.
  892ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: العوان: النصف التـي بـين ذلك, التـي قد ولدت وولد ولدها.
  893ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: العوان: بـين ذلك لـيست ببكر ولا كبـير.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: بَـيْن ذلكَ.
  يعنـي بقوله: بـينَ ذلكَ: بـين البكر والهرمة. كما:
  894ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: بـينَ ذلكَ: أي بـين البكر والهرمة.
  فإن قال قائل: قد علـمت أن «بـين» لا تصلـح إلا أن تكون مع شيئين فصاعدا, فكيف قـيـل بـين ذلك وذلك واحد فـي اللفظ؟ قـيـل: إنـما صلـحت مع كونها واحدة, لأن «ذلك» بـمعنى اثنـين, والعرب تـجمع فـي «ذلك» و«ذاك» شيئين ومعنـيـين من الأفعال, كما يقول القائل: أظنّ أخاك قائما, وكان عمرو أبـاك, ثم يقول: قد كان ذاك, وأظن ذلك. فـيجمع بذلك وذاك الاسم والـخبر الذي كان لا بد ل«ظَنّ» و«كان» منهما. فمعنى الكلام: قال: إنه يقول أنها بقرة لا مسنة هرمة ولا صغيرة لـم تلد, ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن بـين الهرم والشبـاب. فجمع ذلك معنى الهرم والشبـاب لـما وصفنا, ولو كان مكان الفـارض والبكر اسما شخصين لـم يجمع مع بـين ذلك, وذلك أن «ذلك» لا يؤدي عن اسم شخصين, وغير جائز لـمن قال: كنت بـين زيد وعمرو, أن يقول: كنت بـين ذلك, وإنـما يكون ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فـافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ.
  يقول الله لهم جل ثناؤه: افعلوا ما آمركم به تدركوا حاجاتكم وطلبـاتكم عندي, واذبحوا البقرة التـي أمرتكم بذبحها, تصلوا بـانتهائكم إلـى طاعتـي بذبحها إلـى العلـم بقاتل قتـيـلكم.
الآية : 69
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّن لّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لّوْنُهَا تَسُرّ النّاظِرِينَ }
   ومعنى ذلك: قال قوم موسى لـموسى: ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما لَوْنُها: أي لون البقرة التـي أمرتنا بذبحها. وهذا أيضا تعنّت آخر منهم بعد الأول, وتكلّف طلب ما قد كانوا كفوه فـي الـمرة الثانـية والـمسألة الاَخرة وذلك أنهم لـم يكونوا حصروا فـي الـمرة الثانـية, إذ قـيـل لهم بعد مسألتهم عن حلـية البقرة التـي كانوا أمروا بذبحها فأبوا إلا تكلف ما قد كفوه من الـمسألة عن صفتها فحصروا علـى نوع دون سائر الأنواع عقوبة من الله لهم علـى مسألتهم التـي سألوها نبـيهم صلى الله عليه وسلم تعنتا منهم له, ثم لـم يحصرهم علـى لون منها دون لون, فأبوا إلا تكلف ما كانوا عن تكلفه أغنـياء, فقالوا تعنتا منهم لنبـيهم صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن عبـاس: ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما لَوْنُها فقـيـل لهم عقوبة لهم: إنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها تَسُرّ النّاظِرِينَ فحُصِروا علـى لون منها دون لون, ومعنى ذلك أن البقرة التـي أمرتكم بذبحها صفراء فـاقع لونها.
  قال: ومعنى قوله: يُبَـيّنُ لَنا مَا لَوْنُها أيّ شيء لونها, فلذلك كان اللون مرفوعا, لأنه مرفوع «ما» وإنـما لـم ينصب «ما» بقوله «يبـين لنا», لأن أصل «أيّ» و«ما» جمع متفرّق الاستفهام. يقول القائل: بـين لنا أسوداء هذه البقرة أم صفراء؟ فلـما لـم يكن لقوله «بـيّن لنا» ارتفع علـى الاستفهام منصرفـا (عما) لـم يكن له ارتفع علـى أي لأنه جمع ذلك الـمتفرّق, وكذلك كل ما كان من نظائره, فـالعمل فـيه واحد فـي «ما» و«أي».
  واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله: صَفْرَاءُ فقال بعضهم: معنى ذلك سوداء شديدة السواد. ذكر من قال ذلك منهم:
  895ـ حدثنـي أبو مسعود إسماعيـل بن مسعود الـجحدري, قال: حدثنا نوح بن قـيس, عن مـحمد بن سيف, عن الـحسن: صَفْرَاءُ فَـاقِع لَوْنُهَا قال: سوداء شديدة السواد.
   حدثنـي أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة, والـمثنى بن إبراهيـم قالا: حدثنا مسلـم بن إبراهيـم, قال: حدثنا نوح بن قـيس, عن مـحمد بن سيف, عن أبـي رجاء, عن الـحسن, مثله.
  وقال آخرون: معنى ذلك: صفراء القرن والظلف. ذكر من قال ذلك:
  896ـ حدثنـي هشام بن يونس النهشلـي, قال: حدثنا حفص بن غياث, عن أشعث, عن الـحسن فـي قوله: صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُهَا قال: صفراء القرن والظلف.
  897ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنـي هشيـم, قال: أخبرنا جويبر, عن كثـير بن زياد, عن الـحسن فـي قوله: صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُهَا قال: كانت وحشية.
  898ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا مروان بن معاوية, عن إبراهيـم, عن أبـي حفص, عن مغراء, أو عن رجل, عن سعيد بن جبـير: بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها قال: صفراء القرن والظلف.
  899ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: هي صفراء.
  900ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا الضحاك بن مخـلد, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم.
  قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي قال فـي قوله: صَفْرَاءُ يعنـي به سوداء, ذهب إلـى قوله فـي نعت الإبل السود: هذه إبل صفر, وهذه ناقة صفراء يعنـي بها سوداء. وإنـما قـيـل ذلك فـي الإبل لأن سوادها يضرب إلـى الصفرة, ومنه قول الشاعر:
 تِلْكَ خَيْـلِـي مِنْهَا وَتِلْكَ رِكابِـيهُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ 
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:
 هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـيهُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ 
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:
 هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـيهُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ 
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:
هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـي
هُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:
هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـي
هُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:
هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـي
هُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:
هو أسود حالك وحانك وحلكيْهِ الوَرْدَ حَتـى تَرَكْتُهُ
ذلِـيلاً يَسُفّ التّرْبَ وَاللّوْنُ فَـاقِعُ
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: تَسُرّ النّاظِرِينَ.
  يعنـي بقوله: تَسُرّ النّاظِرِينَ تعجب هذه البقرة فـي حسن خـلقها ومنظرها وهيئتها الناظر إلـيها. كما:
  901ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: تَسُرّ النّاظِرِينَ أي تعجب الناظرين.
  902ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبـا: تَسُرّ النّاظِرِينَ إذا نظرت إلـيها يخيـل إلـيك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
  903ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: تَسُرّ النّاظِرِينَ قال: تعجب الناظرين.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 66<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
    {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لّلْمُتّقِينَ }<br />
   وهذه الآية مـما وبخ الله بها الـمخاطبـين من بنـي إسرائيـل فـي نقض أوائلهم الـميثاق الذي أخذه الله علـيهم بـالطاعة لأنبـيائه, فقال لهم: واذكروا أيضا من نكثكم ميثاقـي, إذ قال موسى لقومه, وقومه بنو إسرائيـل, إذ ادّارءوا فـي القتـيـل الذي قتل فـيهم إلـيه<br />
الآية : 67-68<br />
تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوَاْ أَتَتّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *  قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّنَ لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ لاّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ }<br />
    والهزو: اللعب والسخرية, كما قال الراجز:<br />
 قَدْ هَزِئَتْ مِنّـي أُمّ طَيْسَلَهْقالَتْ أرَاهُ مُعْدِما لا شَيْءَ لَهْ <br />
  يعنـي بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت. ولا ينبغي أن يكون من أنبـياء الله فـيـما أخبرت عن الله من أمر أو نهي هزو أو لعب. فظنوا بـموسى أنه فـي أمره إياهم عن أمر الله تعالـى ذكره بذبح البقرة عند تدارئهم فـي القتـيـل إلـيه أنه هازىء لاعب, ولـم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبـيّ الله, وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة, وحذفت الفـاء من قوله: أتَتّـخِذُنا هُزُوا وهو جواب, لاستغناء ما قبله من الكلام عنه, وحسن السكوت علـى قوله: إنّ اللّهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فجاز لذلك إسقاط الفـاء من قوله: أتَتّـخِذُنا هُزُوا كما جاز وحسن إسقاط من قوله تعالـى: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أيّها الـمُرْسَلُونَ قالُوا إنّا أُرْسِلْنا ولـم يقل: فقالوا إنا أرسلنا, ولو قـيـل: «فقالوا», كان حسنا أيضا جائزا, ولو كان ذلك علـى كلـمة واحدة لـم تسقط منه الفـاء وذلك أنك إذا قلت قمت وفعلت كذا وكذا ولـم تقل: قمت فعلت كذا وكذا, لأنها عطف لا استفهام يوقـف علـيه, فأخبرهم موسى إذ قالوا له ما قالوا إن الـمخبر عن الله جل ثناؤه بـالهزء والسخرية من الـجاهلـين وبرأ نفسه مـما ظنوا به من ذلك, فقال: أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ يعنـي من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والبـاطل. وكان سبب قـيـل موسى لهم: إنّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ما:<br />
  863ـ حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى قال: حدثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان, قال: سمعت أيوب, عن مـحمد بن سيرين, عن عبـيدة, قال: كان فـي بنـي إسرائيـل رجل عقـيـم أو عاقر, قال: فقتله ولـيه, ثم احتـمله, فألقاه فـي سبط غير سبطه. قال: فوقع بـينهم فـيه الشرّ, حتـى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النّهَى: أتقتتلون وفـيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأتوا نبـيّ الله, فقال: اذبحوا بقرة فقالوا: أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجَاهِلـينَ قالُوا ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما هي قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَة إلـى قوله: فَذَبَحُوهَا وَما كادُوا يَفْعَلُونَ قال: فضُرب فأخبرهم بقاتله. قال: ولـم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبـا. قال: ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم, فلـم يورث قاتل بعد ذلك.<br />
  864ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنـي أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قول الله إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة قال: كان رجل من بنـي إسرائيـل, وكان غنـيا ولـم يكن له ولد, وكان له قريب وكان وارثه, فقتله لـيرثه, ثم ألقاه علـى مـجمع الطريق, وأتـى موسى, فقال له: إن قريبـي قتل, وأتـى إلـيّ أمرٌ عظيـم, وإنـي لا أجد أحدا يبـين لـي من قتله غيرك يا نبـيّ الله. قال: فنادى موسى فـي الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علـم إلا بـينه لنا فلـم يكن عندهم علـمه, فأقبل القاتل علـى موسى فقال: أنت نبـيّ الله, فـاسأل لنا ربك أن يبـين لنا فسأل ربه فأوحى الله إلـيه: إنّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فعجبوا وقالوا: أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبكَ يُبَـيّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إنّه يَقُولُ إنّهَا بَقَرَة لا فـارِض يعنـي هرمة وَلا بكْر يعنـي ولا صغيرة عَوَان بـينَ ذلكَ أي نصف بـين البكر والهرمة, قالُوا ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنْ لَنا ما لَوْنُها قال إنهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَة صَفْرَاءُ فـاقِع لَوْنُها أي صاف لونها تَسُرّ النَاظِرِينَ أي تعجب الناظرين. قالُوا ادْعُ لَنا رَبكَ يُبَـيّنْ لَنا ما هِيَ إنّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَـيْنَا وَإنَا إنْ شاءَ الله لـمهتدون قال أنه يقول أنها بقرة لا ذلول أي يذللها العمل تثـير الأرض يعنـي يسق بذلول فتثـير الأرض ولا تسقـي الـحرث يقول ولا تعمل فـي الـحرب مسلـمة يعنـي مسلـمة من العيوب لاشية فـيها. يقول لا بـياض فـيها. قالُوا الاَنَ جِئْتَ بـالـحَقّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ. قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها, ولكنهم شددوا علـى أنفسهم, فشدّد الله علـيهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا إنا إن شاء الله لـمهتدون لـما هدوا إلـيها أبدا فبلغنا أنهم لـم يجدوا البقرة التـي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى وهي القـيـمة علـيهم فلـما علـمت أنهم لا يزكو لهم غيرها أضعفت علـيهم الثمن فأتوا موسى فأخبروه أنهم لـم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة وأنها سألتهم أضعاف ثمنها فقال لهم موسى أن الله قد كان خفف علـيكم فشددتـم علـى أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها ففعلوا واشتروها فذبحوها فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فـيضربو به القتـيـل ففعلوا فرجع إلـيه روحه فسمى لهم قاتله ثم عاد ميتا كما كان فأخذوا قاتله وهو الذي كان أتـى موسى فشكى إلـيه فقتله الله علـى أسوء عمله. حدثنـي موسى قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسبـاط عن السدي وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قال كان رجل من بنـي إسرائيـل مكثرا من الـمال, وكانت له ابنة وكان له ابن أخ مـحتاج. فخطب إلـيه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوّجه إياها, فغضب الفتـى وقال: والله لأقتلنّ عمي ولاَخذنّ ماله ولأنكحنّ ابنته ولاَكلنّ ديته فأتاه الفتـى وقد قدم تـجار فـي بعض أسبـاط بنـي إسرائيـل, فقال: يا عم انطلق معي فخذ لـي من تـجارة هؤلاء القوم لعلـي أصيب منها, فإنهم إذا رأوك معي أعطونـي. فخرج العم مع الفتـى لـيلاً, فلـما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتـى ثم رجع إلـى أهله. فلـما أصبح جاء كأنه يطلب عمه, كأنه لا يدري أين هو فلـم يجده, فـانطلق نـحوه فإذا هو بذلك السبط مـجتـمعين علـيه, فأخذهم وقال: قتلتـم عمي فأدّوا إلـيّ ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب علـى رأسه وينادي واعماه. فرفعهم إلـى موسى, فقضى علـيهم بـالدية, فقالوا له: يا رسول الله: ادع لنا حتـى يتبـين له من صاحبه فـيؤخذ صاحب الـجريـمة, فوالله إن ديته علـينا لهينة, ولكنا نستـحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وَإذْ قَتَلْتُـمْ نَفْسا فـادّارَأتُـمْ فـيها وَاللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُـمْ تَكْتُـمُونَ فقال لهم موسى: إنّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالوا: نسألك عن القتـيـل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة, أتهزأ بنا؟ قال موسى: أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجَاهِلِـينَ. قال: قال ابن عبـاس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم, ولكنهم شدّدوا وتعنتوا موسى, فشدد الله علـيهم فقالوا: ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَةٌ لا فـارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بـينَ ذلكَ والفـارض: الهرمة التـي لا تلد, والبكر: التـي لـم تلد إلا ولدا واحدا, والعوان: النصف التـي بـين ذلك التـي قد ولدت وولد ولدها فـافعلوا ما تؤمرون. قالُوا ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فـاقِعٌ لَوْنُها تَسُرّ النّاظِرِينَ قال: تعجب الناظرين: قالُوا ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما هِيَ إنّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَـيْنا وَإنّا إنْ شاءَ اللّهُ لَـمُهْتَدُونَ قالَ إنّهُ يَقُولُ إنّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِـيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِـي الـحَرْثَ مُسَلّـمَةٌ لا شِيَةَ فِـيها من بـياض ولا سواد ولا حمرة. قالُوا الاَنَ جِئْتَ بـالـحَقّ فطلبوها فلـم يقدروا علـيها. وكان رجل من بنـي إسرائيـل من أبرّ الناس بأبـيه. وأن رجلاً مرّ به معه لؤلؤ يبـيعه, فكان أبوه نائما تـحت رأسه الـمفتاح, فقال له الرجل: تشتري منـي هذا اللؤلؤ بسبعين ألفـا؟ فقال له الفتـى: كما أنت حتـى يستـيقظ أبـي فآخذه بثمانـين ألفـا. فقال له الاَخر: أيقظ أبـاك وهو لك بستـين ألفـا. فجعل التاجر يحطّ له حتـى بلغ ثلاثـين ألفـا, وزاد الاَخر علـى أن ينتظر حتـى يستـيقظ أبوه حتـى بلغ مائة ألف. فلـما أكثر علـيه قال: لا والله لا أشتريه منك بشيء أبدا, وأبى أن يوقظ أبـاه. فعوّضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة, فمرّت به بنو إسرائيـل يطلبون البقرة, فأبصروا البقرة عنده, فسألوه أن يبـيعهم إياها بقرة ببقرة فأبى, فأعطوه ثنتـين فأبى, فزادوه حتـى بلغوا عشرا فأبى, فقالوا: والله لا نتركك حتـى نأخذها منك. فـانطلقوا به إلـى موسى, فقالوا: يا نبـيّ الله إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبى أن يعطيناها, وقد أعطيناه ثمنا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك فقال: يا رسول الله أنا أحقّ بـمالـي. فقال: صدقت, وقال للقوم: أرضوا صاحبكم فأعطوه وزنها ذهبـا فأبى, فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها حتـى أعطوه وزنها عشر مرّات, فبـاعهم إياها وأخذ ثمنها. فقال: اذبحوها فذبحوها, فقال: اضربوه ببعضها فضربوه بـالبضعة التـي بـين الكتفـين فعاش, فأسلوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقتله وآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.<br />
  865ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة. وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, عن ابن زيد, عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, قال: حدثنـي خالد بن يزيد, عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل, عن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبـا يذكر. وحدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, وحجاج, عن أبـي معشر, عن مـحمد بن كعب القرظي ومـحمد بن قـيس. وحدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: أخبرنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس. فذكر جميعهم: أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً نـحو السبب الذي ذكره عبـيدة وأبو العالـية والسدي. غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتـيـل الذي اختصم فـي أمره إلـى موسى كان أخا الـمقتول. وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه. وقال بعضهم: بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته. إلا أنهم جميعا مـجمعون علـى أن موسى إنـما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتـيـل إذا احتكموا إلـيه عن أمر الله إياهم بذلك, فقالوا له: وما ذبح البقرة يبـين لنا خصومتنا التـي اختصمنا فـيها إلـيك فـي قتل من قتل فـادعى علـى بعضنا أنه القاتل أتهزأ بنا؟ كما:<br />
  866ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: قتل قتـيـل من بنـي إسرائيـل, فطرح فـي سبط من الأسبـاط. فأتـى أهل ذلك القتـيـل إلـى ذلك السبط, فقالوا: أنتـم والله قتلتـم صاحبنا قالوا: لا والله. فأتوا موسى, فقالوا: هذا قتـيـلنا بـين أظهرهم وهم والله قتلوه. فقالوا: لا والله يا نبـيّ الله طرح علـينا. فقال لهم موسى: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فقالوا: أتستهزىء بنا؟ وقرأ قول الله جل ثناؤه: أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالوا: نأتـيك فنذكر قتـيـلنا والذي نـحن فـيه فتستهزىء بنا؟ فقال موسى: أعُوذُ بـالله أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ.<br />
  867ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد وحجاج, عن أبـي معشر, عن مـحمد بن كعب القرظي, ومـحمد بن قـيس: لـما أتـى أولـياء القتـيـل والذين ادّعوا علـيهم قتل صاحبهم موسى وقصوا قصتهم علـيه, أوحى الله إلـيه أن يذبحوا بقرة, فقال لهم موسى: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتّـخِذُنَا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ قالوا: وما البقرة والقتـيـل؟ قال: أقول لكم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة, وتقولون: أتتـخذنا هزوا<br />
  قال أبو جعفر: فقال الذين قـيـل لهم: إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذبَحُوا بَقَرَةً بعد أن علـموا واستقرّ عندهم أن الذي أمرهم به موسى علـيه السلام من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة جدّ وحق: ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا مَا هِيَ فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفـاهم بقوله لهم: اذبحوا بقرة لأنه جل ثناءه إنـما أمرهم بذبح بقرة من البقر أيّ بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك علـى نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف, فقالوا بجفـاء أخلاقهم وغلظ طبـائعهم وسوء أفهامهم, وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤنته, تعنتا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما:<br />
  868ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي, أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: لـما قال لهم موسى: أعُوذُ بـاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـين قالوا له يتعنتونه: ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما هيَ فلـما تكلفوا جهلاً منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التـي أمروا بذبحها تعنتا منهم بنبـيهم موسى صلوات الله علـيه بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فـيـما أخبرهم عن الله جل ثناؤه بقولهم: أتَتّـخِذُنا هُزُوا عاقبهم عز وجل بأن خصّ بذبح ما كان أمرهم بذبحه من البقر علـى نوع منها دون نوع, فقال لهم جل ثناؤه إذ سألوه فقالوا: ما هي صفتها وما حلـيتها؟ حَلّها لنا لنعرفها قالَ إنّهَا بَقَرَةٌ لا فَـارِضٌ وَلا بِكْرٌ يعنـي بقوله جل ثناؤه: لا فـارض: لا مسنة هرمة, يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضا, يعنـي بذلك أسنّت, ومن ذلك قول الشاعر:<br />
 يا رُبّ ذِي ضِغْنٍ عَلَـيّ فـارِضِلَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الـحائِضِ <br />
  يعنـي بقوله فـارض: قديـم يصف ضغنا قديـما. ومنه قول الاَخر:<br />
 لَهُ زِجاجٌ ولَهَاةُ فـارِرُضهَدْلاء كالوَطْبِ نَـحَاهُ الـمَاخِضُ <br />
  وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل فـارض قال الـمتأوّلون. ذكر من قال ذلك:<br />
  869ـ حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي, قال: حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مـجاهد: لا فـارِض قال: لا كبـيرة.<br />
  870ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن عطية, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, أو عن عكرمة, شك شريك لا فَـارِضٌ قال: الكبـيرة.<br />
  871ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: أخبرنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: لا فـارِضٌ الفـارض: الهرمة.<br />
   حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: لا فـارِضٌ يقول: لـيست بكبـيرة هرمة.<br />
   حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, عن عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس: لا فـارِضٌ الهرمة.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: الفـارض: الكبـيرة.<br />
   حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن مـجاهد قوله: لا فـارِض قال: الكبـيرة.<br />
  872ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: لا فـارِضٌ يعنـي لا هرمة.<br />
  873ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.<br />
  874ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: الفـارض: الهرمة.<br />
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: قال معمر, قال قتادة: الفـارض: الهرمة يقول: لـيست بـالهرمة ولا البكر عوان بـين ذلك.<br />
  875ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: الفـارض: الهرمة التـي لا تلد.<br />
  876ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الفـارض: الكبـيرة.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ولا بِكْر.<br />
  والبكر من إناث البهائم وبنـي آدم ما لـم يفتـحله الفحل, وهي مكسورة البـاء لـم يسمع منه «فَعَل» ولا «يفعل». وأما «البَكْر» بفتـح البـاء فهو الفتـى من الإبل. وإنـما عنى جل ثناؤه بقوله وَلا بِكْر ولا صغيرة لـم تلد. كما:<br />
  877ـ حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي, قال: حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مـجاهد: وَلا بِكْر صغيرة.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: البكر: الصغيرة.<br />
  878ـ حدثنا أبو كريب قال: حدثنا الـحسن بن عطية, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد, عن ابن عبـاس أو عكرمة شك: ولا بِكْر قال: الصغيرة.<br />
  879ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, عن عطاء الـخراسانـي, عن ابن عبـاس: ولا بِكْر الصغيرة.<br />
  880ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي أبو سفـيان, عن معمر, عن قتادة: ولا بِكْرٌ ولا صغيرة.<br />
   حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَلا بكْرٌ ولا صغيرة ضعيفة.<br />
  881ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع: عن أبـي العالـية: وَلا بِكْرٌ يعنـي ولا صغيرة.<br />
  882ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.<br />
  883ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فـي «البكر» لـم تلد إلا ولدا واحدا.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: عَوَانٌ.<br />
  قال أبو جعفر: العوان: النصف التـي قد ولدت بطنا بعد بطن, ولـيست بنعت للبكر, يقال منه: قد عوّنت إذا صارت كذلك. وإنـما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فـارض ولا بكر بل عوان بـين ذلك. ولا يجوز أن يكون عوان إلا مبتدأ, لأن قوله: بَـيْنَ ذَلِكَ كناية عن الفـارض والبكر, فلا يجوز أن يكون متقدما علـيهما. ومنه قول الأخطل:<br />
 وَما بِـمَكّةَ مِنْ شُمْطٍ مُـحَفّلَةٍوَما بِـيَثْرِبَ مِنْ عُونٍ وأبْكارٍ <br />
  وجمعها عون يقال: امرأة عَوَانٌ من نسوة عُونٍ. ومنه قول تـميـم بن مقبل:<br />
 وَمأتـم كالدّمَى حُورٍ مَدَامِعُهالَـمْ تَبْأسِ العَيْشَ أبْكارا وَلا عُونَا <br />
  وبقرة عوان وبقر عون. قال: وربـما قالت العرب: بقرٌ عُون, مثل رسل يطلبون بذلك الفرق بـين جمع عوان من البقر, وجمع عانة من الـحمر. ويقال: هذه حرب عوان: إذا كانت حربـا قد قوتل فـيها مرّة بعد مرة, يـمثل ذلك بـالـمرأة التـي ولدت بطنا بعد بطن. وكذلك يقال: حالة عوان إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.<br />
  884ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب أن ابن زيد أنشده:<br />
 قُعُود لَدَى الأبْوَابِ طُلاّبُ حاجَةٍعَوَانٍ مِنَ الـحاجاتِ أوْ حاجَةً بِكْرا <br />
  قال أبو جعفر: والبـيت للفرزدق. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك تأوله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.<br />
  885ـ حدثنا علـيّ بن سعد الكندي, حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مـجاهد: عَوَانٌ بـينَ ذلكَ: وسط قد ولدن بطنا أو بطنـين.<br />
   حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: عَوانٌ قال: العوان: العانس النصف.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: العوان: النصف.<br />
  886ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن عطية, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس أو عكرمة, شكّ شريك: عَوَانٌ قال: بـين ذلك.<br />
  887ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: عَوَانٌ قال بـين الصغيرة والكبـيرة, وهي أقوى ما تكون من البقر والدوابّ وأحسن ما تكون.<br />
  888ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, عن عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس: عَوَانٌ قال: النصف.<br />
  889ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: عَوَانٌ نصف.<br />
  890ـ وحدثت عن عمار, عن ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.<br />
  891ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: العوان: نصف بـين ذلك.<br />
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن مـجاهد: عَوَانٌ التـي تنتـج شيئا بشرط أن تكون التـي قد نتـجت بكرة أو بكرتـين.<br />
  892ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: العوان: النصف التـي بـين ذلك, التـي قد ولدت وولد ولدها.<br />
  893ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: العوان: بـين ذلك لـيست ببكر ولا كبـير.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: بَـيْن ذلكَ.<br />
  يعنـي بقوله: بـينَ ذلكَ: بـين البكر والهرمة. كما:<br />
  894ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: بـينَ ذلكَ: أي بـين البكر والهرمة.<br />
  فإن قال قائل: قد علـمت أن «بـين» لا تصلـح إلا أن تكون مع شيئين فصاعدا, فكيف قـيـل بـين ذلك وذلك واحد فـي اللفظ؟ قـيـل: إنـما صلـحت مع كونها واحدة, لأن «ذلك» بـمعنى اثنـين, والعرب تـجمع فـي «ذلك» و«ذاك» شيئين ومعنـيـين من الأفعال, كما يقول القائل: أظنّ أخاك قائما, وكان عمرو أبـاك, ثم يقول: قد كان ذاك, وأظن ذلك. فـيجمع بذلك وذاك الاسم والـخبر الذي كان لا بد ل«ظَنّ» و«كان» منهما. فمعنى الكلام: قال: إنه يقول أنها بقرة لا مسنة هرمة ولا صغيرة لـم تلد, ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن بـين الهرم والشبـاب. فجمع ذلك معنى الهرم والشبـاب لـما وصفنا, ولو كان مكان الفـارض والبكر اسما شخصين لـم يجمع مع بـين ذلك, وذلك أن «ذلك» لا يؤدي عن اسم شخصين, وغير جائز لـمن قال: كنت بـين زيد وعمرو, أن يقول: كنت بـين ذلك, وإنـما يكون ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فـافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ.<br />
  يقول الله لهم جل ثناؤه: افعلوا ما آمركم به تدركوا حاجاتكم وطلبـاتكم عندي, واذبحوا البقرة التـي أمرتكم بذبحها, تصلوا بـانتهائكم إلـى طاعتـي بذبحها إلـى العلـم بقاتل قتـيـلكم.<br />
الآية : 69<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّن لّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لّوْنُهَا تَسُرّ النّاظِرِينَ }<br />
   ومعنى ذلك: قال قوم موسى لـموسى: ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما لَوْنُها: أي لون البقرة التـي أمرتنا بذبحها. وهذا أيضا تعنّت آخر منهم بعد الأول, وتكلّف طلب ما قد كانوا كفوه فـي الـمرة الثانـية والـمسألة الاَخرة وذلك أنهم لـم يكونوا حصروا فـي الـمرة الثانـية, إذ قـيـل لهم بعد مسألتهم عن حلـية البقرة التـي كانوا أمروا بذبحها فأبوا إلا تكلف ما قد كفوه من الـمسألة عن صفتها فحصروا علـى نوع دون سائر الأنواع عقوبة من الله لهم علـى مسألتهم التـي سألوها نبـيهم صلى الله عليه وسلم تعنتا منهم له, ثم لـم يحصرهم علـى لون منها دون لون, فأبوا إلا تكلف ما كانوا عن تكلفه أغنـياء, فقالوا تعنتا منهم لنبـيهم صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن عبـاس: ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيّنُ لَنا ما لَوْنُها فقـيـل لهم عقوبة لهم: إنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها تَسُرّ النّاظِرِينَ فحُصِروا علـى لون منها دون لون, ومعنى ذلك أن البقرة التـي أمرتكم بذبحها صفراء فـاقع لونها.<br />
  قال: ومعنى قوله: يُبَـيّنُ لَنا مَا لَوْنُها أيّ شيء لونها, فلذلك كان اللون مرفوعا, لأنه مرفوع «ما» وإنـما لـم ينصب «ما» بقوله «يبـين لنا», لأن أصل «أيّ» و«ما» جمع متفرّق الاستفهام. يقول القائل: بـين لنا أسوداء هذه البقرة أم صفراء؟ فلـما لـم يكن لقوله «بـيّن لنا» ارتفع علـى الاستفهام منصرفـا (عما) لـم يكن له ارتفع علـى أي لأنه جمع ذلك الـمتفرّق, وكذلك كل ما كان من نظائره, فـالعمل فـيه واحد فـي «ما» و«أي».<br />
  واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله: صَفْرَاءُ فقال بعضهم: معنى ذلك سوداء شديدة السواد. ذكر من قال ذلك منهم:<br />
  895ـ حدثنـي أبو مسعود إسماعيـل بن مسعود الـجحدري, قال: حدثنا نوح بن قـيس, عن مـحمد بن سيف, عن الـحسن: صَفْرَاءُ فَـاقِع لَوْنُهَا قال: سوداء شديدة السواد.<br />
   حدثنـي أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة, والـمثنى بن إبراهيـم قالا: حدثنا مسلـم بن إبراهيـم, قال: حدثنا نوح بن قـيس, عن مـحمد بن سيف, عن أبـي رجاء, عن الـحسن, مثله.<br />
  وقال آخرون: معنى ذلك: صفراء القرن والظلف. ذكر من قال ذلك:<br />
  896ـ حدثنـي هشام بن يونس النهشلـي, قال: حدثنا حفص بن غياث, عن أشعث, عن الـحسن فـي قوله: صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُهَا قال: صفراء القرن والظلف.<br />
  897ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنـي هشيـم, قال: أخبرنا جويبر, عن كثـير بن زياد, عن الـحسن فـي قوله: صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُهَا قال: كانت وحشية.<br />
  898ـ حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا مروان بن معاوية, عن إبراهيـم, عن أبـي حفص, عن مغراء, أو عن رجل, عن سعيد بن جبـير: بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها قال: صفراء القرن والظلف.<br />
  899ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: هي صفراء.<br />
  900ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا الضحاك بن مخـلد, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم.<br />
  قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي قال فـي قوله: صَفْرَاءُ يعنـي به سوداء, ذهب إلـى قوله فـي نعت الإبل السود: هذه إبل صفر, وهذه ناقة صفراء يعنـي بها سوداء. وإنـما قـيـل ذلك فـي الإبل لأن سوادها يضرب إلـى الصفرة, ومنه قول الشاعر:<br />
 تِلْكَ خَيْـلِـي مِنْهَا وَتِلْكَ رِكابِـيهُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ <br />
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:<br />
 هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـيهُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ <br />
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:<br />
 هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـيهُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ <br />
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:<br />
هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـي<br />
هُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ<br />
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:<br />
هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـي<br />
هُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ<br />
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:<br />
هو أسود حالك وحانك وحلككَ رِكابِـي<br />
هُنّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزّبِـيبِ<br />
  يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود, وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر, مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع, وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها, فتقول:<br />
هو أسود حالك وحانك وحلكيْهِ الوَرْدَ حَتـى تَرَكْتُهُ<br />
ذلِـيلاً يَسُفّ التّرْبَ وَاللّوْنُ فَـاقِعُ<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: تَسُرّ النّاظِرِينَ.<br />
  يعنـي بقوله: تَسُرّ النّاظِرِينَ تعجب هذه البقرة فـي حسن خـلقها ومنظرها وهيئتها الناظر إلـيها. كما:<br />
  901ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: تَسُرّ النّاظِرِينَ أي تعجب الناظرين.<br />
  902ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبـا: تَسُرّ النّاظِرِينَ إذا نظرت إلـيها يخيـل إلـيك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.<br />
  903ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: تَسُرّ النّاظِرِينَ قال: تعجب الناظرين.<br />
</font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=227938</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة 62-63-64-65</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=227244&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Fri, 13 Nov 2009 13:10:48 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 62
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالنّصَارَىَ وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
   قال أبو جعفر: أما الذين آمنوا فهم الـمصدّقون رسول الله فـيـما أتاهم به من الـحقّ من عند الله, وإيـمانهم بذلك: تصديقهم به علـى ما قد بـيناه فـيـما مضى من كتابنا هذا. وأما الذين هادوا, فهم الـيهود, ومعنى هادوا: تابوا, يقال منه: هاد القوم يهودون هَوْدا وهادةً. وقـيـل: إنـما سميت الـيهود يهود من أجل قولهم: إنا هُدْنا إلَـيْكَ.
  799ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاح, عن ابن جريج, قال: إنـما سميت الـيهود من أجل أنهم قالوا: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَالنّصَارَى.
  قال أبو جعفر: والنصارى جمع, واحدهم نَصْران, كما واحد سَكارى سكران, وواحد النّشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده علـى فعلان, فإن جمعه علـى فعالـى إلا أن الـمستفـيض من كلام العرب فـي واحد النصارى نصرانـيّ. وقد حُكي عنهم سماعا «نَصْرَان» بطرح الـياء, ومنه قول الشاعر:
 تَرَاهُ إذَا زَارَ العَشِيّ مُـحَنّفـاويُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ 
  وسمع منهم فـي الأنثى نصرانة, قال الشاعر:
 فكِلْتاهُما خَرّتْ وأسْجَدَ رأسُهاكما سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لـمْ تَـحَنّفِ 
  يقال: أسجد: إذا مال. وقد سمع فـي جمعهم أنصار بـمعنى النصارى, قال الشاعر:
 لَـمّا رأيْتُ نَبَطا أنْصَارَاشَمّرْتُ عَنْ رُكْبَتِـي الإزارَا 
كُنْتُ لَهُمْ مِن النّصَارَى جارَا 
  وهذه الأبـيات التـي ذكرتها تدل علـى أنهم سُموا نصارى لنصرة بعضهم بعضا وتناصرهم بـينهم. وقد قـيـل إنهم سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها «ناصرة».
  800ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج: النصارى إنـما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة.
  ويقول آخرون: لقوله: مَنْ أنْصارِي إلـى اللّهِ.
  وقد ذكر عن ابن عبـاس من طريق غير مرتضى أنه كان يقول: إنـما سميت النصارى نصارى, لأن قرية عيسى ابن مريـم كانت تسمى ناصرة, وكان أصحابه يسمون الناصريـين, وكان يقال لعيسى: الناصري.
  801ـ حدثت بذلك عن هشام بن مـحمد, عن أبـيه, عن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس.
  802ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: إنـما سموا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى ابن مريـم, فهو اسم تسموا به ولـم يؤمروا به.
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: الّذِين قالُوا إنا نَصَارَى قال: تسموا بقرية يقال لها ناصرة, كان عيسى ابن مريـم ينزلها.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: والصّابِئِينَ   قال أبو جعفر: والصابئون جمع صابىء, وهو الـمستـحدث سوى دينه دينا, كالـمرتدّ من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان علـيه إلـى آخر غيره تسميه العرب صابئا, يقال منه: صَبَأ فلان يَصْبَأ صَبْأً, ويقال: صبأت النـجوم: إذا طلعت, وصبأ علـينا فلان موضع كذا وكذا, يعنـي به طلع.
  واختلف أهل التأويـل فـيـمن يـلزمه هذا الاسم من أهل الـملل. فقال بعضهم: يـلزم ذلك كل من خرج من دين إلـى غير دين. وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم. ذكر من قال ذلك:
  803ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعا, عن سفـيان, عن لـيث, عن مـجاهد, قال: الصّابِئُونَ لـيسوا بـيهود ولا نصارى ولا دين لهم.
   حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, عن الـحجاج بن أرطاة, عن القاسم بن أبـي بزة, عن مـجاهد, مثله.
  804ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حجام, عن عنبسة, عن الـحجاج, عن مـجاهد, قال: الصابئون بـين الـمـجوس والـيهود لا تؤكل ذبـائحهم ولا تنكح نساؤهم.
  805ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن حجاج, عن قتادة, عن الـحسن مثل ذلك.
  806ـ حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح: الصابئين بـين الـيهود والـمـجوس لا دين لهم.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
   حدثنا القاسم قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال مـجاهد: الصابئين بـين الـمـجوس والـيهود, لا دين لهم.
  قال ابن جريج: قلت لعطاء: «الصابئين» زعموا أنها قبـيـلة من نـحو السواد لـيسوا بـمـجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك, وقد قال الـمشركون للنبـي صلى الله عليه وسلم: قد صبأ.
  807ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: الصّابِئُون قال: الصابئون: دين من الأديان, كانوا بجزيرة الـموصل يقولون: «لا إلَه إلاّ الله», ولـيس لهم عمل ولا كتاب ولا نبـيّ إلا قول لا إلَه إلاّ الله. قال: ولـم يؤمنوا برسول الله, فمن أجل ذلك كان الـمشركون يقولون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون. يشبهونهم بهم.
  وقال آخرون: هم قوم يعبدون الـملائكة, ويصلون إلـى القبلة. ذكر من قال ذلك:
  808ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان, عن أبـيه, عن الـحسن, قال: حدثنـي زياد: أن الصابئين يصلون إلـى القبلة ويصلون الـخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الـجزية. قال: فخُبّر بعد أنهم يعبدون الـملائكة.
  809ـ وحدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: والصّابِئِين قال: الصابئون قوم يعبدون الـملائكة, ويصلون إلـى القبلة, ويقرؤن الزبور.
  810ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.
  قال أبو جعفر الرازي: وبلغنـي أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الـملائكة, ويقرءون الزبور, ويصلون إلـى القبلة.
  وقال آخرون: بل هم طائفة من أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:
  811ـ حدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا أبـي عن سفـيان, قال: سئل السديّ عن الصابئين فقال: هم طائفة من أهل الكتاب.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ وعمِل صَالِـحا فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهمْ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: مَنْ آمَنَ بِـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ: من صدق وأقرّ بـالبعث بعد الـمـمات يوم القـيامة وعمل صالـحا فأطاع الله, فلهم أجرهم عند ربهم, يعنـي بقوله: فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ فلهم ثواب عملهم الصالـح عند ربهم.
  فإن قال لنا قائل: فأين تـمام قوله: إن الّذينَ آمَنُوا والّذِين هادُوا وَالنّصَارَى والصّابِئين؟ قـيـل: تـمامه جملة قوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ لأن معناه: من آمن منهم بـالله والـيوم الاَخر فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه استغناء بـما ذكر عما ترك ذكره.
  فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟ قـيـل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بـالله والـيوم الاَخر فلهم أجرهم عند ربهم.
  فإن قال: وكيف يؤمن الـمؤمن؟ قـيـل: لـيس الـمعنى فـي الـمؤمن الـمعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلـى دين كانتقال الـيهودي والنصرانـي إلـى الإيـمان, وإن كان قد قـيـل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب علـى إيـمانه بعيسى, وبـما جاء به, حتـى أدرك مـحمدا صلى الله عليه وسلم, فآمن به وصدّقه, فقـيـل لأولئك الذين كانوا مؤمنـين بعيسى وبـما جاء به إذ أدركوا مـحمدا صلى الله عليه وسلم: آمنوا بـمـحمد وبـما جاء به, ولكن معنى إيـمان الـمؤمن فـي هذا الـموضع ثبـاته علـى إيـمانه وتركه تبديـله.
  وأما إيـمان الـيهود والنصارى والصابئين, فـالتصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وبـما جاء به, فمن يؤمن منهم بـمـحمد, وبـما جاء به والـيوم الاَخر, ويعمل صالـحا, فلـم يبدّل ولـم يغير, حتـى توفـي علـى ذلك, فله ثواب عمله وأجره عند ربه, كما وصف جل ثناؤه.
  فإن قال قائل: وكيف قال: فلهم أجرهم عند ربهم, وإنـما لفظ من لفظ واحد, والفعل معه موحد؟ قـيـل: «مَنْ» وإن كان الذي يـلـيه من الفعل موحدا, فإن له معنى الواحد والاثنـين والـجمع والتذكير والتأنـيث, لأنه فـي كل هذه الأحوال علـى هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير, فـالعرب توحد معه الفعل وإن كان فـي معنى جمع للفظه, وتـجمع أخرى معه الفعل لـمعناه, كما قال جل ثناؤه: ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَـمِعُونَ إلَـيْكَ أفأنْتَ تُسْمع الصّمّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُون ومِنهم مَنْ يَنْظُرُ إلَـيْكَ أفأنْتَ تَهْدِي العُمْي وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ فجمع مرة مع من الفعل لـمعناه, ووحد أخرى معه الفعل لأنه فـي لفظ الواحد, كما قال الشاعر:
 ألِـمّا بسَلْـمَى عَنْكما إنْ عَرَضْتُـماوَقُولا لَهَا عُوجي علـى مَنْ تَـخَـلّفُوا 
  فقال: تـخـلفوا, وجعل «من» بـمنزلة الذين. وقال الفرزدق:
 تَعالَ فإنْ عاهَدْتَنِـي لا تـخُونُنِـينَكُنْ مِثْل مَنْ يا ذِئبُ يَصْطَحِبـانِ 
  فثنى يصطحبـان لـمعنى «من». فكذلك قوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ والـيَوْمِ الاَخِرِ فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ ربّهِمْ وحد آمن وعمل صالـحا للفظ من, وجمع ذكرهم فـي قوله: فَلَهُمْ أجْرُهُمْ لـمعناه, لأنه فـي معنى جمع.
  وأما قوله: ولا خَوْفٌ عَلَـيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون فإنه يعنـي به جل ذكره: ولا خوف علـيهم فـيـما قدموا علـيه من أهوال القـيامة, ولا هم يحزنون علـى ما خـلفوا وراءهم من الدنـيا وعيشها عند معاينتهم ما أعدّ الله لهم من الثواب والنعيـم الـمقـيـم عنده.
  ذكر من قال عُنِـي بقوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ: مؤمنوا أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
  812ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السديّ: إنّ الّذِينَ آمَنُوا والّذِينَ هادُوا الآية, قال: نزلت هذه الآية فـي أصحاب سلـمان الفـارسي, وكان سلـمان من جُنْد يْسابور, وكان من أشرافهم, وكان ابن الـملك صديقا له مواخيا, لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه, وكانا يركبـان إلـى الصيد جميعا. فبـينـما هما فـي الصيد إذ رفع لهما بـيت من خبَـاء, فأتـياه فإذا هما فـيه برجل بـين يديه مصحف يقرأ فـيه وهو يبكي, فسألاه ما هذا, فقال: الذي يريد أن يعلـم هذا لا يقـف موقـفكما, فإن كنتـما تريدان أن تعلـما ما فـيه فـانزلا حتـى أعلـمكما, فنزلا إلـيه, فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله, أمر فـيه بطاعته, ونهى عن معصيته, فـيه: أن لا تزنـي, ولا تسرق, ولا تأخذ أموال الناس بـالبـاطل. فقصّ علـيهما ما فـيه, وهو الإنـجيـل الذي أنزله الله علـى عيسى. فوقع فـي قلوبهما وتابعاه فأسلـما, وقال لهما: إن ذبـيحة قومكما علـيكما حرام, فلـم يزالا معه كذلك يتعلـمان منه, حتـى كان عيد للـملك, فجعل طعاما, ثم جمع الناس والأشراف, وأرسل إلـى ابن الـملك فدعاه إلـى صنـيعه لـيأكل مع الناس, فأبى الفتـى وقال: إنـي عنك مشغول, فكل أنت وأصحابك, فلـما أكثر علـيه من الرسل, أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم, فبعث الـملك إلـى ابنه, فدعاه وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبـائحكم, إنكم كفـار لـيس تـحلّ ذبـائحكم, فقال له الـملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك, فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابنـي؟ قال: صدق ابنك, قال له: لولا أن الدم فـينا عظيـم لقتلتك, ولكن اخرج من أرضنا فأجّله أجلاً. فقال سلـمان: فقمنا نبكي علـيه, فقال لهما: إن كنتـما صادقـين, فإنا فـي بـيعة بـالـموصل مع ستـين رجلاً نعبد الله فـيها, فأتونا فـيها. فخرج الراهب, وبقـي سلـمان وابن الـملك فجعل يقول لابن الـملك: انطلق بنا, وابن الـملك يقول: نعم, وجعل ابن الـملك يبـيع متاعه يريد الـجهاز. فلـما أبطأ علـى سلـمان, خرج سلـمان حتـى أتاهم, فنزل علـى صاحبه وهو ربّ البـيعة, وكان أهل تلك البـيعة من أفضل الرهبـان, فكان سلـمان معهم يجتهد فـي العبـادة, ويتعب نفسه, فقال له الشيخ: إنك غلام حدث تتكلف من العبـادة ما لا تطيق, وأنا خائف أن تفتر وتعجز, فـارفق بنفسك وخفف علـيها فقال له سلـمان: أرأيت الذي تأمرنـي به أهو أفضل, أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنع؟ قال: فخـلّ عنـي. ثم إن صاحب البـيعة دعاه فقال: أتعلـم أن هذه البـيعة لـي, وأنا أحقّ الناس بها, ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت؟ ولكنـي رجل أضعف عن عبـادة هؤلاء, وأنا أريد أن أتـحوّل من هذه البـيعة إلـى بـيعة أخرى هم أهون عبـادة من هؤلاء, فإن شئت أن تقـيـم ههنا فأقم, وإن شئت أن تنطلق معي فـانطلق. قال له سلـمان: أيّ البـيعتـين أفضل أهلاً؟ قال: هذه. قال سلـمان: فأنا أكون فـي هذه. فأقام سلـمان بها وأوصى صاحب البـيعة عالـم البـيعة بسلـمان, فكان سلـمان يتعبد معهم, ثم إن الشيخ العالـم أراد أن يأتـي بـيت الـمقدس, فقال لسلـمان: إن أردت أن تنطلق معي فـانطلق, وإن شئت أن تقـيـم فأقم. فقال له سلـمان: أيهما أفضل أنطلق معك أم أقـيـم؟ قال: لا بل تنطلق معي. فـانطلق معه فمرّوا بـمقعد علـى ظهر الطريق ملقـى, فلـما رآهما نادى: يا سيد الرهبـان ارحمنـي يرحمك الله, فلـم يكلـمه, ولـم ينظر إلـيه, وانطلقا حتـى أتـيا بـيت الـمقدس, فقال الشيخ لسلـمان: اخرج فـاطلب العلـم فإنه يحضر هذا الـمسجد علـماء أهل الأرض. فخرج سلـمان يسمع منهم, فرجع يوما حزينا, فقال له الشيخ: مالك يا سلـمان؟ قال: أرى الـخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبـياء وأتبـاعهم, فقال له الشيخ: يا سلـمان لا تـحزن, فإنه قد بقـي نبـيّ لـيس من نبـيّ بأفضل تبعا منه وهذا زمانه الذي يخرج فـيه, ولا أرانـي أدركه, وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه, وهو يخرج فـي أرض العرب, فإن أدركته فآمن به واتبعه فقال له سلـمان: فأخبرنـي عن علامته بشيء. قال: نعم, هو مختوم فـي ظهره بخاتـم النبوّة, وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتـى بلغا مكان الـمقعد, فناداهما فقال: يا سيد الرهبـان ارحمنـي يرحمك الله, فعطف إلـيه حماره, فأخذ بـيده فرفعه, فضرب به الأرض ودعا له, وقال: قم بإذن الله, فقام صحيحا يشتدّ, فجعل سلـمان يتعجب وهو ينظر إلـيه يشتدّ. وسار الراهب فتغيب عن سلـمان ولا يعلـم سلـمان. ثم إن سلـمان فزع فطلب الراهب, فلقـيه رجلان من العرب من كلب فسألهما: هل رأيتـما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته, قال: نعم راعي الصّرْمة هذا, فحمله فـانطلق به إلـى الـمدينة. قال سلـمان: فأصابنـي من الـحزن شيء لـم يصبنـي مثله قط. فـاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى علـيها هو وغلام لها يتراوحان الغنـم هذا يوما وهذا يوما, فكان سلـمان يجمع الدراهم ينتظر خروج مـحمد صلى الله عليه وسلم. فبـينا هو يوما يرعى, إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه, فقال: أشعرت أنه قد قدم الـيوم الـمدينة رجل يزعم أنه نبـيّ؟ فقال له سلـمان: أقم فـي الغنـم حتـى آتـيك. فهبط سلـمان إلـى الـمدينة, فنظر إلـى النبـي صلى الله عليه وسلم ودار حوله, فلـما رآه النبـي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد, فأرسل ثوبه, حتـى خرج خاتـمه, فلـما رآه أتاه وكلـمه, ثم انطلق, فـاشترى بدينار ببعضه شاة وببعضه خبزا, ثم أتاه به, فقال: «ما هذا؟» قال سلـمان: هذه صدقة قال: «لا حاجة لـي بها فأخْرِجْها فلـيأْكُلْها الـمسلـمون». ثم انطلق فـاشترى بدينار آخر خبزا ولـحما, فأتـى به النبـيّ صلى الله عليه وسلم, فقال: «ما هذا؟» قال: هذه هدية, قال: «فـاقْعُدْ», فقعد فأكلا جميعا منها. فبـينا هو يحدّثه إذ ذكر أصحابه, فأخبره خبرهم, فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك, ويشهدون أنك ستبعث نبـيا فلـما فرغ سلـمان من ثنائه علـيهم قال له نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: «يا سَلْـمانُ هُمْ مِنْ أهْلِ النّارِ». فـاشتدّ ذلك علـى سلـمان, وقد كان قال له سلـمان: لو أدركوك صدّقوك واتبعوك, فأنزل الله هذه الآية: إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هادُوا وَالنّصَارَى والصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ.
  فكان إيـمان الـيهود أنه من تـمسك بـالتوراة وسنة موسى حتـى جاء عيسى, فلـما جاء عيسى كان من تـمسك بـالتوراة وأخذ بسنة موسى فلـم يدعها ولـم يتبع عيسى كان هالكا. وإيـمان النصارى أنه من تـمسك بـالإنـجيـل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولاً منه, حتـى جاء مـحمد صلى الله عليه وسلم, فمن لـم يتبع مـحمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان علـيه من سنة عيسى والإنـجيـل كان هالكا.
  813ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هادُوا الآية. قال سلـمان الفـارسي للنبـي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم, قال: لـم يـموتوا علـى الإسلام. قال سلـمان: فأظلـمت علـيّ الأرض. وذكر اجتهادهم, فنزلت هذه الآية, فدعا سلـمان فقال: «نزلت هذه الآية فـي أصحابك». ثم قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ علـى دِينِ عِيسَى ومات علـى الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِـي فَهُوَ علـى خَيْرٍ وَمَنْ سَمِعَ بِـي الـيَوْمَ وَلَـمْ يُؤْمِنْ بِـي فَقَدْ هَلَكَ».
  وقال ابن عبـاس بـما:
  814ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: إنّ الّذِينَ آمَنُوا والذِين هادُوا وَالنّصَارَى وَالصّابِئِينَ إلـى قوله: ولا هُمْ يَحْزَنُونَ. فأنزل الله تعالـى بعد هذا: وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِـي الاَخِرَةِ مِنَ الـخَاسِرِينَ. وهذا الـخبر يدلّ علـى أن ابن عبـاس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالـحا من الـيهود والنصارى والصابئين علـى عمله فـي الاَخرة الـجنة, ثم نسخ ذلك بقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.
  فتأويـل الآية إذا علـى ما ذكرنا عن مـجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة, والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من الـيهود والنصارى والصابئين بـالله والـيوم الاَخر, فلهُمْ أجرُهمْ عندَ ربهمْ ولاَ خَوْفٌ علـيهِمْ ولاَ هُمْ يحزَنُونَ.
  والذي قلنا من التأويـل الأول أشبه بظاهر التنزيـل, لأن الله جل ثناؤه لـم يخصص بـالأجر علـى العمل الصالـح مع الإيـمان بعض خـلقه دون بعض منهم, والـخبر بقوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ عن جميع ما ذكر فـي أول الآية.
الآية :63
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
    {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ }
   قال أبو جعفر: الـميثاق: الـمفعال من الوثـيقة إما بـيـمين, وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق.
  ويعنـي بقوله: وَأذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ الـميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم فـي قوله: وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرائيـلَ لاَ تَعْبُدُونَ إلاّ اللّهَ وَبـالْوَالِدَيْنِ إحْسانا الاَيات الذي ذكر معها. وكان سبب أخذ الـميثاق علـيهم فـيـما ذكره ابن زيد ما:
  815ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: لـما رجع موسى من عند ربه بـالألواح قال لقومه بنـي إسرائيـل: إن هذه الألواح فـيها كتاب الله, وأمره الذي أمركم به, ونهيه الذي نهاكم عنه, فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتـى نرى الله جهرة حتـى يطلع الله علـينا فـيقول: هذا كتابـي فخذوه فما له لا يكلـمنا كما كلـمك أنت يا موسى فـيقول: هذا كتابـي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة فصعقتهم, فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم, فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فقالوا: لا, قال: أيّ شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيـينا, قال: خذوا كتاب الله قالوا: لا. فبعث ملائكته فنتقت الـجبل فوقهم, فقـيـل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم, هذا الطور, قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه علـيكم قال: فأخذوه بـالـميثاق. وقرأ قول الله: وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ لا تَعْبُدونَ إلاّ اللّهَ وَبـالوَالِدَيْنِ إحْسانا حتـى بلغ: وَما اللّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ قال: ولو كانوا أخذوه أوّل مرّة لأخذوه بغير ميثاق.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّورَ.
  قال أبو جعفر: وأما الطور فإنه الـجبل فـي كلام العرب, ومنه قول العجاج:
 دَانَى جنَاحَيْهِ مِنَ الطّورِ فَمَرّتَقَضّيَ البـازِي إذا البـازِي كَسَرْ 
  وقـيـل إنه اسم جبل بعينه. وذكر أنه الـجبل الذي ناجى الله علـيه موسى. وقـيـل: إنه من الـجبـال ما أنبت دون ما لـم ينبت. ذكر من قال: هو الـجبل كائنا ما كان.
  816ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا البـاب سجدا ويقولوا حطة وطؤطىء لهم البـاب لـيسجدوا, فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أدبـارهم, وقالوا حنطة. فنتق فوقهم الـجبل يقول: أخرج أصل الـجبل من الأرض فرفعه فوقهم كالظلة, والطور بـالسريانـية: الـجبل تـخويفـا أو خوفـا, شك أبو عاصم فدخـلوا سُجّدا علـى خوف وأعينهم إلـى الـجبل, وهو الـجبل الذي تـجلـى له ربه.
  817ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: رفع الـجبل فوقهم كالسحابة, فقـيـل لهم: لتؤمننّ أو لـيقعنّ علـيكم, فآمنوا. والـجبل بـالسريانـية: الطور.
  818ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وإذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّورَ قال: الطور: الـجبل, كانوا بأصله فرفع علـيهم فوق رءوسهم, فقال: لتأخذُنّ أمري أو لأرمينكم به.
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّورَ قال: الطور: الـجبل اقتلعه الله فرفعه فوقهم, فقال: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ فأقرّوا بذلك.
  819ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر عن الربـيع, عن أبـي العالـية: ورفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّور قال: رفع فوقهم الـجبل يخوّفهم به.
  820ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـيّ, عن النضر, عن عكرمة, قال: الطور: الـجبل.
  821ـ وحدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: لـما قال الله لهم: ادْخُـلُوا البـاب سُجدا وقُولُوا حِطّة فأبوا أن يسجدوا أمر الله الـجبل أن يقع علـيهم, فنظروا إلـيه وقد غشيهم, فسقطوا سجدا علـى شقّ, ونظروا بـالشق الاَخر. فرحمهم الله, فكشفه عنهم. فذلك قوله: وإذْ نَتَقْنَا الـجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأنّهُ ظُلّة وقوله: ورفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّور.
  822ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الـجبل بـالسريانـية: الطور.
  وقال آخرون: الطور: اسم للـجبل الذي ناجى الله موسى علـيه. ذكر من قال ذلك:
  823ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس الطور: الـجبل الذي أنزلت علـيه التوراة, يعنـي علـى موسى, وكانت بنو إسرائيـل أسفل منه.
  قال ابن جريج: وقال لـي عطاء: رفع الـجبل علـى بنـي إسرائيـل فقال: لتؤمننّ به أو لـيقعن علـيكم, فذلك قوله: كأنّهُ ظُلّة.
  وقال آخرون: الطور من الـجبـال: ما أنبت خاصة. ذكر من قال ذلك:
  824ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: الطّورَ قال: الطور من الـجبـال: ما أنبت, وما لـم ينبت فلـيس بطور.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بقُوّةٍ.
  قال أبو جعفر: اختلف أهل العربـية فـي تأويـل ذلك, فقال بعض نـحويـي أهل البصرة: هو مـما استغنـي بدلالة الظاهر الـمذكور عما ترك ذكره له, وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم خذوا ما آتـيناكم بقوة, وإلا قذفناه علـيكم.
  وقال بعض نـحويـي أهل الكوفة: أخذ الـميثاق قول فلا حاجة بـالكلام إلـى إضمار قول فـيه, فـيكون من كلامين غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بـمعنى القول أن يكون معه أن كما قال الله جل ثناؤه: إنّا أرْسَلْنا نُوحا إلـى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ قال: ويجوز أن تـحذف أن.
  والصواب فـي ذلك عندنا أن كل كلام نطق به مفهوم به معنى ما أريد ففـيه الكفـاية من غيره, ويعنـي بقوله: خُذُوا ما آتَـيْناكُمْ: ما أمرناكم به فـي التوراة, وأصل الإيتاء: الإعطاء. ويعنـي بقوله: بِقُوّةٍ بجدّ فـي تأدية ما أمركم فـيه وافترض علـيكم. كما:
  825ـ حدثت عن إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا ابن عيـينة, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: تعملوا بـما فـيه.
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
  826ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: خُذُوا مَا آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: بطاعة.
  827ـ وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: القوّة: الـجدّ, وإلا قذفته علـيكم. قال: فأقرّوا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوّة.
  828ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: بِقُوةً: يعنـي بجدّ واجتهاد.
  829ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد وسألته عن قول الله: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحقّ.
  فتأويـل الآية إذا: خذوا ما افترضناه علـيكم فـي كتابنا من الفرائض فـاقبلوه واعملوا بـاجتهاد منكم فـي أدائه من غير تقصير ولا توان. وذلك هو معنى أخذهم إيّاه بقوّة بجدّ.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَاذْكُرُوا ما فِـيهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ.
  قال أبو جعفر: يعنـي: واذكروا ما فـيـما آتـيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد وترغيب وترهيب, فـاتلوه واعتبروا به وتَدبّرُوه إذا فعلتـم ذلك كي تتقوا وتـخافوا عقابـي بإصراركم علـى ضلالكم فتنتهوا إلـى طاعتـي وتنزّعوا عما أنتـم علـيه من معصيتـي. كما:
  830ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة عن ابن عبـاس: لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ قال: تنزعون عما أنتـم علـيه.
  والذي آتاهم الله هو التوراة. كما:
  831ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَاذْكُرُوا ما فِـيهِ يقول: اذكروا ما فـي التوراة.
  832ـ كما حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: اذْكُرُوا ما فِـيهِ يقول: أمروا بـما فـي التوراة.
   وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألت ابن زيد عن قول الله: وَذْكُرُوا ما فِـيهِ قال: اعملوا بـما فـيه طاعةٍ لله وصدق, قال: وقال اذكروا ما فـيه لا تنسوه ولا تُغفلوه.
الآية : 64
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {ثُمّ تَوَلّيْتُمْ مّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مّنَ الْخَاسِرِينَ }
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: ثُمّ تَوَلّـيْتُـمْ ثم أعرضتـم. وإنـما هو «تفعّلتـم» من قولهم: ولانـي فلان دبره: إذا استدبر عنه وخـلفه خـلف ظهره, ثم يستعمل ذلك فـي كل تارك طاعة أمر بها عزّ وجل معرض بوجهه, يقال: قد تولـى فلان عن طاعة فلان, وتولـى عن مواصلته. ومنه قول الله جل ثناؤه: فَلَـمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بخِـلُوا بِهِ وَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون يعنـي بذلك: خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ الصّالِـحِينَ ونبذوا ذلك وراء ظهورهم, ومن شأن العرب استعارة الكلـمة ووضعها مكان نظيرها, كما قال أبو ذؤيب الهذلـي:
 فَلَـيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يا أُمّ مالِكٍولَكِنْ أحاطَتْ بـالرّقابِ السّلاسِلُ 
 وَعادَ الفَتَـى كالكَهْلِ لَـيْسَ بقائِلٍسِوَى الـحَقّ شَيْئا واسْتَرَاح العَواذِلُ 
  يعنـي بقوله: «أحاطت بـالرقاب السلاسل» أن الإسلام صار فـي منعه إيانا ما كنا نأتـيه فـي الـجاهلـية مـما حرّمه الله علـينا فـي الإسلام بـمنزلة السلاسل الـمـحيطة برقابنا التـي تـحول بـين من كانت فـي رقبته مع الغلّ الذي فـي يده وبـين ما حاول أن يتناوله. ونظائر ذلك فـي كلام العرب أكثر من أن تـحصى, فكذلك قوله: ثُمّ تَولـيْتُـمْ مِنْ بَعْدِ ذلك يعنـي بذلك أنكم تركتـم العمل بـما أخذنا ميثاقكم وعهودكم علـى العمل به بجدّ واجتهاد بعد إعطائكم ربكم الـمواثـيق علـى العمل به والقـيام بـما أمركم به فـي كتابكم فنبذتـموه وراء ظهوركم. وكنـي بقوله جلّ ذكره: «ذلك» عن جميع ما قبله فـي الآية الـمتقدمة, أعنـي قوله: وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ورفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّور.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ذكره: فَلَوْلاَ فَضْل اللّهِ عَلَـيْكُمْ فلولا أن الله تفضل علـيكم بـالتوبة بعد نكثكم الـميثاق الذي واثقتـموه, إذ رفع فوقكم الطور, بأنكم تـجتهدون فـي طاعته, وأداء فرائضه, والقـيام بـما أمركم به, والانتهاء عما نهاكم عنه فـي الكتاب الذي آتاكم, فأنعم علـيكم بـالإسلام ورحمته التـي رحمكم بها, وتـجاوز عنكم خطيئتكم التـي ركبتـموها بـمراجعتكم طاعة ربكم لكنتـم من الـخاسرين. وهذا وإن كان خطابـا لـمن كان بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنـما هو خبر عن أسلافهم, فأخرج الـخبر مخرج الـمخبر عنهم علـى نـحو ما قد بـينا فـيـما مضى من أن القبـيـلة من العرب تـخاطب القبـيـلة عند الفخار أو غيره بـما مضى من فعل أسلاف الـمخاطب بأسلاف الـمخاطب, فتضيف فعل أسلاف الـمخاطب إلـى نفسها, فتقول: فعلنا بكم, وفعلنا بكم. وقد ذكرنا بعض الشواهد فـي ذلك من شعرهم فـيـما مضى.
  وقد زعم بعضهم أن الـخطاب فـي هذه الاَيات إنـما أخرج بإضافة الفعل إلـى الـمخاطبـين به والفعل لغيرهم لأن الـمخاطبـين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بنـي إسرائيـل, فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.
  وقال بعضهم: إنـما قـيـل ذلك كذلك, لأن سامعيه كانوا عالـمين, وإن كان الـخطاب خرج خطابـا للأحياء من بنـي إسرائيـل وأهل الكتاب إذ الـمعنى فـي ذلك إنـما هو خبر عما قصّ الله من أنبـاء أسلافهم, فـاستغنى بعلـم السامعين بذلك عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثّل ذلك بقول الشاعر:
 إذَا ما انْتَسَبْنا لَـمْ تَلِدْنِـي لَئِيـمَةٌولَـمْ تَـجِدِي مِنْ أنْ تُقِرّي بِهِ بُدّا 
  فقال: «إذا ما انتسبنا», و«إذا» تقتضي من الفعل مستقبلاً. ثم قال: «لـم تلدنـي لئيـمة», فأخبر عن ماض من الفعل, وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنـما فعل ذلك عند الـمـحتـجّ به لأن السامع قد فهم معناه, فجعل ما ذكرنا من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإضافة أفعال أسلافهم إلـيهم نظير ذلك. والأول الذي قلنا هو الـمستفـيض من كلام العرب وخطابها. وكان أبو العالـية يقول فـي قوله: فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فـيـما ذكر لنا نـحو القول الذي قلناه.
  833ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو النضر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ قال: فضل الله: الإسلام, ورحمته: القرآن.
  834ـ وحدثت عن عمار, حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بـمثله.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: لَكُنْتُـمْ مِنَ الـخاسِرِينَ.
  قال أبو جعفر: فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ إياكم بـانقاذه إياكم بـالتوبة علـيكم من خطيئتكم وجرمكم, لكنتـم البـاخسين أنفسكم حظوظها دائما, الهالكين بـما اجترمتـم من نقض ميثاقكم وخلافكم أمره وطاعته. وقد تقدم بـياننا قبل بـالشواهد عن معنى الـخسار بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.
الآية : 65
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ }
   يعنـي بقوله: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمْ ولقد عرفتـم, كقولك: قد علـمت أخاك ولـم أكن أعلـمه, يعنـي عرفته ولـم أكن أعرفه, كما قال جل ثناؤه: وآخَرِين مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَـمُونَهُمْ اللّهُ يَعْلَـمُهُمْ يعنـي: لا تعرفونهم الله يعرفهم. وقوله: الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ أي الذين تـجاوزوا حدى وركبوا ما نهيتهم عنه فـي يوم السبت وعصوا أمري. وقد دللت فـيـما مضى علـى أن الاعتداء أصله تـجاوز الـحدّ فـي كل شيء بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.
  قال: وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها, مـما عدّد جل ثناؤه فـيها علـى بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين خلال دور الأنصار زمان النبـي صلى الله عليه وسلم الذين ابتدأ بذكرهم فـي أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه ما كانوا يبرمون من العقود, وحذّر الـمخاطبـين بها أن يحلّ بهم بإصرارهم علـى كفرهم ومقامهم علـى جحود نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم وتركهم أتبـاعه والتصديق بـما جاءهم به من عند ربه مثل الذي حلّ بأوائلهم من الـمسخ والرّجْف والصّعْق, وما لا قِبَل لهم به من غضب الله وسخطه. كالذي:
  835ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الذِينَ اعْتَدَوْا مِنُكُمْ فِـي السّبْتِ يقول: ولقد عرفتـم وهذا تـحذير لهم من الـمعصية, يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصونـي, اعتدوا يقول اجترءوا فـي السبت. قال: لـم يبعث الله نبـيا إلا أمره بـالـجمعة وأخبره بفضلها وعظمها فـي السموات وعند الـملائكة, وأن الساعة تقوم فـيها, فمن اتبع الأنبـياء فـيـما مضى كما اتبعت أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم مـحمدا قبل الـجمعة وسمع وأطاع وعرف فضلها وثبت علـيها بـما أمره الله تعالـى به ونبـيه صلى الله عليه وسلم, ومن لـم يفعل ذلك كان بـمنزلة الذين ذكر الله فـي كتابه, فقال: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمْ الّذِينَ اعْتَدُوا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنا لهُمْ كُونُوا قِردَةً خاسِئِينَ. وذلك أن الـيهود قالت لـموسى حين أمرهم بـالـجمعة وأخبرهم بفضلها: يا موسى كيف تأمرنا بـالـجمعة وتفضلها علـى الأيام كلها, والسبت أفضل الأيام كلها لأن الله خـلق السموات والأرض والأقوات فـي ستة أيام وسَبَت له كل شيء مطيعا يوم السبت, وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريـم حين أمرهم بـالـجمعة, قالوا له: كيف تأمرنا بـالـجمعة, وأوّل الأيام أفضلها وسيدها, والأول أفضل, والله واحد, والواحد الأول أفضل؟ فأوحى الله إلـى عيسى أن دعهم والأحد, ولكن لـيفعلوا فـيه كذا وكذا مـما أمرهم به. فلـم يفعلوا, فقصّ الله تعالـى قصصهم فـي الكتاب بـمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لـموسى حين قالت له الـيهود ما قالوا فـي أمر السبت: أن دعهم والسبت فلا يصيدوا فـيه سمكا ولا غيره, ولا يعملون شيئا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الـحيتان علـى الـماء فهو قوله: إذْ تأتِـيهمْ حِيتانُهُمْ يَوْم سَبتِهمْ شُرّعا يقول: ظاهرة علـى الـماء, ذلك لـمعصيتهم موسى. وإذا كان غير يوم السبت صارت صيدا كسائر الأيام, فهو قوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تأتِـيهِمْ. ففعلت الـحيتان ذلك ما شاء الله فلـما رأوها كذلك طمعوا فـي أخذها وخافوا العقوبة, فتناول بعضهم منها فلـم تـمتنع علـيه, وحذر العقوبة التـي حذّرهم موسى من الله تعالـى. فلـما رأوا أن العقوبة لا تـحلّ بهم عادوا وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولـم يصبهم شيء, فكثروا فـي ذلك وظنوا أن ما قال لهم موسى كان بـاطلاً, وهو قول الله جل ثناؤه: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خاسِئِينَ يقول لهؤلاء الذين صادوا السمك, فمسخهم الله قردة بـمعصيتهم, يقول: إذا لـم يحيوا فـي الأرض إلا ثلاثة أيام, ولـم تأكل, ولـم تشرب, ولـم تنسل, وقد خـلق الله القردة والـخنازير وسائر الـخـلق فـي الستة الأيام التـي ذكر الله فـي كتابه, فمسخ هؤلاء القوم فـي صورة القردة, وكذلك يفعل بـمن شاء كما يشاء, ويحوّله كما يشاء.
  836ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, قال: حدثنا مـحمد بن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس, قال: قال ابن عبـاس: إن الله إنـما افترض علـى بنـي إسرائيـل الـيوم الذي افترض علـيكم فـى عيدكم يوم الـجمعة, فخالفوا إلـى السبت فعظموه وتركوا ما أمروا به, فلـما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فـيه, فحرّم علـيهم ما أحلّ لهم فـي غيره. وكانوا فـي قرية بـين أيـلة والطور يقال لها «مَدْيَن», فحرّم الله علـيهم فـي السبت الـحيتان صيدها وأكلها, وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إلـيهم شُرّعا إلـى ساحل بحرهم, حتـى إذا ذهب السبت ذهبن, فلـم يروا حوتا صغيرا ولا كبـيرا. حتـى إذا كان يوم السبت أتـين إلـيهم شرّعا, حتـى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك, حتـى إذا طال علـيهم الأمد وقَرِموا إلـى الـحيتان, عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرّا يوم السبت فخَزَمه بخيط, ثم أرسله فـي الـماء, وأوتَد له وتدا فـي الساحل, فأوثقه ثم تركه. حتـى إذا كان الغد جاء فأخذه أي إنـي لـم آخذه فـي يوم السبت, ثم انطلق به فأكله. حتـى إذا كان يوم السبت الاَخر عاد لـمثل ذلك. ووجد الناس ريح الـحيتان. فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الـحيتان. ثم عثروا علـى ما صنع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل, وأكلوا سرّا زمانا طويلاً لـم يعجل الله علـيهم بعقوبة حتـى صادوها علانـية وبـاعوها بـالأسواق, وقالت طائفة منهم من أهل التقـية: ويحكم اتقوا الله ونهوهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفة أخرى لـم تأكل الـحيتان ولـم تنه القوم عما صنعوا: لِـمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أو مُعَذّبُهُمْ عَذَابـا شَدِيدا قالُوا مَعْذِرة إلـى ربّكُمْ لسخطنا أعمالهم ولعلهم يتقون.
  قال ابن عبـاس: فبـينـما هم علـى ذلك أصبحت تلك البقـية فـي أنديتهم ومساجدهم, وفقدوا الناس فلا يرونهم, فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا فـانظروا ما هو فذهبوا ينظرون فـي دورهم, فوجدوها مغلقة علـيهم, قد دخـلوا لـيلاً فغلقوها علـى أنفسهم كما تغلق الناس علـى أنفسهم, فأصبحوا فـيها قردة, إنهم لـيعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد, والـمرأة بعينها وإنها لقردة, والصبـي بعينه وإنه لقرد.
  قال: يقول ابن عبـاس: فلولا ما ذكر الله أنه أنـجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الـجميع منهم. قالوا: وهي القرية التـي قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: واسألْهُمْ عنِ القَرْيَةِ الّتِـي كانَتْ حاضرةَ البَحْرِ الآية.
  837ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِين اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قردة خاسِئِينَ أحلت لهم الـحيتان وحرمت علـيهم يوم السبت بلاءً من الله لـيعلـم من يطيعه مـمن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونهى عن الـمعصية, وأما صنف فأمسك عن حرمة الله, وأما صنف فـانتهك حرمة الله ومرَد علـى الـمعصية, فلـما أبوا إلا الاعتداء إلـى ما نهوا عنه, قال الله لهم: كُونُوا قِرَدَة خاسِئِينَ فصاروا قردة لها أذنابٌ, تَعَاوَى, بعد ما كانوا رجالاً ونساء.
  838ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أنا معمر, عن قتادة فـي قوله: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْت قال: نُهوا عن صيد الـحيتان يوم السبت, فكانت تشرع إلـيهم يوم السبت, وبُلوا بذلك فـاعتدوا فـاصطادوها, فجعلهم الله قردة خاسئين.
  839ـ حدثنـي موسى قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: ولَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِين اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فـي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِردة خاسِئِينَ قال: فهم أهل أيـلة, وهي القرية التـي كانت حاضرة البحر. فكانت الـحيتان إذا كان يوم السبت وقد حرّم الله علـى الـيهود أن يعملوا فـي السبت شيئا لـم يبق فـي البحر حوت إلا خرج حتـى يخرجن خراطيـمهن من الـماء, فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلـم ير منهن شيء حتـى يكون يوم السبت. فذلك قوله: وَاسألْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الّتِـي كانَتْ حاضِرَة البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِـي السّبْتِ إذْ تأتِـيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرّعا ويَوْمَ لا يَسْبِتُون لا تأتِـيهِمْ. فـاشتهى بعضهم السمك, فجعل الرجل يحفر الـحفـيرة ويجعل لها نهرا إلـى البحر, فإذا كان يوم السبت فتـح النهر, فأقبل الـموج بـالـحيتان يضربها حتـى يـلقـيها فـي الـحفـيرة, ويريد الـحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر, فـيـمكث, فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السمك, فـيجد جاره ريحه, فـيسأله فـيخبره فـيصنع مثل ما صنع جاره. حتـى إذا فشا فـيهم أكل السمك قال لهم علـماؤهم: ويحكم إنـما تصطادون السمك يوم السبت, وهو لا يحلّ لكم فقالوا: إنـما صدناه يوم الأحد حين أخذناه, فقال الفقهاء: لا, ولكنكم صدتـموه يوم فتـحتـم له الـماء فدخـل فقالوا: لا. وعتوا أن ينتهوا, فقال بعض الذين نهوهم لبعض: لِـمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابـا شَدِيدا يقول: لـم تعظونهم وقد وعظتـموهم فلـم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: مَعْذِرةً إلَـى رَبّكُمْ ولعلّهم يَتّقُون. فلـما أبوا قال الـمسلـمون: والله لا نساكنكم فـي قرية واحدة فقسموا القرية بجدار, ففتـح الـمسلـمون بـابـا والـمعتدون فـي السبت بـابـا, ولعنهم داود. فجعل الـمسلـمون يخرجون من بـابهم والكفـار من بـابهم فخرج الـمسلـمون ذات يوم ولـم يفتـح الكفـار بـابهم, فلـما أبطئوا علـيهم تسوّر الـمسلـمون علـيهم الـحائط, فإذا هم قردة يثب بعضهم علـى بعض, ففتـحوا عنهم فذهبوا فـي الأرض. فذلك قول الله عز وجل: فَلَـمّا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فذلك حين يقول: لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ فهم القردة.
  840ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ قال: لـم يـمسخوا إنـما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الـحمار يحمل أسفـارا.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خَاسِئِينَ قال: مسخت قلوبهم, ولـم يـمسخوا قردة, وإنـما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الـحمار يحمل أسفـارا.
  وهذا القول الذي قاله مـجاهد قول لظاهر ما دل علـيه كتاب الله مخالف, وذلك أن الله أخبر فـي كتابه أنه جعل منهم القردة والـخنازير وعبد الطاغوت, كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبـيـم: أرِنا اللّهَ جَهْرَةً وأن الله تعالـى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم وأنهم عبدوا العجل, فجعل توبتهم قتل أنفسهم, وأنهم أُمروا بدخول الأرض الـمقدسة, فقالوا لنبـيهم: اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ فـابتلاهم بـالتـيه. فسواء قال قائل: هم لـم يـمسخهم قردة, وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير, وآخر قال: لـم يكن شيء مـما أخبر الله عن بنـي إسرائيـل أنه كان منهم من الـخلاف علـى أنبـيائهم والعقوبـات والأنكال التـي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئا من ذلك وأقرّ بآخر منه, سئل البرهان علـى قوله وعورض فـيـما أنكر من ذلك بـما أقرّ به, ثم يسأل الفرق من خبر مستفـيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مـجاهد قول جميع الـحجة التـي لا يجوز علـيها الـخطأ والكذب فـيـما نقلته مـجمعة علـيه, وكفـى دلـيلاً علـى فساد قول إجماعها علـى تـخطئته.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خاسِئِينَ.
  يعنـي بقوله: فَقُلْنَا لَهُمْ أي فقلنا للذين اعتدوا فـي السبت يعنـي فـي يوم السبت. وأصل السبت الهدوّ السكون فـي راحة ودعة, ولذلك قـيـل للنائم مسبوت لهدوّه وسكون جسده واستراحته, كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُبـاتا أي راحة لأجسادكم, وهو مصدر من قول القائل: سبت فلان يسبُتُ سَبْتا. وقد قـيـل إنه سمي سبتا لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الـجمعة, وهو الـيوم الذي قبله, من خـلق جميع خـلقه.
  وقوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِين أي صيروا كذلك. والـخاسىء: الـمبعد الـمطرود كما يخسأ الكلب, يقال منه: خسأته أخسؤه خَسْأً وخُسوءا, وهو يخسأ خُسوءا, قال: ويقال خسأته فخسأ وانـخسأ, ومنه قول الراجز:
 كالكَلْبِ إنْ قُلْتَ لَهُ اخْسأ انْـخَسأْ 
  يعنـي إن طردته انطرد ذلـيلاً صاغرا. فكذلك معنى قوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي مبعدين من الـخير أذلاء صغراء. كما:
  841ـ حدثنا بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ قال: صاغرين.
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد, مثله.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
  842ـ حدثنـي الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: خاسِئِينَ قال: صاغرين.
  843ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي أذلة صاغرين.
  844ـ وحدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: خاسئا: يعنـي ذلـيلاً.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الهاء والألف فـي قوله: فَجَعَلْناها وعلام هي عائدة, فروي عن ابن عبـاس فـيها قولان: أحدهما ما:
  845ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: فَجَعَلْنَاها فجعلنا تلك العقوبة وهي الـمسخة نكالاً. فـالهاء والألف من قوله: فَجَعَلْناها علـى قول ابن عبـاس هذا كناية عن الـمسخة, وهي «فَعْلَة» من مَسَخَهم الله مَسْخَةً. فمعنى الكلام علـى هذا التأويـل: فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِردَةً خاسِئِينَ فصاروا قردة مـمسوخين فَجَعَلْناها فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وما خَـلْفَها وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ. والقول الاَخر من قولـي ابن عبـاس ما:
  846ـ حدثنـي به مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس: فجَعَلْناها يعنـي الـحيتان. والهاء والألف علـى هذا القول من ذكر الـحيتان, ولـم يجر لها ذكر. ولكن لـما كان فـي الـخبر دلالة كنـي عن ذكرها, والدلالة علـى ذلك قوله: ولَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فـي السّبْتِ.
  وقال آخرون: فجعلنا القرية التـي اعتدى أهلها فـي السبت. فـالهاء والألف فـي قول هؤلاء كناية عن قرية القوم الذين مسخوا.
  وقال آخرون: معنى ذلك: فجعلنا القردة الذين مسخوا نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها, فجعلوا الهاء والألف كناية عن القردة.
  وقال آخرون: فجَعَلْناها يعنـي به: فجعلنا الأمة التـي اعتدت فـي السبت نكالاً.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: نَكالاً.
  والنكال مصدر من قول القائل: نكل فلان بفلان تنكيلاً ونكالاً, وأصل النكال: العقوبة, كما قال عديّ بن زيد العبـادي:
 لا يَسخُطّ الضّلّـيـلُ ما صَنَعَ الْعَبْدُ وَلا فِـي نَكالِهِ تَنْكِيرُ 
  وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك رُوي الـخبر عن ابن عبـاس:
  847ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: نَكالاً يقول: عقوبة.
  848ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنـي إسحاق, قال: حدثنـي ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: فجَعَلْناها نَكالاً أي عقوبة.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها.
  اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك. فقال بعضهم بـما:
  849ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: لِـمَا بـينَ يَدَيْها يقول: لـيحذر من بعدهم عقوبتـي, وَما خَـلْفَها يقول: الذين كانوا بقوا معهم.
  850ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: لِـمَا بـينَ يَدَيْهَا وَما خَـلْفَها لـما خلا لهم من الذنوب, وما خـلفها: أي عبرة لـمن بقـي من الناس. وقال آخرون بـما:
  851ـ حدثنـي ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس, قال: قال ابن عبـاس: فجَعلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها أي من القرى. وقال آخرون بـما:
  852ـ حدثنا به بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال الله: فَجَعَلْناها نَكالاً لِـما بـينَ يَدَيْها من ذنوب القوم, وَما خَـلْفَها أي للـحيتان التـي أصابوا.
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: لِـمَا بـينَ يَدَيْها من ذنوبها وَما خَـلْفَها من الـحيتان.
  853ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنـي عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: لِـمَا بـينَ يَدَيْها ما مضى من خطاياهم إلـى أن هلكوا به.
   حدثنـيالـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها يقول: بـين يديها ما مضى من خطاياهم, وما خـلفها: خطاياهم التـي هلكوا بها.
   حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, مثله إلا أنه قال: وَما خَـلْفَها خطيئتهم التـي هلكوا بها. وقال آخرون بـما:
  854ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فجَعَلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها قال: أما ما بـين يديها: فما سلف من عملهم, وماخـلفها: فمن كان بعدهم من الأمـم أن يعصوا فـيصنع الله بهم مثل ذلك. وقال آخرون بـما:
  855ـ حدثنـي به ابن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: فَجَعَلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها ومَا خَـلْفَها يعنـي الـحيتان جعلها نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها من الذنوب التـي عملوا قبل الـحيتان, وما عملوا بعد الـحيتان, فذلك قوله: ما بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها.
  وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وذلك لـما وصفنا من أن الهاء والألف فـي قوله: فجَعَلْناها نَكالاً بأن تكون من ذكر العقوبة والـمَسْخة التـي مسخها القوم أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها, من أجل أن الله جل ثناؤه إنـما يحذّر خـلقه بأسه وسطوته, وبذلك يخوّفهم. وفـي إبـانته عز ذكره بقوله: نَكالاً أنه عنى به العقوبة التـي أحلها بـالقوم ما يعلـم أنه عنى بقوله: فجَعَلْناهَا نَكالاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها: فجعلنا عقوبتنا التـي أحللناها بهم عقوبة لـما بـين يديها وما خـلفها, دون غيره من الـمعانـي. وإذا كانت الهاء والألف بأن تكون من ذكر الـمسخة والعقوبة أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها, فكذلك العائد فـي قوله: لِـمَا بـينَ يَدَيها وَما خَـلْفَها من الهاء والألف أن يكون من ذكر الهاء والألف اللتـين فـي قوله: فَجَعَلْناها أولـى من أن يكون من غيره.
  فتأويـل الكلام إذا كان الأمر علـى ما وصفنا: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين, فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لـما بـين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم, ولـما خـلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم, أن يعمل بها عامل, فـيـمسخوا مثل ما مسخوا, وأن يحلّ بهم مثل الذي حلّ بهم تـحذيرا من الله تعالـى ذكره عبـاده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتـى الـمـمسوخون فـيعاقبوا عقوبتهم.
  وأما الذي قال فـي تأويـل ذلك: فجَعَلْناها يعنـي الـحيتان عقوبة لـما بـين يدي الـحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم, فإنه أبْعَدَ فـي الانتزاع وذلك أن الـحيتان لـم يجر لها ذكر فـيقال: فجَعَلْناها فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز وإن لـم يكن جرى للـحيتان ذكر, لأن العرب قد تكنـي عن الاسم ولـم يجر له ذكر, فإن ذلك وإن كان كذلك, فغير جائز أن يترك الـمفهوم من ظاهر الكتاب والـمعقول به ظاهر فـي الـخطاب والتنزيـل إلـى بـاطن لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فـيه من الـحجة إجماع مستفـيض.
  وأما تأويـل من تأوّل ذلك: لـما بـين يديها من القرى وما خـلفها, فـينظر إلـى تأويـل من تأول ذلك بـما بـين يدي الـحيتان وما خـلفها.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَمَوْعِظَةً.
  والـموعظة مصدر من قول القائل: وعظت الرجل أعظه وَعْظا وموعظة: إذا ذكّرته.
  فتأويـل الآية: فجعلناها نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها, وتذكرة للـمتقـين, لـيتعظوا بها, ويعتبروا, ويتذكروا بها, كما:
  856ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَمَوْعِظَةً يقول: وتذكرة وعبرة للـمتقـين.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى للْـمَتّقِـينَ.
  وأما الـمتقون فهم الذين اتقوا بأداء فرائضه واجتناب معاصيه كما:
  857ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ يقول: للـمؤمنـين الذين يتقون الشرك, ويعملون بطاعتـي. فجعل تعالـى ذكره ما أحلّ بـالذين اعتدوا فـي السبت من عقوبته موعظة للـمتقـين خاصة وعبرة للـمؤمنـين دون الكافرين به إلـى يوم القـيامة.
  858ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس, عن عبد الله بن عبـاس فـي قوله: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ إلـى يوم القـيامة.
  859ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ: أي بعدهم.
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله.
  860ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أما موعظة للـمتقـين, فهم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.
  861ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ قال: فكانت موعظة للـمتقـين خاصة.
  862ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج فـي قوله: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ: أي لـمن بعدهم.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 62<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالنّصَارَىَ وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }<br />
   قال أبو جعفر: أما الذين آمنوا فهم الـمصدّقون رسول الله فـيـما أتاهم به من الـحقّ من عند الله, وإيـمانهم بذلك: تصديقهم به علـى ما قد بـيناه فـيـما مضى من كتابنا هذا. وأما الذين هادوا, فهم الـيهود, ومعنى هادوا: تابوا, يقال منه: هاد القوم يهودون هَوْدا وهادةً. وقـيـل: إنـما سميت الـيهود يهود من أجل قولهم: إنا هُدْنا إلَـيْكَ.<br />
  799ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاح, عن ابن جريج, قال: إنـما سميت الـيهود من أجل أنهم قالوا: إنّا هُدْنا إلَـيْكَ.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَالنّصَارَى.<br />
  قال أبو جعفر: والنصارى جمع, واحدهم نَصْران, كما واحد سَكارى سكران, وواحد النّشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده علـى فعلان, فإن جمعه علـى فعالـى إلا أن الـمستفـيض من كلام العرب فـي واحد النصارى نصرانـيّ. وقد حُكي عنهم سماعا «نَصْرَان» بطرح الـياء, ومنه قول الشاعر:<br />
 تَرَاهُ إذَا زَارَ العَشِيّ مُـحَنّفـاويُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ <br />
  وسمع منهم فـي الأنثى نصرانة, قال الشاعر:<br />
 فكِلْتاهُما خَرّتْ وأسْجَدَ رأسُهاكما سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لـمْ تَـحَنّفِ <br />
  يقال: أسجد: إذا مال. وقد سمع فـي جمعهم أنصار بـمعنى النصارى, قال الشاعر:<br />
 لَـمّا رأيْتُ نَبَطا أنْصَارَاشَمّرْتُ عَنْ رُكْبَتِـي الإزارَا <br />
كُنْتُ لَهُمْ مِن النّصَارَى جارَا <br />
  وهذه الأبـيات التـي ذكرتها تدل علـى أنهم سُموا نصارى لنصرة بعضهم بعضا وتناصرهم بـينهم. وقد قـيـل إنهم سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها «ناصرة».<br />
  800ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج: النصارى إنـما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة.<br />
  ويقول آخرون: لقوله: مَنْ أنْصارِي إلـى اللّهِ.<br />
  وقد ذكر عن ابن عبـاس من طريق غير مرتضى أنه كان يقول: إنـما سميت النصارى نصارى, لأن قرية عيسى ابن مريـم كانت تسمى ناصرة, وكان أصحابه يسمون الناصريـين, وكان يقال لعيسى: الناصري.<br />
  801ـ حدثت بذلك عن هشام بن مـحمد, عن أبـيه, عن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس.<br />
  802ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: إنـما سموا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى ابن مريـم, فهو اسم تسموا به ولـم يؤمروا به.<br />
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: الّذِين قالُوا إنا نَصَارَى قال: تسموا بقرية يقال لها ناصرة, كان عيسى ابن مريـم ينزلها.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: والصّابِئِينَ   قال أبو جعفر: والصابئون جمع صابىء, وهو الـمستـحدث سوى دينه دينا, كالـمرتدّ من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان علـيه إلـى آخر غيره تسميه العرب صابئا, يقال منه: صَبَأ فلان يَصْبَأ صَبْأً, ويقال: صبأت النـجوم: إذا طلعت, وصبأ علـينا فلان موضع كذا وكذا, يعنـي به طلع.<br />
  واختلف أهل التأويـل فـيـمن يـلزمه هذا الاسم من أهل الـملل. فقال بعضهم: يـلزم ذلك كل من خرج من دين إلـى غير دين. وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم. ذكر من قال ذلك:<br />
  803ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعا, عن سفـيان, عن لـيث, عن مـجاهد, قال: الصّابِئُونَ لـيسوا بـيهود ولا نصارى ولا دين لهم.<br />
   حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, عن الـحجاج بن أرطاة, عن القاسم بن أبـي بزة, عن مـجاهد, مثله.<br />
  804ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حجام, عن عنبسة, عن الـحجاج, عن مـجاهد, قال: الصابئون بـين الـمـجوس والـيهود لا تؤكل ذبـائحهم ولا تنكح نساؤهم.<br />
  805ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن حجاج, عن قتادة, عن الـحسن مثل ذلك.<br />
  806ـ حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح: الصابئين بـين الـيهود والـمـجوس لا دين لهم.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.<br />
   حدثنا القاسم قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال مـجاهد: الصابئين بـين الـمـجوس والـيهود, لا دين لهم.<br />
  قال ابن جريج: قلت لعطاء: «الصابئين» زعموا أنها قبـيـلة من نـحو السواد لـيسوا بـمـجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك, وقد قال الـمشركون للنبـي صلى الله عليه وسلم: قد صبأ.<br />
  807ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: الصّابِئُون قال: الصابئون: دين من الأديان, كانوا بجزيرة الـموصل يقولون: «لا إلَه إلاّ الله», ولـيس لهم عمل ولا كتاب ولا نبـيّ إلا قول لا إلَه إلاّ الله. قال: ولـم يؤمنوا برسول الله, فمن أجل ذلك كان الـمشركون يقولون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون. يشبهونهم بهم.<br />
  وقال آخرون: هم قوم يعبدون الـملائكة, ويصلون إلـى القبلة. ذكر من قال ذلك:<br />
  808ـ حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان, عن أبـيه, عن الـحسن, قال: حدثنـي زياد: أن الصابئين يصلون إلـى القبلة ويصلون الـخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الـجزية. قال: فخُبّر بعد أنهم يعبدون الـملائكة.<br />
  809ـ وحدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: والصّابِئِين قال: الصابئون قوم يعبدون الـملائكة, ويصلون إلـى القبلة, ويقرؤن الزبور.<br />
  810ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.<br />
  قال أبو جعفر الرازي: وبلغنـي أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الـملائكة, ويقرءون الزبور, ويصلون إلـى القبلة.<br />
  وقال آخرون: بل هم طائفة من أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:<br />
  811ـ حدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا أبـي عن سفـيان, قال: سئل السديّ عن الصابئين فقال: هم طائفة من أهل الكتاب.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ وعمِل صَالِـحا فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهمْ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: مَنْ آمَنَ بِـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ: من صدق وأقرّ بـالبعث بعد الـمـمات يوم القـيامة وعمل صالـحا فأطاع الله, فلهم أجرهم عند ربهم, يعنـي بقوله: فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ فلهم ثواب عملهم الصالـح عند ربهم.<br />
  فإن قال لنا قائل: فأين تـمام قوله: إن الّذينَ آمَنُوا والّذِين هادُوا وَالنّصَارَى والصّابِئين؟ قـيـل: تـمامه جملة قوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ لأن معناه: من آمن منهم بـالله والـيوم الاَخر فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه استغناء بـما ذكر عما ترك ذكره.<br />
  فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟ قـيـل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بـالله والـيوم الاَخر فلهم أجرهم عند ربهم.<br />
  فإن قال: وكيف يؤمن الـمؤمن؟ قـيـل: لـيس الـمعنى فـي الـمؤمن الـمعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلـى دين كانتقال الـيهودي والنصرانـي إلـى الإيـمان, وإن كان قد قـيـل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب علـى إيـمانه بعيسى, وبـما جاء به, حتـى أدرك مـحمدا صلى الله عليه وسلم, فآمن به وصدّقه, فقـيـل لأولئك الذين كانوا مؤمنـين بعيسى وبـما جاء به إذ أدركوا مـحمدا صلى الله عليه وسلم: آمنوا بـمـحمد وبـما جاء به, ولكن معنى إيـمان الـمؤمن فـي هذا الـموضع ثبـاته علـى إيـمانه وتركه تبديـله.<br />
  وأما إيـمان الـيهود والنصارى والصابئين, فـالتصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وبـما جاء به, فمن يؤمن منهم بـمـحمد, وبـما جاء به والـيوم الاَخر, ويعمل صالـحا, فلـم يبدّل ولـم يغير, حتـى توفـي علـى ذلك, فله ثواب عمله وأجره عند ربه, كما وصف جل ثناؤه.<br />
  فإن قال قائل: وكيف قال: فلهم أجرهم عند ربهم, وإنـما لفظ من لفظ واحد, والفعل معه موحد؟ قـيـل: «مَنْ» وإن كان الذي يـلـيه من الفعل موحدا, فإن له معنى الواحد والاثنـين والـجمع والتذكير والتأنـيث, لأنه فـي كل هذه الأحوال علـى هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير, فـالعرب توحد معه الفعل وإن كان فـي معنى جمع للفظه, وتـجمع أخرى معه الفعل لـمعناه, كما قال جل ثناؤه: ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَـمِعُونَ إلَـيْكَ أفأنْتَ تُسْمع الصّمّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُون ومِنهم مَنْ يَنْظُرُ إلَـيْكَ أفأنْتَ تَهْدِي العُمْي وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ فجمع مرة مع من الفعل لـمعناه, ووحد أخرى معه الفعل لأنه فـي لفظ الواحد, كما قال الشاعر:<br />
 ألِـمّا بسَلْـمَى عَنْكما إنْ عَرَضْتُـماوَقُولا لَهَا عُوجي علـى مَنْ تَـخَـلّفُوا <br />
  فقال: تـخـلفوا, وجعل «من» بـمنزلة الذين. وقال الفرزدق:<br />
 تَعالَ فإنْ عاهَدْتَنِـي لا تـخُونُنِـينَكُنْ مِثْل مَنْ يا ذِئبُ يَصْطَحِبـانِ <br />
  فثنى يصطحبـان لـمعنى «من». فكذلك قوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ والـيَوْمِ الاَخِرِ فَلَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ ربّهِمْ وحد آمن وعمل صالـحا للفظ من, وجمع ذكرهم فـي قوله: فَلَهُمْ أجْرُهُمْ لـمعناه, لأنه فـي معنى جمع.<br />
  وأما قوله: ولا خَوْفٌ عَلَـيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون فإنه يعنـي به جل ذكره: ولا خوف علـيهم فـيـما قدموا علـيه من أهوال القـيامة, ولا هم يحزنون علـى ما خـلفوا وراءهم من الدنـيا وعيشها عند معاينتهم ما أعدّ الله لهم من الثواب والنعيـم الـمقـيـم عنده.<br />
  ذكر من قال عُنِـي بقوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ: مؤمنوا أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:<br />
  812ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السديّ: إنّ الّذِينَ آمَنُوا والّذِينَ هادُوا الآية, قال: نزلت هذه الآية فـي أصحاب سلـمان الفـارسي, وكان سلـمان من جُنْد يْسابور, وكان من أشرافهم, وكان ابن الـملك صديقا له مواخيا, لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه, وكانا يركبـان إلـى الصيد جميعا. فبـينـما هما فـي الصيد إذ رفع لهما بـيت من خبَـاء, فأتـياه فإذا هما فـيه برجل بـين يديه مصحف يقرأ فـيه وهو يبكي, فسألاه ما هذا, فقال: الذي يريد أن يعلـم هذا لا يقـف موقـفكما, فإن كنتـما تريدان أن تعلـما ما فـيه فـانزلا حتـى أعلـمكما, فنزلا إلـيه, فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله, أمر فـيه بطاعته, ونهى عن معصيته, فـيه: أن لا تزنـي, ولا تسرق, ولا تأخذ أموال الناس بـالبـاطل. فقصّ علـيهما ما فـيه, وهو الإنـجيـل الذي أنزله الله علـى عيسى. فوقع فـي قلوبهما وتابعاه فأسلـما, وقال لهما: إن ذبـيحة قومكما علـيكما حرام, فلـم يزالا معه كذلك يتعلـمان منه, حتـى كان عيد للـملك, فجعل طعاما, ثم جمع الناس والأشراف, وأرسل إلـى ابن الـملك فدعاه إلـى صنـيعه لـيأكل مع الناس, فأبى الفتـى وقال: إنـي عنك مشغول, فكل أنت وأصحابك, فلـما أكثر علـيه من الرسل, أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم, فبعث الـملك إلـى ابنه, فدعاه وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبـائحكم, إنكم كفـار لـيس تـحلّ ذبـائحكم, فقال له الـملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك, فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابنـي؟ قال: صدق ابنك, قال له: لولا أن الدم فـينا عظيـم لقتلتك, ولكن اخرج من أرضنا فأجّله أجلاً. فقال سلـمان: فقمنا نبكي علـيه, فقال لهما: إن كنتـما صادقـين, فإنا فـي بـيعة بـالـموصل مع ستـين رجلاً نعبد الله فـيها, فأتونا فـيها. فخرج الراهب, وبقـي سلـمان وابن الـملك فجعل يقول لابن الـملك: انطلق بنا, وابن الـملك يقول: نعم, وجعل ابن الـملك يبـيع متاعه يريد الـجهاز. فلـما أبطأ علـى سلـمان, خرج سلـمان حتـى أتاهم, فنزل علـى صاحبه وهو ربّ البـيعة, وكان أهل تلك البـيعة من أفضل الرهبـان, فكان سلـمان معهم يجتهد فـي العبـادة, ويتعب نفسه, فقال له الشيخ: إنك غلام حدث تتكلف من العبـادة ما لا تطيق, وأنا خائف أن تفتر وتعجز, فـارفق بنفسك وخفف علـيها فقال له سلـمان: أرأيت الذي تأمرنـي به أهو أفضل, أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنع؟ قال: فخـلّ عنـي. ثم إن صاحب البـيعة دعاه فقال: أتعلـم أن هذه البـيعة لـي, وأنا أحقّ الناس بها, ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت؟ ولكنـي رجل أضعف عن عبـادة هؤلاء, وأنا أريد أن أتـحوّل من هذه البـيعة إلـى بـيعة أخرى هم أهون عبـادة من هؤلاء, فإن شئت أن تقـيـم ههنا فأقم, وإن شئت أن تنطلق معي فـانطلق. قال له سلـمان: أيّ البـيعتـين أفضل أهلاً؟ قال: هذه. قال سلـمان: فأنا أكون فـي هذه. فأقام سلـمان بها وأوصى صاحب البـيعة عالـم البـيعة بسلـمان, فكان سلـمان يتعبد معهم, ثم إن الشيخ العالـم أراد أن يأتـي بـيت الـمقدس, فقال لسلـمان: إن أردت أن تنطلق معي فـانطلق, وإن شئت أن تقـيـم فأقم. فقال له سلـمان: أيهما أفضل أنطلق معك أم أقـيـم؟ قال: لا بل تنطلق معي. فـانطلق معه فمرّوا بـمقعد علـى ظهر الطريق ملقـى, فلـما رآهما نادى: يا سيد الرهبـان ارحمنـي يرحمك الله, فلـم يكلـمه, ولـم ينظر إلـيه, وانطلقا حتـى أتـيا بـيت الـمقدس, فقال الشيخ لسلـمان: اخرج فـاطلب العلـم فإنه يحضر هذا الـمسجد علـماء أهل الأرض. فخرج سلـمان يسمع منهم, فرجع يوما حزينا, فقال له الشيخ: مالك يا سلـمان؟ قال: أرى الـخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبـياء وأتبـاعهم, فقال له الشيخ: يا سلـمان لا تـحزن, فإنه قد بقـي نبـيّ لـيس من نبـيّ بأفضل تبعا منه وهذا زمانه الذي يخرج فـيه, ولا أرانـي أدركه, وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه, وهو يخرج فـي أرض العرب, فإن أدركته فآمن به واتبعه فقال له سلـمان: فأخبرنـي عن علامته بشيء. قال: نعم, هو مختوم فـي ظهره بخاتـم النبوّة, وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتـى بلغا مكان الـمقعد, فناداهما فقال: يا سيد الرهبـان ارحمنـي يرحمك الله, فعطف إلـيه حماره, فأخذ بـيده فرفعه, فضرب به الأرض ودعا له, وقال: قم بإذن الله, فقام صحيحا يشتدّ, فجعل سلـمان يتعجب وهو ينظر إلـيه يشتدّ. وسار الراهب فتغيب عن سلـمان ولا يعلـم سلـمان. ثم إن سلـمان فزع فطلب الراهب, فلقـيه رجلان من العرب من كلب فسألهما: هل رأيتـما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته, قال: نعم راعي الصّرْمة هذا, فحمله فـانطلق به إلـى الـمدينة. قال سلـمان: فأصابنـي من الـحزن شيء لـم يصبنـي مثله قط. فـاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى علـيها هو وغلام لها يتراوحان الغنـم هذا يوما وهذا يوما, فكان سلـمان يجمع الدراهم ينتظر خروج مـحمد صلى الله عليه وسلم. فبـينا هو يوما يرعى, إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه, فقال: أشعرت أنه قد قدم الـيوم الـمدينة رجل يزعم أنه نبـيّ؟ فقال له سلـمان: أقم فـي الغنـم حتـى آتـيك. فهبط سلـمان إلـى الـمدينة, فنظر إلـى النبـي صلى الله عليه وسلم ودار حوله, فلـما رآه النبـي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد, فأرسل ثوبه, حتـى خرج خاتـمه, فلـما رآه أتاه وكلـمه, ثم انطلق, فـاشترى بدينار ببعضه شاة وببعضه خبزا, ثم أتاه به, فقال: «ما هذا؟» قال سلـمان: هذه صدقة قال: «لا حاجة لـي بها فأخْرِجْها فلـيأْكُلْها الـمسلـمون». ثم انطلق فـاشترى بدينار آخر خبزا ولـحما, فأتـى به النبـيّ صلى الله عليه وسلم, فقال: «ما هذا؟» قال: هذه هدية, قال: «فـاقْعُدْ», فقعد فأكلا جميعا منها. فبـينا هو يحدّثه إذ ذكر أصحابه, فأخبره خبرهم, فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك, ويشهدون أنك ستبعث نبـيا فلـما فرغ سلـمان من ثنائه علـيهم قال له نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: «يا سَلْـمانُ هُمْ مِنْ أهْلِ النّارِ». فـاشتدّ ذلك علـى سلـمان, وقد كان قال له سلـمان: لو أدركوك صدّقوك واتبعوك, فأنزل الله هذه الآية: إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هادُوا وَالنّصَارَى والصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ.<br />
  فكان إيـمان الـيهود أنه من تـمسك بـالتوراة وسنة موسى حتـى جاء عيسى, فلـما جاء عيسى كان من تـمسك بـالتوراة وأخذ بسنة موسى فلـم يدعها ولـم يتبع عيسى كان هالكا. وإيـمان النصارى أنه من تـمسك بـالإنـجيـل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولاً منه, حتـى جاء مـحمد صلى الله عليه وسلم, فمن لـم يتبع مـحمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان علـيه من سنة عيسى والإنـجيـل كان هالكا.<br />
  813ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هادُوا الآية. قال سلـمان الفـارسي للنبـي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم, قال: لـم يـموتوا علـى الإسلام. قال سلـمان: فأظلـمت علـيّ الأرض. وذكر اجتهادهم, فنزلت هذه الآية, فدعا سلـمان فقال: «نزلت هذه الآية فـي أصحابك». ثم قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ علـى دِينِ عِيسَى ومات علـى الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِـي فَهُوَ علـى خَيْرٍ وَمَنْ سَمِعَ بِـي الـيَوْمَ وَلَـمْ يُؤْمِنْ بِـي فَقَدْ هَلَكَ».<br />
  وقال ابن عبـاس بـما:<br />
  814ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: إنّ الّذِينَ آمَنُوا والذِين هادُوا وَالنّصَارَى وَالصّابِئِينَ إلـى قوله: ولا هُمْ يَحْزَنُونَ. فأنزل الله تعالـى بعد هذا: وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِـي الاَخِرَةِ مِنَ الـخَاسِرِينَ. وهذا الـخبر يدلّ علـى أن ابن عبـاس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالـحا من الـيهود والنصارى والصابئين علـى عمله فـي الاَخرة الـجنة, ثم نسخ ذلك بقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِينا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.<br />
  فتأويـل الآية إذا علـى ما ذكرنا عن مـجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة, والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من الـيهود والنصارى والصابئين بـالله والـيوم الاَخر, فلهُمْ أجرُهمْ عندَ ربهمْ ولاَ خَوْفٌ علـيهِمْ ولاَ هُمْ يحزَنُونَ.<br />
  والذي قلنا من التأويـل الأول أشبه بظاهر التنزيـل, لأن الله جل ثناؤه لـم يخصص بـالأجر علـى العمل الصالـح مع الإيـمان بعض خـلقه دون بعض منهم, والـخبر بقوله: مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الاَخِرِ عن جميع ما ذكر فـي أول الآية.<br />
الآية :63<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
    {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ }<br />
   قال أبو جعفر: الـميثاق: الـمفعال من الوثـيقة إما بـيـمين, وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق.<br />
  ويعنـي بقوله: وَأذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ الـميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم فـي قوله: وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرائيـلَ لاَ تَعْبُدُونَ إلاّ اللّهَ وَبـالْوَالِدَيْنِ إحْسانا الاَيات الذي ذكر معها. وكان سبب أخذ الـميثاق علـيهم فـيـما ذكره ابن زيد ما:<br />
  815ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: لـما رجع موسى من عند ربه بـالألواح قال لقومه بنـي إسرائيـل: إن هذه الألواح فـيها كتاب الله, وأمره الذي أمركم به, ونهيه الذي نهاكم عنه, فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتـى نرى الله جهرة حتـى يطلع الله علـينا فـيقول: هذا كتابـي فخذوه فما له لا يكلـمنا كما كلـمك أنت يا موسى فـيقول: هذا كتابـي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة فصعقتهم, فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم, فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فقالوا: لا, قال: أيّ شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيـينا, قال: خذوا كتاب الله قالوا: لا. فبعث ملائكته فنتقت الـجبل فوقهم, فقـيـل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم, هذا الطور, قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه علـيكم قال: فأخذوه بـالـميثاق. وقرأ قول الله: وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ لا تَعْبُدونَ إلاّ اللّهَ وَبـالوَالِدَيْنِ إحْسانا حتـى بلغ: وَما اللّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ قال: ولو كانوا أخذوه أوّل مرّة لأخذوه بغير ميثاق.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّورَ.<br />
  قال أبو جعفر: وأما الطور فإنه الـجبل فـي كلام العرب, ومنه قول العجاج:<br />
 دَانَى جنَاحَيْهِ مِنَ الطّورِ فَمَرّتَقَضّيَ البـازِي إذا البـازِي كَسَرْ <br />
  وقـيـل إنه اسم جبل بعينه. وذكر أنه الـجبل الذي ناجى الله علـيه موسى. وقـيـل: إنه من الـجبـال ما أنبت دون ما لـم ينبت. ذكر من قال: هو الـجبل كائنا ما كان.<br />
  816ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا البـاب سجدا ويقولوا حطة وطؤطىء لهم البـاب لـيسجدوا, فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أدبـارهم, وقالوا حنطة. فنتق فوقهم الـجبل يقول: أخرج أصل الـجبل من الأرض فرفعه فوقهم كالظلة, والطور بـالسريانـية: الـجبل تـخويفـا أو خوفـا, شك أبو عاصم فدخـلوا سُجّدا علـى خوف وأعينهم إلـى الـجبل, وهو الـجبل الذي تـجلـى له ربه.<br />
  817ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: رفع الـجبل فوقهم كالسحابة, فقـيـل لهم: لتؤمننّ أو لـيقعنّ علـيكم, فآمنوا. والـجبل بـالسريانـية: الطور.<br />
  818ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وإذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّورَ قال: الطور: الـجبل, كانوا بأصله فرفع علـيهم فوق رءوسهم, فقال: لتأخذُنّ أمري أو لأرمينكم به.<br />
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّورَ قال: الطور: الـجبل اقتلعه الله فرفعه فوقهم, فقال: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ فأقرّوا بذلك.<br />
  819ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر عن الربـيع, عن أبـي العالـية: ورفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّور قال: رفع فوقهم الـجبل يخوّفهم به.<br />
  820ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـيّ, عن النضر, عن عكرمة, قال: الطور: الـجبل.<br />
  821ـ وحدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: لـما قال الله لهم: ادْخُـلُوا البـاب سُجدا وقُولُوا حِطّة فأبوا أن يسجدوا أمر الله الـجبل أن يقع علـيهم, فنظروا إلـيه وقد غشيهم, فسقطوا سجدا علـى شقّ, ونظروا بـالشق الاَخر. فرحمهم الله, فكشفه عنهم. فذلك قوله: وإذْ نَتَقْنَا الـجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأنّهُ ظُلّة وقوله: ورفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّور.<br />
  822ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الـجبل بـالسريانـية: الطور.<br />
  وقال آخرون: الطور: اسم للـجبل الذي ناجى الله موسى علـيه. ذكر من قال ذلك:<br />
  823ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس الطور: الـجبل الذي أنزلت علـيه التوراة, يعنـي علـى موسى, وكانت بنو إسرائيـل أسفل منه.<br />
  قال ابن جريج: وقال لـي عطاء: رفع الـجبل علـى بنـي إسرائيـل فقال: لتؤمننّ به أو لـيقعن علـيكم, فذلك قوله: كأنّهُ ظُلّة.<br />
  وقال آخرون: الطور من الـجبـال: ما أنبت خاصة. ذكر من قال ذلك:<br />
  824ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: الطّورَ قال: الطور من الـجبـال: ما أنبت, وما لـم ينبت فلـيس بطور.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بقُوّةٍ.<br />
  قال أبو جعفر: اختلف أهل العربـية فـي تأويـل ذلك, فقال بعض نـحويـي أهل البصرة: هو مـما استغنـي بدلالة الظاهر الـمذكور عما ترك ذكره له, وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم خذوا ما آتـيناكم بقوة, وإلا قذفناه علـيكم.<br />
  وقال بعض نـحويـي أهل الكوفة: أخذ الـميثاق قول فلا حاجة بـالكلام إلـى إضمار قول فـيه, فـيكون من كلامين غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بـمعنى القول أن يكون معه أن كما قال الله جل ثناؤه: إنّا أرْسَلْنا نُوحا إلـى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ قال: ويجوز أن تـحذف أن.<br />
  والصواب فـي ذلك عندنا أن كل كلام نطق به مفهوم به معنى ما أريد ففـيه الكفـاية من غيره, ويعنـي بقوله: خُذُوا ما آتَـيْناكُمْ: ما أمرناكم به فـي التوراة, وأصل الإيتاء: الإعطاء. ويعنـي بقوله: بِقُوّةٍ بجدّ فـي تأدية ما أمركم فـيه وافترض علـيكم. كما:<br />
  825ـ حدثت عن إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا ابن عيـينة, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: تعملوا بـما فـيه.<br />
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.<br />
  826ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: خُذُوا مَا آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: بطاعة.<br />
  827ـ وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: القوّة: الـجدّ, وإلا قذفته علـيكم. قال: فأقرّوا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوّة.<br />
  828ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: بِقُوةً: يعنـي بجدّ واجتهاد.<br />
  829ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد وسألته عن قول الله: خُذُوا ما آتَـيْنَاكُمْ بِقُوّةٍ قال: خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحقّ.<br />
  فتأويـل الآية إذا: خذوا ما افترضناه علـيكم فـي كتابنا من الفرائض فـاقبلوه واعملوا بـاجتهاد منكم فـي أدائه من غير تقصير ولا توان. وذلك هو معنى أخذهم إيّاه بقوّة بجدّ.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَاذْكُرُوا ما فِـيهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي: واذكروا ما فـيـما آتـيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد وترغيب وترهيب, فـاتلوه واعتبروا به وتَدبّرُوه إذا فعلتـم ذلك كي تتقوا وتـخافوا عقابـي بإصراركم علـى ضلالكم فتنتهوا إلـى طاعتـي وتنزّعوا عما أنتـم علـيه من معصيتـي. كما:<br />
  830ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة عن ابن عبـاس: لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ قال: تنزعون عما أنتـم علـيه.<br />
  والذي آتاهم الله هو التوراة. كما:<br />
  831ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَاذْكُرُوا ما فِـيهِ يقول: اذكروا ما فـي التوراة.<br />
  832ـ كما حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: اذْكُرُوا ما فِـيهِ يقول: أمروا بـما فـي التوراة.<br />
   وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألت ابن زيد عن قول الله: وَذْكُرُوا ما فِـيهِ قال: اعملوا بـما فـيه طاعةٍ لله وصدق, قال: وقال اذكروا ما فـيه لا تنسوه ولا تُغفلوه.<br />
الآية : 64<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {ثُمّ تَوَلّيْتُمْ مّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مّنَ الْخَاسِرِينَ }<br />
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: ثُمّ تَوَلّـيْتُـمْ ثم أعرضتـم. وإنـما هو «تفعّلتـم» من قولهم: ولانـي فلان دبره: إذا استدبر عنه وخـلفه خـلف ظهره, ثم يستعمل ذلك فـي كل تارك طاعة أمر بها عزّ وجل معرض بوجهه, يقال: قد تولـى فلان عن طاعة فلان, وتولـى عن مواصلته. ومنه قول الله جل ثناؤه: فَلَـمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بخِـلُوا بِهِ وَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون يعنـي بذلك: خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم: لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ الصّالِـحِينَ ونبذوا ذلك وراء ظهورهم, ومن شأن العرب استعارة الكلـمة ووضعها مكان نظيرها, كما قال أبو ذؤيب الهذلـي:<br />
 فَلَـيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يا أُمّ مالِكٍولَكِنْ أحاطَتْ بـالرّقابِ السّلاسِلُ <br />
 وَعادَ الفَتَـى كالكَهْلِ لَـيْسَ بقائِلٍسِوَى الـحَقّ شَيْئا واسْتَرَاح العَواذِلُ <br />
  يعنـي بقوله: «أحاطت بـالرقاب السلاسل» أن الإسلام صار فـي منعه إيانا ما كنا نأتـيه فـي الـجاهلـية مـما حرّمه الله علـينا فـي الإسلام بـمنزلة السلاسل الـمـحيطة برقابنا التـي تـحول بـين من كانت فـي رقبته مع الغلّ الذي فـي يده وبـين ما حاول أن يتناوله. ونظائر ذلك فـي كلام العرب أكثر من أن تـحصى, فكذلك قوله: ثُمّ تَولـيْتُـمْ مِنْ بَعْدِ ذلك يعنـي بذلك أنكم تركتـم العمل بـما أخذنا ميثاقكم وعهودكم علـى العمل به بجدّ واجتهاد بعد إعطائكم ربكم الـمواثـيق علـى العمل به والقـيام بـما أمركم به فـي كتابكم فنبذتـموه وراء ظهوركم. وكنـي بقوله جلّ ذكره: «ذلك» عن جميع ما قبله فـي الآية الـمتقدمة, أعنـي قوله: وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ورفَعْنا فَوْقَكُمُ الطّور.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ذكره: فَلَوْلاَ فَضْل اللّهِ عَلَـيْكُمْ فلولا أن الله تفضل علـيكم بـالتوبة بعد نكثكم الـميثاق الذي واثقتـموه, إذ رفع فوقكم الطور, بأنكم تـجتهدون فـي طاعته, وأداء فرائضه, والقـيام بـما أمركم به, والانتهاء عما نهاكم عنه فـي الكتاب الذي آتاكم, فأنعم علـيكم بـالإسلام ورحمته التـي رحمكم بها, وتـجاوز عنكم خطيئتكم التـي ركبتـموها بـمراجعتكم طاعة ربكم لكنتـم من الـخاسرين. وهذا وإن كان خطابـا لـمن كان بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنـما هو خبر عن أسلافهم, فأخرج الـخبر مخرج الـمخبر عنهم علـى نـحو ما قد بـينا فـيـما مضى من أن القبـيـلة من العرب تـخاطب القبـيـلة عند الفخار أو غيره بـما مضى من فعل أسلاف الـمخاطب بأسلاف الـمخاطب, فتضيف فعل أسلاف الـمخاطب إلـى نفسها, فتقول: فعلنا بكم, وفعلنا بكم. وقد ذكرنا بعض الشواهد فـي ذلك من شعرهم فـيـما مضى.<br />
  وقد زعم بعضهم أن الـخطاب فـي هذه الاَيات إنـما أخرج بإضافة الفعل إلـى الـمخاطبـين به والفعل لغيرهم لأن الـمخاطبـين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بنـي إسرائيـل, فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.<br />
  وقال بعضهم: إنـما قـيـل ذلك كذلك, لأن سامعيه كانوا عالـمين, وإن كان الـخطاب خرج خطابـا للأحياء من بنـي إسرائيـل وأهل الكتاب إذ الـمعنى فـي ذلك إنـما هو خبر عما قصّ الله من أنبـاء أسلافهم, فـاستغنى بعلـم السامعين بذلك عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثّل ذلك بقول الشاعر:<br />
 إذَا ما انْتَسَبْنا لَـمْ تَلِدْنِـي لَئِيـمَةٌولَـمْ تَـجِدِي مِنْ أنْ تُقِرّي بِهِ بُدّا <br />
  فقال: «إذا ما انتسبنا», و«إذا» تقتضي من الفعل مستقبلاً. ثم قال: «لـم تلدنـي لئيـمة», فأخبر عن ماض من الفعل, وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنـما فعل ذلك عند الـمـحتـجّ به لأن السامع قد فهم معناه, فجعل ما ذكرنا من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإضافة أفعال أسلافهم إلـيهم نظير ذلك. والأول الذي قلنا هو الـمستفـيض من كلام العرب وخطابها. وكان أبو العالـية يقول فـي قوله: فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فـيـما ذكر لنا نـحو القول الذي قلناه.<br />
  833ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو النضر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ قال: فضل الله: الإسلام, ورحمته: القرآن.<br />
  834ـ وحدثت عن عمار, حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بـمثله.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: لَكُنْتُـمْ مِنَ الـخاسِرِينَ.<br />
  قال أبو جعفر: فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ إياكم بـانقاذه إياكم بـالتوبة علـيكم من خطيئتكم وجرمكم, لكنتـم البـاخسين أنفسكم حظوظها دائما, الهالكين بـما اجترمتـم من نقض ميثاقكم وخلافكم أمره وطاعته. وقد تقدم بـياننا قبل بـالشواهد عن معنى الـخسار بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.<br />
الآية : 65<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ }<br />
   يعنـي بقوله: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمْ ولقد عرفتـم, كقولك: قد علـمت أخاك ولـم أكن أعلـمه, يعنـي عرفته ولـم أكن أعرفه, كما قال جل ثناؤه: وآخَرِين مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَـمُونَهُمْ اللّهُ يَعْلَـمُهُمْ يعنـي: لا تعرفونهم الله يعرفهم. وقوله: الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ أي الذين تـجاوزوا حدى وركبوا ما نهيتهم عنه فـي يوم السبت وعصوا أمري. وقد دللت فـيـما مضى علـى أن الاعتداء أصله تـجاوز الـحدّ فـي كل شيء بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.<br />
  قال: وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها, مـما عدّد جل ثناؤه فـيها علـى بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين خلال دور الأنصار زمان النبـي صلى الله عليه وسلم الذين ابتدأ بذكرهم فـي أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه ما كانوا يبرمون من العقود, وحذّر الـمخاطبـين بها أن يحلّ بهم بإصرارهم علـى كفرهم ومقامهم علـى جحود نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم وتركهم أتبـاعه والتصديق بـما جاءهم به من عند ربه مثل الذي حلّ بأوائلهم من الـمسخ والرّجْف والصّعْق, وما لا قِبَل لهم به من غضب الله وسخطه. كالذي:<br />
  835ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الذِينَ اعْتَدَوْا مِنُكُمْ فِـي السّبْتِ يقول: ولقد عرفتـم وهذا تـحذير لهم من الـمعصية, يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصونـي, اعتدوا يقول اجترءوا فـي السبت. قال: لـم يبعث الله نبـيا إلا أمره بـالـجمعة وأخبره بفضلها وعظمها فـي السموات وعند الـملائكة, وأن الساعة تقوم فـيها, فمن اتبع الأنبـياء فـيـما مضى كما اتبعت أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم مـحمدا قبل الـجمعة وسمع وأطاع وعرف فضلها وثبت علـيها بـما أمره الله تعالـى به ونبـيه صلى الله عليه وسلم, ومن لـم يفعل ذلك كان بـمنزلة الذين ذكر الله فـي كتابه, فقال: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمْ الّذِينَ اعْتَدُوا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنا لهُمْ كُونُوا قِردَةً خاسِئِينَ. وذلك أن الـيهود قالت لـموسى حين أمرهم بـالـجمعة وأخبرهم بفضلها: يا موسى كيف تأمرنا بـالـجمعة وتفضلها علـى الأيام كلها, والسبت أفضل الأيام كلها لأن الله خـلق السموات والأرض والأقوات فـي ستة أيام وسَبَت له كل شيء مطيعا يوم السبت, وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريـم حين أمرهم بـالـجمعة, قالوا له: كيف تأمرنا بـالـجمعة, وأوّل الأيام أفضلها وسيدها, والأول أفضل, والله واحد, والواحد الأول أفضل؟ فأوحى الله إلـى عيسى أن دعهم والأحد, ولكن لـيفعلوا فـيه كذا وكذا مـما أمرهم به. فلـم يفعلوا, فقصّ الله تعالـى قصصهم فـي الكتاب بـمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لـموسى حين قالت له الـيهود ما قالوا فـي أمر السبت: أن دعهم والسبت فلا يصيدوا فـيه سمكا ولا غيره, ولا يعملون شيئا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الـحيتان علـى الـماء فهو قوله: إذْ تأتِـيهمْ حِيتانُهُمْ يَوْم سَبتِهمْ شُرّعا يقول: ظاهرة علـى الـماء, ذلك لـمعصيتهم موسى. وإذا كان غير يوم السبت صارت صيدا كسائر الأيام, فهو قوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تأتِـيهِمْ. ففعلت الـحيتان ذلك ما شاء الله فلـما رأوها كذلك طمعوا فـي أخذها وخافوا العقوبة, فتناول بعضهم منها فلـم تـمتنع علـيه, وحذر العقوبة التـي حذّرهم موسى من الله تعالـى. فلـما رأوا أن العقوبة لا تـحلّ بهم عادوا وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولـم يصبهم شيء, فكثروا فـي ذلك وظنوا أن ما قال لهم موسى كان بـاطلاً, وهو قول الله جل ثناؤه: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خاسِئِينَ يقول لهؤلاء الذين صادوا السمك, فمسخهم الله قردة بـمعصيتهم, يقول: إذا لـم يحيوا فـي الأرض إلا ثلاثة أيام, ولـم تأكل, ولـم تشرب, ولـم تنسل, وقد خـلق الله القردة والـخنازير وسائر الـخـلق فـي الستة الأيام التـي ذكر الله فـي كتابه, فمسخ هؤلاء القوم فـي صورة القردة, وكذلك يفعل بـمن شاء كما يشاء, ويحوّله كما يشاء.<br />
  836ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, قال: حدثنا مـحمد بن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس, قال: قال ابن عبـاس: إن الله إنـما افترض علـى بنـي إسرائيـل الـيوم الذي افترض علـيكم فـى عيدكم يوم الـجمعة, فخالفوا إلـى السبت فعظموه وتركوا ما أمروا به, فلـما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فـيه, فحرّم علـيهم ما أحلّ لهم فـي غيره. وكانوا فـي قرية بـين أيـلة والطور يقال لها «مَدْيَن», فحرّم الله علـيهم فـي السبت الـحيتان صيدها وأكلها, وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إلـيهم شُرّعا إلـى ساحل بحرهم, حتـى إذا ذهب السبت ذهبن, فلـم يروا حوتا صغيرا ولا كبـيرا. حتـى إذا كان يوم السبت أتـين إلـيهم شرّعا, حتـى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك, حتـى إذا طال علـيهم الأمد وقَرِموا إلـى الـحيتان, عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرّا يوم السبت فخَزَمه بخيط, ثم أرسله فـي الـماء, وأوتَد له وتدا فـي الساحل, فأوثقه ثم تركه. حتـى إذا كان الغد جاء فأخذه أي إنـي لـم آخذه فـي يوم السبت, ثم انطلق به فأكله. حتـى إذا كان يوم السبت الاَخر عاد لـمثل ذلك. ووجد الناس ريح الـحيتان. فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الـحيتان. ثم عثروا علـى ما صنع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل, وأكلوا سرّا زمانا طويلاً لـم يعجل الله علـيهم بعقوبة حتـى صادوها علانـية وبـاعوها بـالأسواق, وقالت طائفة منهم من أهل التقـية: ويحكم اتقوا الله ونهوهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفة أخرى لـم تأكل الـحيتان ولـم تنه القوم عما صنعوا: لِـمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أو مُعَذّبُهُمْ عَذَابـا شَدِيدا قالُوا مَعْذِرة إلـى ربّكُمْ لسخطنا أعمالهم ولعلهم يتقون.<br />
  قال ابن عبـاس: فبـينـما هم علـى ذلك أصبحت تلك البقـية فـي أنديتهم ومساجدهم, وفقدوا الناس فلا يرونهم, فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا فـانظروا ما هو فذهبوا ينظرون فـي دورهم, فوجدوها مغلقة علـيهم, قد دخـلوا لـيلاً فغلقوها علـى أنفسهم كما تغلق الناس علـى أنفسهم, فأصبحوا فـيها قردة, إنهم لـيعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد, والـمرأة بعينها وإنها لقردة, والصبـي بعينه وإنه لقرد.<br />
  قال: يقول ابن عبـاس: فلولا ما ذكر الله أنه أنـجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الـجميع منهم. قالوا: وهي القرية التـي قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: واسألْهُمْ عنِ القَرْيَةِ الّتِـي كانَتْ حاضرةَ البَحْرِ الآية.<br />
  837ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِين اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قردة خاسِئِينَ أحلت لهم الـحيتان وحرمت علـيهم يوم السبت بلاءً من الله لـيعلـم من يطيعه مـمن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونهى عن الـمعصية, وأما صنف فأمسك عن حرمة الله, وأما صنف فـانتهك حرمة الله ومرَد علـى الـمعصية, فلـما أبوا إلا الاعتداء إلـى ما نهوا عنه, قال الله لهم: كُونُوا قِرَدَة خاسِئِينَ فصاروا قردة لها أذنابٌ, تَعَاوَى, بعد ما كانوا رجالاً ونساء.<br />
  838ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أنا معمر, عن قتادة فـي قوله: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْت قال: نُهوا عن صيد الـحيتان يوم السبت, فكانت تشرع إلـيهم يوم السبت, وبُلوا بذلك فـاعتدوا فـاصطادوها, فجعلهم الله قردة خاسئين.<br />
  839ـ حدثنـي موسى قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: ولَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِين اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فـي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِردة خاسِئِينَ قال: فهم أهل أيـلة, وهي القرية التـي كانت حاضرة البحر. فكانت الـحيتان إذا كان يوم السبت وقد حرّم الله علـى الـيهود أن يعملوا فـي السبت شيئا لـم يبق فـي البحر حوت إلا خرج حتـى يخرجن خراطيـمهن من الـماء, فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلـم ير منهن شيء حتـى يكون يوم السبت. فذلك قوله: وَاسألْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الّتِـي كانَتْ حاضِرَة البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِـي السّبْتِ إذْ تأتِـيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرّعا ويَوْمَ لا يَسْبِتُون لا تأتِـيهِمْ. فـاشتهى بعضهم السمك, فجعل الرجل يحفر الـحفـيرة ويجعل لها نهرا إلـى البحر, فإذا كان يوم السبت فتـح النهر, فأقبل الـموج بـالـحيتان يضربها حتـى يـلقـيها فـي الـحفـيرة, ويريد الـحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر, فـيـمكث, فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السمك, فـيجد جاره ريحه, فـيسأله فـيخبره فـيصنع مثل ما صنع جاره. حتـى إذا فشا فـيهم أكل السمك قال لهم علـماؤهم: ويحكم إنـما تصطادون السمك يوم السبت, وهو لا يحلّ لكم فقالوا: إنـما صدناه يوم الأحد حين أخذناه, فقال الفقهاء: لا, ولكنكم صدتـموه يوم فتـحتـم له الـماء فدخـل فقالوا: لا. وعتوا أن ينتهوا, فقال بعض الذين نهوهم لبعض: لِـمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابـا شَدِيدا يقول: لـم تعظونهم وقد وعظتـموهم فلـم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: مَعْذِرةً إلَـى رَبّكُمْ ولعلّهم يَتّقُون. فلـما أبوا قال الـمسلـمون: والله لا نساكنكم فـي قرية واحدة فقسموا القرية بجدار, ففتـح الـمسلـمون بـابـا والـمعتدون فـي السبت بـابـا, ولعنهم داود. فجعل الـمسلـمون يخرجون من بـابهم والكفـار من بـابهم فخرج الـمسلـمون ذات يوم ولـم يفتـح الكفـار بـابهم, فلـما أبطئوا علـيهم تسوّر الـمسلـمون علـيهم الـحائط, فإذا هم قردة يثب بعضهم علـى بعض, ففتـحوا عنهم فذهبوا فـي الأرض. فذلك قول الله عز وجل: فَلَـمّا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فذلك حين يقول: لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِـي إسْرَائِيـلَ علـى لِسانِ دَاوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ فهم القردة.<br />
  840ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ قال: لـم يـمسخوا إنـما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الـحمار يحمل أسفـارا.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: وَلَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِـي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خَاسِئِينَ قال: مسخت قلوبهم, ولـم يـمسخوا قردة, وإنـما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الـحمار يحمل أسفـارا.<br />
  وهذا القول الذي قاله مـجاهد قول لظاهر ما دل علـيه كتاب الله مخالف, وذلك أن الله أخبر فـي كتابه أنه جعل منهم القردة والـخنازير وعبد الطاغوت, كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبـيـم: أرِنا اللّهَ جَهْرَةً وأن الله تعالـى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم وأنهم عبدوا العجل, فجعل توبتهم قتل أنفسهم, وأنهم أُمروا بدخول الأرض الـمقدسة, فقالوا لنبـيهم: اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ فـابتلاهم بـالتـيه. فسواء قال قائل: هم لـم يـمسخهم قردة, وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير, وآخر قال: لـم يكن شيء مـما أخبر الله عن بنـي إسرائيـل أنه كان منهم من الـخلاف علـى أنبـيائهم والعقوبـات والأنكال التـي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئا من ذلك وأقرّ بآخر منه, سئل البرهان علـى قوله وعورض فـيـما أنكر من ذلك بـما أقرّ به, ثم يسأل الفرق من خبر مستفـيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مـجاهد قول جميع الـحجة التـي لا يجوز علـيها الـخطأ والكذب فـيـما نقلته مـجمعة علـيه, وكفـى دلـيلاً علـى فساد قول إجماعها علـى تـخطئته.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قرَدَةً خاسِئِينَ.<br />
  يعنـي بقوله: فَقُلْنَا لَهُمْ أي فقلنا للذين اعتدوا فـي السبت يعنـي فـي يوم السبت. وأصل السبت الهدوّ السكون فـي راحة ودعة, ولذلك قـيـل للنائم مسبوت لهدوّه وسكون جسده واستراحته, كما قال جل ثناؤه: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُبـاتا أي راحة لأجسادكم, وهو مصدر من قول القائل: سبت فلان يسبُتُ سَبْتا. وقد قـيـل إنه سمي سبتا لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الـجمعة, وهو الـيوم الذي قبله, من خـلق جميع خـلقه.<br />
  وقوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِين أي صيروا كذلك. والـخاسىء: الـمبعد الـمطرود كما يخسأ الكلب, يقال منه: خسأته أخسؤه خَسْأً وخُسوءا, وهو يخسأ خُسوءا, قال: ويقال خسأته فخسأ وانـخسأ, ومنه قول الراجز:<br />
 كالكَلْبِ إنْ قُلْتَ لَهُ اخْسأ انْـخَسأْ <br />
  يعنـي إن طردته انطرد ذلـيلاً صاغرا. فكذلك معنى قوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي مبعدين من الـخير أذلاء صغراء. كما:<br />
  841ـ حدثنا بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ قال: صاغرين.<br />
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد, مثله.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.<br />
  842ـ حدثنـي الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: خاسِئِينَ قال: صاغرين.<br />
  843ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي أذلة صاغرين.<br />
  844ـ وحدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: خاسئا: يعنـي ذلـيلاً.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الهاء والألف فـي قوله: فَجَعَلْناها وعلام هي عائدة, فروي عن ابن عبـاس فـيها قولان: أحدهما ما:<br />
  845ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: فَجَعَلْنَاها فجعلنا تلك العقوبة وهي الـمسخة نكالاً. فـالهاء والألف من قوله: فَجَعَلْناها علـى قول ابن عبـاس هذا كناية عن الـمسخة, وهي «فَعْلَة» من مَسَخَهم الله مَسْخَةً. فمعنى الكلام علـى هذا التأويـل: فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِردَةً خاسِئِينَ فصاروا قردة مـمسوخين فَجَعَلْناها فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وما خَـلْفَها وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ. والقول الاَخر من قولـي ابن عبـاس ما:<br />
  846ـ حدثنـي به مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس: فجَعَلْناها يعنـي الـحيتان. والهاء والألف علـى هذا القول من ذكر الـحيتان, ولـم يجر لها ذكر. ولكن لـما كان فـي الـخبر دلالة كنـي عن ذكرها, والدلالة علـى ذلك قوله: ولَقَدْ عَلِـمْتُـمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فـي السّبْتِ.<br />
  وقال آخرون: فجعلنا القرية التـي اعتدى أهلها فـي السبت. فـالهاء والألف فـي قول هؤلاء كناية عن قرية القوم الذين مسخوا.<br />
  وقال آخرون: معنى ذلك: فجعلنا القردة الذين مسخوا نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها, فجعلوا الهاء والألف كناية عن القردة.<br />
  وقال آخرون: فجَعَلْناها يعنـي به: فجعلنا الأمة التـي اعتدت فـي السبت نكالاً.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: نَكالاً.<br />
  والنكال مصدر من قول القائل: نكل فلان بفلان تنكيلاً ونكالاً, وأصل النكال: العقوبة, كما قال عديّ بن زيد العبـادي:<br />
 لا يَسخُطّ الضّلّـيـلُ ما صَنَعَ الْعَبْدُ وَلا فِـي نَكالِهِ تَنْكِيرُ <br />
  وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك رُوي الـخبر عن ابن عبـاس:<br />
  847ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: نَكالاً يقول: عقوبة.<br />
  848ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنـي إسحاق, قال: حدثنـي ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: فجَعَلْناها نَكالاً أي عقوبة.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها.<br />
  اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك. فقال بعضهم بـما:<br />
  849ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: لِـمَا بـينَ يَدَيْها يقول: لـيحذر من بعدهم عقوبتـي, وَما خَـلْفَها يقول: الذين كانوا بقوا معهم.<br />
  850ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: لِـمَا بـينَ يَدَيْهَا وَما خَـلْفَها لـما خلا لهم من الذنوب, وما خـلفها: أي عبرة لـمن بقـي من الناس. وقال آخرون بـما:<br />
  851ـ حدثنـي ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس, قال: قال ابن عبـاس: فجَعلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها أي من القرى. وقال آخرون بـما:<br />
  852ـ حدثنا به بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال الله: فَجَعَلْناها نَكالاً لِـما بـينَ يَدَيْها من ذنوب القوم, وَما خَـلْفَها أي للـحيتان التـي أصابوا.<br />
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: لِـمَا بـينَ يَدَيْها من ذنوبها وَما خَـلْفَها من الـحيتان.<br />
  853ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنـي عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: لِـمَا بـينَ يَدَيْها ما مضى من خطاياهم إلـى أن هلكوا به.<br />
   حدثنـيالـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها يقول: بـين يديها ما مضى من خطاياهم, وما خـلفها: خطاياهم التـي هلكوا بها.<br />
   حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, مثله إلا أنه قال: وَما خَـلْفَها خطيئتهم التـي هلكوا بها. وقال آخرون بـما:<br />
  854ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فجَعَلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها قال: أما ما بـين يديها: فما سلف من عملهم, وماخـلفها: فمن كان بعدهم من الأمـم أن يعصوا فـيصنع الله بهم مثل ذلك. وقال آخرون بـما:<br />
  855ـ حدثنـي به ابن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال: حدثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: فَجَعَلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها ومَا خَـلْفَها يعنـي الـحيتان جعلها نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها من الذنوب التـي عملوا قبل الـحيتان, وما عملوا بعد الـحيتان, فذلك قوله: ما بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها.<br />
  وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وذلك لـما وصفنا من أن الهاء والألف فـي قوله: فجَعَلْناها نَكالاً بأن تكون من ذكر العقوبة والـمَسْخة التـي مسخها القوم أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها, من أجل أن الله جل ثناؤه إنـما يحذّر خـلقه بأسه وسطوته, وبذلك يخوّفهم. وفـي إبـانته عز ذكره بقوله: نَكالاً أنه عنى به العقوبة التـي أحلها بـالقوم ما يعلـم أنه عنى بقوله: فجَعَلْناهَا نَكالاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها: فجعلنا عقوبتنا التـي أحللناها بهم عقوبة لـما بـين يديها وما خـلفها, دون غيره من الـمعانـي. وإذا كانت الهاء والألف بأن تكون من ذكر الـمسخة والعقوبة أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها, فكذلك العائد فـي قوله: لِـمَا بـينَ يَدَيها وَما خَـلْفَها من الهاء والألف أن يكون من ذكر الهاء والألف اللتـين فـي قوله: فَجَعَلْناها أولـى من أن يكون من غيره.<br />
  فتأويـل الكلام إذا كان الأمر علـى ما وصفنا: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين, فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لـما بـين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم, ولـما خـلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم, أن يعمل بها عامل, فـيـمسخوا مثل ما مسخوا, وأن يحلّ بهم مثل الذي حلّ بهم تـحذيرا من الله تعالـى ذكره عبـاده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتـى الـمـمسوخون فـيعاقبوا عقوبتهم.<br />
  وأما الذي قال فـي تأويـل ذلك: فجَعَلْناها يعنـي الـحيتان عقوبة لـما بـين يدي الـحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم, فإنه أبْعَدَ فـي الانتزاع وذلك أن الـحيتان لـم يجر لها ذكر فـيقال: فجَعَلْناها فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز وإن لـم يكن جرى للـحيتان ذكر, لأن العرب قد تكنـي عن الاسم ولـم يجر له ذكر, فإن ذلك وإن كان كذلك, فغير جائز أن يترك الـمفهوم من ظاهر الكتاب والـمعقول به ظاهر فـي الـخطاب والتنزيـل إلـى بـاطن لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فـيه من الـحجة إجماع مستفـيض.<br />
  وأما تأويـل من تأوّل ذلك: لـما بـين يديها من القرى وما خـلفها, فـينظر إلـى تأويـل من تأول ذلك بـما بـين يدي الـحيتان وما خـلفها.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَمَوْعِظَةً.<br />
  والـموعظة مصدر من قول القائل: وعظت الرجل أعظه وَعْظا وموعظة: إذا ذكّرته.<br />
  فتأويـل الآية: فجعلناها نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها, وتذكرة للـمتقـين, لـيتعظوا بها, ويعتبروا, ويتذكروا بها, كما:<br />
  856ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَمَوْعِظَةً يقول: وتذكرة وعبرة للـمتقـين.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى للْـمَتّقِـينَ.<br />
  وأما الـمتقون فهم الذين اتقوا بأداء فرائضه واجتناب معاصيه كما:<br />
  857ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ يقول: للـمؤمنـين الذين يتقون الشرك, ويعملون بطاعتـي. فجعل تعالـى ذكره ما أحلّ بـالذين اعتدوا فـي السبت من عقوبته موعظة للـمتقـين خاصة وعبرة للـمؤمنـين دون الكافرين به إلـى يوم القـيامة.<br />
  858ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, عن داود بن الـحصين, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس, عن عبد الله بن عبـاس فـي قوله: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ إلـى يوم القـيامة.<br />
  859ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ: أي بعدهم.<br />
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله.<br />
  860ـ حدثنا موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أما موعظة للـمتقـين, فهم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.<br />
  861ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ قال: فكانت موعظة للـمتقـين خاصة.<br />
  862ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج فـي قوله: وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ: أي لـمن بعدهم.<br />
</font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=227244</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة ايه 60 -61</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=227117&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Thu, 12 Nov 2009 17:47:25 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 60
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَإِذِ اسْتَسْقَىَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاسٍ مّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رّزْقِ اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ }
   عنـي بقوله: وَإِذِ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ: وإذ استسقانا موسى لقومه: أي سألنا أن نسقـي قومه ماء. فترك ذكر الـمسؤول ذلك, والـمعنى الذي سأل موسى, إذ كان فـيـما ذكر من الكلام الظاهر دلالة علـى معنى ما ترك. وكذلك قوله: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الـحَجَرَ فَـانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنا مـما استغنـي بدلالة الظاهر علـى الـمتروك منه. وذلك أن معنى الكلام, فقلنا: اضرب بعصاك الـحجر, فضربه فـانفجرت. فترك ذكر الـخبر عن ضرب موسى الـحجر, إذ كان فـيـما ذكر دلالة علـى الـمراد منه. وكذلك قوله: قَدْ عَلِـمَ كُلّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ إنـما معناه: قد علـم كل أناس منهم مشربهم, فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن الناس جمع لا واحد له من لفظه, وأن الإنسان لو جمع علـى لفظه لقـيـل: أناسيّ وأناسية. وقوم موسى هم بنو إسرائيـل الذين قصّ الله عز وجل قصصهم فـي هذه الاَيات, وإنـما استسقـى لهم ربه الـماء فـي الـحال التـي تاهوا فـيها فـي التـيه, كما:
  752ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد بن أبـي عروبة, عن قتادة قوله: وَإِذِ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ الآية قال: كان هذا إذ هم فـي البرية اشتكوا إلـى نبـيهم الظمأ, فأمروا بحجر طوريّ أي من الطور أن يضربه موسى بعصاه, فكانوا يحملونه معهم, فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا, لكل سبط عين معلومة مستفـيض ماؤها لهم.
  753ـ حدثنـي تـميـم بن الـمنتصر, قال: حدثنا يزيد بن هارون, قال: حدثنا أصبغ بن زيد, عن القاسم بن أبـي أيوب, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: ذلك فـي التـيه ظلل علـيهم الغمام, وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, وجعل لهم ثـيابـا لا تبلـى ولا تتسخ, وجعل بـين ظهرانـيهم حجر مربّع, وأمر موسى فضرب بعصاه الـحجر, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فـي كل ناحية منه ثلاث عيون, لكل سبط عين, ولا يرتـحلون مَنْقلة إلا وجدوا ذلك الـحجر معهم بـالـمكان الذي كان به معهم فـي الـمنزل الأول.
  754ـ حدثنـي عبد الكريـم, قال: أخبرنا إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا سفـيان, عن أبـي سعيد, عن عكرمة عن ابن عبـاس, قال: ذلك فـي التـيه, ضرب لهم موسى الـحجر, فصار فـيه اثنتا عشرة عينا من ماء, لكل سبط منهم عين يشربون منها.
  755ـ وحدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الـحَجَرَ فـانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنا لكل سبط منهم عين, كل ذلك كان فـي تـيههم حين تاهوا.
   حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: وَإذِ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ قال: خافوا الظمأ فـي تـيههم حين تاهوا, فـانفجر لهم الـحجر اثنتـي عشرة عينا ضربه موسى. قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: الأسبـاط: بنو يعقوب كانوا اثنـي عشر رجلاً كل واحد منهم ولد سبطا أمّة من الناس.
  756ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: استسقـى لهم موسى فـي التـيه, فسقوا فـي حجر مثل رأس الشاة. قال: يـلقونه فـي جوانب الـجوالق إذا ارتـحلوا, ويقرعه موسى بـالعصا إذا نزل, فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا, لكل سبط منهم عين. فكان بنو إسرائيـل يشربون منه, حتـى إذا كان الرحيـل استـمسكت العيون, وقـيـل به فألقـي فـي جانب الـجوالق, فإذا نزل رُمي به. فقرعه بـالعصا, فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.
  757ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنـي أسبـاط, عن السدي, قال: كان ذلك فـي التـيه.
  وأما قوله: قَدْ عَلِـمَ كُلّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ فإنـما أخبر الله عنهم بذلك, لأن معناهم فـي الذي أخرج الله جل وعز لهم من الـحجر الذي وصف جل ذكره فـي هذه الآية صفته من الشرب كان مخالفـا معانـي سائر الـخـلق عن ذكره ما ترك ذكره. وذلك أن تأويـل الكلام: فَقُلْنَا اضْرِبْ بعَصَاكَ الـحَجَرَ فضربه فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا, قد علـم كل أناس مشربهم, فقـيـل لهم: كلوا واشربوا من رزق الله أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم فـي التـيه من الـمنّ والسلوى, وبشرب ما فجر لهم فـيه من الـماء من الـحجر الـمتعاور الذي لا قرار له فـي الأرض ولا سبـيـل إلـيه لـمالكيه يتدفق بعيون الـماء ويزخر بـينابـيع العذب الفرات بقدرة ذي الـجلال والإِكرام ثم تقدم جل ذكره إلـيهم مع إبـاحتهم ما أبـاح وإنعامه علـيهم بـما أنعم به علـيهم من العيش الهنـيء بـالنهي عن السعي فـي الأرض فسادا والعثا فـيها استكبـارا فقال جل ثناؤه: لهم ولا تعثوا فـي الأرض مفسدين القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ولا تعثوا فـي الأرض مفسدين} يعنـي بقوله لا تعثوا لا تطغوا ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين كما:
  758ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.
  759ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:
  760ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.
  761ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:
  762ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.
  763ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:
  764ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.
  765ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:
  766ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.
  767ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:
  768ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.
  769ـ حد لن نطيق حبس أنفسنا علـى طعام واحد وذلك الطعام الواحد هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه فـي تـيههم وهو السلوى فـي قول بعض أهل التأويـل, وفـي قول وهب بن منبه هو الـخبز النّقـيّ مع اللـحم فـاسأل لنا ربك يخرج لنا مـما تنبت الأرض من البقل والقثاء. وما سمى الله مع ذلك وذكر أنهم سألوه موسى. وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فـيـما بلغنا, ما:
  770ـ حدثنا به بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِر علـى طَعامٍ وَاحِدٍ قال: كان القوم فـي البرية قد ظلل علـيهم الغمام, وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, فملوا ذلك, وذكروا عيشا كان لهم بـمصر, فسألوه موسى, فقال الله تعالـى: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: لَنْ نَصْبِرَ علـى طَعامٍ وَاحِدٍ قال: ملوا طعامهم, وذكروا عيشهم الذي كانوا فـيه قبل ذلك, قالُوا ادْعُ لَنّا ربّكَ يُخْرِجْ لَنا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثائِها وَفُومِها... الآية.
  771ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ علـى طعَامٍ وَاحِدٍ قال: كان طعامهم السلوى, وشرابهم الـمنّ, فسألوا ما ذكر, فقـيـل لهم: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.
  قال أبو جعفر, وقال قتادة: إنهم لـما قدموا الشأم فقدوا أطعمتهم التـي كانوا يأكلونها, فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثّائِها وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا وكانوا قد ظلل علـيهم الغمام وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, فملوا ذلك, وذكروا عيشا كانوا فـيه بـمصر.
  772ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, قال: سمعت ابن أبـي نـجيح فـي قوله عزّ وجل: لَنْ نَصْبِرَ علـى طَعامٍ وَاحِدٍ الـمنّ والسلوى, فـاستبدلوا به البقل وما ذكر معه.
  773ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد بـمثله سواء.
   حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد بـمثله.
  774ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أعطوا فـي التـيه ما أعطوا, فملوا ذلك.
الآية : 61
تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَىَ بِالّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنّ لَكُمْ مّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }
   775ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أنبأنا ابن زيد, قال: كان طعام بنـي إسرائيـل فـي التـيه واحدا, وشرابهم واحدا, كان شرابهم عسلاً ينزل لهم من السماء يقال له الـمنّ, وطعامهم طير يقال له السلوى, يأكلون الطير ويشربون العسل, لـم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره. فقالوا: يا موسى إنا لن نصبر علـى طعام واحد, فـادع لنا ربك يخرج لنا مـما تنبت الأرض من بقلها فقرأ حتـى بلغ: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.
  وإنـما قال جل ذكره: يُخْرِجْ لَنا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ولـم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه لـيخرج لهم من الأرض, فـيقول: قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مـما تنبته الأرض من بقلها وقثائها, لأن «من» تأتـي بـمعنى التبعيض لـما بعدها, فـاكْتُفـي بها عن ذكر التبعيض, إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بـالكلام الذي هي فـيه كقول القائل: أصبح الـيوم عند فلان من الطعام يريد شيئا منه.
  وقد قال بعضهم: «من» ههنا بـمعنى الإلغاء والإسقاط, كأن معنى الكلام عنده: يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها. واستشهد علـى ذلك بقول العرب: ما رأيت من أحد, بـمعنى: ما رأيت أحدا, وبقول الله: وَيُكَفّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيّئَاتِكُمْ وبقولهم: قد كان من حديث, فخـلّ عنـي حتـى أذهب, يريدون: قد كان حديث.
  وقد أنكر من أهل العربـية جماعة أن تكون «من» بـمعنى الإلغاء فـي شيء من الكلام, وادّعُوا أنّ دخولها فـي كل موضع دخـلت فـيه مؤذن أن الـمتكلـم مريد لبعض ما أدخـلت فـيه لا جميعه, وأنها لا تدخـل فـي موضع إلا لـمعنى مفهوم.
  فتأويـل الكلام إذا علـى ما وصفنا من أمر من ذكرنا: فـادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها. والبقل والقثاء والعدس والبصل, هو ما قد عرفه الناس بـينهم من نبـات الأرض وحبها. وأما الفوم, فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيه. فقال بعضهم: هو الـحنطة والـخبز. ذكر من قال ذلك.
  776ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد ومؤمل, قالا: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن عطاء, قال: الفوم: الـخبز.
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, حدثنا سفـيان, عن ابن جريج, عن عطاء ومـجاهد قوله: وَفُومِها قالا: خبزها.
   حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة ومـحمد بن عمرو, قالا: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى بن ميـمون, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: وَفُومِها قال: الـخبز.
  777ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة والـحسن: الفوم: هو الـحبّ الذي تـختبزه الناس.
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة والـحسن بـمثله.
  778ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا حصين, عن أبـي مالك فـي قوله: وَفُومِها قال: الـحنطة.
  779ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر عن السدي: وَفُومِهَا الـحنطة.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عمرو بن عون, قال: حدثنا هشيـم, عن يونس, عن الـحسن وحصين, عن أبـي مالك فـي قوله: وَفُومِها: الـحنطة.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر الرازي, عن قتادة قال: الفوم: الـحبّ الذي يختبز الناس منه.
   حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء بن أبـي ربـاح قوله: وَفُومِها قال: خبزها. قالها مـجاهد.
  780ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال لـي ابن زيد: الفوم: الـخبز.
  781ـ حدثنـي يحيى بن عثمان السهمي, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَفُومِها يقول: الـحنطة والـخبز.
   حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَفُومِها قال: هو البرّ بعينه الـحنطة.
   حدثنا علـيّ بن الـحسن, قال: حدثنا مسلـم الـجرمي, قال: حدثنا عيسى بن يونس, عن رشدين بن كريب, عن أبـيه, عن ابن عبـاس فـي قول الله عزّ وجل: وَفُومِها قال: الفوم: الـحنطة بلسان بنـي هاشم.
  782ـ حدثنـي عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الـحكم, قال: حدثنا عبد العزيز بن منصور, عن نافع بن أبـي نعيـم أن عبد الله بن عبـاس سئل عن قول الله: وَفُومِها قال: الـحنطة, أما سمعت قول أحيحة بن الـجلاح وهو يقول:
 قَدْ كُنْتُ أغْنَى النّاسِ شَخْصا وَاحداوَرَدَ الـمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ 
  وقال آخرون: هو الثوم. ذكر من قال ذلك:
  783ـ حدثنـي أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا شريك, عن لـيث, عن مـجاهد, قال: هو هذا الثوم.
  784ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, قال: الفوم: الثوم.
  وهو فـي بعض القراءات «وثومها». وقد ذكر أن تسمية الـحنطة والـخبز جميعا فوما من اللغة القديـمة, حكي سماعا من أهل هذه اللغة: فوّموا لنا, بـمعنى اختبزوا لنا وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود «وثومها» بـالثاء. فإن كان ذلك صحيحا فإنه من الـحروف الـمبدلة, كقولهم: وقعوا فـي عاثور شرّ وعافور شرّ, وكقولهم للأثافـي أثاثـي, وللـمغافـير مغاثـير, وما أشبه ذلك مـما تقلب الثاء فـاء والفـاء ثاء لتقارب مخرج الفـاء من مخرج الثاء. والـمغافـير شبـيه بـالشيء الـحلو يشبه بـالعسل ينزل من السماء حلوا يقع علـى الشجر ونـحوها.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أدْنَى بـالّذِي هُوَ خَيْرٌ.
  يعنـي بقوله: قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أدْنى بـالّذِي هُوَ خَيْرٌ قال لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخسّ خطرا وقـيـمة وقدرا من العيش, بدلاً بـالذي هو خير منه خطرا وقـيـمة وقدرا وذلك كان استبدالهم. وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لاَخر غيره مكان الـمتروك. ومعنى قوله: أدْنى أخسّ وأوضع وأصغر قدرا وخطرا, وأصله من قولهم: هذا رجل دنـيّ بـيّن الدناءة, وإنه لـيدنـي فـي الأمور بغير همز إذا كان يتتبع خسيسها. وقد ذكر الهمز عن بعض العرب فـي ذلك سماعا منهم, يقولون: ما كنت دنـيا ولقد دنأت. وأنشدنـي بعض أصحابنا عن غيره أنه سمع بعض بنـي كلاب ينشد بـيت الأعشى:
 بـاسِلَةُ الوَقْعِ سَرَابِـيـلُهابِـيضٌ إلـى دانِئها الظّاهرِ 
  بهمز الدانىء, وأنه سمعهم يقولون: إنه لدانىء خبـيث, بـالهمز. فإن كان ذلك عنهم صحيحا, فـالهمز فـيه لغة وتركه أخرى.
  ولا شكّ أن من استبدل بـالـمنّ والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم, فقد استبدل الوضيع من العيش بـالرفـيع منه.
  وقد تأول بعضهم قوله: الّذي هُوَ أدْنَى بـمعنى الذي هو أقرب, ووجه قوله: أدنى إلـى أنه أفعل من الدنوّ الذي هو بـمعنى القرب. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: الّذِي هُوَ أدْنى قاله عدد من أهل التأويـل فـي تأويـله. ذكر من قال ذلك:
  785ـ حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قال: أتَسْتَبْدِلُونَ الّذي هُوَ أدْنى بـالّذِي هُوَ خَيْرٌ يقول: أتستبدلون الذي هو شرّ بـالذي هو خير منه؟.
  786ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: الّذِي هُوَ أدْنى قال: أردأ.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.
  وتأويـل ذلك: فدعا موسى فـاستـجبنا له, فقلنا لهم: اهبطوا مصر. وهو من الـمـحذوف الذي اجتزىء بدلالة ظاهره علـى ذكر ما حذف وترك منه. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معنى الهبوط إلـى الـمكان إنـما هو النزول إلـيه والـحلول به.
  فتأويـل الآية إذا: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ علـى طَعامٍ وَاحِدٍ فـادْعُ لَنا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثائها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخسّ وأردأ من العيش بـالذي هو خير منه؟ فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه, فـاستـجاب الله له دعاءه, فأعطاهم ما طلبوا, وقال الله لهم: اهْبُطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.
  ثم اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: مِصْرا فقرأه عامة القرّاء: «مصرا» بتنوين الـمصر وإجرائه وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه. فأما الذين نوّنوه وأجروه, فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار لا مصرا بعينه, فتأويـله علـى قراءتهم: اهبطوا مصرا من الأمصار, لأنكم فـي البدو, والذي طلبتـم لا يكون فـي البوادي والفـيافـي, وإنـما يكون فـي القرى والأمصار, فإن لكم إذا هبطتـموه ما سألتـم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بـالإجراء والتنوين, كان تأويـل الكلام عنده: اهبطوا مصرا البلدة التـي تعرف بهذا الاسم وهي «مصر» التـي خرجوا عنها, غير أنه أجراها ونوّنها اتبـاعا منه خط الـمصحف, لأن فـي الـمصحف ألفـا ثابتة فـي مصر, فـيكون سبـيـل قراءته ذلك بـالإجراء والتنوين سبـيـل من قرأ: قَوَارِيرا قَوَارِيرا مِنْ فِضّةٍ منوّنة اتبـاعا منه خط الـمصحف. وأما الذي لـم ينوّن مصر فإنه لا شك أنه عنى مصر التـي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها.
  وقد اختلف أهل التأويـل فـي ذلك نظير اختلاف القرّاء فـي قراءته.
  787ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: اهْبِطُوا مِصْرا أي مصرا من الأمصار فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.
  788ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: اهْبُطُوا مِصْرا من الأمصار, فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ فلـما خرجوا من التـيه رفع الـمنّ والسلوى وأكلوا البقول.
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنـي آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن قتادة فـي قوله: اهْبُطُوا مِصْرا قال: يعنـي مصرا من الأمصار.
  789ـ وحدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد: اهْبِطُوا مِصْرا قال: مصرا من الأمصار, زعموا أنهم لـم يرجعوا إلـى مصر.
  790ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: اهْبِطُوا مِصْرا قال: مصرا من الأمصار. ومصر لا تـجري فـي الكلام, فقـيـل: أيّ مصر؟ فقال: الأرض الـمقدسة التـي كتب الله لهم. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدّسَةَ الّتِـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ.
  وقال آخرون: هي مصر التـي كان فـيها فرعون. ذكر من قال ذلك:
  791ـ حدثنـي الـمثنى, حدثنا آدم, حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: اهْبِطُوا مِصْرا قال: يعنـي به مصر فرعون.
  792ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, عن ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.
  ومن حجة من قال: إن الله جل ثناؤه إنـما عنى بقوله: اهْبُطُوا مِصْرا مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها, أن الله جعل أرض الشام لبنـي إسرائيـل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر, وإنـما ابتلاهم بـالتـيه بـامتناعهم علـى موسى فـي حرب الـجبـابرة إذ قال لهم: يا قَوْمُ ادْخُـلُوا الأرْضُ الـمُقَدّسَةَ الّتِـي كَتَبَ اللّهُ لكُمْ وَلاَ تَرْتَدّوا علـى أدْبـارِكُم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يا مُوسَى إنّ فِـيهَا قَوْما جَبّـارِينَ إلـى قوله: إنّا لَنْ نَدْخُـلَها أبَدا ما دَامُوا فِـيها فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قَاعِدُونَ. فحرّم الله جل وعز علـى قائل ذلك فـيـما ذكر لنا دخولها حتـى هلكوا فـي التـيه وابتلاهم بـالتـيهان فـي الأرض أربعين سنة, ثم أهبط ذرّيتهم الشام, فأسكنهم الأرض الـمقدسة, وجعل هلاك الـجبـابرة علـى أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفـاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض الـمقدسة, ولـم يخبرنا عنهم أنه ردّهم إلـى مصر بعد إخراجه إياهم منها, فـيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر, ونتأوّله أنه ردّهم إلـيها.
  قالوا: فإن احتـجّ مـحتـجّ بقول الله جل ثناؤه: فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيـمٍ كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِـي إسْرَائِيـلَ. قـيـل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنـما أورثهم ذلك فملكهم إياها ولـم يردّهم إلـيها, وجعل مساكنهم الشأم. 
  وأما الذين قالوا: إن الله إنـما عنى بقوله جل وعز: اهْبِطُوا مِصْرا مِصْرَ, فإن من حجتهم التـي احتـجوا بها الآية التـي قال فـيها: فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيـمٍ كَذَلِكَ وَأوْرَثْنَاها بَنِـي إسْرَائِيـلَ وقوله: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيـمٍ وَنِعْمَةٍ كانُوا فِـيها فـاكِهِينَ كذلِكَ وأوْرَثْناها قَوْما آخَرِينَ. قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم, فلـم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بـمصير بعضهم إلـيها, وإلا فلا وجه للانتفـاع بها إن لـم يصيروا أو يصر بعضهم إلـيها. قالوا: وأخرى أنها فـي قراءة أبـيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود: «اهْبِطُوا مِصْرَ» بغير ألف, قالوا: ففـي ذلك الدلالة البـينة أنها مصر بعينها.
  والذي نقول به فـي ذلك أنه لا دلالة فـي كتاب الله علـى الصواب من هذين التأويـلـين, ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مـجيئه العذر, وأهل التأويـل متنازعون تأويـله.
  فأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبـات الأرض علـى ما بـينه الله جل وعز فـي كتابه وهم فـي الأرض تائهون, فـاستـجاب الله لـموسى دعاءه, وأمره أن يهبط بـمن معه من قومه قرارا من الأرض التـي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك, إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إلـيه, وجائز أن يكون ذلك القرار مصر, وجائز أن يكون الشأم. فأما القراءة فإنها بـالألف والتنوين: اهْبِطُوا مِصْرا وهي القرائة التـي لا يجوز عندي غيرها لاجتـماع خطوط مصاحف الـمسلـمين, واتفـاق قراءة القراء علـى ذلك. ولـم يقرأ بترك التنوين فـيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الإعتراض به علـى الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مستفـيضا بـينها.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ وَالـمَسْكَنَةُ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: وَضُرِبَتْ أي فُرضت, ووضعت علـيهم الذلة وأُلزموها من قول القائل: ضرب الإمام الـجزية علـى أهل الذمة, وضرب الرجل علـى عبده الـخراج يعنـي بذلك وضعه فألزمه إياه, ومن قولهم: ضرب الأمير علـى الـجيش البعث, يراد به ألزمهموه.
  وأما الذلة, فهي الفعلة من قول القائل: ذلّ فلان يذلّ ذلاً وذلة, كالصغرة من صغر الأمر, والقعدة من قعد, والذلة: هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عبـاده الـمؤمنـين أن لا يعطوهم أمانا علـى القرار علـى ماهم علـيه من كفرهم به وبرسوله إلا أن يبذلوا الـجزية علـيه لهم, فقال جل وعز: قاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلاَ بـالْـيَوْمِ الاَخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الـحَقّ مِنَ الّذِين أُوتُوا الكِتابَ حَتّـى يُعْطُوا الـجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. كما:
  793ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الـحسن وقتادة فـي قوله: وَضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ قالا: يعطون الـجزية عن يد وهم صاغرون.
  وأما الـمسكنة, فإنها مصدر الـمسكين, يقال: ما فـيهم أسكن من فلان وما كان مسكينا ولقد تـمسكن مسكنة. ومن العرب من يقول: تـمسكن تـمسكنا. والـمسكنة فـي هذا الـموضع مسكنة الفـاقة والـحاجة, وهي خشوعها وذلها, كما:
  794ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَالـمَسْكَنَةُ قال: الفـاقة.
  795ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قوله: وَضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ وَالـمَسْكَنَةُ قال: الفقر.
  796ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: وَضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ وَالـمَسْكَنَةُ قال هؤلاء يهود بنـي إسرائيـل. قلت له: هم قبط مصر, قال: وما لقبط مصر وهذا؟ لا والله ما هم هم, ولكنهم الـيهود يهود بنـي إسرائيـل. فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بـالعزّ ذلاّ, وبـالنعمة بؤسا, وبـالرضا عنهم غضبـا, جزاءً منه لهم علـى كفرهم بآياته وقتلهم أنبـياءه ورسله اعتداءً وظلـما منهم بغير حقّ, وعصيانهم له, وخلافـا علـيه.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَبَـاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: وَبـاءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ انصرفوا ورجعوا, ولا يقال بـاءوا إلا موصولاً إما بخير وإما بشرّ, يقال منه: بـاء فلان بذنبه يبوء به بَوْءا وَبَوْاءً. ومنه قول الله عزّ وجلّ إنـي أرِيد أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ يعنـي: تنصرف متـحملهما وترجع بهما قد صارا علـيك دونـي.
  فمعنى الكلام إذا: ورجعوا منصرفـين متـحملـين غضب الله, قد صار علـيهم من الله غضب, ووجب علـيهم منه سخط. كما:
  797ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: وَبـاءُوا بِغَضَبٍ مِن اللّهِ فحدث علـيهم غضب من الله.
  798ـ حدثنا يحيى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك فـي قوله: وَبـاءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ قال: استـحقوا الغضب من الله.
  وقدمنا معنى غضب الله علـى عبده فـيـما مضى من كتابنا هذا, فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ذلكَ بأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرون بآياتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِـيّـينَ بِغَيْرِ الـحَقّ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: «ذلك» ضرب الذلة والـمسكنة علـيهم, وإحلاله غضبه بهم. فدل بقوله: «ذلك» وهي يعنـي به ما وصفنا علـى أن قول القائل ذلك يشمل الـمعانـي الكثـيرة إذا أشير به إلـيها.
  ويعنـي بقوله: بِأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرونَ: من أجل أنهم كانوا يكفرون, يقول: فعلنا بهم من إحلال الذلّ والـمسكنة والسخط بهم من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله, ويقتلون النبـيـين بغير الـحقّ, كما قال أعشى بنـي ثعلبة:
 مَلِـيكِيّةٌ جَاوَرتْ بـالـحِجَازِ قَوما عُداةً وأرْضا شَطِيرا 
 بِـمَا قَدْ تَربّعُ روْضَ القَطاوَرَوْضَ التّناضِبِ حتّـى تَصِيرَا 
  يعنـي بذلك: جاورتْ بهذا الـمكان هذه الـمرأةُ قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله لـمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده من تربعها روض القطا وروض التناضب. فكذلك قوله: وضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ والـمَسْكَنَةُ وبـاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ ذلكَ بِأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بآياتِ اللّهِ يقول: كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا, وجزاء لهم بقتلهم أنبـياءنا. وقد بـينا فـيـما مضى من كتابنا أن معنى الكفر: تغطية الشيء وستره, وأن آيات الله: حججه وأعلامه وأدلته علـى توحيده وصدق رسله.
  فمعنى الكلام إذا: فعلنا بهم ذلك من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله علـى توحيده, وتصديق رسله ويدفعون حقـيتها, ويكذبون بها.
  ويعنـي بقوله: وَيَقْتُلُونَ النّبِـيّـينَ بِغَيْرِ الـحَقّ: ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنبـاء ما أرسلهم به عنه لـمن أرسلوا إلـيه. وهم جماع واحدهم نبـيّ غير مهموز, وأصله الهمز, لأنه من أنبأ عن الله, فهو يُنْبِىء عنه إنبـاء, وإنـما الاسم منه منبىء ولكنه صرف وهو «مُفعِل» إلـى «فَعِيـل», كما صرف سميع إلـى فعيـل من مفعل, وبصير من مبصر, وأشبـاه ذلك, وأبدل مكان الهمزة من النبىء الـياء, فقـيـل نبـي هذا. ويجمع النبـيّ أيضا علـى أنبـياء, وإنـما جمعوه كذلك لإلـحاقهم النبـيء بإبدال الهمزة منه ياء بـالنعوت التـي تأتـي علـى تقدير فعيـل من ذوات الـياء والواو, وذلك أنهم إذا جمعوا ما كان من النعوت علـى تقدير فعيـل من ذوات الـياء والواو جمعوه علـى أفعلاء, كقولهم ولـي وأولـياء, ووصي وأوصياء, ودعيّ وأدعياء, ولو جمعوه علـى أصله الذي هو أصله, وعلـى أن الواحد «نبـيء» مهموز لـجمعوه علـى فعلاء, فقـيـل لهم النبآء, علـى مثال النبغاء, لأن ذلك جمع ما كان علـى فعيـل من غير ذوات الـياء والواو من النعوت كجمعهم الشريك شركاء, والعلـيـم علـماء, والـحكيـم حكماء, وما أشبه ذلك. وقد حكي سماعا من العرب فـي جمع النبـي النبآء, وذلك من لغة الذين يهمزون النبـيء, ثم يجمعونه علـى النبآء علـى ما قد بـينت, ومن ذلك قول عبـاس بن مرداس فـي مدح النبـيّ صلى الله عليه وسلم:
 يا خاتـمَ النّبآءِ إنّك مُرْسَلبـالـخَير كُلّ هُدى السّبِـيـلِ هُدَاكَا 
  فقال: يا خاتـم النبآء, علـى أن واحدهم نبـيء مهموز. وقد قال بعضهم: النبـي والنبوّة غير مهموز, لأنهما مأخوذان من النّبْوَة, وهي مثل النـجوة, وهو الـمكان الـمرتفع. وكان يقول: إن أصل النبـي الطريق, ويستشهد علـى ذلك ببـيت القطامي:
 لـمّا وَرَدْنَ نَبِـيّا واسْتَتَبّ بهامُسْحَنْفِرٌ كخُطوط السّيْحِ مُنْسَحِلُ 
  يقول: إنـما سمي الطريق نبـيا, لأنه ظاهر مستبـين من النّبوّة. ويقول: لـم أسمع أحدا يهمز النبـي. قال: وقد ذكرنا ما فـي ذلك وبـينا ما فـيه الكفـاية إن شاء الله.
  ويعنـي بقوله: وَيَقْتُلُونَ النّبِـيّـينَ بِغَيْرِ الـحَقّ: أنهم كانوا يقتلون رسل الله بغير إذن الله لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوّتهم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ذلكَ بـمَا عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ.
  وقوله: ذلكَ ردّ علـى «ذلك» الأولـى. ومعنى الكلام: وضربت علـيهم الذلة والـمسكنة, وبـاءوا بغضب من الله, من أجل كفرهم بآيات الله, وقتلهم النبـيـين بغير الـحقّ, من أجل عصيانهم ربهم, واعتدائهم حدوده فقال جل ثناؤه: ذلك بِـمَا عَصَوْا والـمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين. والاعتداء: تـجاوز الـحدّ الذي حدّه الله لعبـاده إلـى غيره, وكل متـجاوز حدّ شيء إلـى غيره فقد تعدّاه إلـى ما جاوز إلـيه. ومعنى الكلام: فعلت بهم ما فعلت من ذلك بـما عصوا أمري, وتـجاوزوا حدّي إلـى ما نهيتهم عنه.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5"><font size="5">الآية : 60<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَإِذِ اسْتَسْقَىَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلّ أُنَاسٍ مّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رّزْقِ اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ }<br />
   عنـي بقوله: وَإِذِ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ: وإذ استسقانا موسى لقومه: أي سألنا أن نسقـي قومه ماء. فترك ذكر الـمسؤول ذلك, والـمعنى الذي سأل موسى, إذ كان فـيـما ذكر من الكلام الظاهر دلالة علـى معنى ما ترك. وكذلك قوله: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الـحَجَرَ فَـانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنا مـما استغنـي بدلالة الظاهر علـى الـمتروك منه. وذلك أن معنى الكلام, فقلنا: اضرب بعصاك الـحجر, فضربه فـانفجرت. فترك ذكر الـخبر عن ضرب موسى الـحجر, إذ كان فـيـما ذكر دلالة علـى الـمراد منه. وكذلك قوله: قَدْ عَلِـمَ كُلّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ إنـما معناه: قد علـم كل أناس منهم مشربهم, فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن الناس جمع لا واحد له من لفظه, وأن الإنسان لو جمع علـى لفظه لقـيـل: أناسيّ وأناسية. وقوم موسى هم بنو إسرائيـل الذين قصّ الله عز وجل قصصهم فـي هذه الاَيات, وإنـما استسقـى لهم ربه الـماء فـي الـحال التـي تاهوا فـيها فـي التـيه, كما:<br />
  752ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد بن أبـي عروبة, عن قتادة قوله: وَإِذِ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ الآية قال: كان هذا إذ هم فـي البرية اشتكوا إلـى نبـيهم الظمأ, فأمروا بحجر طوريّ أي من الطور أن يضربه موسى بعصاه, فكانوا يحملونه معهم, فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا, لكل سبط عين معلومة مستفـيض ماؤها لهم.<br />
  753ـ حدثنـي تـميـم بن الـمنتصر, قال: حدثنا يزيد بن هارون, قال: حدثنا أصبغ بن زيد, عن القاسم بن أبـي أيوب, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: ذلك فـي التـيه ظلل علـيهم الغمام, وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, وجعل لهم ثـيابـا لا تبلـى ولا تتسخ, وجعل بـين ظهرانـيهم حجر مربّع, وأمر موسى فضرب بعصاه الـحجر, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فـي كل ناحية منه ثلاث عيون, لكل سبط عين, ولا يرتـحلون مَنْقلة إلا وجدوا ذلك الـحجر معهم بـالـمكان الذي كان به معهم فـي الـمنزل الأول.<br />
  754ـ حدثنـي عبد الكريـم, قال: أخبرنا إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا سفـيان, عن أبـي سعيد, عن عكرمة عن ابن عبـاس, قال: ذلك فـي التـيه, ضرب لهم موسى الـحجر, فصار فـيه اثنتا عشرة عينا من ماء, لكل سبط منهم عين يشربون منها.<br />
  755ـ وحدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الـحَجَرَ فـانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنا لكل سبط منهم عين, كل ذلك كان فـي تـيههم حين تاهوا.<br />
   حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: وَإذِ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ قال: خافوا الظمأ فـي تـيههم حين تاهوا, فـانفجر لهم الـحجر اثنتـي عشرة عينا ضربه موسى. قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: الأسبـاط: بنو يعقوب كانوا اثنـي عشر رجلاً كل واحد منهم ولد سبطا أمّة من الناس.<br />
  756ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: استسقـى لهم موسى فـي التـيه, فسقوا فـي حجر مثل رأس الشاة. قال: يـلقونه فـي جوانب الـجوالق إذا ارتـحلوا, ويقرعه موسى بـالعصا إذا نزل, فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا, لكل سبط منهم عين. فكان بنو إسرائيـل يشربون منه, حتـى إذا كان الرحيـل استـمسكت العيون, وقـيـل به فألقـي فـي جانب الـجوالق, فإذا نزل رُمي به. فقرعه بـالعصا, فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.<br />
  757ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنـي أسبـاط, عن السدي, قال: كان ذلك فـي التـيه.<br />
  وأما قوله: قَدْ عَلِـمَ كُلّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ فإنـما أخبر الله عنهم بذلك, لأن معناهم فـي الذي أخرج الله جل وعز لهم من الـحجر الذي وصف جل ذكره فـي هذه الآية صفته من الشرب كان مخالفـا معانـي سائر الـخـلق عن ذكره ما ترك ذكره. وذلك أن تأويـل الكلام: فَقُلْنَا اضْرِبْ بعَصَاكَ الـحَجَرَ فضربه فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا, قد علـم كل أناس مشربهم, فقـيـل لهم: كلوا واشربوا من رزق الله أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم فـي التـيه من الـمنّ والسلوى, وبشرب ما فجر لهم فـيه من الـماء من الـحجر الـمتعاور الذي لا قرار له فـي الأرض ولا سبـيـل إلـيه لـمالكيه يتدفق بعيون الـماء ويزخر بـينابـيع العذب الفرات بقدرة ذي الـجلال والإِكرام ثم تقدم جل ذكره إلـيهم مع إبـاحتهم ما أبـاح وإنعامه علـيهم بـما أنعم به علـيهم من العيش الهنـيء بـالنهي عن السعي فـي الأرض فسادا والعثا فـيها استكبـارا فقال جل ثناؤه: لهم ولا تعثوا فـي الأرض مفسدين القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ولا تعثوا فـي الأرض مفسدين} يعنـي بقوله لا تعثوا لا تطغوا ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين كما:<br />
  758ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.<br />
  759ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:<br />
  760ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.<br />
  761ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:<br />
  762ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.<br />
  763ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:<br />
  764ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.<br />
  765ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:<br />
  766ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.<br />
  767ـ حدلا تَعْثَوْا لا تطغوا, ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين. كما:<br />
  768ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ يقول: لا تسعوا فـي الأرض فسادا.<br />
  769ـ حد لن نطيق حبس أنفسنا علـى طعام واحد وذلك الطعام الواحد هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه فـي تـيههم وهو السلوى فـي قول بعض أهل التأويـل, وفـي قول وهب بن منبه هو الـخبز النّقـيّ مع اللـحم فـاسأل لنا ربك يخرج لنا مـما تنبت الأرض من البقل والقثاء. وما سمى الله مع ذلك وذكر أنهم سألوه موسى. وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فـيـما بلغنا, ما:<br />
  770ـ حدثنا به بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِر علـى طَعامٍ وَاحِدٍ قال: كان القوم فـي البرية قد ظلل علـيهم الغمام, وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, فملوا ذلك, وذكروا عيشا كان لهم بـمصر, فسألوه موسى, فقال الله تعالـى: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.<br />
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: لَنْ نَصْبِرَ علـى طَعامٍ وَاحِدٍ قال: ملوا طعامهم, وذكروا عيشهم الذي كانوا فـيه قبل ذلك, قالُوا ادْعُ لَنّا ربّكَ يُخْرِجْ لَنا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثائِها وَفُومِها... الآية.<br />
  771ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ علـى طعَامٍ وَاحِدٍ قال: كان طعامهم السلوى, وشرابهم الـمنّ, فسألوا ما ذكر, فقـيـل لهم: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.<br />
  قال أبو جعفر, وقال قتادة: إنهم لـما قدموا الشأم فقدوا أطعمتهم التـي كانوا يأكلونها, فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثّائِها وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا وكانوا قد ظلل علـيهم الغمام وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, فملوا ذلك, وذكروا عيشا كانوا فـيه بـمصر.<br />
  772ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, قال: سمعت ابن أبـي نـجيح فـي قوله عزّ وجل: لَنْ نَصْبِرَ علـى طَعامٍ وَاحِدٍ الـمنّ والسلوى, فـاستبدلوا به البقل وما ذكر معه.<br />
  773ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد بـمثله سواء.<br />
   حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد بـمثله.<br />
  774ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أعطوا فـي التـيه ما أعطوا, فملوا ذلك.<br />
الآية : 61<br />
تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَىَ بِالّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنّ لَكُمْ مّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }<br />
   775ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أنبأنا ابن زيد, قال: كان طعام بنـي إسرائيـل فـي التـيه واحدا, وشرابهم واحدا, كان شرابهم عسلاً ينزل لهم من السماء يقال له الـمنّ, وطعامهم طير يقال له السلوى, يأكلون الطير ويشربون العسل, لـم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره. فقالوا: يا موسى إنا لن نصبر علـى طعام واحد, فـادع لنا ربك يخرج لنا مـما تنبت الأرض من بقلها فقرأ حتـى بلغ: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.<br />
  وإنـما قال جل ذكره: يُخْرِجْ لَنا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ولـم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه لـيخرج لهم من الأرض, فـيقول: قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مـما تنبته الأرض من بقلها وقثائها, لأن «من» تأتـي بـمعنى التبعيض لـما بعدها, فـاكْتُفـي بها عن ذكر التبعيض, إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بـالكلام الذي هي فـيه كقول القائل: أصبح الـيوم عند فلان من الطعام يريد شيئا منه.<br />
  وقد قال بعضهم: «من» ههنا بـمعنى الإلغاء والإسقاط, كأن معنى الكلام عنده: يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها. واستشهد علـى ذلك بقول العرب: ما رأيت من أحد, بـمعنى: ما رأيت أحدا, وبقول الله: وَيُكَفّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيّئَاتِكُمْ وبقولهم: قد كان من حديث, فخـلّ عنـي حتـى أذهب, يريدون: قد كان حديث.<br />
  وقد أنكر من أهل العربـية جماعة أن تكون «من» بـمعنى الإلغاء فـي شيء من الكلام, وادّعُوا أنّ دخولها فـي كل موضع دخـلت فـيه مؤذن أن الـمتكلـم مريد لبعض ما أدخـلت فـيه لا جميعه, وأنها لا تدخـل فـي موضع إلا لـمعنى مفهوم.<br />
  فتأويـل الكلام إذا علـى ما وصفنا من أمر من ذكرنا: فـادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها. والبقل والقثاء والعدس والبصل, هو ما قد عرفه الناس بـينهم من نبـات الأرض وحبها. وأما الفوم, فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيه. فقال بعضهم: هو الـحنطة والـخبز. ذكر من قال ذلك.<br />
  776ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد ومؤمل, قالا: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن عطاء, قال: الفوم: الـخبز.<br />
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, حدثنا سفـيان, عن ابن جريج, عن عطاء ومـجاهد قوله: وَفُومِها قالا: خبزها.<br />
   حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة ومـحمد بن عمرو, قالا: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى بن ميـمون, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: وَفُومِها قال: الـخبز.<br />
  777ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة والـحسن: الفوم: هو الـحبّ الذي تـختبزه الناس.<br />
   حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة والـحسن بـمثله.<br />
  778ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا حصين, عن أبـي مالك فـي قوله: وَفُومِها قال: الـحنطة.<br />
  779ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر عن السدي: وَفُومِهَا الـحنطة.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عمرو بن عون, قال: حدثنا هشيـم, عن يونس, عن الـحسن وحصين, عن أبـي مالك فـي قوله: وَفُومِها: الـحنطة.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر الرازي, عن قتادة قال: الفوم: الـحبّ الذي يختبز الناس منه.<br />
   حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء بن أبـي ربـاح قوله: وَفُومِها قال: خبزها. قالها مـجاهد.<br />
  780ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال لـي ابن زيد: الفوم: الـخبز.<br />
  781ـ حدثنـي يحيى بن عثمان السهمي, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَفُومِها يقول: الـحنطة والـخبز.<br />
   حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَفُومِها قال: هو البرّ بعينه الـحنطة.<br />
   حدثنا علـيّ بن الـحسن, قال: حدثنا مسلـم الـجرمي, قال: حدثنا عيسى بن يونس, عن رشدين بن كريب, عن أبـيه, عن ابن عبـاس فـي قول الله عزّ وجل: وَفُومِها قال: الفوم: الـحنطة بلسان بنـي هاشم.<br />
  782ـ حدثنـي عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الـحكم, قال: حدثنا عبد العزيز بن منصور, عن نافع بن أبـي نعيـم أن عبد الله بن عبـاس سئل عن قول الله: وَفُومِها قال: الـحنطة, أما سمعت قول أحيحة بن الـجلاح وهو يقول:<br />
 قَدْ كُنْتُ أغْنَى النّاسِ شَخْصا وَاحداوَرَدَ الـمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ <br />
  وقال آخرون: هو الثوم. ذكر من قال ذلك:<br />
  783ـ حدثنـي أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا شريك, عن لـيث, عن مـجاهد, قال: هو هذا الثوم.<br />
  784ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, قال: الفوم: الثوم.<br />
  وهو فـي بعض القراءات «وثومها». وقد ذكر أن تسمية الـحنطة والـخبز جميعا فوما من اللغة القديـمة, حكي سماعا من أهل هذه اللغة: فوّموا لنا, بـمعنى اختبزوا لنا وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود «وثومها» بـالثاء. فإن كان ذلك صحيحا فإنه من الـحروف الـمبدلة, كقولهم: وقعوا فـي عاثور شرّ وعافور شرّ, وكقولهم للأثافـي أثاثـي, وللـمغافـير مغاثـير, وما أشبه ذلك مـما تقلب الثاء فـاء والفـاء ثاء لتقارب مخرج الفـاء من مخرج الثاء. والـمغافـير شبـيه بـالشيء الـحلو يشبه بـالعسل ينزل من السماء حلوا يقع علـى الشجر ونـحوها.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أدْنَى بـالّذِي هُوَ خَيْرٌ.<br />
  يعنـي بقوله: قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أدْنى بـالّذِي هُوَ خَيْرٌ قال لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخسّ خطرا وقـيـمة وقدرا من العيش, بدلاً بـالذي هو خير منه خطرا وقـيـمة وقدرا وذلك كان استبدالهم. وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لاَخر غيره مكان الـمتروك. ومعنى قوله: أدْنى أخسّ وأوضع وأصغر قدرا وخطرا, وأصله من قولهم: هذا رجل دنـيّ بـيّن الدناءة, وإنه لـيدنـي فـي الأمور بغير همز إذا كان يتتبع خسيسها. وقد ذكر الهمز عن بعض العرب فـي ذلك سماعا منهم, يقولون: ما كنت دنـيا ولقد دنأت. وأنشدنـي بعض أصحابنا عن غيره أنه سمع بعض بنـي كلاب ينشد بـيت الأعشى:<br />
 بـاسِلَةُ الوَقْعِ سَرَابِـيـلُهابِـيضٌ إلـى دانِئها الظّاهرِ <br />
  بهمز الدانىء, وأنه سمعهم يقولون: إنه لدانىء خبـيث, بـالهمز. فإن كان ذلك عنهم صحيحا, فـالهمز فـيه لغة وتركه أخرى.<br />
  ولا شكّ أن من استبدل بـالـمنّ والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم, فقد استبدل الوضيع من العيش بـالرفـيع منه.<br />
  وقد تأول بعضهم قوله: الّذي هُوَ أدْنَى بـمعنى الذي هو أقرب, ووجه قوله: أدنى إلـى أنه أفعل من الدنوّ الذي هو بـمعنى القرب. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: الّذِي هُوَ أدْنى قاله عدد من أهل التأويـل فـي تأويـله. ذكر من قال ذلك:<br />
  785ـ حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قال: أتَسْتَبْدِلُونَ الّذي هُوَ أدْنى بـالّذِي هُوَ خَيْرٌ يقول: أتستبدلون الذي هو شرّ بـالذي هو خير منه؟.<br />
  786ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: الّذِي هُوَ أدْنى قال: أردأ.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.<br />
  وتأويـل ذلك: فدعا موسى فـاستـجبنا له, فقلنا لهم: اهبطوا مصر. وهو من الـمـحذوف الذي اجتزىء بدلالة ظاهره علـى ذكر ما حذف وترك منه. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معنى الهبوط إلـى الـمكان إنـما هو النزول إلـيه والـحلول به.<br />
  فتأويـل الآية إذا: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ علـى طَعامٍ وَاحِدٍ فـادْعُ لَنا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنا مِـمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثائها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخسّ وأردأ من العيش بـالذي هو خير منه؟ فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه, فـاستـجاب الله له دعاءه, فأعطاهم ما طلبوا, وقال الله لهم: اهْبُطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.<br />
  ثم اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: مِصْرا فقرأه عامة القرّاء: «مصرا» بتنوين الـمصر وإجرائه وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه. فأما الذين نوّنوه وأجروه, فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار لا مصرا بعينه, فتأويـله علـى قراءتهم: اهبطوا مصرا من الأمصار, لأنكم فـي البدو, والذي طلبتـم لا يكون فـي البوادي والفـيافـي, وإنـما يكون فـي القرى والأمصار, فإن لكم إذا هبطتـموه ما سألتـم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بـالإجراء والتنوين, كان تأويـل الكلام عنده: اهبطوا مصرا البلدة التـي تعرف بهذا الاسم وهي «مصر» التـي خرجوا عنها, غير أنه أجراها ونوّنها اتبـاعا منه خط الـمصحف, لأن فـي الـمصحف ألفـا ثابتة فـي مصر, فـيكون سبـيـل قراءته ذلك بـالإجراء والتنوين سبـيـل من قرأ: قَوَارِيرا قَوَارِيرا مِنْ فِضّةٍ منوّنة اتبـاعا منه خط الـمصحف. وأما الذي لـم ينوّن مصر فإنه لا شك أنه عنى مصر التـي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها.<br />
  وقد اختلف أهل التأويـل فـي ذلك نظير اختلاف القرّاء فـي قراءته.<br />
  787ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: اهْبِطُوا مِصْرا أي مصرا من الأمصار فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ.<br />
  788ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: اهْبُطُوا مِصْرا من الأمصار, فإنّ لَكُمْ ما سألْتُـمْ فلـما خرجوا من التـيه رفع الـمنّ والسلوى وأكلوا البقول.<br />
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنـي آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن قتادة فـي قوله: اهْبُطُوا مِصْرا قال: يعنـي مصرا من الأمصار.<br />
  789ـ وحدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد: اهْبِطُوا مِصْرا قال: مصرا من الأمصار, زعموا أنهم لـم يرجعوا إلـى مصر.<br />
  790ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: اهْبِطُوا مِصْرا قال: مصرا من الأمصار. ومصر لا تـجري فـي الكلام, فقـيـل: أيّ مصر؟ فقال: الأرض الـمقدسة التـي كتب الله لهم. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدّسَةَ الّتِـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ.<br />
  وقال آخرون: هي مصر التـي كان فـيها فرعون. ذكر من قال ذلك:<br />
  791ـ حدثنـي الـمثنى, حدثنا آدم, حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: اهْبِطُوا مِصْرا قال: يعنـي به مصر فرعون.<br />
  792ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, عن ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.<br />
  ومن حجة من قال: إن الله جل ثناؤه إنـما عنى بقوله: اهْبُطُوا مِصْرا مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها, أن الله جعل أرض الشام لبنـي إسرائيـل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر, وإنـما ابتلاهم بـالتـيه بـامتناعهم علـى موسى فـي حرب الـجبـابرة إذ قال لهم: يا قَوْمُ ادْخُـلُوا الأرْضُ الـمُقَدّسَةَ الّتِـي كَتَبَ اللّهُ لكُمْ وَلاَ تَرْتَدّوا علـى أدْبـارِكُم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يا مُوسَى إنّ فِـيهَا قَوْما جَبّـارِينَ إلـى قوله: إنّا لَنْ نَدْخُـلَها أبَدا ما دَامُوا فِـيها فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قَاعِدُونَ. فحرّم الله جل وعز علـى قائل ذلك فـيـما ذكر لنا دخولها حتـى هلكوا فـي التـيه وابتلاهم بـالتـيهان فـي الأرض أربعين سنة, ثم أهبط ذرّيتهم الشام, فأسكنهم الأرض الـمقدسة, وجعل هلاك الـجبـابرة علـى أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفـاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض الـمقدسة, ولـم يخبرنا عنهم أنه ردّهم إلـى مصر بعد إخراجه إياهم منها, فـيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر, ونتأوّله أنه ردّهم إلـيها.<br />
  قالوا: فإن احتـجّ مـحتـجّ بقول الله جل ثناؤه: فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيـمٍ كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِـي إسْرَائِيـلَ. قـيـل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنـما أورثهم ذلك فملكهم إياها ولـم يردّهم إلـيها, وجعل مساكنهم الشأم. <br />
  وأما الذين قالوا: إن الله إنـما عنى بقوله جل وعز: اهْبِطُوا مِصْرا مِصْرَ, فإن من حجتهم التـي احتـجوا بها الآية التـي قال فـيها: فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيـمٍ كَذَلِكَ وَأوْرَثْنَاها بَنِـي إسْرَائِيـلَ وقوله: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيـمٍ وَنِعْمَةٍ كانُوا فِـيها فـاكِهِينَ كذلِكَ وأوْرَثْناها قَوْما آخَرِينَ. قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم, فلـم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بـمصير بعضهم إلـيها, وإلا فلا وجه للانتفـاع بها إن لـم يصيروا أو يصر بعضهم إلـيها. قالوا: وأخرى أنها فـي قراءة أبـيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود: «اهْبِطُوا مِصْرَ» بغير ألف, قالوا: ففـي ذلك الدلالة البـينة أنها مصر بعينها.<br />
  والذي نقول به فـي ذلك أنه لا دلالة فـي كتاب الله علـى الصواب من هذين التأويـلـين, ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مـجيئه العذر, وأهل التأويـل متنازعون تأويـله.<br />
  فأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبـات الأرض علـى ما بـينه الله جل وعز فـي كتابه وهم فـي الأرض تائهون, فـاستـجاب الله لـموسى دعاءه, وأمره أن يهبط بـمن معه من قومه قرارا من الأرض التـي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك, إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إلـيه, وجائز أن يكون ذلك القرار مصر, وجائز أن يكون الشأم. فأما القراءة فإنها بـالألف والتنوين: اهْبِطُوا مِصْرا وهي القرائة التـي لا يجوز عندي غيرها لاجتـماع خطوط مصاحف الـمسلـمين, واتفـاق قراءة القراء علـى ذلك. ولـم يقرأ بترك التنوين فـيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الإعتراض به علـى الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مستفـيضا بـينها.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ وَالـمَسْكَنَةُ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: وَضُرِبَتْ أي فُرضت, ووضعت علـيهم الذلة وأُلزموها من قول القائل: ضرب الإمام الـجزية علـى أهل الذمة, وضرب الرجل علـى عبده الـخراج يعنـي بذلك وضعه فألزمه إياه, ومن قولهم: ضرب الأمير علـى الـجيش البعث, يراد به ألزمهموه.<br />
  وأما الذلة, فهي الفعلة من قول القائل: ذلّ فلان يذلّ ذلاً وذلة, كالصغرة من صغر الأمر, والقعدة من قعد, والذلة: هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عبـاده الـمؤمنـين أن لا يعطوهم أمانا علـى القرار علـى ماهم علـيه من كفرهم به وبرسوله إلا أن يبذلوا الـجزية علـيه لهم, فقال جل وعز: قاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـاللّهِ وَلاَ بـالْـيَوْمِ الاَخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الـحَقّ مِنَ الّذِين أُوتُوا الكِتابَ حَتّـى يُعْطُوا الـجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. كما:<br />
  793ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الـحسن وقتادة فـي قوله: وَضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ قالا: يعطون الـجزية عن يد وهم صاغرون.<br />
  وأما الـمسكنة, فإنها مصدر الـمسكين, يقال: ما فـيهم أسكن من فلان وما كان مسكينا ولقد تـمسكن مسكنة. ومن العرب من يقول: تـمسكن تـمسكنا. والـمسكنة فـي هذا الـموضع مسكنة الفـاقة والـحاجة, وهي خشوعها وذلها, كما:<br />
  794ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَالـمَسْكَنَةُ قال: الفـاقة.<br />
  795ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قوله: وَضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ وَالـمَسْكَنَةُ قال: الفقر.<br />
  796ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: وَضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ وَالـمَسْكَنَةُ قال هؤلاء يهود بنـي إسرائيـل. قلت له: هم قبط مصر, قال: وما لقبط مصر وهذا؟ لا والله ما هم هم, ولكنهم الـيهود يهود بنـي إسرائيـل. فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بـالعزّ ذلاّ, وبـالنعمة بؤسا, وبـالرضا عنهم غضبـا, جزاءً منه لهم علـى كفرهم بآياته وقتلهم أنبـياءه ورسله اعتداءً وظلـما منهم بغير حقّ, وعصيانهم له, وخلافـا علـيه.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَبَـاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: وَبـاءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ انصرفوا ورجعوا, ولا يقال بـاءوا إلا موصولاً إما بخير وإما بشرّ, يقال منه: بـاء فلان بذنبه يبوء به بَوْءا وَبَوْاءً. ومنه قول الله عزّ وجلّ إنـي أرِيد أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ يعنـي: تنصرف متـحملهما وترجع بهما قد صارا علـيك دونـي.<br />
  فمعنى الكلام إذا: ورجعوا منصرفـين متـحملـين غضب الله, قد صار علـيهم من الله غضب, ووجب علـيهم منه سخط. كما:<br />
  797ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: وَبـاءُوا بِغَضَبٍ مِن اللّهِ فحدث علـيهم غضب من الله.<br />
  798ـ حدثنا يحيى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك فـي قوله: وَبـاءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ قال: استـحقوا الغضب من الله.<br />
  وقدمنا معنى غضب الله علـى عبده فـيـما مضى من كتابنا هذا, فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ذلكَ بأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرون بآياتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِـيّـينَ بِغَيْرِ الـحَقّ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: «ذلك» ضرب الذلة والـمسكنة علـيهم, وإحلاله غضبه بهم. فدل بقوله: «ذلك» وهي يعنـي به ما وصفنا علـى أن قول القائل ذلك يشمل الـمعانـي الكثـيرة إذا أشير به إلـيها.<br />
  ويعنـي بقوله: بِأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرونَ: من أجل أنهم كانوا يكفرون, يقول: فعلنا بهم من إحلال الذلّ والـمسكنة والسخط بهم من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله, ويقتلون النبـيـين بغير الـحقّ, كما قال أعشى بنـي ثعلبة:<br />
 مَلِـيكِيّةٌ جَاوَرتْ بـالـحِجَازِ قَوما عُداةً وأرْضا شَطِيرا <br />
 بِـمَا قَدْ تَربّعُ روْضَ القَطاوَرَوْضَ التّناضِبِ حتّـى تَصِيرَا <br />
  يعنـي بذلك: جاورتْ بهذا الـمكان هذه الـمرأةُ قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله لـمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده من تربعها روض القطا وروض التناضب. فكذلك قوله: وضُرِبَتْ عَلَـيْهِمُ الذّلّةُ والـمَسْكَنَةُ وبـاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ ذلكَ بِأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بآياتِ اللّهِ يقول: كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا, وجزاء لهم بقتلهم أنبـياءنا. وقد بـينا فـيـما مضى من كتابنا أن معنى الكفر: تغطية الشيء وستره, وأن آيات الله: حججه وأعلامه وأدلته علـى توحيده وصدق رسله.<br />
  فمعنى الكلام إذا: فعلنا بهم ذلك من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله علـى توحيده, وتصديق رسله ويدفعون حقـيتها, ويكذبون بها.<br />
  ويعنـي بقوله: وَيَقْتُلُونَ النّبِـيّـينَ بِغَيْرِ الـحَقّ: ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنبـاء ما أرسلهم به عنه لـمن أرسلوا إلـيه. وهم جماع واحدهم نبـيّ غير مهموز, وأصله الهمز, لأنه من أنبأ عن الله, فهو يُنْبِىء عنه إنبـاء, وإنـما الاسم منه منبىء ولكنه صرف وهو «مُفعِل» إلـى «فَعِيـل», كما صرف سميع إلـى فعيـل من مفعل, وبصير من مبصر, وأشبـاه ذلك, وأبدل مكان الهمزة من النبىء الـياء, فقـيـل نبـي هذا. ويجمع النبـيّ أيضا علـى أنبـياء, وإنـما جمعوه كذلك لإلـحاقهم النبـيء بإبدال الهمزة منه ياء بـالنعوت التـي تأتـي علـى تقدير فعيـل من ذوات الـياء والواو, وذلك أنهم إذا جمعوا ما كان من النعوت علـى تقدير فعيـل من ذوات الـياء والواو جمعوه علـى أفعلاء, كقولهم ولـي وأولـياء, ووصي وأوصياء, ودعيّ وأدعياء, ولو جمعوه علـى أصله الذي هو أصله, وعلـى أن الواحد «نبـيء» مهموز لـجمعوه علـى فعلاء, فقـيـل لهم النبآء, علـى مثال النبغاء, لأن ذلك جمع ما كان علـى فعيـل من غير ذوات الـياء والواو من النعوت كجمعهم الشريك شركاء, والعلـيـم علـماء, والـحكيـم حكماء, وما أشبه ذلك. وقد حكي سماعا من العرب فـي جمع النبـي النبآء, وذلك من لغة الذين يهمزون النبـيء, ثم يجمعونه علـى النبآء علـى ما قد بـينت, ومن ذلك قول عبـاس بن مرداس فـي مدح النبـيّ صلى الله عليه وسلم:<br />
 يا خاتـمَ النّبآءِ إنّك مُرْسَلبـالـخَير كُلّ هُدى السّبِـيـلِ هُدَاكَا <br />
  فقال: يا خاتـم النبآء, علـى أن واحدهم نبـيء مهموز. وقد قال بعضهم: النبـي والنبوّة غير مهموز, لأنهما مأخوذان من النّبْوَة, وهي مثل النـجوة, وهو الـمكان الـمرتفع. وكان يقول: إن أصل النبـي الطريق, ويستشهد علـى ذلك ببـيت القطامي:<br />
 لـمّا وَرَدْنَ نَبِـيّا واسْتَتَبّ بهامُسْحَنْفِرٌ كخُطوط السّيْحِ مُنْسَحِلُ <br />
  يقول: إنـما سمي الطريق نبـيا, لأنه ظاهر مستبـين من النّبوّة. ويقول: لـم أسمع أحدا يهمز النبـي. قال: وقد ذكرنا ما فـي ذلك وبـينا ما فـيه الكفـاية إن شاء الله.<br />
  ويعنـي بقوله: وَيَقْتُلُونَ النّبِـيّـينَ بِغَيْرِ الـحَقّ: أنهم كانوا يقتلون رسل الله بغير إذن الله لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوّتهم.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ذلكَ بـمَا عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ.<br />
  وقوله: ذلكَ ردّ علـى «ذلك» الأولـى. ومعنى الكلام: وضربت علـيهم الذلة والـمسكنة, وبـاءوا بغضب من الله, من أجل كفرهم بآيات الله, وقتلهم النبـيـين بغير الـحقّ, من أجل عصيانهم ربهم, واعتدائهم حدوده فقال جل ثناؤه: ذلك بِـمَا عَصَوْا والـمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين. والاعتداء: تـجاوز الـحدّ الذي حدّه الله لعبـاده إلـى غيره, وكل متـجاوز حدّ شيء إلـى غيره فقد تعدّاه إلـى ما جاوز إلـيه. ومعنى الكلام: فعلت بهم ما فعلت من ذلك بـما عصوا أمري, وتـجاوزوا حدّي إلـى ما نهيتهم عنه.<br />
</font></font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=227117</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة ايه 58 و 59</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226792&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Tue, 10 Nov 2009 17:25:02 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 58
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّداً وَقُولُواْ حِطّةٌ نّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }
   والقرية التـي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخـلوها, فـيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا فـيـما ذكر لنا: بـيت الـمقدس. ذكر الرواية بذلك:
  714ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة فـي قوله: ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ قال: بـيت الـمقدس.
  715ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدِي: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِذِ القَرْيَةَ أما القرية فقرية بـيت الـمقدس.
  716ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ يعنـي بـيت الـمقدس.
  717ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألته يعنـي ابن زيد عن قوله: ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا قال: هي أريحا, وهي قريبة من بـيت الـمقدس.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُـمْ رَغَدا.
  يعنـي بذلك: فكلوا من هذه القرية حيث شئتـم عيشا هنـيا واسعا بغير حساب. وقد بـينا معنى الرغد فـيـما مضى من كتابنا, وذكرنا أقوال أهل التأويـل فـيه.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا.
  أما البـاب الذي أمروا أن يدخـلوه, فإنه قـيـل: هو بـاب الـحطة من بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:
  718ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: بـاب الـحطة من بـاب إيـلـياء من بـيت الـمقدس.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
  719ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا أما البـاب فبـاب من أبواب بـيت الـمقدس.
  720ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال حدثنـي أبـي عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا أنه أحد أبواب بـيت الـمقدس, وهو يدعى بـاب حطة.
  وأما قوله: سُجّدا فإن ابن عبـاس كان يتأوّله بـمعنى الركع.
  721ـ حدثنـي مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: ركعا من بـاب صغير.
   حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, قال: حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: أمروا أن يدخـلوا ركعا. وأصل السجود: الانـحناء لـمن سجد له معظما بذلك, فكل منـحن لشيء تعظيـما له فهو ساجد, ومنه قول الشاعر:
 بِجَمْعٍ تَضِلّ البُلْقُ فِـي حَجَرَاتِهِتَرَى أُلاكْمَ فِـيهِ سُجّدا للْـحَوَافِرِ )
  يعنـي بقوله: سجدا: خاشعة خاضعة. ومن ذلك قول أعشى بنـي قـيس بن ثعلبة:
 يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الـمَلِـيكِ طَوْرا سُجُودا وَطَوْرا جُءَوارَا 
  فذلك تأويـل ابن عبـاس قوله: سُجّدا ركعا, لأن الراكع منـحن, وإن كان الساجد أشدّ انـحناء منه.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَقُولُوا حِطّةٌ.
  وتأويـل قوله: حِطّةٌ: فعلة, من قول القائل: حطّ الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة, بـمنزلة الردة والـحدّة والـمدة من حددت ومددت.
  واختلف أهل التأويـل فـي تأويـله, فقال بعضهم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك منهم:
  722ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال أنبأنا معمر: وَقُولُوا حِطّةٌ قال الـحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا.
  723ـ حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَقُولُوا حِطّةٌ: يحطّ الله بها عنكم ذنبكم وخطاياكم.
  724ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: قُولُوا حِطّةٌ قال: يحطّ عنكم خطاياكم.
  725ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس قوله: حِطّةٌ: مغفرة.
  726ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: حِطّةٌ قال: يحطّ عنكم خطاياكم.
  727ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: أخبرنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: سمعنا أنه يحطّ عنهم خطاياهم.
  وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا لا إلَه إلا الله. كأنهم وجهوا تأويـله: قولوا الذي يحطّ عنكم خطاياكم, وهو قول لا إلَه إلا الله. ذكر من قال ذلك:
  728ـ حدثنـي الـمثنى وسعد بن عبد الله بن عبد الـحكم الـمصري, قالا: أخبرنا حفص بن عمر, حدثنا الـحكم بن أبـان, عن عكرمة: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: قولوا لا إلَه إلا الله.
  وقال آخرون بـمثل معنى قول عكرمة, إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقـيـله الاستغفـار. ذكر من قال ذلك:
  729ـ حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: أمروا أن يستغفروا.
  وقال آخرون نظير قول عكرمة, إلا أنهم قالوا القول الذي أمروا أن يقولون هو أن يقولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم. ذكر من قال ذلك:
  730ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: قولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم.
  واختلف أهل العربـية فـي الـمعنى الذي من أجله رفعت الـحطة, فقال بعض نـحويـي البصرة: رفعت الـحطة بـمعنى «قولوا» لـيكن منكم حطة لذنوبنا, كما تقول للرجل سَمْعُك.
  وقال آخرون منهم: هي كلـمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة, وفرض علـيهم قـيـلها كذلك.
  وقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: رفعت الـحطة بضمير «هذه», كأنه قال: وقولوا هذه حطة.
  وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الـخبر, كأنه قال: قولوا ما هو حطة, فتكون حطة حينئذٍ خبرا ل«ما».
  والذي هو أقرب عندي فـي ذلك إلـى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب, أن يكون رفع حطة بنـية خبر مـحذوف قد دل علـيه ظاهر التلاوة, وهو دخولنا البـاب سجدا حطة, فكفـى من تكريره بهذا اللفظ ما دل علـيه الظاهر من التنزيـل, وهو قوله: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا كما قال جل ثناؤه: وَإِذْ قَالَتْ أُمّة مِنْهُمْ لِـمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابـا شَدِيدا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلـى رَبّكُمْ يعنـي موعظتنا إياهم معذرة إلـى ربكم. فكذلك عندي تأويـل قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ يعنـي بذلك: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ... وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا دخولنا ذلك سجدا حُطّةٌ لذنوبنا, وهذا القول علـى نـحو تأويـل الربـيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفـا.
  وأما علـى تأويـل قول عكرمة, فإن الواجب أن تكون القراءة بـالنصب فـي «حطة», لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إلَه إلا الله, أو أن يقولوا: نستغفر الله, فقد قـيـل لهم: قولوا هذا القول, ف«قولوا» واقع حينئذٍ علـى الـحطة, لأن الـحطة علـى قول عكرمة هي قول لا إلَه إلا الله, وإذ كانت هي قول لا إلَه إلا الله, فـالقول علـيها واقع, كما لو أمر رجل رجلاً بقول الـخير, فقال له: «قل خيرا» نصبـا, ولـم يكون صوابـا أن يقول له «قل خير» إلا علـى استكراه شديد.
  وفـي إجماع القراء علـى رفع «الـحطة» بـيان واضح علـى خلاف الذي قاله عكرمة من التأويـل فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ. وكذلك الواجب علـى التأويـل الذي رويناه عن الـحسن وقتادة فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ أن تكون القراءة فـي «حطة» نصبـا, لأن من شأن العرب إذا وضعوا الـمصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا الـمصادر, كما قال الشاعر:
 أُبِـيدوا بأيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْعلـى أُمّهاتِ الهَامِ ضَرْبـا شآمِيَا 
  وكقول القائل للرجل: سمعا وطاعة, بـمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة, وكما قال جل ثناؤه: مَعَاذ الله بـمعنى: نعوذ بـالله.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: نَغْفِرْ لَكُمْ.
  يعنـي بقوله: نَغْفِرْ لَكُمْ نتغمد لكم بـالرحمة خطاياكم ونسترها علـيكم, فلا نفضحكم بـالعقوبة علـيه. وأصل الغفر: التغطية والستر, فكل ساتر شيئا فهو غافره. ومن ذلك قـيـل للبـيضة من الـحديد التـي تتـخذ جنة للرأس «مِغْفر», لأنها تغطي الرأس وتُـجِنّه, ومثله غمد السيف, وهو ما يغمده فـيواريه ولذلك قـيـل لزئبر الثوب «عَفْرة», لتغطيته الثوب, وحَوْلِه بـين الناظر والنظر إلـيها. ومنه قول أوس بن حجر:
 فَلا أعْتِبُ ابنَ العَمّ إنْ كانَ جاهِلاًوأغْفِرُ عَنْهُ الـجَهْلَ إنْ كانَ أَجْهَلاَ 
  يعنـي بقوله: وأغفر عنه الـجهل: أستر علـيه جهله بحلـمي عنه.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: خَطاياكُمْ والـخطايا جمع خطية بغير همز كما الـمطايا جمع مطية, والـحشايا جمع حشية. وإنـما ترك جمع الـخطايا بـالهمز, لأن ترك الهمز فـي خطيئة أكثر من الهمز, فجمع علـى خطايا, علـى أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت الـخطايا مـجموعة علـى خطيئة بـالهمز لقـيـل خطائي علـى مثل قبـيـلة وقبـائل, وصحيفة وصحائف. وقد تـجمع خطيئة بـالتاء فـيهمز فـيقال خطيئات, والـخطيئة فعلـية من خَطِىء الرجل يَخْطَا خِطْأً, وذلك إذا عدل عن سبـيـل الـحق. ومنه قول الشاعر:
 وَإِنْ مُهاجِرَينَ تَكَنّفـاهُلَعَمْرُ اللّهِ قَدْ خَطِئا وَخابَـا 
  يعنـي أضلا الـحقّ وأثما.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَسَنَزِيدُ الـمُـحْسِنِـينَ.
  وتأويـل ذلك ما رُوي لنا عن ابن عبـاس, وهو ما:
  731ـ حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: وَسَنَزِيدُ الـمُـحْسِنِـينَ: من كان منكم مـحسنا زيد فـي إحسانه, ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته.
  فتأويـل الآية: وإذْ قلنا ادخـلوا هذه القرية مبـاحا لكم كل ما فـيها من الطيبـات, موسعا علـيكم بغير حساب, وادخـلوا البـاب سجدا, وقولوا: سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحطّ به آثامنا, نتغمد لكم ذنوب الـمذنب منكم, فنسترها علـيه, ونـحطّ أوزاره عنه, وسنزيد الـمـحسنـين منكم إلـى إحساننا السالف عنده إحسانا. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيـم جهالتهم, وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبـيائهم واستهزائهم برسله, مع عظيـم آلاء الله عز وجل عندهم, وعجائب ما أراهم من آياتهم وعبره, موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الاَيات, ومعلـمهم أنهم إن تعدّوا فـي تكذيبهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوّته مع عظيـم إحسان الله بـمبعثه فـيهم إلـيهم, وعجائب ما أظهر علـى يديه من الـحجج بـين أظهرهم, أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم. وقصّ علـينا أنبـاءهم فـي هذه الاَيات, فقال جل ثناؤه: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السّماء الآية.
الآية : 59
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مّنَ السّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }
   وتأويـل قوله: فَبَدّلَ فغير. ويعنـي بقوله: الّذِينَ ظَلَـمُوا الذين فعلوا ما لـم يكن لهم فعله. ويعنـي بقوله: قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ بدلوا قولاً غير الذي أمروا أن يقولوه فقالوا خلافه, وذلك هو التبديـل والتغيـير الذي كان منهم. وكان تبديـلهم بـالقول الذي أمروا أن يقولوه قولاً غيره, ما:
  732ـ حدثنا به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبـا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال اللّهُ لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ نَغْفِرُ لَكُمْ خَطاياكُمْ, فَبدلُوا وَدَخَـلُوا البـابَ يَزْحَفُونَ علـى أسْتاهِهِمْ وقالُوا: حَبّةٌ فـي شَعِيرَةٍ».
   حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة وعلـيّ بن مـجاهد, قالا: حدثنا مـحمد بن إسحاق, عن صالـح بن كيسان, عن صالـح مولـى التوأمة, عن أبـي هريرة, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم. قال:
  733ـ حدثت عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن سعيد بن جبـير, أو عن عكرمة, عن ابن عبـاس عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَـلُوا البـابَ الّذِي أُمِرُوا أنْ يَدْخُـلُوا مِنْهُ سُجّدا يَزْحُفُونَ علـى أسْتاهِهِمْ يَقُولُونَ حِنْطَةٌ فِـي شَعِيرةٍ».
  734ـ وحدثنـي مـحمد بن عبد الله الـمـحاربـي, قال: حدثنا عبد الله بن الـمبـارك, عن معمر, عن همام, عن أبـي هريرة, عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي قوله: حِطّةٌ قال: «بدّلوا فقالوا: حبة».
  735ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا سفـيان, عن السدي, عن أبـي سعيد عن أبـي الكنود, عن عبد الله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّة قالوا: حنطة حمراء فـيها شعيرة, فأنزل الله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
  736ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: ركوعا من بـاب صغير. فجعلوا يدخـلون من قِبَلِ أستاههم. ويقولون حنطة فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
   حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, قال: حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد, عن ابن عبـاس, قال: أمروا أن يدخـلوا ركعا, ويقولوا حطة قال: أمروا أن يستغفروا قال: فجعلوا يدخـلون من قبل أستاههم من بـاب صغير ويقولون حنطة يستهزئون, فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
  737ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة والـحسن: ادْخُـلُوا البـابَ سُجدا قالا: دخـلوها علـى غير الـجهة التـي أمروا بها, فدخـلوها متزحفـين علـى أوراكهم, وبدلوا قولاً غير الذي قـيـل لهم, فقالوا: حبة فـي شعيرة.
  738ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا البـاب سجدا ويقولوا حطة, وطُؤْطِىءَ لهم البـاب لـيسجدوا فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أدبـارهم وقالوا حنطة.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا الـمسجد ويقولوا حطة, وطؤطىء لهم البـاب لـيخفضوا رءوسهم, فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أستاههم إلـى الـجبل, وهو الـجبل الذي تـجلـى له ربه وقالوا: حنطة. فذلك التبديـل الذي قال الله عز وجل: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
  739ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: «هطى سمقا يا ازبة هزبـا», وهو بـالعربـية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فـيها شعيرة سوداء. فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
  740ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَادْخُـلُوا البـاب سُجّدا قال: فدخـلوا علـى أستاههم مُقْنِعي رءوسهم.
  741ـ حدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا أبـي النضر بن عديّ, عن عكرمة: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا فدخـلوا مقنعى رءوسهم, وَقُولُوا حِطّة فقالوا: حنطة حمراء فـيها شعيرة, فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
  742ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ قال: فكان سجود أحدهم علـى خده, وقُولُوا حِطّة نـحطّ عنكم خطاياكم, فقالوا: حنطة, وقال بعضهم: حبة فـي شعيرة. فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.
  743ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم. قال: فـاستهزءوا به يعنـي بـموسى وقالوا: ما يشاء موسى أن يـلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أيّ شيء حطة؟ وقال بعضهم لبعض: حنطة.
  744ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنـي الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, وقال ابن عبـاس: لـما دخـلوا قالوا: حبة فـي شعيرة.
   حدثنـي مـحمد بن سعيد, قال: حدثنـي أبـي سعيد بن مـحمد بن الـحسن, قال: أخبرنـي عمي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: لـما دخـلوا البـاب قالوا حبة فـي شعيرة, فبدلوا قولاً غير الذي قـيـل لهم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأنْزلْنا عَلـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ.
  يعنـي بقوله: فأنْزَلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا علـى الذين فعلوا ما لـم يكن لهم فعله من تبديـلهم القول الذي أمرهم الله جل وعزّ أن يقولوه قولاً غيره, ومعصيتهم إياه فـيـما أمرهم به وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه رِجْزا مِنَ السمّاءِ بِـما كانُوا يَفْسُقُونَ. والرّجز فـي لغة العرب: العذاب, وهو غير الرّجْز, وذلك أن الرّجز: البَثْر, ومنه الـخبر الذي رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي الطاعون أنه قال: «إنّهُ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعْضُ أُلامَـمِ الّذِينَ قَبْلَكُمْ».
  745ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي يونس, عن ابن شهاب, قال: أخبرنـي عامر بن سعد بن أبـي وقاص, عن أسامة بن زيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنّ هَذا الوَجَعَ أوِ السّقْمَ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعْضُ أُلامَـمِ قَبْلَكُمْ».
  746ـ وحدثنـي أبو شيبة بن أبـي بكر بن أبـي شيبة, قال: حدثنا عمر بن حفص, قال: حدثنا أبـي عن الشيبـانـي عن ربـاح بن عبـيدة, عند عامر بن سعد, قال: شهدت أسامة بن زيد عن سعد بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ الطّاعُونَ رِجْز أُنْزِلَ علـى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أوْ علـى بَنِـي إسْرائيـلَ».
  وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:
  747ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة فـي قوله: رِجْزا قال: عذابـا.
  748ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: فأنْزلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ قال: الرجز: الغضب.
  749ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما قـيـل لبنـي إسرائيـل: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ بعث الله جل وعز علـيهم الطاعون, فلـم يبق منهم أحدا. وقرأ: فأنْزَلْنَا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ بِـما كانُوا يَفْسُقُونَ. قال: وبقـي الأبناء, ففـيهم الفضل والعبـادة التـي توصف فـي بنـي إسرائيـل والـخير, وهلك الاَبـاء كلهم, أهلكهم الطاعون.
  750ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الرجز: العذاب, وكل شيء فـي القرآن رجز فهو عذاب.
  751ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: رِجْزا قال: كل شيء فـي كتاب الله من الرجز, يعنـي به العذاب.
  وقد دللنا علـى أن تأويـل الرجز: العذاب. وعذابُ الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل علـى الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء, وجائز أن يكون ذلك طاعونا, وجائز أن يكون غيره, ولا دلالة فـي ظاهر القرآن ولا فـي أثر عن الرسول ثابت أيّ أصناف ذلك كان.
  فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال كما قال الله عزّ وجل: فأنْزَلْنا عَلَـيْهِمْ رِجْزا مِنَ السّماءِ بفسقهم. غير أنه يغلب علـى النفس صحة ما قاله ابن زيد للـخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي إخبـاره عن الطاعون أنه رجز, وأنه عذّب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقـينا لأن الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بـيان فـيه أيّ أمة عذّبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذّبوا به كانوا غير الذين وصف الله صفتهم فـي قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الذي قِـيـلَ لَهُمْ.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: بِـمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.
فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مّنَ السّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ   وقد دللنا فـيـما مضى من كتابنا هذا علـى أن معنى الفسق: الـخروج من الشيء. فتأويـل قوله: بِـمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ إذا بـما كانوا يتركون طاعة الله عزّ وجلّ, فـيخرجون عنها إلـى معصيته وخلاف أمره.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 58<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجّداً وَقُولُواْ حِطّةٌ نّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }<br />
   والقرية التـي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخـلوها, فـيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا فـيـما ذكر لنا: بـيت الـمقدس. ذكر الرواية بذلك:<br />
  714ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة فـي قوله: ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ قال: بـيت الـمقدس.<br />
  715ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدِي: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِذِ القَرْيَةَ أما القرية فقرية بـيت الـمقدس.<br />
  716ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ يعنـي بـيت الـمقدس.<br />
  717ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألته يعنـي ابن زيد عن قوله: ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا قال: هي أريحا, وهي قريبة من بـيت الـمقدس.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُـمْ رَغَدا.<br />
  يعنـي بذلك: فكلوا من هذه القرية حيث شئتـم عيشا هنـيا واسعا بغير حساب. وقد بـينا معنى الرغد فـيـما مضى من كتابنا, وذكرنا أقوال أهل التأويـل فـيه.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا.<br />
  أما البـاب الذي أمروا أن يدخـلوه, فإنه قـيـل: هو بـاب الـحطة من بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:<br />
  718ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: بـاب الـحطة من بـاب إيـلـياء من بـيت الـمقدس.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.<br />
  719ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا أما البـاب فبـاب من أبواب بـيت الـمقدس.<br />
  720ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: حدثنـي أبـي, قال: حدثنـي عمي, قال حدثنـي أبـي عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا أنه أحد أبواب بـيت الـمقدس, وهو يدعى بـاب حطة.<br />
  وأما قوله: سُجّدا فإن ابن عبـاس كان يتأوّله بـمعنى الركع.<br />
  721ـ حدثنـي مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: ركعا من بـاب صغير.<br />
   حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, قال: حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: أمروا أن يدخـلوا ركعا. وأصل السجود: الانـحناء لـمن سجد له معظما بذلك, فكل منـحن لشيء تعظيـما له فهو ساجد, ومنه قول الشاعر:<br />
 بِجَمْعٍ تَضِلّ البُلْقُ فِـي حَجَرَاتِهِتَرَى أُلاكْمَ فِـيهِ سُجّدا للْـحَوَافِرِ )<br />
  يعنـي بقوله: سجدا: خاشعة خاضعة. ومن ذلك قول أعشى بنـي قـيس بن ثعلبة:<br />
 يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الـمَلِـيكِ طَوْرا سُجُودا وَطَوْرا جُءَوارَا <br />
  فذلك تأويـل ابن عبـاس قوله: سُجّدا ركعا, لأن الراكع منـحن, وإن كان الساجد أشدّ انـحناء منه.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَقُولُوا حِطّةٌ.<br />
  وتأويـل قوله: حِطّةٌ: فعلة, من قول القائل: حطّ الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة, بـمنزلة الردة والـحدّة والـمدة من حددت ومددت.<br />
  واختلف أهل التأويـل فـي تأويـله, فقال بعضهم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك منهم:<br />
  722ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال أنبأنا معمر: وَقُولُوا حِطّةٌ قال الـحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا.<br />
  723ـ حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَقُولُوا حِطّةٌ: يحطّ الله بها عنكم ذنبكم وخطاياكم.<br />
  724ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: قُولُوا حِطّةٌ قال: يحطّ عنكم خطاياكم.<br />
  725ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس قوله: حِطّةٌ: مغفرة.<br />
  726ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: حِطّةٌ قال: يحطّ عنكم خطاياكم.<br />
  727ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: أخبرنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: سمعنا أنه يحطّ عنهم خطاياهم.<br />
  وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا لا إلَه إلا الله. كأنهم وجهوا تأويـله: قولوا الذي يحطّ عنكم خطاياكم, وهو قول لا إلَه إلا الله. ذكر من قال ذلك:<br />
  728ـ حدثنـي الـمثنى وسعد بن عبد الله بن عبد الـحكم الـمصري, قالا: أخبرنا حفص بن عمر, حدثنا الـحكم بن أبـان, عن عكرمة: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: قولوا لا إلَه إلا الله.<br />
  وقال آخرون بـمثل معنى قول عكرمة, إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقـيـله الاستغفـار. ذكر من قال ذلك:<br />
  729ـ حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: أمروا أن يستغفروا.<br />
  وقال آخرون نظير قول عكرمة, إلا أنهم قالوا القول الذي أمروا أن يقولون هو أن يقولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم. ذكر من قال ذلك:<br />
  730ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ قال: قولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم.<br />
  واختلف أهل العربـية فـي الـمعنى الذي من أجله رفعت الـحطة, فقال بعض نـحويـي البصرة: رفعت الـحطة بـمعنى «قولوا» لـيكن منكم حطة لذنوبنا, كما تقول للرجل سَمْعُك.<br />
  وقال آخرون منهم: هي كلـمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة, وفرض علـيهم قـيـلها كذلك.<br />
  وقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: رفعت الـحطة بضمير «هذه», كأنه قال: وقولوا هذه حطة.<br />
  وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الـخبر, كأنه قال: قولوا ما هو حطة, فتكون حطة حينئذٍ خبرا ل«ما».<br />
  والذي هو أقرب عندي فـي ذلك إلـى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب, أن يكون رفع حطة بنـية خبر مـحذوف قد دل علـيه ظاهر التلاوة, وهو دخولنا البـاب سجدا حطة, فكفـى من تكريره بهذا اللفظ ما دل علـيه الظاهر من التنزيـل, وهو قوله: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا كما قال جل ثناؤه: وَإِذْ قَالَتْ أُمّة مِنْهُمْ لِـمَ تَعِظُونَ قَوْما اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَابـا شَدِيدا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلـى رَبّكُمْ يعنـي موعظتنا إياهم معذرة إلـى ربكم. فكذلك عندي تأويـل قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ يعنـي بذلك: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُـلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ... وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا دخولنا ذلك سجدا حُطّةٌ لذنوبنا, وهذا القول علـى نـحو تأويـل الربـيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفـا.<br />
  وأما علـى تأويـل قول عكرمة, فإن الواجب أن تكون القراءة بـالنصب فـي «حطة», لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إلَه إلا الله, أو أن يقولوا: نستغفر الله, فقد قـيـل لهم: قولوا هذا القول, ف«قولوا» واقع حينئذٍ علـى الـحطة, لأن الـحطة علـى قول عكرمة هي قول لا إلَه إلا الله, وإذ كانت هي قول لا إلَه إلا الله, فـالقول علـيها واقع, كما لو أمر رجل رجلاً بقول الـخير, فقال له: «قل خيرا» نصبـا, ولـم يكون صوابـا أن يقول له «قل خير» إلا علـى استكراه شديد.<br />
  وفـي إجماع القراء علـى رفع «الـحطة» بـيان واضح علـى خلاف الذي قاله عكرمة من التأويـل فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ. وكذلك الواجب علـى التأويـل الذي رويناه عن الـحسن وقتادة فـي قوله: وَقُولُوا حِطّةٌ أن تكون القراءة فـي «حطة» نصبـا, لأن من شأن العرب إذا وضعوا الـمصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا الـمصادر, كما قال الشاعر:<br />
 أُبِـيدوا بأيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْعلـى أُمّهاتِ الهَامِ ضَرْبـا شآمِيَا <br />
  وكقول القائل للرجل: سمعا وطاعة, بـمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة, وكما قال جل ثناؤه: مَعَاذ الله بـمعنى: نعوذ بـالله.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: نَغْفِرْ لَكُمْ.<br />
  يعنـي بقوله: نَغْفِرْ لَكُمْ نتغمد لكم بـالرحمة خطاياكم ونسترها علـيكم, فلا نفضحكم بـالعقوبة علـيه. وأصل الغفر: التغطية والستر, فكل ساتر شيئا فهو غافره. ومن ذلك قـيـل للبـيضة من الـحديد التـي تتـخذ جنة للرأس «مِغْفر», لأنها تغطي الرأس وتُـجِنّه, ومثله غمد السيف, وهو ما يغمده فـيواريه ولذلك قـيـل لزئبر الثوب «عَفْرة», لتغطيته الثوب, وحَوْلِه بـين الناظر والنظر إلـيها. ومنه قول أوس بن حجر:<br />
 فَلا أعْتِبُ ابنَ العَمّ إنْ كانَ جاهِلاًوأغْفِرُ عَنْهُ الـجَهْلَ إنْ كانَ أَجْهَلاَ <br />
  يعنـي بقوله: وأغفر عنه الـجهل: أستر علـيه جهله بحلـمي عنه.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: خَطاياكُمْ والـخطايا جمع خطية بغير همز كما الـمطايا جمع مطية, والـحشايا جمع حشية. وإنـما ترك جمع الـخطايا بـالهمز, لأن ترك الهمز فـي خطيئة أكثر من الهمز, فجمع علـى خطايا, علـى أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت الـخطايا مـجموعة علـى خطيئة بـالهمز لقـيـل خطائي علـى مثل قبـيـلة وقبـائل, وصحيفة وصحائف. وقد تـجمع خطيئة بـالتاء فـيهمز فـيقال خطيئات, والـخطيئة فعلـية من خَطِىء الرجل يَخْطَا خِطْأً, وذلك إذا عدل عن سبـيـل الـحق. ومنه قول الشاعر:<br />
 وَإِنْ مُهاجِرَينَ تَكَنّفـاهُلَعَمْرُ اللّهِ قَدْ خَطِئا وَخابَـا <br />
  يعنـي أضلا الـحقّ وأثما.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَسَنَزِيدُ الـمُـحْسِنِـينَ.<br />
  وتأويـل ذلك ما رُوي لنا عن ابن عبـاس, وهو ما:<br />
  731ـ حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عبـاس: وَسَنَزِيدُ الـمُـحْسِنِـينَ: من كان منكم مـحسنا زيد فـي إحسانه, ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته.<br />
  فتأويـل الآية: وإذْ قلنا ادخـلوا هذه القرية مبـاحا لكم كل ما فـيها من الطيبـات, موسعا علـيكم بغير حساب, وادخـلوا البـاب سجدا, وقولوا: سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحطّ به آثامنا, نتغمد لكم ذنوب الـمذنب منكم, فنسترها علـيه, ونـحطّ أوزاره عنه, وسنزيد الـمـحسنـين منكم إلـى إحساننا السالف عنده إحسانا. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيـم جهالتهم, وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبـيائهم واستهزائهم برسله, مع عظيـم آلاء الله عز وجل عندهم, وعجائب ما أراهم من آياتهم وعبره, موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الاَيات, ومعلـمهم أنهم إن تعدّوا فـي تكذيبهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوّته مع عظيـم إحسان الله بـمبعثه فـيهم إلـيهم, وعجائب ما أظهر علـى يديه من الـحجج بـين أظهرهم, أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم. وقصّ علـينا أنبـاءهم فـي هذه الاَيات, فقال جل ثناؤه: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السّماء الآية.<br />
الآية : 59<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مّنَ السّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }<br />
   وتأويـل قوله: فَبَدّلَ فغير. ويعنـي بقوله: الّذِينَ ظَلَـمُوا الذين فعلوا ما لـم يكن لهم فعله. ويعنـي بقوله: قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ بدلوا قولاً غير الذي أمروا أن يقولوه فقالوا خلافه, وذلك هو التبديـل والتغيـير الذي كان منهم. وكان تبديـلهم بـالقول الذي أمروا أن يقولوه قولاً غيره, ما:<br />
  732ـ حدثنا به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبـا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال اللّهُ لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ نَغْفِرُ لَكُمْ خَطاياكُمْ, فَبدلُوا وَدَخَـلُوا البـابَ يَزْحَفُونَ علـى أسْتاهِهِمْ وقالُوا: حَبّةٌ فـي شَعِيرَةٍ».<br />
   حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة وعلـيّ بن مـجاهد, قالا: حدثنا مـحمد بن إسحاق, عن صالـح بن كيسان, عن صالـح مولـى التوأمة, عن أبـي هريرة, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم. قال:<br />
  733ـ حدثت عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن سعيد بن جبـير, أو عن عكرمة, عن ابن عبـاس عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَـلُوا البـابَ الّذِي أُمِرُوا أنْ يَدْخُـلُوا مِنْهُ سُجّدا يَزْحُفُونَ علـى أسْتاهِهِمْ يَقُولُونَ حِنْطَةٌ فِـي شَعِيرةٍ».<br />
  734ـ وحدثنـي مـحمد بن عبد الله الـمـحاربـي, قال: حدثنا عبد الله بن الـمبـارك, عن معمر, عن همام, عن أبـي هريرة, عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي قوله: حِطّةٌ قال: «بدّلوا فقالوا: حبة».<br />
  735ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا سفـيان, عن السدي, عن أبـي سعيد عن أبـي الكنود, عن عبد الله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّة قالوا: حنطة حمراء فـيها شعيرة, فأنزل الله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
  736ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس فـي قوله: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا قال: ركوعا من بـاب صغير. فجعلوا يدخـلون من قِبَلِ أستاههم. ويقولون حنطة فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
   حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي, قال: حدثنا أبو أسامة, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد, عن ابن عبـاس, قال: أمروا أن يدخـلوا ركعا, ويقولوا حطة قال: أمروا أن يستغفروا قال: فجعلوا يدخـلون من قبل أستاههم من بـاب صغير ويقولون حنطة يستهزئون, فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
  737ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة والـحسن: ادْخُـلُوا البـابَ سُجدا قالا: دخـلوها علـى غير الـجهة التـي أمروا بها, فدخـلوها متزحفـين علـى أوراكهم, وبدلوا قولاً غير الذي قـيـل لهم, فقالوا: حبة فـي شعيرة.<br />
  738ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا البـاب سجدا ويقولوا حطة, وطُؤْطِىءَ لهم البـاب لـيسجدوا فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أدبـارهم وقالوا حنطة.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا الـمسجد ويقولوا حطة, وطؤطىء لهم البـاب لـيخفضوا رءوسهم, فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أستاههم إلـى الـجبل, وهو الـجبل الذي تـجلـى له ربه وقالوا: حنطة. فذلك التبديـل الذي قال الله عز وجل: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
  739ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: «هطى سمقا يا ازبة هزبـا», وهو بـالعربـية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فـيها شعيرة سوداء. فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
  740ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفـيان, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَادْخُـلُوا البـاب سُجّدا قال: فدخـلوا علـى أستاههم مُقْنِعي رءوسهم.<br />
  741ـ حدثنا سفـيان بن وكيع, قال: حدثنا أبـي النضر بن عديّ, عن عكرمة: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا فدخـلوا مقنعى رءوسهم, وَقُولُوا حِطّة فقالوا: حنطة حمراء فـيها شعيرة, فذلك قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
  742ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ قال: فكان سجود أحدهم علـى خده, وقُولُوا حِطّة نـحطّ عنكم خطاياكم, فقالوا: حنطة, وقال بعضهم: حبة فـي شعيرة. فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
  743ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم. قال: فـاستهزءوا به يعنـي بـموسى وقالوا: ما يشاء موسى أن يـلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أيّ شيء حطة؟ وقال بعضهم لبعض: حنطة.<br />
  744ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنـي الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, وقال ابن عبـاس: لـما دخـلوا قالوا: حبة فـي شعيرة.<br />
   حدثنـي مـحمد بن سعيد, قال: حدثنـي أبـي سعيد بن مـحمد بن الـحسن, قال: أخبرنـي عمي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قال: لـما دخـلوا البـاب قالوا حبة فـي شعيرة, فبدلوا قولاً غير الذي قـيـل لهم.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأنْزلْنا عَلـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ.<br />
  يعنـي بقوله: فأنْزَلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا علـى الذين فعلوا ما لـم يكن لهم فعله من تبديـلهم القول الذي أمرهم الله جل وعزّ أن يقولوه قولاً غيره, ومعصيتهم إياه فـيـما أمرهم به وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه رِجْزا مِنَ السمّاءِ بِـما كانُوا يَفْسُقُونَ. والرّجز فـي لغة العرب: العذاب, وهو غير الرّجْز, وذلك أن الرّجز: البَثْر, ومنه الـخبر الذي رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي الطاعون أنه قال: «إنّهُ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعْضُ أُلامَـمِ الّذِينَ قَبْلَكُمْ».<br />
  745ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي يونس, عن ابن شهاب, قال: أخبرنـي عامر بن سعد بن أبـي وقاص, عن أسامة بن زيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنّ هَذا الوَجَعَ أوِ السّقْمَ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعْضُ أُلامَـمِ قَبْلَكُمْ».<br />
  746ـ وحدثنـي أبو شيبة بن أبـي بكر بن أبـي شيبة, قال: حدثنا عمر بن حفص, قال: حدثنا أبـي عن الشيبـانـي عن ربـاح بن عبـيدة, عند عامر بن سعد, قال: شهدت أسامة بن زيد عن سعد بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنّ الطّاعُونَ رِجْز أُنْزِلَ علـى مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ أوْ علـى بَنِـي إسْرائيـلَ».<br />
  وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:<br />
  747ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزاق, قال: أنبأنا معمر, عن قتادة فـي قوله: رِجْزا قال: عذابـا.<br />
  748ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: فأنْزلْنا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ قال: الرجز: الغضب.<br />
  749ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما قـيـل لبنـي إسرائيـل: ادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا وَقُولُوا حِطّةٌ فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيرَ الّذِي قِـيـلَ لَهُمْ بعث الله جل وعز علـيهم الطاعون, فلـم يبق منهم أحدا. وقرأ: فأنْزَلْنَا علـى الّذِينَ ظَلَـمُوا رِجْزا مِنَ السمّاءِ بِـما كانُوا يَفْسُقُونَ. قال: وبقـي الأبناء, ففـيهم الفضل والعبـادة التـي توصف فـي بنـي إسرائيـل والـخير, وهلك الاَبـاء كلهم, أهلكهم الطاعون.<br />
  750ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الرجز: العذاب, وكل شيء فـي القرآن رجز فهو عذاب.<br />
  751ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: رِجْزا قال: كل شيء فـي كتاب الله من الرجز, يعنـي به العذاب.<br />
  وقد دللنا علـى أن تأويـل الرجز: العذاب. وعذابُ الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل علـى الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء, وجائز أن يكون ذلك طاعونا, وجائز أن يكون غيره, ولا دلالة فـي ظاهر القرآن ولا فـي أثر عن الرسول ثابت أيّ أصناف ذلك كان.<br />
  فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال كما قال الله عزّ وجل: فأنْزَلْنا عَلَـيْهِمْ رِجْزا مِنَ السّماءِ بفسقهم. غير أنه يغلب علـى النفس صحة ما قاله ابن زيد للـخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي إخبـاره عن الطاعون أنه رجز, وأنه عذّب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقـينا لأن الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بـيان فـيه أيّ أمة عذّبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذّبوا به كانوا غير الذين وصف الله صفتهم فـي قوله: فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَـمُوا قَوْلاً غَيرَ الذي قِـيـلَ لَهُمْ.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: بِـمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.<br />
فَبَدّلَ الّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مّنَ السّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ   وقد دللنا فـيـما مضى من كتابنا هذا علـى أن معنى الفسق: الـخروج من الشيء. فتأويـل قوله: بِـمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ إذا بـما كانوا يتركون طاعة الله عزّ وجلّ, فـيخرجون عنها إلـى معصيته وخلاف أمره.<br />
</font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226792</guid>
		</item>
		<item>
			<title>آيات الصبر في القرآن الكريم</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226319&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sat, 07 Nov 2009 18:27:31 GMT</pubDate>
			<description> 

**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**
*آيات الصبر في القرآن الكريم *
*بسم الله الرحمن الرحيم *
*الشورى: 43 *
*(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ)*
*1*
*الأحقاف: 35 *
*(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) *
*2 *
*الرعد: 24 *
*(سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)*
*3 *
*النحل: 126 *
*(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) *
*4 *
*إبراهيم: 21 *
*(وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) *
*5 *
*الفرقان: 42 *
*(إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً) *
*6 *
*الأنعام: 34 *
*(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) *
*7 *
*الأعراف: 137 *
*(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ )*
*8 *
*هود: 11 *
*(إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) *
*9 *
*الرعد: 22 *
*(وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ)*
*10 *
*النحل: 42 *
*(الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) *
*11 *
*النحل: 96 *
*(مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) *
*12 *
*النحل: 110 *
*(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) *
*13 *
*المؤمنون: 111 *
*(إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) *
*14 *
*الفرقان: 75 *
*(أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا) *
*15 *
*القصص: 54 *
*(أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) *
*16 *
*العنكبوت: 59 *
*(الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) *
*17 *
*السجدة: 24 *
*(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) *
*18 *
*فصلت: 35 *
*(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) *
*19 *
*الحجرات: 5 *
*(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) *
*20 *
*الإنسان: 12 *
*(وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) *
*21 *
*الكهف: 68 *
*(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) *
*22 *
*آل عمران: 120 *
*(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) *
*23 *
*آل عمران: 125 *
*(بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ) *
*24 *
*آل عمران: 186 *
*(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ) *
*25 *
*النساء: 25 *
*(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَالله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) *
*26 *
*الطور: 16 *
*(اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) *
*27 *
*الفرقان: 20 *
*(وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) *
*28 *
*البقرة: 61 *
*(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) *
*29 *
*إبراهيم: 12 *
*(وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) *
*30 *
*يوسف: 90 *
*(قَالُواْ أَإِنَّكَ لانتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) *
*31 *
*فصلت: 24 *
*(فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) *
*32 *
*يونس: 109 *
*(وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) *
*33 *
*هود: 49 *
*(تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) *
*34 *
*هود: 115 *
*(وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) *
*35 *
*النحل: 127 *
*(وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) *
*36 *
*الكهف: 28 *
*(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) *
*37 *
*طه: 130 *
*(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) *
*38 *
*الروم: 60 *
*(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) *
*39 *
*لقمان: 17 *
*(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) *
*40 *
*ص: 17 *
*(اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) *
*41 *
*غافر: 55 *
*(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ )*
*42 *
*غافر: 77 *
*(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) *
*43 *
*الأحقاف: 35 *
*(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) *
*44 *
*ق: 39 *
*(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) *
*45 *
*الطور: 48 *
*(وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) *
*46 *
*القلم: 48 *
*(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) *
*47 *
*المعارج: 5 *
*(فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً)*
*48 *
*المزمل: 10 *
*(وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً) *
*49 *
*المدثر: 7 *
*(وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) *
*50 *
*الإنسان: 24 *
*(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) *
*51 *
*آل عمران: 200 *
*(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) *
*52 *
*الأعراف: 87 *
*(وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) *
*53 *
*الأعراف: 128 *
*(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) *
*54 *
*الأنفال: 46 *
*(وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ) *
*55 *
*ص: 6 *
*(وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) *
*56 *
*البقرة: 175 *
*(أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) *
*57 *
*مريم: 65 *
*(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) *
*58 *
*طه: 132 *
*(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) *
*59 *
*القمر: 27 *
*(إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) *
*60 *
*البقرة: 45 *
*(وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) *
*61 *
*البقرة: 153 *
*(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ) *
*62 *
*يوسف: 18 *
*(وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) *
*63 *
*يوسف: 83 *
*(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) *
*64 *
*البلد: 17 *
*(ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) *
*65 *
*العصر: 3 *
*(إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) *
*66 *
*البقرة: 250 *
*(وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) *
*67 *
*الأعراف: 126 *
*(وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) *
*68 *
*الكهف: 75 *
*(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) *
*69 *
*الكهف: 67 *
*(قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) *
*70 *
*الكهف: 72 *
*(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) *
*71 *
*الكهف: 78 *
*(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) *
*72 *
*الكهف: 82 *
*(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) *
*73 *
*الكهف: 69 *
*(قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) *
*74 *
*ص: 44 *
*(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) *
*75 *
*الأنفال: 65 *
*(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ )*
*76 *
*القصص: 80 *
*(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ )*
*77 *
*الزمر: 10 *
*(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )*
*78 *
*البقرة: 55 *
*(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ )*
*79 *
*البقرة: 177 *
*(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )*
*80 *
*البقرة: 249 *
*(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ )*
*81 *
*آل عمران: 17 *
*(الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ )*
*82 *
*آل عمران: 142 *
*(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ )*
*83 *
*آل عمران: 146 *
*(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ )*
*84 *
*الأنفال: 66 *
*(الآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ )*
*85 *
*النحل: 126 *
*(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) *
*86 *
*الأنبياء: 85 *
*(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ) *
*87 *
*الحج: 35 *
*(الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون) *
*88 *
*الأحزاب: 35 *
*(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) *
*89 *
*الصافات: 102 *
*(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصَّابِرِينَ) *
*90 *
*محمد: 31 *
*(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) *
*91 *
*إبراهيم: 5 *
*(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) *
*92 *
*لقمان: 31 *
*(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ الله لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) *
*93 *
*سبأ: 19 *
*(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)*
*94 *
*الشورى: 33 *
*(إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) *
*95 *

</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><center><table border="0" width="98%" cellpadding="0" cellspacing="0"><tr>
<td><img border="0" src="mwaextraedit2/frames/tr14.gif"></td>
<td width="98%" background="mwaextraedit2/frames/t14.gif"></td>
<td><img border="0" src="mwaextraedit2/frames/tl14.gif"></td>
</tr><tr><td background="mwaextraedit2/frames/r14.gif"></td>
<td width="100%" background="mwaextraedit2/frames/14.gif" style="padding:5"> <br />
<font size="5"><font color="darkgreen"><br />
<div align="center"><b><font size="5"><font face="verdana"><font color="darkgreen"><b><font face="comic sans ms"><font color="blue">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته</font></font></b></font></font></font></b><font face="verdana"><font color="darkgreen"><br />
<b><font size="5">آيات الصبر في القرآن الكريم </font></b></font><br />
<b><font face="comic sans ms"><font size="6"><font color="blue">بسم الله الرحمن الرحيم</font></font></font> </b><br />
<b>الشورى: 43 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ</font>)</b><br />
<b>1</b><br />
<b>الأحقاف: 35 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ</font>) </b><br />
<b>2 </b><br />
<b>الرعد: 24 </b><br />
<b>(<font color="red">سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ</font>)</b><br />
<b>3 </b><br />
<b>النحل: 126 </b><br />
<b>(<font color="red">وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ</font>) </b><br />
<b>4 </b><br />
<b>إبراهيم: 21 </b><br />
<b>(<font color="red">وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ</font>) </b><br />
<b>5 </b><br />
<b>الفرقان: 42 </b><br />
<b>(<font color="red">إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً</font>) </b><br />
<b>6 </b><br />
<b>الأنعام: 34 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ</font>) </b><br />
<b>7 </b><br />
<b>الأعراف: 137 </b><br />
<b>(<font color="red">وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ </font>)</b><br />
<b>8 </b><br />
<b>هود: 11 </b><br />
<b>(<font color="red">إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ</font>) </b><br />
<b>9 </b><br />
<b>الرعد: 22 </b><br />
<b>(<font color="red">وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ</font>)</b><br />
<b>10 </b><br />
<b>النحل: 42 </b><br />
<b>(<font color="red">الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ</font>) </b><br />
<b>11 </b><br />
<b>النحل: 96 </b><br />
<b>(<font color="red">مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ</font>) </b><br />
<b>12 </b><br />
<b>النحل: 110 </b><br />
<b>(<font color="red">ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ</font>) </b><br />
<b>13 </b><br />
<b>المؤمنون: 111 </b><br />
<b>(<font color="red">إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ</font>) </b><br />
<b>14 </b><br />
<b>الفرقان: 75 </b><br />
<b>(<font color="red">أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا</font>) </b><br />
<b>15 </b><br />
<b>القصص: 54 </b><br />
<b>(<font color="red">أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ</font>) </b><br />
<b>16 </b><br />
<b>العنكبوت: 59 </b><br />
<b>(<font color="red">الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ</font>) </b><br />
<b>17 </b><br />
<b>السجدة: 24 </b><br />
<b>(<font color="red">وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ</font>) </b><br />
<b>18 </b><br />
<b>فصلت: 35 </b><br />
<b>(<font color="red">وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ</font>) </b><br />
<b>19 </b><br />
<b>الحجرات: 5 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ</font>) </b><br />
<b>20 </b><br />
<b>الإنسان: 12 </b><br />
<b>(<font color="red">وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا</font>) </b><br />
<b>21 </b><br />
<b>الكهف: 68 </b><br />
<b>(<font color="red">وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا</font>) </b><br />
<b>22 </b><br />
<b>آل عمران: 120 </b><br />
<b>(<font color="red">إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ</font>) </b><br />
<b>23 </b><br />
<b>آل عمران: 125 </b><br />
<b>(<font color="red">بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ</font>) </b><br />
<b>24 </b><br />
<b>آل عمران: 186 </b><br />
<b>(<font color="red">لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ</font>) </b><br />
<b>25 </b><br />
<b>النساء: 25 </b><br />
<b>(<font color="red">وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَالله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ</font>) </b><br />
<b>26 </b><br />
<b>الطور: 16 </b><br />
<b>(<font color="red">اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ</font>) </b><br />
<b>27 </b><br />
<b>الفرقان: 20 </b><br />
<b>(<font color="red">وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا</font>) </b><br />
<b>28 </b><br />
<b>البقرة: 61 </b><br />
<b>(<font color="red">وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ</font>) </b><br />
<b>29 </b><br />
<b>إبراهيم: 12 </b><br />
<b>(<font color="red">وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ</font>) </b><br />
<b>30 </b><br />
<b>يوسف: 90 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالُواْ أَإِنَّكَ لانتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ</font>) </b><br />
<b>31 </b><br />
<b>فصلت: 24 </b><br />
<b>(<font color="red">فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ</font>) </b><br />
<b>32 </b><br />
<b>يونس: 109 </b><br />
<b>(<font color="red">وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ</font>) </b><br />
<b>33 </b><br />
<b>هود: 49 </b><br />
<b>(<font color="red">تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ</font>) </b><br />
<b>34 </b><br />
<b>هود: 115 </b><br />
<b>(<font color="red">وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ</font>) </b><br />
<b>35 </b><br />
<b>النحل: 127 </b><br />
<b>(<font color="red">وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ</font>) </b><br />
<b>36 </b><br />
<b>الكهف: 28 </b><br />
<b>(<font color="red">وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا</font>) </b><br />
<b>37 </b><br />
<b>طه: 130 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى</font>) </b><br />
<b>38 </b><br />
<b>الروم: 60 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ</font>) </b><br />
<b>39 </b><br />
<b>لقمان: 17 </b><br />
<b>(<font color="red">يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ</font>) </b><br />
<b>40 </b><br />
<b>ص: 17 </b><br />
<b>(<font color="red">اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ</font>) </b><br />
<b>41 </b><br />
<b>غافر: 55 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ </font>)</b><br />
<b>42 </b><br />
<b>غافر: 77 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ</font>) </b><br />
<b>43 </b><br />
<b>الأحقاف: 35 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ</font>) </b><br />
<b>44 </b><br />
<b>ق: 39 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ</font>) </b><br />
<b>45 </b><br />
<b>الطور: 48 </b><br />
<b>(<font color="red">وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ</font>) </b><br />
<b>46 </b><br />
<b>القلم: 48 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ</font>) </b><br />
<b>47 </b><br />
<b>المعارج: 5 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً</font>)</b><br />
<b>48 </b><br />
<b>المزمل: 10 </b><br />
<b>(<font color="red">وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً</font>) </b><br />
<b>49 </b><br />
<b>المدثر: 7 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ</font>) </b><br />
<b>50 </b><br />
<b>الإنسان: 24 </b><br />
<b>(<font color="red">فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا</font>) </b><br />
<b>51 </b><br />
<b>آل عمران: 200 </b><br />
<b>(<font color="red">يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ</font>) </b><br />
<b>52 </b><br />
<b>الأعراف: 87 </b><br />
<b>(<font color="red">وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ</font>) </b><br />
<b>53 </b><br />
<b>الأعراف: 128 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ</font>) </b><br />
<b>54 </b><br />
<b>الأنفال: 46 </b><br />
<b>(<font color="red">وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ</font>) </b><br />
<b>55 </b><br />
<b>ص: 6 </b><br />
<b>(<font color="red">وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ</font>) </b><br />
<b>56 </b><br />
<b>البقرة: 175 </b><br />
<b>(<font color="red">أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ</font>) </b><br />
<b>57 </b><br />
<b>مريم: 65 </b><br />
<b>(<font color="red">رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا</font>) </b><br />
<b>58 </b><br />
<b>طه: 132 </b><br />
<b>(<font color="red">وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى</font>) </b><br />
<b>59 </b><br />
<b>القمر: 27 </b><br />
<b>(<font color="red">إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ</font>) </b><br />
<b>60 </b><br />
<b>البقرة: 45 </b><br />
<b>(<font color="red">وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ</font>) </b><br />
<b>61 </b><br />
<b>البقرة: 153 </b><br />
<b>(<font color="red">يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ</font>) </b><br />
<b>62 </b><br />
<b>يوسف: 18 </b><br />
<b>(<font color="red">وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ</font>) </b><br />
<b>63 </b><br />
<b>يوسف: 83 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ</font>) </b><br />
<b>64 </b><br />
<b>البلد: 17 </b><br />
<b>(<font color="red">ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ</font>) </b><br />
<b>65 </b><br />
<b>العصر: 3 </b><br />
<b>(<font color="red">إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ</font>) </b><br />
<b>66 </b><br />
<b>البقرة: 250 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ</font>) </b><br />
<b>67 </b><br />
<b>الأعراف: 126 </b><br />
<b>(<font color="red">وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ</font>) </b><br />
<b>68 </b><br />
<b>الكهف: 75 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا</font>) </b><br />
<b>69 </b><br />
<b>الكهف: 67 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا</font>) </b><br />
<b>70 </b><br />
<b>الكهف: 72 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا</font>) </b><br />
<b>71 </b><br />
<b>الكهف: 78 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا</font>) </b><br />
<b>72 </b><br />
<b>الكهف: 82 </b><br />
<b>(<font color="red">وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا</font>) </b><br />
<b>73 </b><br />
<b>الكهف: 69 </b><br />
<b>(<font color="red">قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا</font>) </b><br />
<b>74 </b><br />
<b>ص: 44 </b><br />
<b>(<font color="red">وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ</font>) </b><br />
<b>75 </b><br />
<b>الأنفال: 65 </b><br />
<b>(<font color="red">يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ </font>)</b><br />
<b>76 </b><br />
<b>القصص: 80 </b><br />
<b>(<font color="red">وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ </font>)</b><br />
<b>77 </b><br />
<b>الزمر: 10 </b><br />
<b>(<font color="red">قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ </font>)</b><br />
<b>78 </b><br />
<b>البقرة: 55 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ </font>)</b><br />
<b>79 </b><br />
<b>البقرة: 177 </b><br />
<b>(<font color="red">لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ </font>)</b><br />
<b>80 </b><br />
<b>البقرة: 249 </b><br />
<b>(<font color="red">فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ </font>)</b><br />
<b>81 </b><br />
<b>آل عمران: 17 </b><br />
<b>(<font color="red">الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ </font>)</b><br />
<b>82 </b><br />
<b>آل عمران: 142 </b><br />
<b>(<font color="red">أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ </font>)</b><br />
<b>83 </b><br />
<b>آل عمران: 146 </b><br />
<b>(<font color="red">وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ </font>)</b><br />
<b>84 </b><br />
<b>الأنفال: 66 </b><br />
<b>(<font color="red">الآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ </font>)</b><br />
<b>85 </b><br />
<b>النحل: 126 </b><br />
<b>(<font color="red">وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ</font>) </b><br />
<b>86 </b><br />
<b>الأنبياء: 85 </b><br />
<b>(<font color="red">وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ</font>) </b><br />
<b>87 </b><br />
<b>الحج: 35 </b><br />
<b>(<font color="red">الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون</font>) </b><br />
<b>88 </b><br />
<b>الأحزاب: 35 </b><br />
<b>(<font color="red">إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا</font>) </b><br />
<b>89 </b><br />
<b>الصافات: 102 </b><br />
<b>(<font color="red">فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصَّابِرِينَ</font>) </b><br />
<b>90 </b><br />
<b>محمد: 31 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ</font>) </b><br />
<b>91 </b><br />
<b>إبراهيم: 5 </b><br />
<b>(<font color="red">وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ</font>) </b><br />
<b>92 </b><br />
<b>لقمان: 31 </b><br />
<b>(<font color="red">أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ الله لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ</font>) </b><br />
<b>93 </b><br />
<b>سبأ: 19 </b><br />
<b>(<font color="red">فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ</font>)</b><br />
<b>94 </b><br />
<b>الشورى: 33 </b><br />
<b>(<font color="red">إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ</font>) </b><br />
<b>95 </b></font></div><font face="verdana"><br />
</font></font></font><br />
</td>
<td background="mwaextraedit2/frames/l14.gif"></td>
</tr><tr><td><img border="0" src="mwaextraedit2/frames/br14.gif"></td>
<td width="98%" background="mwaextraedit2/frames/b14.gif"></td>
<td><img border="0" src="mwaextraedit2/frames/bl14.gif"></td>
</tr></table></center></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>سوسن طه</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226319</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة ايه 56 و 57</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226295&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sat, 07 Nov 2009 16:21:35 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 56
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {ثُمّ بَعَثْنَاكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ }
   يعنـي بقوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ ثم أحيـيناكم. وأصل البعث: إثارة الشيء من مـحله, ومنه قـيـل: بعث فلان راحلته: إذا أثارها من مبركها للسير, كما قال الشاعر:
 فأبْعَثُهااَوهِيّ صَنـيعُ حَوْلٍحول كركنِ الرّعْنِ ذِعْلِبَةً وَقَاحَا 
  والرعن: منقطع أنف الـجبل, والذعلبة: الـخفـيفة, والوقاح, الشديدة الـحافر أو الـخفّ. ومن ذلك قـيـل: بعثت فلانا لـحاجتـي: إذا أقمته من مكانه الذي هو فـيه للتوجه فـيها. ومن ذلك قـيـل لـيوم القـيامة: يوم البعث, لأنه يوم يثار الناس فـيه من قبورهم لـموقـف الـحساب.
  ويعنـي بقوله: مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ من بعد موتكم بـالصاعقة التـي أهلكتكم.
  وقوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكرونـي علـى ما أولـيتكم من نعمتـي علـيكم بإحيائي إياكم استبقاء منـي لكم لتراجعوا التوبة من عظيـم ذنبكم بعد إحلالـي العقوبة بكم بـالصاعقة التـي أحللتها بكم, فأماتتكم بعظيـم خطئكم الذي كان منكم فـيـما بـينكم وبـين ربكم. وهذا القول علـى تأويـل من تأوّل قوله قول ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ ثم أحيـيناكم.
  وقال آخرون: معنى قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ أي بعثناكم أنبـياء.
  681ـ حدثنـي بذلك موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي.
  قال أبو جعفر: وتأويـل الكلام علـى ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة, ثم أحيـيناكم من بعد موتكم, وأنتـم تنظرون إلـى إحيائنا إياكم من بعد موتكم, ثم بعثناكم أنبـياء لعلكم تشركون. وزعم السدي أن ذلك من الـمقدم الذي معناه التأخير, والـمؤخر الذي معناه التقديـم.
  682ـ حدثنا بذلك موسى, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي. وهذا تأويـل يدل ظاهر التلاوة علـى خلافه مع إجماع أهل التأويـل علـى تـخطئته. والواجب علـى تأويـل السدي الذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ تشكرونـي علـى تصيـيري إياكم أنبـياء.
  وكان سبب قـيـلهم لـموسى ما أخبر الله جل وعزّ عنهم أنهم قالوا له من قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً, ما:
  683ـ حدثنا به مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه, ورأى ما هم فـيه من عبـادة العجل, وقال لأخيه وللسامري ما قال, وحرّق العجل وذراه فـي الـيـم اختار موسى منهم سبعين رجلاً الـخيّر فـالـخيرُ, وقال: انطلقوا إلـى الله عزّ وجل, فتوبوا إلـيه مـما صنعتـم وسلوه التوبة علـى من تركتـم وراءكم من قومكم, صوموا وتطهروا وطهروا ثـيابكم فخرج بهم إلـى طور سيناء لـميقات وقته له ربه, وكان لا يأتـيه إلا بإذن منه وعلـم. فقال له السبعون فـيـما ذكر لـي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلـى ربك لنسمع كلام ربنا فقال: أفعل. فلـما دنا موسى من الـجبل وقع علـيه الغمام حتـى تغشى الـجبل كله, ودنا موسى فدخـل فـيه, وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلـمه ربه وقع علـى جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنـي آدم أن ينظر إلـيه, فضرب دونه الـحجاب. ودنا القوم حتـى إذا دخـلوا فـي الغمام وقعوا سجودا, فسمعوه وهو يكلـم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلـما فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إلـيهم فقالوا لـموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فأخَذَتْهُمْ الرّجْفَةُ وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه, ويرغب إلـيه ويقول: ربّ لوْ شئتَ أهلكتهمْ مِن قبلُ وإيّايَ قد سفهوا, أفتهلك من ورائي من بنـي إسرائيـل بـما تفعل السفهاء منا؟ أي أن هذا لهم هلاك, اخترت منهم سبعين رجلاً, الـخيّر فـالـخيّر ارجع إلـيهم, ولـيس معي منهم رجل واحد, فما الذي يصدّقونـي به أو يأمنونـي علـيه بعد هذا؟ إنّا هُدنا إلـيكَ. فلـم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إلـيه, حتـى ردّ إلـيهم أرواحهم, فطلب إلـيه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل, فقال: لا, إلا أن يقتلوا أنفسهم.
  684ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما تابت بنو إسرائيـل من عبـادة العجل, وتاب الله علـيهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به, أمر الله تعالـى موسى أن يأتـيه فـي ناس من بنـي إسرائيـل يعتذرون إلـيه من عبـادة العجل, ووعدهم موعدا, فـاختار موسى من قومه سبعين رجلاً علـى عينه, ثم ذهب بهم لـيعتذروا. فلـما أتوا ذلك الـمكان قالوُا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فإنك قد كلـمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا, فقام موسى يبكي, ويدعو الله ويقول: ربّ ماذا أقول لبنـي إسرائيـل إذا أتـيتهم وقد أهلكت خيارهم رَبّ لو شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإيّايَ أتُهْلِكُنا بِـما فَعَلَ السّفَهاءُ مِنّا. فأوحى الله إلـى موسى إن هؤلاء السبعين مـمن اتـخذ العجل, فذلك حين يقول موسى: إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ... إنّا هُدْنا إلَـيْكَ وذلك قوله: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمْ الصّاعِقَةُ. ثُم إن الله جل ثناؤه أحياهم, فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلـى بعض كيف يحيون, فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك, فـادعه يجعلنا أنبـياء فدعا الله تعالـى, فجعلهم أنبـياء, فذلك قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ منْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ولكنه قدّم حرفـا وأخر حرفـا.
  685ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, قال لهم موسى لـما رجع من عند ربه بـالألواح, قد كتب فـيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل, فأمرهم بقتل أنفسهم, ففعلوا, فتاب الله علـيهم, فقال: إن هذه الألواح فـيها كتاب الله فـيه أمره الذي أمركم به, ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتـى نرى الله جهرة, حتـى يطلع الله علـينا فـيقول: هذا كتابـي فخذوه فماله لا يكلـمنا كما يكلـمك أنت يا موسى؟ فـيقول: هذا كتابـي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالـى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً قال: فجاءت غضبة من الله عز وجل, فجاءتهم صاعقة بعد التوبة, فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم, وقرأ قول الله تعالـى: ثُمّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فقالوا لا, فقال: أيّ شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيـينا. قال: خذوا كتاب الله قالوا لا. فبعث الله تعالـى ملائكة, فنتقت الـجبل فوقهم.
  686ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فأخَذَتْكُمْ الصّاعِقَةُ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ قال: أخذتهم الصاعقة, ثم بعثهم الله تعالـى لـيكملوا بقـية آجالهم.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس فـي قوله: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال: فسمعوا كلاما, فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً قال: فسمعوا صوتا فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ منْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَبُعِثُوا من بعد موتهم لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم, فبعثوا لبقـية آجالهم.
  فهذا ما روي فـي السبب الذي من أجله قالوا لـموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً ولا خبر عندنا بصحة شيء مـما قاله من ذكرنا قوله فـي سبب قـيـلهم ذلك لـموسى تقوم به حجة فتسلـم لهم. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه, فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة, فـالصواب من القول فـيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنـما أخبر الله عزّ وجلّ بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الاَيات توبـيخا لهم فـي كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وقد قامت حجته علـى من احتـج به علـيه, ولا حاجة لـمن انتهت إلـيه إلـى معرفة السبب الداعي لهم إلـى قـيـل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التـي ذكرناها, وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال.
الآية : 57
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
   وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ عطف علـى قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فتأويـل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم, وظللنا علـيكم الغمام, وعدد علـيهم سائر ما أنعم به علـيهم لعلكم تشكرون. والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة, والغمام هو ما غمّ السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مـما يسترها عن أعين الناظرين, وكل مغطّى فإن العرب تسميه مغموما. وقد قـيـل: إن الغمام التـي ظللها الله علـى بنـي إسرائيـل لـم تكن سحابـا.
  687ـ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قوله: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: لـيس بـالسحاب.
   وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: لـيس بـالسحاب هو الغمام الذي يأتـي الله فـيه يوم القـيامة لـم يكن إلا لهم.
   وحدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله جل ثناؤه: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: هو بـمنزلة السحاب.
  688ـ وحدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب, وهو الذي يأتـي الله عز وجل فـيه يوم القـيامة فـي قوله: فـي ظلل من الغمام, وهو الذي جاءت فـيه الـملائكة يوم بدر. قال ابن عبـاس: وكان معهم فـي التـيه. وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا مـما غمّ السماء من شيء فغطى وجهها عن الناظر إلـيها, فلـيس الذي ظلله الله عز وجل علـى بنـي إسرائيـل فوصفه بأنه كان غماما بأولـى بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابـا منه بأن يكون غير ذلك مـما ألبس وجه السماء من شيء, وقد قـيـل: إنه ما ابـيضّ من السحاب.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَأَنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ.
  اختلف أهل التأويـل فـي صفة الـمنّ. فقال بعضهم بـما:
  689ـ حدثنـي به مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل: وَأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ قال: الـمن: صمغة.
   حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
  690ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنا عبد الرزاق, قال: أنا معمر, عن قتادة فـي قوله: وَأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ وَالسّلْوَى يقول: كان الـمنّ ينزل علـيهم مثل الثلـج.
  وقال آخرون: هو شراب. ذكر من قال ذلك:
  691ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, قال: الـمنّ: شراب كان ينزل علـيهم مثل العسل, فـيـمزجونه بـالـماء, ثم يشربونه.
  وقال آخرون: الـمن: عسل. ذكر من قال ذلك:
  692ـ حدثنا يونس بن عبد الأعلـى, أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الـمنّ: عسل كان ينزل لهم من السماء.
  693ـ حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا إسرائيـل, عن جابر, عن عامر, قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من الـمنّ.
  وقال آخرون: الـمنّ: خبز الرقاق. ذكر من قال ذلك:
  694ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا وسئل ما الـمنّ, قال: خبز الرقاق, مثل الذرة, ومثل النّقْـي.
  وقال آخرون: الـمنّ: الترنـجبـين. ذكر من قال ذلك:
  695ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: الـمنّ كان يسقط علـى شجر الترنـجبـين.
  وقال آخرون: الـمنّ هو الذي يسقط علـى الشجر الذي تأكله الناس. ذكر من قال ذلك:
  696ـ حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: كان الـمنّ ينزل علـى شجرهم فـيغدون علـيه فـيأكلون منه ما شاءوا.
  697ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد. عن عامر فـي قوله: وأنْزلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ قال: الـمنّ: الذي يقع علـى الشجر.
   وحدثت عن الـمنـجاب بن الـحارث, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: الـمنّ قال: الـمن: الذي يسقط من السماء علـى الشجر فتأكله الناس.
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: الـمنّ: هذا الذي يقع علـى الشجر. وقد قـيـل إن الـمنّ: هو الترنـجبـين.
  وقال بعضهم: الـمنّ: هو الذي يسقط علـى الثمام والعُشَر, وهو حلو كالعسل, وإياه عنى الأعشى ميـمون بن قـيس بقوله:
 لَوْ أُطْعِمُوا الـمَنّ وَالسّلْوَى مكانَهُمُما أبْصَرَ النّاسُ طُعْما فِـيهمُ نَـجَعا 
  وتظاهرت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكمأةُ مِنَ الـمَنّ, وَمأُوها شِفـاءٌ للْعَيْنِ». وقال بعضهم: الـمنّ: شراب حلو كانوا يطبخونه فـيشربونه. وأما أمية بن أبـي الصلت فإنه جعله فـي شعره عسلاً, فقال يصف أمرهم فـي التـيه وما رزقوا فـيه:
 فَرأى اللّهُ أنّهُمْ بِـمَضيعٍلا بِذِي مَزْرَعٍ وَلا مَثْمُورَا 
 فنساها عَلَـيْهِمُ غَادِياتٍومَرَى مُزْنَهُمْ خَلايا وخُورَا 
 عَسَلاً ناطِفـا ومَاءً فُرَاتاوَحَلـيبـا ذَا بَهْجَةٍ مَـمْرُورَا 
  الـمـمرور: الصافـي من اللبن, فجعل الـمنّ الذي كان ينزل علـيهم عسلاً ناطفـا, والناطف: هو القاطر.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَالسّلْوَى والسلوى: اسم طائر يشبه السمانَـي, واحده وجماعه بلفظ واحد, كذلك السمانَـي لفظ جماعها وواحدها سواء. وقد قـيـل: إن واحدة السلوى سلواة. ذكر من قال ذلك:
  698ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: السلوى: طير يشبه السمانَـي.
  699ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: كان طيرا أكبر من السمانـي.
  700ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: السلوى: طائر كانت تـحشرها علـيهم الريح الـجنوب.
  701ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قال: السلوى: طائر.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: السلوى: طير.
  702ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا وسئل: ما السلوى؟ فقال: طير سمين مثل الـحمام.
  703ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: السلوى: طير.
  704ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: السلوى: كان طيرا يأتـيهم مثل السمانـي.
  705ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: السلوى: السمانـي.
  706ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس, قال: السلوى: هو السمانـي.
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: أخبرنا أبو أحمد, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: السلوى: السمانـي.
  707ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو عامر, قال: حدثنا قرة, عن الضحاك, قال: السمانَى هو السلوى.
  فإن قال قائل: وما سبب تظلـيـل الله جل ثناؤه الغمام وإنزاله الـمنّ والسلوى علـى هؤلاء القوم؟ قـيـل: قد اختلف أهل العلـم فـي ذلك, ونـحن ذاكرون ما حضرنا منه.
  708ـ فحدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما تاب الله علـى قوم موسى وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم, أمرهم الله بـالـمسير إلـى أريحا, وهي أرض بـيت الـمقدس. فساروا حتـى إذا كانوا قريبـا منها بعث موسى اثنـي عشر نقـيبـا. وكان من أمرهم وأمر الـجبـارين, وأمر قوم موسى ما قد قصّ الله فـي كتابه, فقال قوم موسى لـموسى: اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنَا قَاعِدُونَ فغضب موسى, فدعا علـيهم قال: رَبّ إنـي لا أمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وأخِي فَـافْرُقْ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ فكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله تعالـى: إِنّهَا مُـحَرّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ. فلـما ضرب علـيهم التـيه ندم موسى, وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه, فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلـما ندم أوحى الله إلـيه أنْ لا تأسَ علـى القَوْمِ الفـاسقِـينَ أي لا تـحزن علـى القوم الذين سميتهم فـاسقـين. فلـم يحزن. فقالوا: يا موسى كيف لنا بـماء ههنا, أين الطعام؟ فأنزل الله علـيهم الـمنّ, فكان يسقط علـى شجر الترنـجبـين, والسلوى: وهو طير يشبه السمانـي, فكان يأتـي أحدهم, فـينظر إلـى الطير إن كان سمينا ذبحه, وإلا أرسله, فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام, فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الـحجر, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا, فشرب كل سبط من عين, فقالوا: هذا الطعام والشراب, فأين الظلّ؟ فظلل علـيهم الغمام, فقالوا: هذا الظلّ فأين اللبـاس؟ فكانت ثـيابهم تطول معهم كما تطول الصبـيان, ولا يتـخرّق لهم ثوب, فذلك قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمَامَ وأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ وَالسّلْوَى وقوله: وَإِذْ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الـحَجَرَ فَـانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا قَدْ عَلِـمَ كلّ أُناسِ مَشْرَبَهُمْ.
  709ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لـما تاب الله عز وجل علـى بنـي إسرائيـل وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبـادة العجل, أمر موسى أن يسير بهم إلـى الأرض الـمقدسة, وقال: إننـي قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلاً, فـاخرج إلـيها وجاهد من فـيها من العدوّ فإنـي ناصركم علـيهم فسار بهم موسى إلـى الأرض الـمقدسة بأمر الله عزّ وجل, حتـى إذا نزل التـيه بـين مصر والشام وهي أرض لـيس فـيها خَمَر ولا ظلّ, دعا موسى ربه حين آذاهم الـحر, فظلل علـيهم بـالغمام, ودعا لهم بـالرزق, فأنزل الله لهم الـمنّ والسلوى.
  710ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس. وحدثت عن عمار بن الـحسن, حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: ظلل علـيهم الغمام فـي التـيه: تاهوا فـي خمسة فراسخ أو ستة, كلـما أصبحوا ساروا غادين, فأمسوا فإذا هم فـي مكانهم الذي ارتـحلوا منه, فكانوا كذلك حتـى مرّت أربعون سنة. قال: وهم فـي ذلك ينزل علـيهم الـمنّ والسلوى ولا تبلـى ثـيابهم, ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم, فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
  711ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا يقول: إن بنـي إسرائيـل لـما حرّم الله علـيهم أن يدخـلوا الأرض الـمقدسة أربعين سنة يتـيهون فـي الأرض شكوا إلـى موسى, فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إن الله سيأتـيكم بـما تأكلون. قالوا: من أين لنا إلا أن يـمطر علـينا خبزا؟ قال: إن الله عز وجل سينزل علـيكم خبزا مخبوزا. فكان ينزل علـيهم الـمنّ. سئل وهب: ما الـمنّ؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقـي قالوا: وما نأتدم, وهل بدّ لنا من لـحم؟ قال: فإن الله يأتـيكم به. فقالوا: من أين لنا إلا أن تأتـينا به الريح؟ قال: فإن الريح تأتـيكم به, وكانت الريح تأتـيهم بـالسلوى فسئل وهب: ما السلوى؟ قال: طير سمين مثل الـحمام كانت تأتـيهم فـيأخذون منه من السبت إلـى السبت قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يخـلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة. قالوا: فما نـحتذي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة, قالوا: فإن فـينا أولادا فما نكسوهم؟ قال: ثوب الصغير يشب معه. قالوا: فمن أين لنا الـماء؟ قال: يأتـيكم به الله. قالوا: فمن أين؟ إلا أن يخرج لنا من الـحجر. فأمر الله تبـارك وتعالـى موسى أن يضرب بعصاه الـحجر. قالوا: فبـم نبصر؟ تغشانا الظلـمة. فضرب لهم عمود من نور فـي وسط عسكرهم أضاء عسكرهم كله, قالوا: فبـم نستظل؟ فإن الشمس علـينا شديدة قال: يظلكم الله بـالغمام.
   حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال ابن زيد, فذكر نـحو حديث موسى بن هارون عن عمرو بن حماد, عن أسبـاط, عن السدي.
  712ـ حدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال: عبد الله بن عبـاس: خـلق لهم فـي التـيه ثـياب لا تـخـلق ولا تدرن. قال: وقال ابن جريج: إن أخذ الرجل من الـمنّ والسلوى فوق طعام يوم فسد, إلا أنهم كانوا يأخذون فـي يوم الـجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فـاسدا.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: كُلُوا مِنْ طَيّبـات ما رزَقْنَاكُمْ.
  وهذا مـما استغنـي بدلالة ظاهره علـى ما ترك منه, وذلك أن تأويـل الآية: وظللنا علـيكم الغمام, وأنزلنا علـيكم الـمن والسلوى, وقلنا لكم: كلوا من طيبـات ما رزقناكم. فترك ذكر قوله: «وقلنا لكم...» لـما بـينا من دلالة الظاهر فـي الـخطاب علـيه. وعنى جل ذكره بقوله: كُلُوا مِنْ طَيّبـاتِ مَا رزَقْنَاكُمْ كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه. وقد قـيـل عنى بقوله: مِنْ طَيبَـاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ من حلاله الذي أبحناه لكم, فجعلناه لكم رزقا. والأول من القولـين أولـى بـالتأويـل لأنه وصف ما كان القوم فـيه من هنـيء العيش الذي أعطاهم, فوصف ذلك بـالطيب الذي هو بـمعنى اللذّة أحرى من وصفه بأنه حلال مبـاح. و«ما» التـي مع «رزقناكم» بـمعنى «الذي» كأنه قـيـل: كلوا من طيبـات الرزق الذي رزقناكموه.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ومَا ظَلَـمُونا وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ.
  وهذا أيضا من الذي استغنـي بدلالة ظاهره علـى ما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبـات ما رزقناكم, فخالفوا ما أمرناهم به, وعصوا ربهم ثم رسولنا إلـيهم, وما ظلـمونا. فـاكتفـى بـما ظهر عما ترك. وقوله: وَما ظَلَـمُونَا يقول: وما ظلـمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم, وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ. ويعنـي بقوله: وَمَا ظَلَـمُونَا: وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرّة علـينا ومنقصة لنا, ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرّة علـيها ومنقصة لها. كما:
  713ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَما ظَلَـمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ قال: يضرّون. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن أصل الظلـم وضع الشيء فـي غير موضعه بـما فـيه الكفـاية, فأغنى ذلك عن إعادته. وكذلك ربنا جل ذكره لا تضرّه معصية عاص, ولا يتـحيف خزائنه ظلـم ظالـم, ولا تنفعه طاعة مطيع, ولا يزيد فـي ملكه عدل عادل بل نفسه يظلـم الظالـم, وحظها يبخس العاصي, وإياها ينفع الـمطيع, وحظها يصيب العادل.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 56<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {ثُمّ بَعَثْنَاكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ }<br />
   يعنـي بقوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ ثم أحيـيناكم. وأصل البعث: إثارة الشيء من مـحله, ومنه قـيـل: بعث فلان راحلته: إذا أثارها من مبركها للسير, كما قال الشاعر:<br />
 فأبْعَثُهااَوهِيّ صَنـيعُ حَوْلٍحول كركنِ الرّعْنِ ذِعْلِبَةً وَقَاحَا <br />
  والرعن: منقطع أنف الـجبل, والذعلبة: الـخفـيفة, والوقاح, الشديدة الـحافر أو الـخفّ. ومن ذلك قـيـل: بعثت فلانا لـحاجتـي: إذا أقمته من مكانه الذي هو فـيه للتوجه فـيها. ومن ذلك قـيـل لـيوم القـيامة: يوم البعث, لأنه يوم يثار الناس فـيه من قبورهم لـموقـف الـحساب.<br />
  ويعنـي بقوله: مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ من بعد موتكم بـالصاعقة التـي أهلكتكم.<br />
  وقوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكرونـي علـى ما أولـيتكم من نعمتـي علـيكم بإحيائي إياكم استبقاء منـي لكم لتراجعوا التوبة من عظيـم ذنبكم بعد إحلالـي العقوبة بكم بـالصاعقة التـي أحللتها بكم, فأماتتكم بعظيـم خطئكم الذي كان منكم فـيـما بـينكم وبـين ربكم. وهذا القول علـى تأويـل من تأوّل قوله قول ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ ثم أحيـيناكم.<br />
  وقال آخرون: معنى قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ أي بعثناكم أنبـياء.<br />
  681ـ حدثنـي بذلك موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي.<br />
  قال أبو جعفر: وتأويـل الكلام علـى ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة, ثم أحيـيناكم من بعد موتكم, وأنتـم تنظرون إلـى إحيائنا إياكم من بعد موتكم, ثم بعثناكم أنبـياء لعلكم تشركون. وزعم السدي أن ذلك من الـمقدم الذي معناه التأخير, والـمؤخر الذي معناه التقديـم.<br />
  682ـ حدثنا بذلك موسى, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي. وهذا تأويـل يدل ظاهر التلاوة علـى خلافه مع إجماع أهل التأويـل علـى تـخطئته. والواجب علـى تأويـل السدي الذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ تشكرونـي علـى تصيـيري إياكم أنبـياء.<br />
  وكان سبب قـيـلهم لـموسى ما أخبر الله جل وعزّ عنهم أنهم قالوا له من قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً, ما:<br />
  683ـ حدثنا به مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن مـحمد بن إسحاق, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه, ورأى ما هم فـيه من عبـادة العجل, وقال لأخيه وللسامري ما قال, وحرّق العجل وذراه فـي الـيـم اختار موسى منهم سبعين رجلاً الـخيّر فـالـخيرُ, وقال: انطلقوا إلـى الله عزّ وجل, فتوبوا إلـيه مـما صنعتـم وسلوه التوبة علـى من تركتـم وراءكم من قومكم, صوموا وتطهروا وطهروا ثـيابكم فخرج بهم إلـى طور سيناء لـميقات وقته له ربه, وكان لا يأتـيه إلا بإذن منه وعلـم. فقال له السبعون فـيـما ذكر لـي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلـى ربك لنسمع كلام ربنا فقال: أفعل. فلـما دنا موسى من الـجبل وقع علـيه الغمام حتـى تغشى الـجبل كله, ودنا موسى فدخـل فـيه, وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلـمه ربه وقع علـى جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنـي آدم أن ينظر إلـيه, فضرب دونه الـحجاب. ودنا القوم حتـى إذا دخـلوا فـي الغمام وقعوا سجودا, فسمعوه وهو يكلـم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلـما فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إلـيهم فقالوا لـموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فأخَذَتْهُمْ الرّجْفَةُ وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه, ويرغب إلـيه ويقول: ربّ لوْ شئتَ أهلكتهمْ مِن قبلُ وإيّايَ قد سفهوا, أفتهلك من ورائي من بنـي إسرائيـل بـما تفعل السفهاء منا؟ أي أن هذا لهم هلاك, اخترت منهم سبعين رجلاً, الـخيّر فـالـخيّر ارجع إلـيهم, ولـيس معي منهم رجل واحد, فما الذي يصدّقونـي به أو يأمنونـي علـيه بعد هذا؟ إنّا هُدنا إلـيكَ. فلـم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إلـيه, حتـى ردّ إلـيهم أرواحهم, فطلب إلـيه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل, فقال: لا, إلا أن يقتلوا أنفسهم.<br />
  684ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما تابت بنو إسرائيـل من عبـادة العجل, وتاب الله علـيهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به, أمر الله تعالـى موسى أن يأتـيه فـي ناس من بنـي إسرائيـل يعتذرون إلـيه من عبـادة العجل, ووعدهم موعدا, فـاختار موسى من قومه سبعين رجلاً علـى عينه, ثم ذهب بهم لـيعتذروا. فلـما أتوا ذلك الـمكان قالوُا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فإنك قد كلـمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا, فقام موسى يبكي, ويدعو الله ويقول: ربّ ماذا أقول لبنـي إسرائيـل إذا أتـيتهم وقد أهلكت خيارهم رَبّ لو شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإيّايَ أتُهْلِكُنا بِـما فَعَلَ السّفَهاءُ مِنّا. فأوحى الله إلـى موسى إن هؤلاء السبعين مـمن اتـخذ العجل, فذلك حين يقول موسى: إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهْدِي مَنْ تَشاءُ... إنّا هُدْنا إلَـيْكَ وذلك قوله: وَإذْ قُلْتُـمْ يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمْ الصّاعِقَةُ. ثُم إن الله جل ثناؤه أحياهم, فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلـى بعض كيف يحيون, فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك, فـادعه يجعلنا أنبـياء فدعا الله تعالـى, فجعلهم أنبـياء, فذلك قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ منْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ولكنه قدّم حرفـا وأخر حرفـا.<br />
  685ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, قال لهم موسى لـما رجع من عند ربه بـالألواح, قد كتب فـيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل, فأمرهم بقتل أنفسهم, ففعلوا, فتاب الله علـيهم, فقال: إن هذه الألواح فـيها كتاب الله فـيه أمره الذي أمركم به, ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتـى نرى الله جهرة, حتـى يطلع الله علـينا فـيقول: هذا كتابـي فخذوه فماله لا يكلـمنا كما يكلـمك أنت يا موسى؟ فـيقول: هذا كتابـي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالـى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً قال: فجاءت غضبة من الله عز وجل, فجاءتهم صاعقة بعد التوبة, فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم, وقرأ قول الله تعالـى: ثُمّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فقالوا لا, فقال: أيّ شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيـينا. قال: خذوا كتاب الله قالوا لا. فبعث الله تعالـى ملائكة, فنتقت الـجبل فوقهم.<br />
  686ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فأخَذَتْكُمْ الصّاعِقَةُ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ قال: أخذتهم الصاعقة, ثم بعثهم الله تعالـى لـيكملوا بقـية آجالهم.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس فـي قوله: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال: فسمعوا كلاما, فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً قال: فسمعوا صوتا فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ منْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَبُعِثُوا من بعد موتهم لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم, فبعثوا لبقـية آجالهم.<br />
  فهذا ما روي فـي السبب الذي من أجله قالوا لـموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً ولا خبر عندنا بصحة شيء مـما قاله من ذكرنا قوله فـي سبب قـيـلهم ذلك لـموسى تقوم به حجة فتسلـم لهم. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه, فإذا كان لا خبر بذلك تقوم به حجة, فـالصواب من القول فـيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: يا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنـما أخبر الله عزّ وجلّ بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الاَيات توبـيخا لهم فـي كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وقد قامت حجته علـى من احتـج به علـيه, ولا حاجة لـمن انتهت إلـيه إلـى معرفة السبب الداعي لهم إلـى قـيـل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التـي ذكرناها, وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال.<br />
الآية : 57<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَظَلّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ وَالسّلْوَىَ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }<br />
   وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ عطف علـى قوله: ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فتأويـل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم, وظللنا علـيكم الغمام, وعدد علـيهم سائر ما أنعم به علـيهم لعلكم تشكرون. والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة, والغمام هو ما غمّ السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مـما يسترها عن أعين الناظرين, وكل مغطّى فإن العرب تسميه مغموما. وقد قـيـل: إن الغمام التـي ظللها الله علـى بنـي إسرائيـل لـم تكن سحابـا.<br />
  687ـ حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قوله: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: لـيس بـالسحاب.<br />
   وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: لـيس بـالسحاب هو الغمام الذي يأتـي الله فـيه يوم القـيامة لـم يكن إلا لهم.<br />
   وحدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله جل ثناؤه: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: هو بـمنزلة السحاب.<br />
  688ـ وحدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: وَظَلّلْنا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب, وهو الذي يأتـي الله عز وجل فـيه يوم القـيامة فـي قوله: فـي ظلل من الغمام, وهو الذي جاءت فـيه الـملائكة يوم بدر. قال ابن عبـاس: وكان معهم فـي التـيه. وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا مـما غمّ السماء من شيء فغطى وجهها عن الناظر إلـيها, فلـيس الذي ظلله الله عز وجل علـى بنـي إسرائيـل فوصفه بأنه كان غماما بأولـى بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابـا منه بأن يكون غير ذلك مـما ألبس وجه السماء من شيء, وقد قـيـل: إنه ما ابـيضّ من السحاب.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَأَنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ.<br />
  اختلف أهل التأويـل فـي صفة الـمنّ. فقال بعضهم بـما:<br />
  689ـ حدثنـي به مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل: وَأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ قال: الـمن: صمغة.<br />
   حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.<br />
  690ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أنا عبد الرزاق, قال: أنا معمر, عن قتادة فـي قوله: وَأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ وَالسّلْوَى يقول: كان الـمنّ ينزل علـيهم مثل الثلـج.<br />
  وقال آخرون: هو شراب. ذكر من قال ذلك:<br />
  691ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, قال: الـمنّ: شراب كان ينزل علـيهم مثل العسل, فـيـمزجونه بـالـماء, ثم يشربونه.<br />
  وقال آخرون: الـمن: عسل. ذكر من قال ذلك:<br />
  692ـ حدثنا يونس بن عبد الأعلـى, أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الـمنّ: عسل كان ينزل لهم من السماء.<br />
  693ـ حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا إسرائيـل, عن جابر, عن عامر, قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من الـمنّ.<br />
  وقال آخرون: الـمنّ: خبز الرقاق. ذكر من قال ذلك:<br />
  694ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا وسئل ما الـمنّ, قال: خبز الرقاق, مثل الذرة, ومثل النّقْـي.<br />
  وقال آخرون: الـمنّ: الترنـجبـين. ذكر من قال ذلك:<br />
  695ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: الـمنّ كان يسقط علـى شجر الترنـجبـين.<br />
  وقال آخرون: الـمنّ هو الذي يسقط علـى الشجر الذي تأكله الناس. ذكر من قال ذلك:<br />
  696ـ حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: كان الـمنّ ينزل علـى شجرهم فـيغدون علـيه فـيأكلون منه ما شاءوا.<br />
  697ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد. عن عامر فـي قوله: وأنْزلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ قال: الـمنّ: الذي يقع علـى الشجر.<br />
   وحدثت عن الـمنـجاب بن الـحارث, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: الـمنّ قال: الـمن: الذي يسقط من السماء علـى الشجر فتأكله الناس.<br />
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: الـمنّ: هذا الذي يقع علـى الشجر. وقد قـيـل إن الـمنّ: هو الترنـجبـين.<br />
  وقال بعضهم: الـمنّ: هو الذي يسقط علـى الثمام والعُشَر, وهو حلو كالعسل, وإياه عنى الأعشى ميـمون بن قـيس بقوله:<br />
 لَوْ أُطْعِمُوا الـمَنّ وَالسّلْوَى مكانَهُمُما أبْصَرَ النّاسُ طُعْما فِـيهمُ نَـجَعا <br />
  وتظاهرت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكمأةُ مِنَ الـمَنّ, وَمأُوها شِفـاءٌ للْعَيْنِ». وقال بعضهم: الـمنّ: شراب حلو كانوا يطبخونه فـيشربونه. وأما أمية بن أبـي الصلت فإنه جعله فـي شعره عسلاً, فقال يصف أمرهم فـي التـيه وما رزقوا فـيه:<br />
 فَرأى اللّهُ أنّهُمْ بِـمَضيعٍلا بِذِي مَزْرَعٍ وَلا مَثْمُورَا <br />
 فنساها عَلَـيْهِمُ غَادِياتٍومَرَى مُزْنَهُمْ خَلايا وخُورَا <br />
 عَسَلاً ناطِفـا ومَاءً فُرَاتاوَحَلـيبـا ذَا بَهْجَةٍ مَـمْرُورَا <br />
  الـمـمرور: الصافـي من اللبن, فجعل الـمنّ الذي كان ينزل علـيهم عسلاً ناطفـا, والناطف: هو القاطر.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَالسّلْوَى والسلوى: اسم طائر يشبه السمانَـي, واحده وجماعه بلفظ واحد, كذلك السمانَـي لفظ جماعها وواحدها سواء. وقد قـيـل: إن واحدة السلوى سلواة. ذكر من قال ذلك:<br />
  698ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: السلوى: طير يشبه السمانَـي.<br />
  699ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: كان طيرا أكبر من السمانـي.<br />
  700ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, قال: السلوى: طائر كانت تـحشرها علـيهم الريح الـجنوب.<br />
  701ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد قال: السلوى: طائر.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: السلوى: طير.<br />
  702ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا وسئل: ما السلوى؟ فقال: طير سمين مثل الـحمام.<br />
  703ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: السلوى: طير.<br />
  704ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس: السلوى: كان طيرا يأتـيهم مثل السمانـي.<br />
  705ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا الـحمانـي, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: السلوى: السمانـي.<br />
  706ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس, قال: السلوى: هو السمانـي.<br />
   حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: أخبرنا أبو أحمد, قال: حدثنا شريك, عن مـجالد, عن عامر, قال: السلوى: السمانـي.<br />
  707ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو عامر, قال: حدثنا قرة, عن الضحاك, قال: السمانَى هو السلوى.<br />
  فإن قال قائل: وما سبب تظلـيـل الله جل ثناؤه الغمام وإنزاله الـمنّ والسلوى علـى هؤلاء القوم؟ قـيـل: قد اختلف أهل العلـم فـي ذلك, ونـحن ذاكرون ما حضرنا منه.<br />
  708ـ فحدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما تاب الله علـى قوم موسى وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم, أمرهم الله بـالـمسير إلـى أريحا, وهي أرض بـيت الـمقدس. فساروا حتـى إذا كانوا قريبـا منها بعث موسى اثنـي عشر نقـيبـا. وكان من أمرهم وأمر الـجبـارين, وأمر قوم موسى ما قد قصّ الله فـي كتابه, فقال قوم موسى لـموسى: اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنَا قَاعِدُونَ فغضب موسى, فدعا علـيهم قال: رَبّ إنـي لا أمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وأخِي فَـافْرُقْ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَ القَوْمِ الفـاسِقِـينَ فكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله تعالـى: إِنّهَا مُـحَرّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِـيهُونَ فِـي الأرْضِ. فلـما ضرب علـيهم التـيه ندم موسى, وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه, فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلـما ندم أوحى الله إلـيه أنْ لا تأسَ علـى القَوْمِ الفـاسقِـينَ أي لا تـحزن علـى القوم الذين سميتهم فـاسقـين. فلـم يحزن. فقالوا: يا موسى كيف لنا بـماء ههنا, أين الطعام؟ فأنزل الله علـيهم الـمنّ, فكان يسقط علـى شجر الترنـجبـين, والسلوى: وهو طير يشبه السمانـي, فكان يأتـي أحدهم, فـينظر إلـى الطير إن كان سمينا ذبحه, وإلا أرسله, فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام, فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الـحجر, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا, فشرب كل سبط من عين, فقالوا: هذا الطعام والشراب, فأين الظلّ؟ فظلل علـيهم الغمام, فقالوا: هذا الظلّ فأين اللبـاس؟ فكانت ثـيابهم تطول معهم كما تطول الصبـيان, ولا يتـخرّق لهم ثوب, فذلك قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمَامَ وأنْزَلْنا عَلَـيْكُمْ الـمَنّ وَالسّلْوَى وقوله: وَإِذْ اسْتَسْقَـى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الـحَجَرَ فَـانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا قَدْ عَلِـمَ كلّ أُناسِ مَشْرَبَهُمْ.<br />
  709ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لـما تاب الله عز وجل علـى بنـي إسرائيـل وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبـادة العجل, أمر موسى أن يسير بهم إلـى الأرض الـمقدسة, وقال: إننـي قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلاً, فـاخرج إلـيها وجاهد من فـيها من العدوّ فإنـي ناصركم علـيهم فسار بهم موسى إلـى الأرض الـمقدسة بأمر الله عزّ وجل, حتـى إذا نزل التـيه بـين مصر والشام وهي أرض لـيس فـيها خَمَر ولا ظلّ, دعا موسى ربه حين آذاهم الـحر, فظلل علـيهم بـالغمام, ودعا لهم بـالرزق, فأنزل الله لهم الـمنّ والسلوى.<br />
  710ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس. وحدثت عن عمار بن الـحسن, حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: وَظَلّلْنَا عَلَـيْكُمْ الغَمامَ قال: ظلل علـيهم الغمام فـي التـيه: تاهوا فـي خمسة فراسخ أو ستة, كلـما أصبحوا ساروا غادين, فأمسوا فإذا هم فـي مكانهم الذي ارتـحلوا منه, فكانوا كذلك حتـى مرّت أربعون سنة. قال: وهم فـي ذلك ينزل علـيهم الـمنّ والسلوى ولا تبلـى ثـيابهم, ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم, فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه, فـانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.<br />
  711ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم, قال: حدثنـي عبد الصمد, قال: سمعت وهبـا يقول: إن بنـي إسرائيـل لـما حرّم الله علـيهم أن يدخـلوا الأرض الـمقدسة أربعين سنة يتـيهون فـي الأرض شكوا إلـى موسى, فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إن الله سيأتـيكم بـما تأكلون. قالوا: من أين لنا إلا أن يـمطر علـينا خبزا؟ قال: إن الله عز وجل سينزل علـيكم خبزا مخبوزا. فكان ينزل علـيهم الـمنّ. سئل وهب: ما الـمنّ؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقـي قالوا: وما نأتدم, وهل بدّ لنا من لـحم؟ قال: فإن الله يأتـيكم به. فقالوا: من أين لنا إلا أن تأتـينا به الريح؟ قال: فإن الريح تأتـيكم به, وكانت الريح تأتـيهم بـالسلوى فسئل وهب: ما السلوى؟ قال: طير سمين مثل الـحمام كانت تأتـيهم فـيأخذون منه من السبت إلـى السبت قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يخـلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة. قالوا: فما نـحتذي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة, قالوا: فإن فـينا أولادا فما نكسوهم؟ قال: ثوب الصغير يشب معه. قالوا: فمن أين لنا الـماء؟ قال: يأتـيكم به الله. قالوا: فمن أين؟ إلا أن يخرج لنا من الـحجر. فأمر الله تبـارك وتعالـى موسى أن يضرب بعصاه الـحجر. قالوا: فبـم نبصر؟ تغشانا الظلـمة. فضرب لهم عمود من نور فـي وسط عسكرهم أضاء عسكرهم كله, قالوا: فبـم نستظل؟ فإن الشمس علـينا شديدة قال: يظلكم الله بـالغمام.<br />
   حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال ابن زيد, فذكر نـحو حديث موسى بن هارون عن عمرو بن حماد, عن أسبـاط, عن السدي.<br />
  712ـ حدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال: عبد الله بن عبـاس: خـلق لهم فـي التـيه ثـياب لا تـخـلق ولا تدرن. قال: وقال ابن جريج: إن أخذ الرجل من الـمنّ والسلوى فوق طعام يوم فسد, إلا أنهم كانوا يأخذون فـي يوم الـجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فـاسدا.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: كُلُوا مِنْ طَيّبـات ما رزَقْنَاكُمْ.<br />
  وهذا مـما استغنـي بدلالة ظاهره علـى ما ترك منه, وذلك أن تأويـل الآية: وظللنا علـيكم الغمام, وأنزلنا علـيكم الـمن والسلوى, وقلنا لكم: كلوا من طيبـات ما رزقناكم. فترك ذكر قوله: «وقلنا لكم...» لـما بـينا من دلالة الظاهر فـي الـخطاب علـيه. وعنى جل ذكره بقوله: كُلُوا مِنْ طَيّبـاتِ مَا رزَقْنَاكُمْ كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه. وقد قـيـل عنى بقوله: مِنْ طَيبَـاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ من حلاله الذي أبحناه لكم, فجعلناه لكم رزقا. والأول من القولـين أولـى بـالتأويـل لأنه وصف ما كان القوم فـيه من هنـيء العيش الذي أعطاهم, فوصف ذلك بـالطيب الذي هو بـمعنى اللذّة أحرى من وصفه بأنه حلال مبـاح. و«ما» التـي مع «رزقناكم» بـمعنى «الذي» كأنه قـيـل: كلوا من طيبـات الرزق الذي رزقناكموه.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ومَا ظَلَـمُونا وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ.<br />
  وهذا أيضا من الذي استغنـي بدلالة ظاهره علـى ما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبـات ما رزقناكم, فخالفوا ما أمرناهم به, وعصوا ربهم ثم رسولنا إلـيهم, وما ظلـمونا. فـاكتفـى بـما ظهر عما ترك. وقوله: وَما ظَلَـمُونَا يقول: وما ظلـمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم, وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ. ويعنـي بقوله: وَمَا ظَلَـمُونَا: وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرّة علـينا ومنقصة لنا, ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرّة علـيها ومنقصة لها. كما:<br />
  713ـ حدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَما ظَلَـمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ قال: يضرّون. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن أصل الظلـم وضع الشيء فـي غير موضعه بـما فـيه الكفـاية, فأغنى ذلك عن إعادته. وكذلك ربنا جل ذكره لا تضرّه معصية عاص, ولا يتـحيف خزائنه ظلـم ظالـم, ولا تنفعه طاعة مطيع, ولا يزيد فـي ملكه عدل عادل بل نفسه يظلـم الظالـم, وحظها يبخس العاصي, وإياها ينفع الـمطيع, وحظها يصيب العادل.<br />
</font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226295</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة ايه 51-52-53-54-55</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226168&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Fri, 06 Nov 2009 20:17:07 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 51
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ }
   اختلفت القراء فـي قراءة ذلك, فقرأ بعضهم: وَاعَدْنا بـمعنى أن الله تعالـى واعد موسى ملاقاة الطور لـمناجاته, فكانت الـمواعدة من الله لـموسى, ومن موسى لربه. وكان من حجتهم علـى اختـيارهم قراءة وَاعَدْنا علـى «وعدنا» أن قالوا: كل إيعاد كان بـين اثنـين للالتقاء أو الاجتـماع, فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك, فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ: واعدنا بـالاختـيار علـى قراءة من قرأ «وعدنا».
  وقرأ بعضهم: «وعَدْنا» بـمعنى أن الله الواعد موسى, والـمنفرد بـالوعد دونه. وكان من حجتهم فـي اختـيارهم ذلك, أن قالوا: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, فأما الله جل ثناؤه فإنه الـمنفرد بـالوعد والوعيد فـي كل خير وشرّ. قالوا: وبذلك جاء التنزيـل فـي القرآن كله, فقال جل ثناؤه: إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ وقال: وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطّائِفَتَـيْنِ أنها لَكُمْ قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو الـمنفرد بـالوعد فـي قوله: «وإذْ وَعَدْنا مُوسَى».
  والصواب عندنا فـي ذلك من القول, أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء, ولـيس فـي القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى, وإن كان فـي إحداهما زيادة معنى علـى الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة الـمفهوم بهما فهما متفقتان, وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بـموضع من الـمواضع, فمعلوم أن الـموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك الـمكان, مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفـاق منهما علـيه. ومعلوم أن موسى صلوات الله علـيه لـم يَعِدْه ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك, إذ كان موسى غير مشكوك فـيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا, وإلـى مـحبته فـيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالـى لـم يعد موسى ذلك إلا وموسى إلـيه مستـجيب. وإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن الله عزّ ذكره قد كان وعد موسى الطور, ووعده موسى اللقاء, وكان الله عزّ ذكره لـموسى واعدا ومواعدا له الـمناجاة علـى الطور, وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأيّ القراءتـين من «وعد» و«واعد» قرأ القارىء, فهو الـحقّ فـي ذلك من جهة التأويـل واللغة, مصيب لـما وصفنا من العلل قبل. ولا معنى لقول القائل: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, وأن الله بـالوعد والوعيد منفرد فـي كل خير وشرّ وذلك أن انفراد الله بـالوعد والوعيد فـي الثواب والعقاب والـخير والشرّ والنفع والضرّ الذي هو بـيده وإلـيه دون سائر خـلقه, لا يحيـل الكلام الـجاري بـين الناس فـي استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانـيه. والـجاري بـين الناس من الكلام الـمفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بـين اثنـين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بـينهما, وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد, وأن الوعد الذي يكون به الإنفراد من الواعد دون الـموعود إنـما هو ما كان بـمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: مُوسَى.
  وموسى فـيـما بلغنا بـالقبطية كلـمتان, يعنـي بهما: ماء وشجر, فمو: هو الـماء, وسا: هو الشجر. وإنـما سُمي بذلك فـيـما بلغنا, لأن أمه لـما جعلته فـي التابوت حين خافت علـيه من فرعون وألقته فـي الـيـم كما أوحى الله إلـيها وقـيـل: إن الـيـم الذي ألقته فـيه هو النـيـل دفعته أمواج الـيـم, حتـى أدخـلته بـين أشجار عند بـيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن, فوجدن التابوت, فأخذنه, فسُمي بـاسم الـمكان الذي أصيب فـيه. وكان ذلك الـمكان فـيه ماء وشجر, فقـيـل: موسى ماء وشجر: كذلك:
  644ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, عن أسبـاط بن نصر, عن السدي.
  وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب إسرائيـل الله بن إسحاق ذبـيح الله ابن إبراهيـم خـلـيـل الله, فـيـما زعم ابن إسحاق.
  645ـ حدثنـي بذلك ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل عنه.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً.
  ومعنى ذلك وَإذْ وَاعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً بتـمامها, فـالأربعون لـيـلة كلها داخـلة فـي الـميعاد.
  وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن معناه: وإذْ واعدنا موسى انقضاء أربعين لـيـلة أي رأس الأربعين, ومثل ذلك بقوله: واسألِ القَرْيَةَ وبقولهم الـيوم أربعون منذ خرج فلان, والـيوم يومان, أي الـيوم تـمام يومين وتـمام أربعين. وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويـل وخلاف ظاهر التلاوة, فأما ظاهر التلاوة, فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين لـيـلة, فلـيس لأحد إحالة ظاهر خبره إلـى بـاطن بغير برهان دالّ علـى صحته. وأما أهل التأويـل فإنهم قالوا فـي ذلك ما أنا ذاكره, وهو ما:
  646ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية قوله: وَإذْ وَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً قالَ: يعنـي ذا القعدة وعشرا من ذي الـحجة. وذلك حين خـلف موسى أصحابه, واستـخـلف علـيهم هارون, فمكث علـى الطور أربعين لـيـلة, وأنزل علـيه التوراة فـي الألواح, وكانت الألواح من زبرجد. فقرّبه الربّ إلـيه نـجيّا, وكلـمه, وسمع صريف القلـم. وبلغنا أنه لـم يحدث حدثا فـي الأربعين لـيـلة حتـى هبط من الطور.
   وحدثت عن عمار بن الـحسن, حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, بنـحوه.
  647ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن ابن إسحاق, قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه, ونـجاه وقومه ثلاثـين لـيـلة, ثم أتـمها بعشر, فتـمّ ميقات ربه أربعين لـيـلة, تلقاه ربه فـيها بـما شاء. واستـخـلف موسى هارون علـى بنـي إسرائيـل, وقال: إنـي متعجل إلـى ربـي فـاخـلفنـي فـي قومي ولا تتبع سبـيـل الـمفسدين فخرج موسى إلـى ربه متعجلاً للقائه شوقا إلـيه, وأقام هارون فـي بنـي إسرائيـل ومعه السامريّ يسير بهم علـى أثر موسى لـيـلـحقهم به.
  648ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي, قال: انطلق موسى واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة وأتـمها الله بعشر.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأنْتُـمْ ظالِـمُونَ.
  وتأويـل قوله: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العجْلَ منْ بَعْدِهِ ثم اتـخذتـم فـي أيام مواعدة موسى العجل إلها من بعد أن فـارقكم موسى متوجها إلـى الـموعد. والهاء فـي قوله «من بعده» عائدة علـى ذكر موسى. فأخبر جل ثناؤه الـمخالفـين نبـينا صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل الـمكذّبـين به الـمخاطبـين بهذه الآية, عن فعل آبـائهم وأسلافهم وتكذيبهم رسلهم وخلافهم أنبـياءهم, مع تتابع نعمه علـيهم وسبوغ آلائه لديهم, معرّفهم بذلك أنهم من خلافهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به وجحودهم لرسالته, مع علـمهم بصدقه علـى مثل منهاج آبـائه وأسلافهم, ومـحذّرهم من نزول سطوته بهم بـمقامهم علـى ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم الـمكذّبـين بـالرسل من الـمسخ واللعن وأنواع النقمات.
  وكان سبب اتـخاذهم العجل ما:
  649ـ حدثنـي به عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: لـما هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه, وكان فرعون علـى فرس أدهم ذنوب حصان فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر, فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وديق, فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها. قال: وعرف السامريّ جبريـل لأن أمه حين خافت أن يذبح خـلفته فـي غار وأطبقت علـيه, فكان جبريـل يأتـيه فـيغذوه بأصابعه, فـيجد فـي بعض أصابعه لبنا, وفـي الأخرى عسلاً, وفـي الأخرى سمنا. فلـم يزل يغذوه حتـى نشأ, فلـما عاينه فـي البحر عرفه, فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تـحت الـحافر قبضة. قال سفـيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: «فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول». قال أبو سعيد, قال عكرمة, عن ابن عبـاس: وألقـي فـي رُوع السامري أنك لا تلقـيها علـى شيء فتقول كن كذا وكذا إلا كان. فلـم تزل القبضة معه فـي يده حتـى جاوز البحر. فلـما جاوز موسى وبنو إسرائيـل البحر, وأغرق الله آل فرعون, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ ومضى موسى لـموعد ربه. قال: وكان مع بنـي إسرائيـل حلـيّ من حلـيّ آل فرعون قد تعوّروه, فكأنهم تأثموا منه, فأخرجوه لتنزل النار فتأكله, فلـما جمعوه, قال السامريّ بـالقبضة التـي كانت فـي يده هكذا, فقذفها فـيه وأومأ ابن إسحاق بـيده هكذا وقال: كن عجلاً جسدا له خوار فصار عجلاً جسدا له خوار. وكان يدخـل الريح فـي دبره ويخرج من فـيه يسمع له صوت, فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا علـى العجل يعبدونه, فقال هارون: يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وإنّ رَبّكُمْ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَـيْهِ عاكِفـينَ حتـى يَرْجَعَ إلَـيْنَا مُوسَى.
  650ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما أمر الله موسى أن يخرج ببنـي إسرائيـل يعنـي من أرض مصر أمر موسى بنـي إسرائيـل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الـحلـيّ من القبط. فلـما نـجّى الله موسى ومن معه من بنـي إسرائيـل من البحر, وغرق آل فرعون, أتـى جبريـل إلـى موسى يذهب به إلـى الله, فأقبل علـى فرس فرآه السامري, فأنكره, وقال: إنه فرس الـحياة. فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الـحافر حافر الفرس. فـانطلق موسى, واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة, وأتـمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إن الغنـيـمة لا تـحل لكم, وإن حلـيّ القبط إنـما هو غنـيـمة, فـاجمعوها جميعا, واحفروا لها حفرة فـادفنوها, فإن جاء موسى فأحلها أخذتـموها, وإلا كان شيئا لـم تأكلوه. فجمعوا ذلك الـحلـيّ فـي تلك الـحفرة, وجاء السامريّ بتلك القبضة, فقذفها, فأخرج الله من الـحلـيّ عجلاً جسدا له خوار. وعدّت بنو إسرائيـل موعد موسى, فعدّوا اللـيـلة يوما والـيوم يوما, فلـما كان تـمام العشرين خرج لهم العجل فلـما رأوه قال لهم السامري: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا علـيه يعبدونه. وكان يخور ويـمشي, فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ يقول: إنـما ابتلـيتـم به يقول: بـالعجل وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بنـي إسرائيـل لا يقاتلونهم. وانطلق موسى إلـى إلهه يكلـمه, فلـما كلـمه قال له: وما أعجلَكَ عَنْ قَوْمكَ يا موسَى قالَ هُمْ أُولاءِ علـى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَـيْكَ رَبـي لِتَرْضَى قال فإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ منْ بَعْدِكَ وأضَلّهُمُ السّامِري فأخبره خبرهم. قال موسى: يا ربّ هذا السامري أمرهم أن يتـخذوا العجل, أرأيت الروح من نفخها فـيه؟ قال الرب: أنا. قال: ربّ أنت إذا أضللتهم.
  651ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, قال: كان فـيـما ذكر لـي أن موسى قال لبنـي إسرائيـل فـيـما أمره الله عزّ وجلّ به: استعيروا منهم يعنـي من آل فرعون الأمتعة والـحلـيّ والثـياب, فإنـي منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلـما أذن فرعون فـي الناس, كان مـما يحرّض به علـى بنـي إسرائيـل أن قال: حين سار ولـم يرضوا أن يخرجوا بأنفسهم حتـى ذهبوا بأموالكم معهم.
  652ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, عن حكيـم بن جبـير, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: كان السامري رجلاً من أهل بـاجَرْما, وكان من قوم يعبدون البقر, وكان حبّ عبـادة البقر فـي نفسه, وكان قد أظهر الإسلام فـي بنـي إسرائيـل. فلـما فضل هارون فـي بنـي إسرائيـل وفضل موسى إلـى ربه, قال لهم هارون: أنتـم قد حملتـم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحلـيّا, فتطهروا منها, فإنها نـجس. وأوقد لهم نارا, فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فـيها قالوا: نعم. فجعلوا يأتون بـما كان معهم من تلك الأمتعة وذلك الـحلـيّ, فـيقذفون به فـيها, حتـى إذا تكسر الـحلـيّ فـيها ورأى السامريّ أثر فرس جبريـل أخذ ترابـا من أثر حافره, ثم أقبل إلـى النار فقال لهارون: يا نبـيّ الله ألقـي ما فـي يدي؟ قال: نعم. ولا يظنّ هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الـحلـيّ والأمتعة. فقذفه فـيها فقال: كن عجلاً جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة, فقال: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فعكفوا علـيه, وأحبوه حبـا لـم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: فَنَسِيَ أي ترك ما كان علـيه من الإسلام, يعنـي السامري, أفَلا يَرَوْنَ أنْ لا يَرْجعُ إلَـيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَـمْلِكُ لَهُمْ ضَرّا وَلا نَفْعا وكان اسم السامري موسى بن ظفر, وقع فـي أرض مصر, فدخـل فـي بنـي إسرائيـل. فلـما رأى هارون ما وقعوا فـيه: قالَ يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وَإنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عَاكِفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى فأقام هارون فـيـمن معه من الـمسلـمين مـمن لـم يفتتن, وأقام من يعبد العجل علـى عبـادة العجل. وتـخوّف هارون إن سار بـمن معه من الـمسلـمين أن يقول له موسى: فَرّقْتَ بَـيْنَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَلَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي وكان له هائبـا مطيعا.
  653ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما أنـجى الله عز وجل بنـي إسرائيـل من فرعون, وأغرق فرعون ومن معه, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ وَلا تَتّبِعْ سَبِـيـلَ الـمُفْسِدِينَ قال: لـما خرج موسى وأمر هارون بـما أمره به, وخرج موسى متعجلاً مسرورا إلـى الله. قد عرف موسى أن الـمرء إذا نـجح فـي حاجة سيده كان يسرّه أن يتعجل إلـيه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حلـيا وثـيابـا من آل فرعون, فقال لهم هارون: إن هذه الثـياب والـحلـيّ لا تـحلّ لكم, فـاجمعوا نارا, فألقوه فـيها فأحرقوه قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلـى أثر دابة جبريـل, وكان جبريـل علـى فرس أنثى, وكان السامري فـي قوم موسى. قال: فنظر إلـى أثره فقبض منه قبضة, فـيبست علـيها يده فلـما ألقـى قوم موسى الـحلـيّ فـي النار, وألقـى السامري معهم القبضة, صوّر الله جل وعز ذلك لهم عجلاً ذهبـا, فدخـلته الريح, فكان له خوارٌ, فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الـخبـيث: هذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ... الآية, إلـى قوله: حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى قال: حتـى إذا أتـى موسى الـموعد, قال الله: ما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسَى قالَ هُمْ أُولاَءِ علـى أثَرِي فقرأ حتـى بلغ: أفَطالَ عَلَـيْكُمُ العَهْدُ.
  654ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد فـي قوله: ثمّ اتّـخَذْتُـمْ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قال: العجل حَسِيـل البقرة. قال: حلـيّ استعاروه من آل فرعون, فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريـل, فطرحه فـيه فـانسبك, وكان له كالـجوف تهوي فـيه الرياح.
  655ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية, قال: إنـما سمي العجل, لأنهم عَجِلُوا فـاتـخذوه قبل أن يأتـيهم موسى.
   حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنـي عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد بنـحو حديث القاسم, عن الـحسن.
   حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, بنـحوه.
  وتأويـل قوله وأنْتُـمْ ظالِـمُونَ يعنـي وأنتـم واضعوا العبـادة فـي غير موضعها لأن العبـادة لا تنبغي إلا لله عز وجل وعبدتـم أنتـم العجل ظلـما منكم ووضعا للعبـادة فـي غير موضعها. وقد دللنا فـي غير هذا الـموضع مـما مضى من كتابنا أن أصل كل ظلـم وضع الشيء فـي غير موضعه, فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.
الآية : 52
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {ثُمّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ }
   وتأويـل قوله: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلكَ يقول: تركنا معاجلتكم بـالعقوبة من بعد ذلك, أي من بعد اتـخاذكم العجل إلها. كما:
  656ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ يعنـي من بعد ما اتـخذتـم العجل.
  وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ فإنه يعنـي به: لتشكروا. ومعنى «لعل» فـي هذا الـموضع معنى «كي», وقد بـينت فـيـما مضى قبل أن أحد معانـي «لعل» «كي» بـما فـيه الكفـاية عن إعادته فـي هذا الـموضع. فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتـخاذكم العجل إلها لتشكرونـي علـى عفوي عنكم, إذ كان العفو يوجب الشكر علـى أهل اللبّ والعقل.
الآية : 53
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ }
   يعنـي بقوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى الكتاب والفرقان. ويعنـي بـالكتاب: التوراة, وبـالفرقان: الفصل بـين الـحقّ والبـاطل. كما:
  657ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, فـي قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ والفُرْقانَ قال: فرق به بـين الـحقّ والبـاطل.
  658ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقانَ قال: الكتاب: هو الفرقان, فرقان بـين الـحق والبـاطل.
   حدثنـي الـمثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد مثله.
   وحدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقان قال: الكتاب: هو الفرقان, فرق بـين الـحقّ والبـاطل.
  659ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, قال: وقال ابن عبـاس: الفرقان: جماع اسم التوراة والإنـجيـل والزبور والفرقان.
  وقال ابن زيد فـي ذلك بـما:
  660ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألته, يعنـي ابن زيد, عن قول الله عز وجل: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسى الكتابَ والفُرْقانَ فقال: أما الفرقان الذي قال الله جل وعز: يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ فذلك يوم بدر, يوم فرق الله بـين الـحق والبـاطل, والقضاءُ الذي فرق به بـين الـحق والبـاطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان, فرق الله بـينهم, وسلـمه الله وأنـجاه فرق بـينهم بـالنصر, فكما جعل الله ذلك بـين مـحمد والـمشركين, فكذلك جعله بـين موسى وفرعون.
  قال أبو جعفر: وأولـى هذين التأويـلـين بتأويـل الآية ما رُوي عن ابن عبـاس وأبـي العالـية ومـجاهد, من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى فـي هذا الـموضع هو الكتاب الذي فرق به بـين الـحقّ والبـاطل, وهو نعت للتوراة وصفة لها. فـيكون تأويـل الآية حينئذ: وإذ آتـينا موسى التوراة التـي كتبناها له فـي الألواح, وفرقنا بها بـين الـحقّ والبـاطل. فـيكون الكتاب نعتا للتوراة أقـيـم مقامها استغناءً به عن ذكر التوراة, ثم عطف علـيه بـالفرقان, إذ كان من نعتها. وقد بـينا معنى الكتاب فـيـما مضى من كتابنا هذا, وأنه بـمعنى الـمكتوب. وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالآية وإن كان مـحتـملاً غيره من التأويـل, لأن الذي قبله ذكر الكتاب, وأن معنى الفرقان الفصل, وقد دللنا علـى ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا, فإلـحاقه إذ كان كذلك بصفة ما ولـيه أَوْلـى من إلـحاقه بصفة ما بعد منه.
  وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ فنظير تأويـل قوله تعالـى: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ومعناه لتهتدوا. وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى التوراة التـي تفرق بـين الـحقّ والبـاطل لتهتدوا بها وتتبعوا الـحقّ الذي فـيها لأنـي جعلتها كذلك هدى لـمن اهتدى بها واتبع ما فـيها.
الآية : 54
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوَاْ إِلَىَ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ } 
   وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بنـي إسرائيـل: يا قوم إنكم ظلـمتـم أنفسكم. وظلـمهم إياها كان فعلهم بها ما لـم يكن لهم أن يفعلوه بها مـما أوجب لهم العقوبة من الله تعالـى, وكذلك كل فـاعل فعلاً يستوجب به العقوبة من الله تعالـى فهو ظالـم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالـى. وكان الفعل الذي فعلوه فظلـموا به أنفسهم, هو ما أخبر الله عنهم من ارتدادهم بـاتـخاذهم العجل ربـا بعد فراق موسى إياهم, ثم أمرهم موسى بـالـمراجعة من ذنبهم والإنابة إلـى الله من ردّتهم بـالتوبة إلـيه, والتسلـيـم لطاعته فـيـما أمرهم به وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معنى التوبة: الأوبة مـما يكرهه الله إلـى ما يرضاه من طاعته. فـاستـجاب القوم لـما أمرهم به موسى من التوبة مـما ركبوا من ذنوبهم إلـى ربهم علـى ما أمرهم به. كما:
  661ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبـي إسحاق, عن أبـي عبد الرحمن, أنه قال فـي هذه الآية: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: عمدوا إلـى الـخناجر, فجعل يطعن بعضهم بعضا.
  662ـ حدثنـي عبـاس بن مـحمد, قال: حدثنا حجاج بن مـحمد, قال ابن جريج, أخبرنـي القاسم بن أبـي بزة أنه سمع سعيد بن جبـير ومـجاهدا قالا: قام بعضهم إلـى بعض بـالـخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحنّ رجل علـى رجل قريب ولا بعيد, حتـى ألوى موسى بثوبه, فطرحوا ما بأيديهم, فتكشف عن سبعين ألف قتـيـل, وإن الله أوحى إلـى موسى أن حسبـي قد اكتفـيت, فذلك حين ألوى بثوبه.
  663ـ حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قال موسى لقومه: تُوبُوا إلـى بـارِئكُمْ فَـاقْتُلُوا أنفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بـارِئِكُمْ فتَابَ علَـيكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عزّ وجلّ أن يقتلوا أنفسهم, قال: فـاختبأ الذين عكفوا علـى العجل فجلسوا, وقام الذين لـم يعكفوا علـى العجل وأخذوا الـخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلـمة شديدة, فجعل يقتل بعضهم بعضا. فـانـجلت الظلـمة عنهم, وقد أجْلَوْا عن سبعين ألف قتـيـل, كل من قتل منهم كانت له توبة, وكل من بقـي كانت له توبة.
  664ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه قال يا قَوْمِ ألـمْ يَعِدْكُمْ رَبكُمْ وعْدا حَسَنا إلـى قوله: فَكَذَلِكَ ألْقَـى السّامِرِيّ فألْقَـى مُوسَى الألْوَاحَ وأخَذَ برأسِ أخيهِ يَجُرّهُ إلَـيْهِ قالَ يا ابْنَ أُمّ لا تأخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي إنـي خَشِيتُ أنْ تَقُول فَرّقْت بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي فترك هارون ومال إلـى السامري, فقال ما خَطْبُكَ يا سامِرِيّ إلـى قوله: ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فـي الـيَـمّ نَسْفـا. ثم أخذه فذبحه, ثم حرّقه بـالـمبرد, ثم ذراه فـي الـيـم, فلـم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فـيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا, فمن كان يحبه خرج علـى شاربـيه الذهب, فذلك حين يقول: واشْرِبُوا فـي قُلُوبِهِمْ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ. فلـما سقط فـي أيدي بنـي إسرائيـل حين جاء موسى, وَرَأوْا أنهُمْ قَدْ ضَلّوا قالُوا لَئِنْ لـمْ يَرْحَمْنا ربّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنّ مِن الـخاسِرِينَ فأبى الله أن يقبل توبة بنـي إسرائيـل إلا بـالـحال التـي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل, فقال لهم موسى: يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فـاقْتُلوا أنْفُسَكُمْ قال: فصفوا صفّـين ثم اجتلدوا بـالسيوف. فـاجتلد الذين عبدوه والذين لـم يعبدوه بـالسيوف, فكان من قتل من الفريقـين شهيدا, حتـى كثر القتل حتـى كادوا أن يهلكوا حتـى قتل بـينهم سبعون ألفـا, وحتـى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيـل, ربنا البقـية البقـية فأمرهم أن يضعوا السلاح, وتاب علـيهم. فكان من قتل شهيدا, ومن بقـي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُو التّوّابُ الرحِيـمُ.
  665ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ قال: كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضا بـالـخناجر, فجعل الرجل يقتل أبـاه ويقتل ولده, فتاب الله علـيهم.
  666ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وإذْ قال مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ الآية. قال: فصاروا صفـين, فجعل يقتل بعضهم بعضا, فبلغ القتلـى ما شاء الله, ثم قـيـل لهم: قد تـيب علـى القاتل والـمقتول.
  667ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي اللـيث, قال: حدثنـي عقـيـل, عن ابن شهاب, قال: لـما أمرت بنو إسرائيـل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى, فتضاربوا بـالسيوف, وتطاعنوا بـالـخناجر, وموسى رافع يديه. حتـى إذا فتر أتاه بعضهم قالوا: يا نبـيّ الله ادع الله لنا وأخذوا بعضديه يشدّون يديه, فلـم يزل أمرهم علـى ذلك حتـى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض, فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيـل للذي كان من القتل فـيهم, فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى: لا يحزنك, أما من قتل منكم فحيّ عندي يرزق, وأما من بقـي فقد قبلت توبته. فسرّ بذلك موسى وبنو إسرائيـل.
  668ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري وقتادة فـي قوله: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: قاموا صفـين فقتل بعضهم بعضا حتـى قـيـل لهم كفوا. قال قتادة: كانت شهادة للـمقتول وتوبة للـحيّ.
  669ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء: سمعت عبـيد بن عمير يقول: قام بعضهم إلـى بعض يقتل بعضهم بعضا, ما يتوقـى الرجل أخاه ولا أبـاه ولا ابنه ولا أحدا حتـى نزلت التوبة.
  قال ابن جريج, وقال ابن عبـاس: بلغ قتلاهم سبعين ألفـا, ثم رفع الله عزّ وجل عنهم القتل, وتاب علـيهم. قال ابن جريج: قاموا صفـين, فـاقتتلوا بـينهم, فجعل الله القتل لـمن قتل منهم شهادة, وكانت توبة لـمن بقـي. وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علـم أن ناسا منهم علـموا أن العجل بـاطل فلـم يـمنعهم أن ينكروا علـيهم إلا مخافة القتال, فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا.
  670ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه, وأحرق العجل وذراه فـي الـيـم خرج إلـى ربه بـمن اختار من قومه, فأخذتهم الصاعقة, ثم بعثوا. سأل موسى ربه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل, فقال: لا, إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغنـي أنهم قالوا لـموسى: نصبر لأمر الله, فأمر موسى من لـم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده, فجلسوا بـالأفنـية وأصلت علـيهم القوم السيوف, فجعلوا يقتلونهم, وبكى موسى وبَهَش إلـيه النساء والصبـيان يطلبون العفو عنهم, فتاب علـيهم وعفـا عنهم, وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
  671ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما رجع موسى إلـى قومه, وكانوا سبعون رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لـم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلـى موعد ربكم, فقالوا: يا موسى أما من توبة؟ قال: بلـى فـاقْتُلُوا أنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ حَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فَتابَ عَلَـيْكُمْ الآية.... فـاخترطوا السيوف والـجِرَزة والـخناجر والسكاكين. قال: وبعث علـيهم ضبـابة, قال: فجعلوا يتلامسون بـالأيدي, ويقتل بعضهم بعضا. قال: ويـلقـى الرجل أبـاه وأخاه فـيقتله ولا يدري, ويتنادون فـيها: رحم الله عبدا صبر حتـى يبلغ الله رضاه. وقرأ قول الله جل ثناؤه: وآتَـيْناهُمْ مِنَ الاَياتِ ما فِـيهِ بَلاءٌ مُبِـينٌ. قال: فقتلاهم شهداء, وتـيب علـى أحيائهم. وقرأ: فَتابَ عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـم.
  فـالذي ذكرنا عمن روينا عنه الأخبـار التـي رويناها كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فـيـما بـينهم وبـين ربهم بعبـادتهم العجل مع ندمهم علـى ما سلف منهم من ذلك.
  وأما معنى قوله: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي به: ارجعوا إلـى طاعة خالقكم وإلـى ما يرضيه عنكم. كما:
  672ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ أي إلـى خالقكم. وهو من برأ الله الـخـلق يبرؤه فهو بـارىء. والبريّة: الـخـلق, وهي فعيـلة بـمعنى مفعولة, غير أنها لا تهمز كما لا يهمز ملك, وهو من «لأك», لكنه جرى بترك الهمزة, كذلك قال نابغة بنـي ذبـيان:
 إلاّ سُلَـيْـمانَ إذْ قالَ الـمَلِـيكُ لَهُقُمْ فـي البَرِيّةِ فـاحْدُدْها عَنِ الفَندِ 
  وقد قـيـل: إن البرية إنـما لـم تهمز لأنها فعيـلة من البَرَى, والبَرَى: التراب. فكأن تأويـله علـى قول من تأوله كذلك أنه مخـلوق من التراب. وقال بعضهم: إنـما أخذت البرية من قولك بريت العود, فلذلك لـم يهمز.
  قال أبو جعفر: وترك الهمز من بـارئكم جائز, والإبدال منها جائز, فإذ كان ذلك جائزا فـي بـاريكم فغير مستنكر أن تكون البرية من برى الله الـخـلق بترك الهمزة.
  وأما قوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم خير لكم عند بـارئكم لأنكم تنـجون بذلك من عقاب الله فـي الاَخرة علـى ذنبكم, وتستوجبون به الثواب منه. وقوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ أي بـما فعلتـم مـما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من الـمـحذوف الذي استغنـي بـالظاهر منه عن الـمتروك, لأن معنى الكلام: فتوبوا إلـى بـارئكم, فـاقتلوا أنفسكم, ذلكم خير لكم عند بـارئكم, فتبتـم فتاب علـيكم. فترك ذكر قوله «فتبتـم» إذْ كان فـي قوله: فتَابَ عَلَـيْكُمْ دلالة بـينة علـى اقتضاء الكلام فتبتـم. ويعنـي بقوله: فَتابَ عَلَـيْكُمْ رجع لكم ربكم إلـى ما أحببتـم من العفو عن ذنوبكم, وعظيـم ما ركبتـم, والصفح عن جرمكم إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ يعنـي الراجع لـمن أناب إلـيه بطاعته إلـى ما يحبّ من العفو عنه. ويعنـي بـالرحيـم: العائد إلـيه برحمته الـمنـجية من عقوبته.
الآية : 55
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }
   وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتـم: يا موسى لن نصدّقك ولن نقرّ بـما جئتنا به حتـى نرى الله جهرة عيانا, برفع الساتر بـيننا وبـينه, وكشف الغطاء دوننا ودونه حتـى ننظر إلـيه بأبصارنا, كما تُـجهر الركِيّة, وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين, فنفـى ما قد غطاه حتـى ظهر الـماء وصَفَـا, يقال منه: قد جهرت الركية أجهرها جهرا وجهرة ولذلك قـيـل: قد جهر فلان بهذا الأمر مـجاهرة وجهارا: إذا أظهره لرأي العين وأعلنه, كما قال الفرزدق بن غالب:
 من اللاّئي يَضِلّ الألفُ منْهُمِسَحّا مِنْ مَخافَتِهِ جِهارا 
  673ـ وكما حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: حتـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً قال: علانـية.
  674ـ وحدثت, عن عمارة بن الـحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه عن الربـيع: حتّـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً يقول: عيانا.
  675ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: حتـى يطلع إلـينا.
  676ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: أي عيانا.
  فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبـائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبـيائهم, مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعزّ وعِبَره ما تثلـج بأقلها الصدور, وتطمئنّ بـالتصديق معها النفوس وذلك مع تتابع الـحجج علـيه, وسبوغ النعم من الله لديهم. وهم مع ذلك مرّة يسألون نبـيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله, ومرة يقولون لا نصدقك حتـى نرى الله جهرة, وأخرى يقولون له إذا دعوا إلـى القتال: فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ومرة يقال لهم: قُولُوا حِطّة وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَاياكُمْ فـيقولون: حنطة فـي شعيرة, ويدخـلون البـاب من قبل أستاههم, مع غير ذلك من أفعالهم التـي آذوا بها نبـيهم علـيه السلام التـي يكثر إحصاؤها. فأعلـم ربنا تبـارك وتعالـى ذكره الذين خاطبهم بهذه الاَيات من يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم, وجحودهم نبوّته, وتركهم الإقرار به وبـما جاء به, مع علـمهم به ومعرفتهم بحقـيقة أمره كأسلافهم وآبـائهم الذين فصل علـيهم قصصهم فـي ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى, وتوثبهم علـى نبـيهم موسى صلوات الله وسلامه علـيه تارة بعد أخرى, مع عظيـم بلاء الله جل وعزّ عندهم وسبوغ آلائه علـيهم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ.
  اختلف أهل التأويـل فـي صفة الصاعقة التـي أخذتهم. فقال بعضهم بـما:
  677ـ حدثنا به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: ماتوا.
  678ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: سمعوا صوتا فصعقوا. يقول: فماتوا. وقال آخرون: بـما:
  679ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ والصاعقة: نار.
  وقال آخرون بـما:
  680ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: أخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وأصل الصاعقة: كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه حتـى يصير من هوله وعظيـم شأنه إلـى هلاك وعطب, وإلـى ذهاب عقل وغُمور فهم, أو فقد بعض آلات الـجسم, صوتا كان ذلك, أو نارا, أو زلزلة, أو رَجْفـا. ومـما يدل علـى أنه قد يكون مصعوقا وهو حيّ غير ميت, قول الله عزّ وجل: وَخَرّ مُوسَى صَعِقا يعنـي مغشيّا علـيه. ومنه قول جرير بن عطية:
 وهَلْ كان الفَرَزْذَقُ غَيْرَ قِرْدٍأصَابَتْهُ الصّواعِقُ فـاسْتَدَارَا 
  فقد علـم أن موسى لـم يكن حين غشي علـيه وصعق ميتا لأن الله جل وعزّ أخبر عنه أنه لـما أفـاق قال: تُبْتُ إلـيك ولا شبه جرير الفرزدق وهو حيّ بـالقرد ميتا, ولكن معنى ذلك ما وصفنا.
  ويعنـي بقوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ: وأنتـم تنظرون إلـى الصاعقة التـي أصابتكم, يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتـم تنظرون إلـيها.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 51<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ }<br />
   اختلفت القراء فـي قراءة ذلك, فقرأ بعضهم: وَاعَدْنا بـمعنى أن الله تعالـى واعد موسى ملاقاة الطور لـمناجاته, فكانت الـمواعدة من الله لـموسى, ومن موسى لربه. وكان من حجتهم علـى اختـيارهم قراءة وَاعَدْنا علـى «وعدنا» أن قالوا: كل إيعاد كان بـين اثنـين للالتقاء أو الاجتـماع, فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك, فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ: واعدنا بـالاختـيار علـى قراءة من قرأ «وعدنا».<br />
  وقرأ بعضهم: «وعَدْنا» بـمعنى أن الله الواعد موسى, والـمنفرد بـالوعد دونه. وكان من حجتهم فـي اختـيارهم ذلك, أن قالوا: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, فأما الله جل ثناؤه فإنه الـمنفرد بـالوعد والوعيد فـي كل خير وشرّ. قالوا: وبذلك جاء التنزيـل فـي القرآن كله, فقال جل ثناؤه: إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ وقال: وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطّائِفَتَـيْنِ أنها لَكُمْ قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو الـمنفرد بـالوعد فـي قوله: «وإذْ وَعَدْنا مُوسَى».<br />
  والصواب عندنا فـي ذلك من القول, أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء, ولـيس فـي القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى, وإن كان فـي إحداهما زيادة معنى علـى الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة الـمفهوم بهما فهما متفقتان, وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بـموضع من الـمواضع, فمعلوم أن الـموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك الـمكان, مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفـاق منهما علـيه. ومعلوم أن موسى صلوات الله علـيه لـم يَعِدْه ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك, إذ كان موسى غير مشكوك فـيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا, وإلـى مـحبته فـيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالـى لـم يعد موسى ذلك إلا وموسى إلـيه مستـجيب. وإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن الله عزّ ذكره قد كان وعد موسى الطور, ووعده موسى اللقاء, وكان الله عزّ ذكره لـموسى واعدا ومواعدا له الـمناجاة علـى الطور, وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأيّ القراءتـين من «وعد» و«واعد» قرأ القارىء, فهو الـحقّ فـي ذلك من جهة التأويـل واللغة, مصيب لـما وصفنا من العلل قبل. ولا معنى لقول القائل: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, وأن الله بـالوعد والوعيد منفرد فـي كل خير وشرّ وذلك أن انفراد الله بـالوعد والوعيد فـي الثواب والعقاب والـخير والشرّ والنفع والضرّ الذي هو بـيده وإلـيه دون سائر خـلقه, لا يحيـل الكلام الـجاري بـين الناس فـي استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانـيه. والـجاري بـين الناس من الكلام الـمفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بـين اثنـين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بـينهما, وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد, وأن الوعد الذي يكون به الإنفراد من الواعد دون الـموعود إنـما هو ما كان بـمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: مُوسَى.<br />
  وموسى فـيـما بلغنا بـالقبطية كلـمتان, يعنـي بهما: ماء وشجر, فمو: هو الـماء, وسا: هو الشجر. وإنـما سُمي بذلك فـيـما بلغنا, لأن أمه لـما جعلته فـي التابوت حين خافت علـيه من فرعون وألقته فـي الـيـم كما أوحى الله إلـيها وقـيـل: إن الـيـم الذي ألقته فـيه هو النـيـل دفعته أمواج الـيـم, حتـى أدخـلته بـين أشجار عند بـيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن, فوجدن التابوت, فأخذنه, فسُمي بـاسم الـمكان الذي أصيب فـيه. وكان ذلك الـمكان فـيه ماء وشجر, فقـيـل: موسى ماء وشجر: كذلك:<br />
  644ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, عن أسبـاط بن نصر, عن السدي.<br />
  وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب إسرائيـل الله بن إسحاق ذبـيح الله ابن إبراهيـم خـلـيـل الله, فـيـما زعم ابن إسحاق.<br />
  645ـ حدثنـي بذلك ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل عنه.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً.<br />
  ومعنى ذلك وَإذْ وَاعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً بتـمامها, فـالأربعون لـيـلة كلها داخـلة فـي الـميعاد.<br />
  وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن معناه: وإذْ واعدنا موسى انقضاء أربعين لـيـلة أي رأس الأربعين, ومثل ذلك بقوله: واسألِ القَرْيَةَ وبقولهم الـيوم أربعون منذ خرج فلان, والـيوم يومان, أي الـيوم تـمام يومين وتـمام أربعين. وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويـل وخلاف ظاهر التلاوة, فأما ظاهر التلاوة, فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين لـيـلة, فلـيس لأحد إحالة ظاهر خبره إلـى بـاطن بغير برهان دالّ علـى صحته. وأما أهل التأويـل فإنهم قالوا فـي ذلك ما أنا ذاكره, وهو ما:<br />
  646ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية قوله: وَإذْ وَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً قالَ: يعنـي ذا القعدة وعشرا من ذي الـحجة. وذلك حين خـلف موسى أصحابه, واستـخـلف علـيهم هارون, فمكث علـى الطور أربعين لـيـلة, وأنزل علـيه التوراة فـي الألواح, وكانت الألواح من زبرجد. فقرّبه الربّ إلـيه نـجيّا, وكلـمه, وسمع صريف القلـم. وبلغنا أنه لـم يحدث حدثا فـي الأربعين لـيـلة حتـى هبط من الطور.<br />
   وحدثت عن عمار بن الـحسن, حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, بنـحوه.<br />
  647ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن ابن إسحاق, قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه, ونـجاه وقومه ثلاثـين لـيـلة, ثم أتـمها بعشر, فتـمّ ميقات ربه أربعين لـيـلة, تلقاه ربه فـيها بـما شاء. واستـخـلف موسى هارون علـى بنـي إسرائيـل, وقال: إنـي متعجل إلـى ربـي فـاخـلفنـي فـي قومي ولا تتبع سبـيـل الـمفسدين فخرج موسى إلـى ربه متعجلاً للقائه شوقا إلـيه, وأقام هارون فـي بنـي إسرائيـل ومعه السامريّ يسير بهم علـى أثر موسى لـيـلـحقهم به.<br />
  648ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي, قال: انطلق موسى واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة وأتـمها الله بعشر.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأنْتُـمْ ظالِـمُونَ.<br />
  وتأويـل قوله: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العجْلَ منْ بَعْدِهِ ثم اتـخذتـم فـي أيام مواعدة موسى العجل إلها من بعد أن فـارقكم موسى متوجها إلـى الـموعد. والهاء فـي قوله «من بعده» عائدة علـى ذكر موسى. فأخبر جل ثناؤه الـمخالفـين نبـينا صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل الـمكذّبـين به الـمخاطبـين بهذه الآية, عن فعل آبـائهم وأسلافهم وتكذيبهم رسلهم وخلافهم أنبـياءهم, مع تتابع نعمه علـيهم وسبوغ آلائه لديهم, معرّفهم بذلك أنهم من خلافهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به وجحودهم لرسالته, مع علـمهم بصدقه علـى مثل منهاج آبـائه وأسلافهم, ومـحذّرهم من نزول سطوته بهم بـمقامهم علـى ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم الـمكذّبـين بـالرسل من الـمسخ واللعن وأنواع النقمات.<br />
  وكان سبب اتـخاذهم العجل ما:<br />
  649ـ حدثنـي به عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: لـما هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه, وكان فرعون علـى فرس أدهم ذنوب حصان فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر, فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وديق, فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها. قال: وعرف السامريّ جبريـل لأن أمه حين خافت أن يذبح خـلفته فـي غار وأطبقت علـيه, فكان جبريـل يأتـيه فـيغذوه بأصابعه, فـيجد فـي بعض أصابعه لبنا, وفـي الأخرى عسلاً, وفـي الأخرى سمنا. فلـم يزل يغذوه حتـى نشأ, فلـما عاينه فـي البحر عرفه, فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تـحت الـحافر قبضة. قال سفـيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: «فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول». قال أبو سعيد, قال عكرمة, عن ابن عبـاس: وألقـي فـي رُوع السامري أنك لا تلقـيها علـى شيء فتقول كن كذا وكذا إلا كان. فلـم تزل القبضة معه فـي يده حتـى جاوز البحر. فلـما جاوز موسى وبنو إسرائيـل البحر, وأغرق الله آل فرعون, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ ومضى موسى لـموعد ربه. قال: وكان مع بنـي إسرائيـل حلـيّ من حلـيّ آل فرعون قد تعوّروه, فكأنهم تأثموا منه, فأخرجوه لتنزل النار فتأكله, فلـما جمعوه, قال السامريّ بـالقبضة التـي كانت فـي يده هكذا, فقذفها فـيه وأومأ ابن إسحاق بـيده هكذا وقال: كن عجلاً جسدا له خوار فصار عجلاً جسدا له خوار. وكان يدخـل الريح فـي دبره ويخرج من فـيه يسمع له صوت, فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا علـى العجل يعبدونه, فقال هارون: يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وإنّ رَبّكُمْ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَـيْهِ عاكِفـينَ حتـى يَرْجَعَ إلَـيْنَا مُوسَى.<br />
  650ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما أمر الله موسى أن يخرج ببنـي إسرائيـل يعنـي من أرض مصر أمر موسى بنـي إسرائيـل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الـحلـيّ من القبط. فلـما نـجّى الله موسى ومن معه من بنـي إسرائيـل من البحر, وغرق آل فرعون, أتـى جبريـل إلـى موسى يذهب به إلـى الله, فأقبل علـى فرس فرآه السامري, فأنكره, وقال: إنه فرس الـحياة. فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الـحافر حافر الفرس. فـانطلق موسى, واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة, وأتـمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إن الغنـيـمة لا تـحل لكم, وإن حلـيّ القبط إنـما هو غنـيـمة, فـاجمعوها جميعا, واحفروا لها حفرة فـادفنوها, فإن جاء موسى فأحلها أخذتـموها, وإلا كان شيئا لـم تأكلوه. فجمعوا ذلك الـحلـيّ فـي تلك الـحفرة, وجاء السامريّ بتلك القبضة, فقذفها, فأخرج الله من الـحلـيّ عجلاً جسدا له خوار. وعدّت بنو إسرائيـل موعد موسى, فعدّوا اللـيـلة يوما والـيوم يوما, فلـما كان تـمام العشرين خرج لهم العجل فلـما رأوه قال لهم السامري: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا علـيه يعبدونه. وكان يخور ويـمشي, فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ يقول: إنـما ابتلـيتـم به يقول: بـالعجل وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بنـي إسرائيـل لا يقاتلونهم. وانطلق موسى إلـى إلهه يكلـمه, فلـما كلـمه قال له: وما أعجلَكَ عَنْ قَوْمكَ يا موسَى قالَ هُمْ أُولاءِ علـى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَـيْكَ رَبـي لِتَرْضَى قال فإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ منْ بَعْدِكَ وأضَلّهُمُ السّامِري فأخبره خبرهم. قال موسى: يا ربّ هذا السامري أمرهم أن يتـخذوا العجل, أرأيت الروح من نفخها فـيه؟ قال الرب: أنا. قال: ربّ أنت إذا أضللتهم.<br />
  651ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, قال: كان فـيـما ذكر لـي أن موسى قال لبنـي إسرائيـل فـيـما أمره الله عزّ وجلّ به: استعيروا منهم يعنـي من آل فرعون الأمتعة والـحلـيّ والثـياب, فإنـي منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلـما أذن فرعون فـي الناس, كان مـما يحرّض به علـى بنـي إسرائيـل أن قال: حين سار ولـم يرضوا أن يخرجوا بأنفسهم حتـى ذهبوا بأموالكم معهم.<br />
  652ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, عن حكيـم بن جبـير, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: كان السامري رجلاً من أهل بـاجَرْما, وكان من قوم يعبدون البقر, وكان حبّ عبـادة البقر فـي نفسه, وكان قد أظهر الإسلام فـي بنـي إسرائيـل. فلـما فضل هارون فـي بنـي إسرائيـل وفضل موسى إلـى ربه, قال لهم هارون: أنتـم قد حملتـم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحلـيّا, فتطهروا منها, فإنها نـجس. وأوقد لهم نارا, فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فـيها قالوا: نعم. فجعلوا يأتون بـما كان معهم من تلك الأمتعة وذلك الـحلـيّ, فـيقذفون به فـيها, حتـى إذا تكسر الـحلـيّ فـيها ورأى السامريّ أثر فرس جبريـل أخذ ترابـا من أثر حافره, ثم أقبل إلـى النار فقال لهارون: يا نبـيّ الله ألقـي ما فـي يدي؟ قال: نعم. ولا يظنّ هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الـحلـيّ والأمتعة. فقذفه فـيها فقال: كن عجلاً جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة, فقال: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فعكفوا علـيه, وأحبوه حبـا لـم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: فَنَسِيَ أي ترك ما كان علـيه من الإسلام, يعنـي السامري, أفَلا يَرَوْنَ أنْ لا يَرْجعُ إلَـيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَـمْلِكُ لَهُمْ ضَرّا وَلا نَفْعا وكان اسم السامري موسى بن ظفر, وقع فـي أرض مصر, فدخـل فـي بنـي إسرائيـل. فلـما رأى هارون ما وقعوا فـيه: قالَ يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وَإنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عَاكِفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى فأقام هارون فـيـمن معه من الـمسلـمين مـمن لـم يفتتن, وأقام من يعبد العجل علـى عبـادة العجل. وتـخوّف هارون إن سار بـمن معه من الـمسلـمين أن يقول له موسى: فَرّقْتَ بَـيْنَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَلَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي وكان له هائبـا مطيعا.<br />
  653ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما أنـجى الله عز وجل بنـي إسرائيـل من فرعون, وأغرق فرعون ومن معه, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ وَلا تَتّبِعْ سَبِـيـلَ الـمُفْسِدِينَ قال: لـما خرج موسى وأمر هارون بـما أمره به, وخرج موسى متعجلاً مسرورا إلـى الله. قد عرف موسى أن الـمرء إذا نـجح فـي حاجة سيده كان يسرّه أن يتعجل إلـيه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حلـيا وثـيابـا من آل فرعون, فقال لهم هارون: إن هذه الثـياب والـحلـيّ لا تـحلّ لكم, فـاجمعوا نارا, فألقوه فـيها فأحرقوه قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلـى أثر دابة جبريـل, وكان جبريـل علـى فرس أنثى, وكان السامري فـي قوم موسى. قال: فنظر إلـى أثره فقبض منه قبضة, فـيبست علـيها يده فلـما ألقـى قوم موسى الـحلـيّ فـي النار, وألقـى السامري معهم القبضة, صوّر الله جل وعز ذلك لهم عجلاً ذهبـا, فدخـلته الريح, فكان له خوارٌ, فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الـخبـيث: هذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ... الآية, إلـى قوله: حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى قال: حتـى إذا أتـى موسى الـموعد, قال الله: ما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسَى قالَ هُمْ أُولاَءِ علـى أثَرِي فقرأ حتـى بلغ: أفَطالَ عَلَـيْكُمُ العَهْدُ.<br />
  654ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد فـي قوله: ثمّ اتّـخَذْتُـمْ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قال: العجل حَسِيـل البقرة. قال: حلـيّ استعاروه من آل فرعون, فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريـل, فطرحه فـيه فـانسبك, وكان له كالـجوف تهوي فـيه الرياح.<br />
  655ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية, قال: إنـما سمي العجل, لأنهم عَجِلُوا فـاتـخذوه قبل أن يأتـيهم موسى.<br />
   حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنـي عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد بنـحو حديث القاسم, عن الـحسن.<br />
   حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, بنـحوه.<br />
  وتأويـل قوله وأنْتُـمْ ظالِـمُونَ يعنـي وأنتـم واضعوا العبـادة فـي غير موضعها لأن العبـادة لا تنبغي إلا لله عز وجل وعبدتـم أنتـم العجل ظلـما منكم ووضعا للعبـادة فـي غير موضعها. وقد دللنا فـي غير هذا الـموضع مـما مضى من كتابنا أن أصل كل ظلـم وضع الشيء فـي غير موضعه, فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.<br />
الآية : 52<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {ثُمّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ }<br />
   وتأويـل قوله: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلكَ يقول: تركنا معاجلتكم بـالعقوبة من بعد ذلك, أي من بعد اتـخاذكم العجل إلها. كما:<br />
  656ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ يعنـي من بعد ما اتـخذتـم العجل.<br />
  وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ فإنه يعنـي به: لتشكروا. ومعنى «لعل» فـي هذا الـموضع معنى «كي», وقد بـينت فـيـما مضى قبل أن أحد معانـي «لعل» «كي» بـما فـيه الكفـاية عن إعادته فـي هذا الـموضع. فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتـخاذكم العجل إلها لتشكرونـي علـى عفوي عنكم, إذ كان العفو يوجب الشكر علـى أهل اللبّ والعقل.<br />
الآية : 53<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ }<br />
   يعنـي بقوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى الكتاب والفرقان. ويعنـي بـالكتاب: التوراة, وبـالفرقان: الفصل بـين الـحقّ والبـاطل. كما:<br />
  657ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, فـي قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ والفُرْقانَ قال: فرق به بـين الـحقّ والبـاطل.<br />
  658ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقانَ قال: الكتاب: هو الفرقان, فرقان بـين الـحق والبـاطل.<br />
   حدثنـي الـمثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد مثله.<br />
   وحدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقان قال: الكتاب: هو الفرقان, فرق بـين الـحقّ والبـاطل.<br />
  659ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, قال: وقال ابن عبـاس: الفرقان: جماع اسم التوراة والإنـجيـل والزبور والفرقان.<br />
  وقال ابن زيد فـي ذلك بـما:<br />
  660ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألته, يعنـي ابن زيد, عن قول الله عز وجل: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسى الكتابَ والفُرْقانَ فقال: أما الفرقان الذي قال الله جل وعز: يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ فذلك يوم بدر, يوم فرق الله بـين الـحق والبـاطل, والقضاءُ الذي فرق به بـين الـحق والبـاطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان, فرق الله بـينهم, وسلـمه الله وأنـجاه فرق بـينهم بـالنصر, فكما جعل الله ذلك بـين مـحمد والـمشركين, فكذلك جعله بـين موسى وفرعون.<br />
  قال أبو جعفر: وأولـى هذين التأويـلـين بتأويـل الآية ما رُوي عن ابن عبـاس وأبـي العالـية ومـجاهد, من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى فـي هذا الـموضع هو الكتاب الذي فرق به بـين الـحقّ والبـاطل, وهو نعت للتوراة وصفة لها. فـيكون تأويـل الآية حينئذ: وإذ آتـينا موسى التوراة التـي كتبناها له فـي الألواح, وفرقنا بها بـين الـحقّ والبـاطل. فـيكون الكتاب نعتا للتوراة أقـيـم مقامها استغناءً به عن ذكر التوراة, ثم عطف علـيه بـالفرقان, إذ كان من نعتها. وقد بـينا معنى الكتاب فـيـما مضى من كتابنا هذا, وأنه بـمعنى الـمكتوب. وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالآية وإن كان مـحتـملاً غيره من التأويـل, لأن الذي قبله ذكر الكتاب, وأن معنى الفرقان الفصل, وقد دللنا علـى ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا, فإلـحاقه إذ كان كذلك بصفة ما ولـيه أَوْلـى من إلـحاقه بصفة ما بعد منه.<br />
  وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ فنظير تأويـل قوله تعالـى: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ومعناه لتهتدوا. وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى التوراة التـي تفرق بـين الـحقّ والبـاطل لتهتدوا بها وتتبعوا الـحقّ الذي فـيها لأنـي جعلتها كذلك هدى لـمن اهتدى بها واتبع ما فـيها.<br />
الآية : 54<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوَاْ إِلَىَ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ } <br />
   وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بنـي إسرائيـل: يا قوم إنكم ظلـمتـم أنفسكم. وظلـمهم إياها كان فعلهم بها ما لـم يكن لهم أن يفعلوه بها مـما أوجب لهم العقوبة من الله تعالـى, وكذلك كل فـاعل فعلاً يستوجب به العقوبة من الله تعالـى فهو ظالـم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالـى. وكان الفعل الذي فعلوه فظلـموا به أنفسهم, هو ما أخبر الله عنهم من ارتدادهم بـاتـخاذهم العجل ربـا بعد فراق موسى إياهم, ثم أمرهم موسى بـالـمراجعة من ذنبهم والإنابة إلـى الله من ردّتهم بـالتوبة إلـيه, والتسلـيـم لطاعته فـيـما أمرهم به وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معنى التوبة: الأوبة مـما يكرهه الله إلـى ما يرضاه من طاعته. فـاستـجاب القوم لـما أمرهم به موسى من التوبة مـما ركبوا من ذنوبهم إلـى ربهم علـى ما أمرهم به. كما:<br />
  661ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبـي إسحاق, عن أبـي عبد الرحمن, أنه قال فـي هذه الآية: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: عمدوا إلـى الـخناجر, فجعل يطعن بعضهم بعضا.<br />
  662ـ حدثنـي عبـاس بن مـحمد, قال: حدثنا حجاج بن مـحمد, قال ابن جريج, أخبرنـي القاسم بن أبـي بزة أنه سمع سعيد بن جبـير ومـجاهدا قالا: قام بعضهم إلـى بعض بـالـخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحنّ رجل علـى رجل قريب ولا بعيد, حتـى ألوى موسى بثوبه, فطرحوا ما بأيديهم, فتكشف عن سبعين ألف قتـيـل, وإن الله أوحى إلـى موسى أن حسبـي قد اكتفـيت, فذلك حين ألوى بثوبه.<br />
  663ـ حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قال موسى لقومه: تُوبُوا إلـى بـارِئكُمْ فَـاقْتُلُوا أنفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بـارِئِكُمْ فتَابَ علَـيكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عزّ وجلّ أن يقتلوا أنفسهم, قال: فـاختبأ الذين عكفوا علـى العجل فجلسوا, وقام الذين لـم يعكفوا علـى العجل وأخذوا الـخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلـمة شديدة, فجعل يقتل بعضهم بعضا. فـانـجلت الظلـمة عنهم, وقد أجْلَوْا عن سبعين ألف قتـيـل, كل من قتل منهم كانت له توبة, وكل من بقـي كانت له توبة.<br />
  664ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه قال يا قَوْمِ ألـمْ يَعِدْكُمْ رَبكُمْ وعْدا حَسَنا إلـى قوله: فَكَذَلِكَ ألْقَـى السّامِرِيّ فألْقَـى مُوسَى الألْوَاحَ وأخَذَ برأسِ أخيهِ يَجُرّهُ إلَـيْهِ قالَ يا ابْنَ أُمّ لا تأخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي إنـي خَشِيتُ أنْ تَقُول فَرّقْت بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي فترك هارون ومال إلـى السامري, فقال ما خَطْبُكَ يا سامِرِيّ إلـى قوله: ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فـي الـيَـمّ نَسْفـا. ثم أخذه فذبحه, ثم حرّقه بـالـمبرد, ثم ذراه فـي الـيـم, فلـم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فـيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا, فمن كان يحبه خرج علـى شاربـيه الذهب, فذلك حين يقول: واشْرِبُوا فـي قُلُوبِهِمْ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ. فلـما سقط فـي أيدي بنـي إسرائيـل حين جاء موسى, وَرَأوْا أنهُمْ قَدْ ضَلّوا قالُوا لَئِنْ لـمْ يَرْحَمْنا ربّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنّ مِن الـخاسِرِينَ فأبى الله أن يقبل توبة بنـي إسرائيـل إلا بـالـحال التـي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل, فقال لهم موسى: يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فـاقْتُلوا أنْفُسَكُمْ قال: فصفوا صفّـين ثم اجتلدوا بـالسيوف. فـاجتلد الذين عبدوه والذين لـم يعبدوه بـالسيوف, فكان من قتل من الفريقـين شهيدا, حتـى كثر القتل حتـى كادوا أن يهلكوا حتـى قتل بـينهم سبعون ألفـا, وحتـى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيـل, ربنا البقـية البقـية فأمرهم أن يضعوا السلاح, وتاب علـيهم. فكان من قتل شهيدا, ومن بقـي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُو التّوّابُ الرحِيـمُ.<br />
  665ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ قال: كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضا بـالـخناجر, فجعل الرجل يقتل أبـاه ويقتل ولده, فتاب الله علـيهم.<br />
  666ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وإذْ قال مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ الآية. قال: فصاروا صفـين, فجعل يقتل بعضهم بعضا, فبلغ القتلـى ما شاء الله, ثم قـيـل لهم: قد تـيب علـى القاتل والـمقتول.<br />
  667ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي اللـيث, قال: حدثنـي عقـيـل, عن ابن شهاب, قال: لـما أمرت بنو إسرائيـل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى, فتضاربوا بـالسيوف, وتطاعنوا بـالـخناجر, وموسى رافع يديه. حتـى إذا فتر أتاه بعضهم قالوا: يا نبـيّ الله ادع الله لنا وأخذوا بعضديه يشدّون يديه, فلـم يزل أمرهم علـى ذلك حتـى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض, فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيـل للذي كان من القتل فـيهم, فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى: لا يحزنك, أما من قتل منكم فحيّ عندي يرزق, وأما من بقـي فقد قبلت توبته. فسرّ بذلك موسى وبنو إسرائيـل.<br />
  668ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري وقتادة فـي قوله: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: قاموا صفـين فقتل بعضهم بعضا حتـى قـيـل لهم كفوا. قال قتادة: كانت شهادة للـمقتول وتوبة للـحيّ.<br />
  669ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء: سمعت عبـيد بن عمير يقول: قام بعضهم إلـى بعض يقتل بعضهم بعضا, ما يتوقـى الرجل أخاه ولا أبـاه ولا ابنه ولا أحدا حتـى نزلت التوبة.<br />
  قال ابن جريج, وقال ابن عبـاس: بلغ قتلاهم سبعين ألفـا, ثم رفع الله عزّ وجل عنهم القتل, وتاب علـيهم. قال ابن جريج: قاموا صفـين, فـاقتتلوا بـينهم, فجعل الله القتل لـمن قتل منهم شهادة, وكانت توبة لـمن بقـي. وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علـم أن ناسا منهم علـموا أن العجل بـاطل فلـم يـمنعهم أن ينكروا علـيهم إلا مخافة القتال, فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا.<br />
  670ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه, وأحرق العجل وذراه فـي الـيـم خرج إلـى ربه بـمن اختار من قومه, فأخذتهم الصاعقة, ثم بعثوا. سأل موسى ربه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل, فقال: لا, إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغنـي أنهم قالوا لـموسى: نصبر لأمر الله, فأمر موسى من لـم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده, فجلسوا بـالأفنـية وأصلت علـيهم القوم السيوف, فجعلوا يقتلونهم, وبكى موسى وبَهَش إلـيه النساء والصبـيان يطلبون العفو عنهم, فتاب علـيهم وعفـا عنهم, وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.<br />
  671ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما رجع موسى إلـى قومه, وكانوا سبعون رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لـم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلـى موعد ربكم, فقالوا: يا موسى أما من توبة؟ قال: بلـى فـاقْتُلُوا أنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ حَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فَتابَ عَلَـيْكُمْ الآية.... فـاخترطوا السيوف والـجِرَزة والـخناجر والسكاكين. قال: وبعث علـيهم ضبـابة, قال: فجعلوا يتلامسون بـالأيدي, ويقتل بعضهم بعضا. قال: ويـلقـى الرجل أبـاه وأخاه فـيقتله ولا يدري, ويتنادون فـيها: رحم الله عبدا صبر حتـى يبلغ الله رضاه. وقرأ قول الله جل ثناؤه: وآتَـيْناهُمْ مِنَ الاَياتِ ما فِـيهِ بَلاءٌ مُبِـينٌ. قال: فقتلاهم شهداء, وتـيب علـى أحيائهم. وقرأ: فَتابَ عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـم.<br />
  فـالذي ذكرنا عمن روينا عنه الأخبـار التـي رويناها كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فـيـما بـينهم وبـين ربهم بعبـادتهم العجل مع ندمهم علـى ما سلف منهم من ذلك.<br />
  وأما معنى قوله: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي به: ارجعوا إلـى طاعة خالقكم وإلـى ما يرضيه عنكم. كما:<br />
  672ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ أي إلـى خالقكم. وهو من برأ الله الـخـلق يبرؤه فهو بـارىء. والبريّة: الـخـلق, وهي فعيـلة بـمعنى مفعولة, غير أنها لا تهمز كما لا يهمز ملك, وهو من «لأك», لكنه جرى بترك الهمزة, كذلك قال نابغة بنـي ذبـيان:<br />
 إلاّ سُلَـيْـمانَ إذْ قالَ الـمَلِـيكُ لَهُقُمْ فـي البَرِيّةِ فـاحْدُدْها عَنِ الفَندِ <br />
  وقد قـيـل: إن البرية إنـما لـم تهمز لأنها فعيـلة من البَرَى, والبَرَى: التراب. فكأن تأويـله علـى قول من تأوله كذلك أنه مخـلوق من التراب. وقال بعضهم: إنـما أخذت البرية من قولك بريت العود, فلذلك لـم يهمز.<br />
  قال أبو جعفر: وترك الهمز من بـارئكم جائز, والإبدال منها جائز, فإذ كان ذلك جائزا فـي بـاريكم فغير مستنكر أن تكون البرية من برى الله الـخـلق بترك الهمزة.<br />
  وأما قوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم خير لكم عند بـارئكم لأنكم تنـجون بذلك من عقاب الله فـي الاَخرة علـى ذنبكم, وتستوجبون به الثواب منه. وقوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ أي بـما فعلتـم مـما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من الـمـحذوف الذي استغنـي بـالظاهر منه عن الـمتروك, لأن معنى الكلام: فتوبوا إلـى بـارئكم, فـاقتلوا أنفسكم, ذلكم خير لكم عند بـارئكم, فتبتـم فتاب علـيكم. فترك ذكر قوله «فتبتـم» إذْ كان فـي قوله: فتَابَ عَلَـيْكُمْ دلالة بـينة علـى اقتضاء الكلام فتبتـم. ويعنـي بقوله: فَتابَ عَلَـيْكُمْ رجع لكم ربكم إلـى ما أحببتـم من العفو عن ذنوبكم, وعظيـم ما ركبتـم, والصفح عن جرمكم إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ يعنـي الراجع لـمن أناب إلـيه بطاعته إلـى ما يحبّ من العفو عنه. ويعنـي بـالرحيـم: العائد إلـيه برحمته الـمنـجية من عقوبته.<br />
الآية : 55<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }<br />
   وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتـم: يا موسى لن نصدّقك ولن نقرّ بـما جئتنا به حتـى نرى الله جهرة عيانا, برفع الساتر بـيننا وبـينه, وكشف الغطاء دوننا ودونه حتـى ننظر إلـيه بأبصارنا, كما تُـجهر الركِيّة, وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين, فنفـى ما قد غطاه حتـى ظهر الـماء وصَفَـا, يقال منه: قد جهرت الركية أجهرها جهرا وجهرة ولذلك قـيـل: قد جهر فلان بهذا الأمر مـجاهرة وجهارا: إذا أظهره لرأي العين وأعلنه, كما قال الفرزدق بن غالب:<br />
 من اللاّئي يَضِلّ الألفُ منْهُمِسَحّا مِنْ مَخافَتِهِ جِهارا <br />
  673ـ وكما حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: حتـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً قال: علانـية.<br />
  674ـ وحدثت, عن عمارة بن الـحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه عن الربـيع: حتّـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً يقول: عيانا.<br />
  675ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: حتـى يطلع إلـينا.<br />
  676ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: أي عيانا.<br />
  فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبـائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبـيائهم, مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعزّ وعِبَره ما تثلـج بأقلها الصدور, وتطمئنّ بـالتصديق معها النفوس وذلك مع تتابع الـحجج علـيه, وسبوغ النعم من الله لديهم. وهم مع ذلك مرّة يسألون نبـيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله, ومرة يقولون لا نصدقك حتـى نرى الله جهرة, وأخرى يقولون له إذا دعوا إلـى القتال: فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ومرة يقال لهم: قُولُوا حِطّة وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَاياكُمْ فـيقولون: حنطة فـي شعيرة, ويدخـلون البـاب من قبل أستاههم, مع غير ذلك من أفعالهم التـي آذوا بها نبـيهم علـيه السلام التـي يكثر إحصاؤها. فأعلـم ربنا تبـارك وتعالـى ذكره الذين خاطبهم بهذه الاَيات من يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم, وجحودهم نبوّته, وتركهم الإقرار به وبـما جاء به, مع علـمهم به ومعرفتهم بحقـيقة أمره كأسلافهم وآبـائهم الذين فصل علـيهم قصصهم فـي ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى, وتوثبهم علـى نبـيهم موسى صلوات الله وسلامه علـيه تارة بعد أخرى, مع عظيـم بلاء الله جل وعزّ عندهم وسبوغ آلائه علـيهم.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ.<br />
  اختلف أهل التأويـل فـي صفة الصاعقة التـي أخذتهم. فقال بعضهم بـما:<br />
  677ـ حدثنا به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: ماتوا.<br />
  678ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: سمعوا صوتا فصعقوا. يقول: فماتوا. وقال آخرون: بـما:<br />
  679ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ والصاعقة: نار.<br />
  وقال آخرون بـما:<br />
  680ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: أخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وأصل الصاعقة: كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه حتـى يصير من هوله وعظيـم شأنه إلـى هلاك وعطب, وإلـى ذهاب عقل وغُمور فهم, أو فقد بعض آلات الـجسم, صوتا كان ذلك, أو نارا, أو زلزلة, أو رَجْفـا. ومـما يدل علـى أنه قد يكون مصعوقا وهو حيّ غير ميت, قول الله عزّ وجل: وَخَرّ مُوسَى صَعِقا يعنـي مغشيّا علـيه. ومنه قول جرير بن عطية:<br />
 وهَلْ كان الفَرَزْذَقُ غَيْرَ قِرْدٍأصَابَتْهُ الصّواعِقُ فـاسْتَدَارَا <br />
  فقد علـم أن موسى لـم يكن حين غشي علـيه وصعق ميتا لأن الله جل وعزّ أخبر عنه أنه لـما أفـاق قال: تُبْتُ إلـيك ولا شبه جرير الفرزدق وهو حيّ بـالقرد ميتا, ولكن معنى ذلك ما وصفنا.<br />
  ويعنـي بقوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ: وأنتـم تنظرون إلـى الصاعقة التـي أصابتكم, يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتـم تنظرون إلـيها.<br />
</font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=226168</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة ايه 49 و50</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=225750&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Wed, 04 Nov 2009 19:11:29 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 49
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:  {وَإِذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ }
   أما تأويـل قوله: وإذْ نَـجّيْناكُمْ فإنه عطف علـى قوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِـيَ فكأنه قال: اذكروا نعمتـي التـي أنعمت علـيكم, واذكروا إنعامنا علـيكم إذ نـجيناكم من آل فرعون بإنـجائنا لكم منهم.
  وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه. وأصل «آل» أهل, أبدلت الهاء همزة, كما قالوا ماه, فأبدلوا الهاء همزة, فإذا صغروه قالوا مُوَيه, فردّوا الهاء فـي التصغير وأخرجوه علـى أصله. وكذلك إذا صغروا آل, قالوا: أهيـل. وقد حُكي سماعا من العرب فـي تصغير آل: أويـل. وقد يقال: فلان من آل النساء, يراد به أنه منهن خـلق, ويقال ذلك أيضا بـمعنى أنه يريدهنّ ويهواهن, كما قال الشاعر:
 فإنّكَ مِنْ آلِ النّساءِ وَإِنّـمَايَكُنّ لأدْنى لا وِصَالَ لِغَائِبِ 
  وأحسن أماكن «آل» أن ينطق به مع الأسماء الـمشهورة, مثل قولهم: آل النبـي مـحمد صلى الله عليه وسلم وآل علـيّ, وآل عبـاس, وآل عقـيـل. وغير مستـحسن استعماله مع الـمـجهول, وفـي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك غير حسن عند أهل العلـم بلسان العرب أن يقال: رأيت آل الرجل, ورآنـي آل الـمرأة, ولا رأيت آل البصرة, وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول: رأيت آل مكة وآل الـمدينة, ولـيس ذلك فـي كلامهم بـالـمستعمل الفـاشي. وأما فرعون فإنه يقال: إنه اسم كانت ملوك العمالقة بـمصر تسمّى به, كما كانت ملوك الروم يُسمّي بعضهم قـيصر وبعضهم هرقل, وكما كانت ملوك فـارس تُسمى الأكاسرة واحدهم كسرى, وملوك الـيـمن تسمى التبـابعة واحدهم تبع. وأما فرعون موسى الذي أخبر الله تعالـى عن بنـي إسرائيـل أنه نـجاهم منه فإنه يقال: إن اسمه الولـيد بن مصعب بن الريان, وكذلك ذكر مـحمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.
  622ـ حدثنا بذلك مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: أن اسمه الولـيد بن مصعب بن الريان.
  وإنـما جاز أن يقال: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ والـخطاب به لـمن لـم يدرك فرعون ولا الـمنـجين منه, لأن الـمخاطبـين بذلك كانوا أبناء من نـجاهم من فرعون وقومه, فأضاف ما كان من نعمه علـى آبـائهم إلـيهم, وكذلك ما كان من كفران آبـائهم علـى وجه الإضافة, كما يقول القائل لاَخر: فعلنا بكم كذا, وفعلنا بكم كذا, وقتلناكم وسبـيناكم, والـمخبر إما أن يكون يعنـي قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان الـمقول له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لـم يدركه, كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية:
 وَلَقَدْ سَمَا لَكُمْ الهُذَيْـلُ فنالَكُمْبإرَابَ حَيْثُ يُقْسَمّـمُ الأنْفـالا 
 فـي فَـيْـلَقٍ يَدْعو الأرَاقمَ لـمْ تكُنْفرْسَانُهُ عُزْلاً وَلا أكْفَـالا 
  ولـم يـلق جرير هذيلاً ولا أدركه, ولا أدرك إراب ولا شهده. ولكنه لـما كان يوما من أيام قوم الأخطل علـى قوم جرير, أضاف الـخطاب إلـيه وإلـى قومه, فكذلك خطاب الله عزّ وجلّ من خاطبه بقوله: وَإِذْ نَـجّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لـما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بـالآية وآبـائهم, أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبـائهم إلـى الـمخاطبـين بـالآية وقومهم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَاب.
  وفـي قوله: يَسُومُونَكُمْ وجهان من التأويـل, أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفـا عن فعل فرعون ببنـي إسرائيـل, فـيكون معناه حينئذٍ: واذكروا نعمتـي علـيكم إذ نـجّيتكم من آل فرعون, وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويـله كان موضع «يسومونكم» رفعا. والوجه الثانـي: أن يكون «يسومونكم» حالاً, فـيكون تأويـله حينئذٍ: وإذْ نـجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب, فـيكون حالاً من آل فرعون.
  وأما تأويـل قوله: يَسُومُونَكُمْ فإنه يوردونكم, ويذيقونكم, ويُولونكم, يقال منه: سامه خطة ضيـم: إذا أولاه ذلك وأذاقه, كما قال الشاعر:
 إنْ سِيـمَ خَسْفـا وَجْهُهُ تَرَبّدَا 
  فأما تأويـل قوله: سُوءَ العَذَابِ فإنه يعنـي: ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم: أشدّ العذاب ولو كان ذلك معناه لقـيـل: أسوأ العذاب.
  فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم؟ قـيـل: هو ما وصفه الله تعالـى فـي كتابه فقال: يُذَبّحُونَ أبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ. وقد قال مـحمد بن إسحاق فـي ذلك ما:
  623ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: أخبرنا ابن إسحاق, قال: كان فرعون يعذّب بنـي إسرائيـل فـيجعلهم خدما وخولاً, وصنّفهم فـي أعماله, فصنفٌ يبنون, وصنف يزرعون له, فهم فـي أعماله, ومن لـم يكن منهم فـي صنعة من عمله فعلـيه الـجزية, فسامهم كما قال الله عزّ وجل: سُوءَ العَذَابِ.
  وقال السدي: جعلهم فـي الأعمال القذرة, وجعل يقتل أبناءهم, ويستـحيـي نساءهم.
  624ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ.
  قال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببنـي إسرائيـل من سَوْمهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستـحيائهم نساءهم دون فرعون, وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوّة فرعون وعن أمره, لـمبـاشرتهم ذلك بأنفسهم. فبـين بذلك أن كل مبـاشر قتل نفس أو تعذيب حيّ بنفسه وإن كان عن أمر غيره, ففـاعله الـمتولـي ذلك هو الـمستـحق إضافة ذلك إلـيه, وإن كان الاَمر قاهرا الفـاعل الـمأمور بذلك سلطانا كان الاَمر أو لصّا خاربـا أو متغلبـا ف.اجرا, كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياء نسائهم إلـى آل فرعون دون فرعون, وإن كانوا بقوّة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلـما فهو الـمقتول عندنا به قصاصا, وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له علـى قتله.
  وأما تأويـل ذبحهم أبناء بنـي إسرائيـل, واستـحيائهم نساءهم, فإنه كان فـيـما ذكر لنا عن ابن عبـاس وغيره كالذي:
  625ـ حدثنا به العبـاس بن الولـيد الاَملـي وتـميـم بن الـمنتصر الواسطي, قالا: حدثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: حدثنا القاسم بن أيوب, قال: حدثنا سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيـم خـلـيـله أن يجعل فـي ذرّيته أنبـياء وملوكا وائتـمروا, وأجمعوا أمرهم علـى أن يبعث رجالاً معهم الشّفـارَ, يطوفون فـي بنـي إسرائيـل, فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه, ففعلوا. فلـما رأوا أن الكبـار من بنـي إسرائيـل يـموتون بآجالهم, وأن الصغار يذبحون, قال: توشكون أن تُفنوا بنـي إسرائيـل فتصيروا إلـى أن تبـاشروا من الأعمال والـخدمة ما كانوا يكفونكم, فـاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقلّ أبناؤهم ودعوا عاما. فحملت أمّ موسى بهارون فـي العام الذي لا يذبح فـيه الغلـمان, فولدته علانـية أمه, حتـى إذا كان القابل حملت بـموسى.
  626ـ وقد حدثنا عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد فـي هذه العام مولود يذهب بـملكك. قال: فجعل فرعون علـى كل ألف امرأة مائة رجل, وعلـى كل مائة عشرة, وعلـى كل عشرة رجلاً فقال: انظروا كل امرأة حامل فـي الـمدينة, فإذا وضعت حملها فـانظروا إلـيه, فإن كان ذكرا فـاذبحوه, وإن كان أنثى فخـلّوا عنها. وذلك قوله: يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ.
  627ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَابِ قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بـمصر غلام يكون هلاكك علـى يديه. فبعث فـي أهل مصر نساء قوابل, فإذا ولدت امرأة غلاما أتـى به فرعون فقتله ويستـحيـي الـجواري.
  628ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحق بن الـحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس فـي قوله: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية, قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, وإنه أتاه آت, فقال: إنه سينشأ فـي مصر غلام من بنـي إسرائيـل فـيظهر علـيك ويكون هلاكك علـى يديه. فبعث فـي مصر نساء. فذكر نـحو حديث آدم.
  629ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر عن السدي, قال: كان من شأن فرعون أنه رأى فـي منامه أن نارا أقبلت من بـيت الـمقدس حتـى اشتـملت علـى بـيوت مصر, فأحرقت القبط وتركت بنـي إسرائيـل وأخربت بـيوت مصر, فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والـحازَة, فسألهم عن رؤياه, فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيـل منه يعنون بـيت الـمقدس رجل يكون علـى وجهه هلاك مصر. فأمر ببنـي إسرائيـل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مـملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخـلوهم, واجعلوا بنـي إسرائيـل يـلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بنـي إسرائيـل فـي أعمال غلـمانهم, وأدخـلوا غلـمانهم فذلك حين يقول الله تبـارك وتعالـى: إِنّ فِرْعَوْنَ عَلا فِـي الأرْضِ يقول: تـجبر فـي الأرض: وجعل أهلها شِيَعا, يعنـي بنـي إسرائيـل, حين جعلهم فـي الأعمال القذرة, يستضعفُ طائِفَةً منهم يُذَبّحُ أبْنَاءَهُمْ. فجعل لا يولد لبنـي إسرائيـل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير. وقذف الله فـي مشيخة بنـي إسرائيـل الـموت, فأسرع فـيهم. فدخـل رءوس القبط علـى فرعون, فكلـموه, فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فـيهم الـموت, فـيوشك أن يقع العمل علـى غلـماننا بذبح أبنائهم فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبـار, فلو أنك كنت تبقـي من أولادهم فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلـما كان فـي السنة التـي لا يذبحون فـيها ولد هارون, فترك فلـما كان فـي السنة التـي يذبحون فـيها حملت بـموسى.
  630ـ حدثنا مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: ذكر لـي أنه لـما تقارب زمان موسى أتـى منـجمو فرعون وحُزَاتُه إلـيه, فقالوا له: تعلّـم أنا نـجد فـي علـمنا أن مولودا من بنـي إسرائيـل قد أظلك زمانه الذي يولد فـيه, يسلبك ملكك ويغلبك علـى سلطانك, ويخرجك من أرضك, ويبدّل دينك. فلـما قالوا له ذلك, أمر بقتل كل مولود يولد من بنـي إسرائيـل من الغلـمان, وأمر بـالنساء يستـحيـين. فجمع القوابل من نساء مـملكته, فقال لهن: لا يسقطن علـى أيديكن غلام من بنـي إسرائيـل إلا قتلتُنّه. فكنّ يفعلن ذلك, وكان يذبح من فوق ذلك من الغلـمان, ويأمر بـالـحبـالـى فـيعذّبن حتـى يطرحن ما فـي بطونهن.
  631ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: لقد ذكر أنه كان لـيأمر بـالقصب فـيشقّ حتـى يجعل أمثال الشّفـار, ثم يصف بعضه إلـى بعض, ثم يؤتـي بـالـحبـالـى من بنـي إسرائيـل, فـيوقـفن علـيه فـيحزّ أقدامهن, حتـى إن الـمرأة منهن لتـمصَعُ بولدها فـيقع من بـين رجلـيها, فتظلّ تطؤه تتقـي به حدّ القصب عن رجلها لـما بلغ من جهدها. حتـى أسرف فـي ذلك وكاد يفنـيهم, فقـيـل له: أفنـيت الناس وقطعت النسل, وإنهم خَوَلُك وعمالك. فأمر أن يقتل الغلـمان عاما ويستـحيوا عاما. فولد هارون فـي السنة التـي يستـحيا فـيها الغلـمان, وولد موسى فـي السنة التـي فـيها يقتلون.
  قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلـم كان ذبح آل فرعون أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياؤهم نساءهم, فتأويـل قوله إذا علـى ما تأوّله الذين ذكرنا قولهم: ويستـحيون نساءكم: يستبقونهن فلا يقتلونهن.
  وقد يجب علـى تأويـل من قال بـالقول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس وأبـي العالـية والربـيع بن أنس والسدي فـي تأويـل قوله: ويَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ: أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن أن يكون جائزا أن تسمى الطفلة من الإناث فـي حال صبـاها وبعد ولادها امرأة, والصبـايا الصغار وهن أطفـال: نساء, لأنهم تأوّلوا قول الله جل وعزّ: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ: يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.
  وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج, فقال بـما:
  632ـ حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قال: يسترقّون نساءكم.
  فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله فـي قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إنه استـحياء الصبـايا الأطفـال, قال: إذ لـم نـجدهن يـلزمهن اسم نساء. ثم دخـل فـيـما هو أعظم مـما أنكر بتأويـله «ويستـحيون» يسترقّون, وذلك تأويـل غير موجود فـي لغة عربـية ولا عجمية, وذلك أن الاستـحياء إنـما هو استفعالٌ من الـحياة نظير الاستبقاء من البقاء والاستسقاء من السقـي, وهو معنى من الاسترقاق بـمعزل.
  وقد قال آخرون: قوله يُذَبّحونَ أبْناءَكُمْ بـمعنى يذبحون رجالكم آبـاء أبنائكم. وأنكروا أن يكون الـمذبوحون الأطفـال, وقد قرن بهم النساء. فقالوا: فـي إخبـار الله جل ثناؤه إن الـمستـحين هم النساء الدلالة الواضحة علـى أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبـيان, لأن الـمذبحين لو كانوا هم الأطفـال لوجب أن يكون الـمستـحيون هم الصبـايا. قالوا: وفـي إخبـار الله عزّ وجل أنهم النساء ما يبـين أن الـمذبحين هم الرجال. وقد أغفل قائلوا هذه الـمقالة مع خروجهم من تأويـل أهل التأويـل من الصحابة والتابعين موضع الصواب, وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلـى أمّ موسى أنه أمرها أن ترضع موسى, فإذا خافت علـيه أن تلقـيه فـي التابوت ثم تلقـيه فـي الـيـم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنـما يقتلون الرجال ويتركون النساء لـم يكن بأمّ موسى حاجة إلـى إلقاء موسى فـي الـيـمّ, أو لو أن موسى كان رجلاً لـم تـجعله أمه فـي التابوت ولكن ذلك عندنا علـى ما تأوّله ابن عبـاس ومن حكينا قوله قبل من ذبح آل فرعون الصبـيان وتركهم من القتل الصبـايا.
  وإنـما قـيـل: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إذ كان الصبـايا داخلات مع أمهاتهن, وأمهاتهن لا شك نساء فـي الاستـحياء, لأنهم لـم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبـارهن, فقـيـل: وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ يعنـي بذلك الوالدات والـمولودات كما يقال: قد أقبل الرجال وإن كان فـيهم صبـيان, فكذلك قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ. وأما من الذكور فإنه لـما لـم يكن يذبح إلا الـمولودون قـيـل: يذبحون أبناءكم, ولـم يقل يذبحون رجالكم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ منْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ.
  أما قوله: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ فإنه يعنـي: وفـي الذي فعلنا بكم من إنـجائنا إياكم مـما كنتـم فـيه من عذاب آل فرعون إياكم علـى ما وصفت بلاء لكم من ربكم عظيـم. ويعنـي بقوله بلاء: نعمة. كما:
  633ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة.
  634ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي قوله: وفـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ أما البلاء: فـالنعمة.
  635ـ وحدثنا سفـيان, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة من ربكم عظيـمة.
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثل حديث سفـيان.
  636ـ حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاح, عن ابن جريج: وَفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة عظيـمة.
  وأصل البلاء فـي كلام العرب: الاختبـار والامتـحان, ثم يستعمل فـي الـخير والشرّ, لأن الامتـحان والاختبـار قد يكون بـالـخير كما يكون بـالشرّ, كما قال الله جل ثناؤه: وَبَلَوْناهُمْ بـالـحَسَناتِ وَالسّيّئات لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ يقول: اختبرناهم, وكما قال جل ذكره: وَنَبْلُوكُمْ بـالشّرّ والـخَيْرِ فِتْنَةً. ثم تسمي العرب الـخير بلاء والشرّ بلاء, غير أن الأكثر فـي الشرّ أن يقال: بلوته أبلوه بلاء, وفـي الـخير: أبلـيته أبلـيه إبلاءً وبلاءً ومن ذلك قول زهير بن أبـي سلـمى:
 جَزَى اللّهُ بـالإحْسانِ ما فَعَلا بكُمْوأبلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الّذِي يَبْلُو 
  فجمع بـين اللغتـين لأنه أراد: فأنعم الله علـيهما خير النعم التـي يختبر بها عبـاده.
الآية : 50
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }
   أما تأويـل قوله: وَإذْ فَرَقْنا بكُمُ فإنه عطف علـى: وَإذْ نَـجّيْناكُمْ بـمعنى: واذكروا نعمتـي التـي أنعمت علـيكم, واذكروا إذ نـجيناكم من آل فرعون, وإذ فرقنا بكم البحر. ومعنى قوله: فَرَقْنا بِكُمْ: فصلنا بكم البحر, لأنهم كانوا اثنـي عشر سبطا, ففرق البحر اثنـي عشر طريقا, فسلك كل سبط منهم طريقا منها. فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر, وفصله بهم بتفريقهم فـي طريق الاثنـي عشر. كما:
  637ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما أتـى موسى البحر كناه أبـا خالد, وضربه فـانفلق فكان كل فرق كالطود العظيـم, فدخـلت بنو إسرائيـل, وكان فـي البحر اثنا عشر طريقا فـي كل طريق سبط.
  وقد قال بعض نـحويـي البصرة: معنى قوله: وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فرقنا بـينكم وبـين الـماء: يريد بذلك: فصلنا بـينكم وبـينه وحجزناه حيث مررتـم به. وذلك خلاف ما فـي ظاهر التلاوة لأن الله جل ثناؤه إنـما أخبر أنه فرق البحر بـالقوم, ولـم يخبر أنه فرق بـين القوم وبـين البحر, فـيكون التأويـل ما قاله قائلوا هذه الـمقالة, وفرقه البحر بـالقوم, إنـما هو تفريقه البحر بهم علـى ما وصفنا من افتراق سبـيـله بهم علـى ما جاءت به الاَثار.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأنْـجَيْناكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ.
  قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون, ونَـجّى بنـي إسرائيـل؟ قـيـل له: كما:
  638ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد, قال: لقد ذكر لـي أنه خرج فرعون فـي طلب موسى علـى سبعين ألفـا من دُهْم الـخيـل سوى ما فـي جنده من شُهْبِ الـخيـل وخرج موسى, حتـى إذا قابله البحر ولـم يكن له عنه منصرف, طلع فرعون فـي جنده من خـلفهم, فلـما تراءى الـجمعان قال أصحاب موسى إنّا لَـمُدْرَكُونَ قال موسى: كَلاّ إنّ مَعِي رَبـي سَيَهْدِينِ أي للنـجاة, وقد وعدنـي ذلك ولا خـلف لوعده.
  639ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, قال: أوحى الله إلـى البحر فـيـما ذكر إذا ضربك موسى بعصاه فـانفلقْ له, قال: فبـات البحر يضرب بعضه بعضا فَرَقا من الله وانتظار أمره, فأوحى الله جل وعزّ إلـى موسى: أنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فضربه بها وفـيها سلطان الله الذي أعطاه, فـانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـمِ أي كالـجبل علـى يبس من الأرض. يقول الله لـموسى: اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا فـي البَحْرِ يَبَسا لاَ تَـخافُ دَرَكا وَلا تَـخْشَى فلـما استقرّ له البحر علـى طريق قائمة يَبَسٍ سلك فـيه موسى ببنـي إسرائيـل, وأتبعه فرعون بجنوده.
 762وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد اللـيثـي, قال: حدثت أنه لـما دخـل بنو إسرائيـل البحر, فلـم يبق منهم أحد, أقبل فرعون وهو علـى حصان له من الـخيـل حتـى وقـف علـى شفـير البحر, وهو قائم علـى حاله, فهاب الـحصان أن ينفذه فعرض له جبريـل علـى فرس أنثى وَدِيق, فقرّبها منه فشمها الفحل, فلـما شمها قدّمها, فتقدم معها الـحصان علـيه فرعون, فلـما رأى جند فرعون فرعونَ قد دخـل دخـلوا معه وجبريـل أمامه, وهم يتبعون فرعون وميكائيـل علـى فرس من خـلف القوم يسوقهم, يقول: الـحقوا بصاحبكم. حتـى إذا فصل جبريـل من البحر لـيس أمامه أحد, ووقـف ميكائيـل علـى ناحيته الأخرى ولـيس خـلفه أحد, طبق علـيهم البحر, ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله عزّ وجلّ وقدرته ما رأى وعرف ذلته وخذلته نفسه: آمَنْتُ أنّهُ لاَ إلَهَ إِلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيـلَ وأنا مِنَ الـمُسْلِـمِينَ.
  640ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن أبـي إسحاق الهمدانـي, عن عمرو بن ميـمون الأودي فـي قوله: وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْـجَيْنَاكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ قال: لـما خرج موسى ببنـي إسرائيـل بلغ ذلك فرعون, فقال: لا تتبعوهم حتـى يصيح الديك. قال: فوالله ما صاح لـيـلتئذ ديك حتـى أصبحوا فدعا بشاة فذبحت, ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتـى يجتـمع إلـيّ ستـمائة ألف من القبط. فلـم يفرغ من كبدها حتـى اجتـمع إلـيه ستـمائة ألف من القبط. ثم سار, فلـما أتـى موسى البحر, قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟ قال: أمامك يشير إلـى البحر. فأقحم يوشك فرسه فـي البحر حتـى بلغ الغمر, فذهب به ثم رجع, فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت ففعل ذلك ثلاث مرات, ثم أوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى: أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْر فـانْفَلَقَ فَكانَ كُل فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـم يقول: مثل جبل. قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون فـي طريقهم, حتـى إذا تتاموا فـيه أطبقه الله علـيهم, فلذلك قال: وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ قال معمر: قال قتادة: كان مع موسى ستـمائة ألف, وأتبعه فرعون علـى ألف ألف ومائة ألف حصان.
  641ـ وحدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: أوحى الله جل وعز إلـى موسى أنْ أسْرِ بعِبـادِي لَـيْلاً إنّكُمْ مُتّبَعُونَ قال: فسرى موسى ببنـي إسرائيـل لـيلاً, فأتبعهم فرعون فـي ألف ألف حصان سوى الإناث وكان موسى فـي ستـمائة ألف, فلـما عاينهم فرعون قال: إنّ هؤلاءِ لِشَرْذِمَةٌ قَلِـيـلُونَ وإنّهُمْ لَنا لَغَائِظُونَ وإنّا لَـجَمِيعٌ حَذِرُونَ. فسرى موسى ببنـي إسرائيـل حتـى هجموا علـى البحر, فـالتفتوا فإذا هم برَهْج دوابّ فرعون فقالوا: يا موسى أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أنْ تأتِـيَنَا ومِن بعدِ ما جِئْتَنا هذا البحر أمامنا, وهذا فرعون قد رهقنا بـمن معه. قال عَسَى رَبّكُمْ أنْ يُهْلِكَ عَدُوّكُمْ وَيَسْتَـخْـلِفَكم فِـي الأرْضِ فَـيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البحر وأوحى إلـى البحر: أن اسمع لـموسى وأطع إذا ضربك. قال: فبـات البحر له أفكل يعنـي له رعدة لا يدرى من أيّ جوانبه يضربه, قال: فقال يوشع لـموسى: بـماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر. قال: فـاضربه قال: فضرب موسى البحر بعصاه, فـانفلق, فكان فـيه اثنا عشر طريقا, كل طريق كالطود العظيـم, فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فـيه. فلـما أخذوا فـي الطريق, قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لـموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم علـى طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتـى نراهم قال سفـيان, قال عمار الدهنـي: قال موسى: اللهمّ أعنـي علـى أخلاقهم السيئة. قال: فأوحى الله إلـيه: أن قل بعصاك هكذا وأومأ إبراهيـم بـيده يديرها علـى البحر قال موسى بعصاه علـى الـحيطان هكذا, فصار فـيها كُوًى ينظر بعضهم إلـى بعض, قال سفـيان: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس: فساروا حتـى خرجوا من البحر, فلـما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه, وكان فرعون علـى فرس أدهم ذَنُوب حصان. فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر, فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وَدِيق. فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها, وقـيـل لـموسى: اترك البحر رَهْوا قال: طرقا علـى حاله قال: ودخـل فرعون وقومه فـي البحر, فلـما دخـل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر علـى فرعون وقومه فأغرقوا.
  642ـ حدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: أن الله أمر موسى أن يخرج ببنـي إسرائيـل, فقال: أسْرِ بِعِبَـادِي لَـيْلاً إنّكُمْ مُتَبّعُونَ فخرج موسى وهارون فـي قومهما, وأُلقـي علـى القبط الـموت فمات كل بكر رجل. فأصبحوا يدفنونهم, فشغلوا عن طلبهم حتـى طلعت الشمس, فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فأتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِـينَ فكان موسى علـى ساقة بنـي إسرائيـل, وكان هارون أمامهم يقدُمُهم. فقال الـمؤمن لـموسى: يا نبـيّ الله, أين أمرت؟ قال: البحر. فأراد أن يقتـحم, فمنعه موسى. وخرج موسى فـي ستـمائة ألف وعشرين ألف مقاتل, لا يعدّون ابنَ العشرين لصغره ولا ابن الستـين لكبره, وإنـما عدوّا ما بـين ذلك سوى الذرية. وتبعهم فرعون وعلـى مقدمته هامان فـي ألف ألف وسبعمائة ألف حصان لـيس فـيها ما ذبـانه, يعنـي الأنثى وذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فأرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ إنّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِـيـلُونَ يعنـي بنـي إسرائيـل. فتقدم هارون, فضرب البحر, فأبى البحر أن ينفتـح, وقال: من هذا الـجبـار الذي يضربنـي؟ حتـى أتاه موسى, فكناه أبـا خالد وضربه فـانفلق فكانَ كلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـم يقول: كالـجبل العظيـم. فدخـلت بنو إسرائيـل. وكان فـي البحر اثنا عشر طريقا, فـي كل طريق سبط, وكانت الطرق انفلقت بجدران, فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا: فلـما رأى ذلك موسى, دعا الله, فجعلها لهم قناطر كهيئة الطّيقان. فنظر آخرهم إلـى أولهم, حتـى خرجوا جميعا. ثم دنا فرعون وأصحابه, فلـما نظر فرعون إلـى البحر منفلقا, قال: ألا ترون البحر فرق منـي قد انفتـح لـي حتـى أدرك أعدائي فأقتلهم؟ فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وأزْلَفْنا ثَمّ الاَخرِينَ يقول: قرّبنا ثم الاَخرين يعنـي آل فرعون. فلـما قام فرعون علـى أفواه الطرق أبت خيـله أن تقتـحم, فنزل جبريـل علـى ماذبـانه, فشامّ الـحصان ريح الـماذبـانه, فـاقتـحم فـي أثرها, حتـى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخـل آخرهم, أمر البحر أن يأخذهم, فـالتطم علـيهم.
  643ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما أخذ علـيهم فرعون الأرض إلـى البحر قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخـلون البحر إن كانوا صادقـين. فلـما رآهم أصحاب موسى, قالوا: إنّا لَـمُدْرَكُونَ قال كَلاّ إنّ مَعِي رَبـي سَيَهْدِينِ فقال موسى للبحر: ألست تعلـم أنـي رسول الله؟ قال: بلـى. قال: وتعلـم أن هؤلاء عبـاد من عبـاد الله أمرنـي أن آتـي بهم؟ قال: بلـى. قال: أتعلـم أن هذا عدوّ الله؟ قال: بلـى. قال: فـانفرقْ لـي طريقا ولـمن معي. قال: يا موسى, إنـما أنا عبد مـملوك لـيس لـي أمر إلا أن يأمرنـي الله تعالـى. فأوحى الله عزّ وجل إلـى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فـانفرق, وأوحى إلـى موسى أن يضرب البحر, وقرأ قول الله تعالـى: فـاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا فـي البَحْرِ يَبَسا لاَ تَـخافُ دَرَكا وَلا تَـخْشَى وقرأ قوله: وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوا سَهَلاً لـيس فـيه تعدّ. فـانفرق اثنتـي عشرة فرقة, فسلك كل سبط فـي طريق. قال: فقالوا لفرعون: إنهم قد دخـلوا البحر. قال: ادخـلوا علـيهم, قال: وجبريـل فـي آخر بنـي إسرائيـل يقول لهم: لـيـلـحق آخركم أولكم. وفـي أول آل فرعون, يقول لهم: رويدا يـلـحق آخركم أولكم. فجعل كل سبط فـي البحر يقولون للسبط الذين دخـلوا قبلهم: قد هلكوا. فلـما دخـل ذلك قلوبهم, أوحى الله جلّ وعزّ إلـى البحر, فجعل لهم قناطر ينظر هؤلاء إلـى هؤلاء, حتـى إذا خرج آخر هؤلاء ودخـل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق علـى هؤلاء.
  ويعنـي بقوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ أي تنظرون إلـى فَرْقِ الله لكم البحر وإهلاكه آل فرعون فـي الـموضع الذي نـجاكم فـيه, وإلـى عظيـم سلطانه فـي الذي أراكم من طاعة البحر إياه من مصيره رُكاما فَلِقا كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حدّه, انقـيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته, وهو سائل ذائب قبل ذلك. يوقـفهم بذلك جل ذكره علـى موضع حججه علـيهم, ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم, ويحذرهم فـي تكذيبهم نبـينا مـحمدا صلى الله عليه وسلم أن يحلّ بهم ما حلّ بفرعون وآله فـي تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.
  وقد زعم بعض أهل العربـية أن معنى قوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ كمعنى قول القائل: «ضُربت وأهلك ينظرون, فما أتوك ولا أعانوك» بـمعنى: وهم قريب بـمرأى ومسمع, وكقول الله تعالـى: ألَـمْ تَرَ إلـى رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظّلّ ولـيس هناك رؤية, إنـما هو علـم. والذي دعاه إلـى هذا التأويـل أنه وجه قوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ: أي وأنتـم تنظرون إلـى غرق فرعون. فقال: قد كانوا فـي شغل من أن ينظروا مـما اكتنفهم من البحر إلـى فرعون وغرقه. ولـيس التأويـل الذي تأوله تأويـل الكلام, إنـما التأويـل: وأنتـم تنظرون إلـى فرق الله البحر لكم علـى ما قد وصفنا آنفـا, والتطام أمواج البحر بآل فرعون فـي الـموضع الذي صير لكم فـي البحر طريقا يبسا, وذلك كان لا شك نظر عيان لا نظر علـم كما ظنه قائل هذا القول الذي حكينا قوله.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 49<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:  {وَإِذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ }<br />
   أما تأويـل قوله: وإذْ نَـجّيْناكُمْ فإنه عطف علـى قوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِـيَ فكأنه قال: اذكروا نعمتـي التـي أنعمت علـيكم, واذكروا إنعامنا علـيكم إذ نـجيناكم من آل فرعون بإنـجائنا لكم منهم.<br />
  وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه. وأصل «آل» أهل, أبدلت الهاء همزة, كما قالوا ماه, فأبدلوا الهاء همزة, فإذا صغروه قالوا مُوَيه, فردّوا الهاء فـي التصغير وأخرجوه علـى أصله. وكذلك إذا صغروا آل, قالوا: أهيـل. وقد حُكي سماعا من العرب فـي تصغير آل: أويـل. وقد يقال: فلان من آل النساء, يراد به أنه منهن خـلق, ويقال ذلك أيضا بـمعنى أنه يريدهنّ ويهواهن, كما قال الشاعر:<br />
 فإنّكَ مِنْ آلِ النّساءِ وَإِنّـمَايَكُنّ لأدْنى لا وِصَالَ لِغَائِبِ <br />
  وأحسن أماكن «آل» أن ينطق به مع الأسماء الـمشهورة, مثل قولهم: آل النبـي مـحمد صلى الله عليه وسلم وآل علـيّ, وآل عبـاس, وآل عقـيـل. وغير مستـحسن استعماله مع الـمـجهول, وفـي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك غير حسن عند أهل العلـم بلسان العرب أن يقال: رأيت آل الرجل, ورآنـي آل الـمرأة, ولا رأيت آل البصرة, وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول: رأيت آل مكة وآل الـمدينة, ولـيس ذلك فـي كلامهم بـالـمستعمل الفـاشي. وأما فرعون فإنه يقال: إنه اسم كانت ملوك العمالقة بـمصر تسمّى به, كما كانت ملوك الروم يُسمّي بعضهم قـيصر وبعضهم هرقل, وكما كانت ملوك فـارس تُسمى الأكاسرة واحدهم كسرى, وملوك الـيـمن تسمى التبـابعة واحدهم تبع. وأما فرعون موسى الذي أخبر الله تعالـى عن بنـي إسرائيـل أنه نـجاهم منه فإنه يقال: إن اسمه الولـيد بن مصعب بن الريان, وكذلك ذكر مـحمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.<br />
  622ـ حدثنا بذلك مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: أن اسمه الولـيد بن مصعب بن الريان.<br />
  وإنـما جاز أن يقال: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ والـخطاب به لـمن لـم يدرك فرعون ولا الـمنـجين منه, لأن الـمخاطبـين بذلك كانوا أبناء من نـجاهم من فرعون وقومه, فأضاف ما كان من نعمه علـى آبـائهم إلـيهم, وكذلك ما كان من كفران آبـائهم علـى وجه الإضافة, كما يقول القائل لاَخر: فعلنا بكم كذا, وفعلنا بكم كذا, وقتلناكم وسبـيناكم, والـمخبر إما أن يكون يعنـي قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان الـمقول له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لـم يدركه, كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية:<br />
 وَلَقَدْ سَمَا لَكُمْ الهُذَيْـلُ فنالَكُمْبإرَابَ حَيْثُ يُقْسَمّـمُ الأنْفـالا <br />
 فـي فَـيْـلَقٍ يَدْعو الأرَاقمَ لـمْ تكُنْفرْسَانُهُ عُزْلاً وَلا أكْفَـالا <br />
  ولـم يـلق جرير هذيلاً ولا أدركه, ولا أدرك إراب ولا شهده. ولكنه لـما كان يوما من أيام قوم الأخطل علـى قوم جرير, أضاف الـخطاب إلـيه وإلـى قومه, فكذلك خطاب الله عزّ وجلّ من خاطبه بقوله: وَإِذْ نَـجّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لـما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بـالآية وآبـائهم, أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبـائهم إلـى الـمخاطبـين بـالآية وقومهم.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَاب.<br />
  وفـي قوله: يَسُومُونَكُمْ وجهان من التأويـل, أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفـا عن فعل فرعون ببنـي إسرائيـل, فـيكون معناه حينئذٍ: واذكروا نعمتـي علـيكم إذ نـجّيتكم من آل فرعون, وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويـله كان موضع «يسومونكم» رفعا. والوجه الثانـي: أن يكون «يسومونكم» حالاً, فـيكون تأويـله حينئذٍ: وإذْ نـجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب, فـيكون حالاً من آل فرعون.<br />
  وأما تأويـل قوله: يَسُومُونَكُمْ فإنه يوردونكم, ويذيقونكم, ويُولونكم, يقال منه: سامه خطة ضيـم: إذا أولاه ذلك وأذاقه, كما قال الشاعر:<br />
 إنْ سِيـمَ خَسْفـا وَجْهُهُ تَرَبّدَا <br />
  فأما تأويـل قوله: سُوءَ العَذَابِ فإنه يعنـي: ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم: أشدّ العذاب ولو كان ذلك معناه لقـيـل: أسوأ العذاب.<br />
  فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم؟ قـيـل: هو ما وصفه الله تعالـى فـي كتابه فقال: يُذَبّحُونَ أبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ. وقد قال مـحمد بن إسحاق فـي ذلك ما:<br />
  623ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: أخبرنا ابن إسحاق, قال: كان فرعون يعذّب بنـي إسرائيـل فـيجعلهم خدما وخولاً, وصنّفهم فـي أعماله, فصنفٌ يبنون, وصنف يزرعون له, فهم فـي أعماله, ومن لـم يكن منهم فـي صنعة من عمله فعلـيه الـجزية, فسامهم كما قال الله عزّ وجل: سُوءَ العَذَابِ.<br />
  وقال السدي: جعلهم فـي الأعمال القذرة, وجعل يقتل أبناءهم, ويستـحيـي نساءهم.<br />
  624ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ.<br />
  قال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببنـي إسرائيـل من سَوْمهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستـحيائهم نساءهم دون فرعون, وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوّة فرعون وعن أمره, لـمبـاشرتهم ذلك بأنفسهم. فبـين بذلك أن كل مبـاشر قتل نفس أو تعذيب حيّ بنفسه وإن كان عن أمر غيره, ففـاعله الـمتولـي ذلك هو الـمستـحق إضافة ذلك إلـيه, وإن كان الاَمر قاهرا الفـاعل الـمأمور بذلك سلطانا كان الاَمر أو لصّا خاربـا أو متغلبـا ف.اجرا, كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياء نسائهم إلـى آل فرعون دون فرعون, وإن كانوا بقوّة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلـما فهو الـمقتول عندنا به قصاصا, وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له علـى قتله.<br />
  وأما تأويـل ذبحهم أبناء بنـي إسرائيـل, واستـحيائهم نساءهم, فإنه كان فـيـما ذكر لنا عن ابن عبـاس وغيره كالذي:<br />
  625ـ حدثنا به العبـاس بن الولـيد الاَملـي وتـميـم بن الـمنتصر الواسطي, قالا: حدثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: حدثنا القاسم بن أيوب, قال: حدثنا سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيـم خـلـيـله أن يجعل فـي ذرّيته أنبـياء وملوكا وائتـمروا, وأجمعوا أمرهم علـى أن يبعث رجالاً معهم الشّفـارَ, يطوفون فـي بنـي إسرائيـل, فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه, ففعلوا. فلـما رأوا أن الكبـار من بنـي إسرائيـل يـموتون بآجالهم, وأن الصغار يذبحون, قال: توشكون أن تُفنوا بنـي إسرائيـل فتصيروا إلـى أن تبـاشروا من الأعمال والـخدمة ما كانوا يكفونكم, فـاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقلّ أبناؤهم ودعوا عاما. فحملت أمّ موسى بهارون فـي العام الذي لا يذبح فـيه الغلـمان, فولدته علانـية أمه, حتـى إذا كان القابل حملت بـموسى.<br />
  626ـ وقد حدثنا عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد فـي هذه العام مولود يذهب بـملكك. قال: فجعل فرعون علـى كل ألف امرأة مائة رجل, وعلـى كل مائة عشرة, وعلـى كل عشرة رجلاً فقال: انظروا كل امرأة حامل فـي الـمدينة, فإذا وضعت حملها فـانظروا إلـيه, فإن كان ذكرا فـاذبحوه, وإن كان أنثى فخـلّوا عنها. وذلك قوله: يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ.<br />
  627ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَابِ قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بـمصر غلام يكون هلاكك علـى يديه. فبعث فـي أهل مصر نساء قوابل, فإذا ولدت امرأة غلاما أتـى به فرعون فقتله ويستـحيـي الـجواري.<br />
  628ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحق بن الـحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس فـي قوله: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية, قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, وإنه أتاه آت, فقال: إنه سينشأ فـي مصر غلام من بنـي إسرائيـل فـيظهر علـيك ويكون هلاكك علـى يديه. فبعث فـي مصر نساء. فذكر نـحو حديث آدم.<br />
  629ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر عن السدي, قال: كان من شأن فرعون أنه رأى فـي منامه أن نارا أقبلت من بـيت الـمقدس حتـى اشتـملت علـى بـيوت مصر, فأحرقت القبط وتركت بنـي إسرائيـل وأخربت بـيوت مصر, فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والـحازَة, فسألهم عن رؤياه, فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيـل منه يعنون بـيت الـمقدس رجل يكون علـى وجهه هلاك مصر. فأمر ببنـي إسرائيـل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مـملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخـلوهم, واجعلوا بنـي إسرائيـل يـلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بنـي إسرائيـل فـي أعمال غلـمانهم, وأدخـلوا غلـمانهم فذلك حين يقول الله تبـارك وتعالـى: إِنّ فِرْعَوْنَ عَلا فِـي الأرْضِ يقول: تـجبر فـي الأرض: وجعل أهلها شِيَعا, يعنـي بنـي إسرائيـل, حين جعلهم فـي الأعمال القذرة, يستضعفُ طائِفَةً منهم يُذَبّحُ أبْنَاءَهُمْ. فجعل لا يولد لبنـي إسرائيـل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير. وقذف الله فـي مشيخة بنـي إسرائيـل الـموت, فأسرع فـيهم. فدخـل رءوس القبط علـى فرعون, فكلـموه, فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فـيهم الـموت, فـيوشك أن يقع العمل علـى غلـماننا بذبح أبنائهم فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبـار, فلو أنك كنت تبقـي من أولادهم فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلـما كان فـي السنة التـي لا يذبحون فـيها ولد هارون, فترك فلـما كان فـي السنة التـي يذبحون فـيها حملت بـموسى.<br />
  630ـ حدثنا مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: ذكر لـي أنه لـما تقارب زمان موسى أتـى منـجمو فرعون وحُزَاتُه إلـيه, فقالوا له: تعلّـم أنا نـجد فـي علـمنا أن مولودا من بنـي إسرائيـل قد أظلك زمانه الذي يولد فـيه, يسلبك ملكك ويغلبك علـى سلطانك, ويخرجك من أرضك, ويبدّل دينك. فلـما قالوا له ذلك, أمر بقتل كل مولود يولد من بنـي إسرائيـل من الغلـمان, وأمر بـالنساء يستـحيـين. فجمع القوابل من نساء مـملكته, فقال لهن: لا يسقطن علـى أيديكن غلام من بنـي إسرائيـل إلا قتلتُنّه. فكنّ يفعلن ذلك, وكان يذبح من فوق ذلك من الغلـمان, ويأمر بـالـحبـالـى فـيعذّبن حتـى يطرحن ما فـي بطونهن.<br />
  631ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: لقد ذكر أنه كان لـيأمر بـالقصب فـيشقّ حتـى يجعل أمثال الشّفـار, ثم يصف بعضه إلـى بعض, ثم يؤتـي بـالـحبـالـى من بنـي إسرائيـل, فـيوقـفن علـيه فـيحزّ أقدامهن, حتـى إن الـمرأة منهن لتـمصَعُ بولدها فـيقع من بـين رجلـيها, فتظلّ تطؤه تتقـي به حدّ القصب عن رجلها لـما بلغ من جهدها. حتـى أسرف فـي ذلك وكاد يفنـيهم, فقـيـل له: أفنـيت الناس وقطعت النسل, وإنهم خَوَلُك وعمالك. فأمر أن يقتل الغلـمان عاما ويستـحيوا عاما. فولد هارون فـي السنة التـي يستـحيا فـيها الغلـمان, وولد موسى فـي السنة التـي فـيها يقتلون.<br />
  قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلـم كان ذبح آل فرعون أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياؤهم نساءهم, فتأويـل قوله إذا علـى ما تأوّله الذين ذكرنا قولهم: ويستـحيون نساءكم: يستبقونهن فلا يقتلونهن.<br />
  وقد يجب علـى تأويـل من قال بـالقول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس وأبـي العالـية والربـيع بن أنس والسدي فـي تأويـل قوله: ويَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ: أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن أن يكون جائزا أن تسمى الطفلة من الإناث فـي حال صبـاها وبعد ولادها امرأة, والصبـايا الصغار وهن أطفـال: نساء, لأنهم تأوّلوا قول الله جل وعزّ: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ: يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.<br />
  وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج, فقال بـما:<br />
  632ـ حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قال: يسترقّون نساءكم.<br />
  فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله فـي قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إنه استـحياء الصبـايا الأطفـال, قال: إذ لـم نـجدهن يـلزمهن اسم نساء. ثم دخـل فـيـما هو أعظم مـما أنكر بتأويـله «ويستـحيون» يسترقّون, وذلك تأويـل غير موجود فـي لغة عربـية ولا عجمية, وذلك أن الاستـحياء إنـما هو استفعالٌ من الـحياة نظير الاستبقاء من البقاء والاستسقاء من السقـي, وهو معنى من الاسترقاق بـمعزل.<br />
  وقد قال آخرون: قوله يُذَبّحونَ أبْناءَكُمْ بـمعنى يذبحون رجالكم آبـاء أبنائكم. وأنكروا أن يكون الـمذبوحون الأطفـال, وقد قرن بهم النساء. فقالوا: فـي إخبـار الله جل ثناؤه إن الـمستـحين هم النساء الدلالة الواضحة علـى أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبـيان, لأن الـمذبحين لو كانوا هم الأطفـال لوجب أن يكون الـمستـحيون هم الصبـايا. قالوا: وفـي إخبـار الله عزّ وجل أنهم النساء ما يبـين أن الـمذبحين هم الرجال. وقد أغفل قائلوا هذه الـمقالة مع خروجهم من تأويـل أهل التأويـل من الصحابة والتابعين موضع الصواب, وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلـى أمّ موسى أنه أمرها أن ترضع موسى, فإذا خافت علـيه أن تلقـيه فـي التابوت ثم تلقـيه فـي الـيـم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنـما يقتلون الرجال ويتركون النساء لـم يكن بأمّ موسى حاجة إلـى إلقاء موسى فـي الـيـمّ, أو لو أن موسى كان رجلاً لـم تـجعله أمه فـي التابوت ولكن ذلك عندنا علـى ما تأوّله ابن عبـاس ومن حكينا قوله قبل من ذبح آل فرعون الصبـيان وتركهم من القتل الصبـايا.<br />
  وإنـما قـيـل: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إذ كان الصبـايا داخلات مع أمهاتهن, وأمهاتهن لا شك نساء فـي الاستـحياء, لأنهم لـم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبـارهن, فقـيـل: وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ يعنـي بذلك الوالدات والـمولودات كما يقال: قد أقبل الرجال وإن كان فـيهم صبـيان, فكذلك قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ. وأما من الذكور فإنه لـما لـم يكن يذبح إلا الـمولودون قـيـل: يذبحون أبناءكم, ولـم يقل يذبحون رجالكم.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ منْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ.<br />
  أما قوله: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ فإنه يعنـي: وفـي الذي فعلنا بكم من إنـجائنا إياكم مـما كنتـم فـيه من عذاب آل فرعون إياكم علـى ما وصفت بلاء لكم من ربكم عظيـم. ويعنـي بقوله بلاء: نعمة. كما:<br />
  633ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة.<br />
  634ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي قوله: وفـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ أما البلاء: فـالنعمة.<br />
  635ـ وحدثنا سفـيان, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة من ربكم عظيـمة.<br />
   حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثل حديث سفـيان.<br />
  636ـ حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاح, عن ابن جريج: وَفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة عظيـمة.<br />
  وأصل البلاء فـي كلام العرب: الاختبـار والامتـحان, ثم يستعمل فـي الـخير والشرّ, لأن الامتـحان والاختبـار قد يكون بـالـخير كما يكون بـالشرّ, كما قال الله جل ثناؤه: وَبَلَوْناهُمْ بـالـحَسَناتِ وَالسّيّئات لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ يقول: اختبرناهم, وكما قال جل ذكره: وَنَبْلُوكُمْ بـالشّرّ والـخَيْرِ فِتْنَةً. ثم تسمي العرب الـخير بلاء والشرّ بلاء, غير أن الأكثر فـي الشرّ أن يقال: بلوته أبلوه بلاء, وفـي الـخير: أبلـيته أبلـيه إبلاءً وبلاءً ومن ذلك قول زهير بن أبـي سلـمى:<br />
 جَزَى اللّهُ بـالإحْسانِ ما فَعَلا بكُمْوأبلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الّذِي يَبْلُو <br />
  فجمع بـين اللغتـين لأنه أراد: فأنعم الله علـيهما خير النعم التـي يختبر بها عبـاده.<br />
الآية : 50<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }<br />
   أما تأويـل قوله: وَإذْ فَرَقْنا بكُمُ فإنه عطف علـى: وَإذْ نَـجّيْناكُمْ بـمعنى: واذكروا نعمتـي التـي أنعمت علـيكم, واذكروا إذ نـجيناكم من آل فرعون, وإذ فرقنا بكم البحر. ومعنى قوله: فَرَقْنا بِكُمْ: فصلنا بكم البحر, لأنهم كانوا اثنـي عشر سبطا, ففرق البحر اثنـي عشر طريقا, فسلك كل سبط منهم طريقا منها. فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر, وفصله بهم بتفريقهم فـي طريق الاثنـي عشر. كما:<br />
  637ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما أتـى موسى البحر كناه أبـا خالد, وضربه فـانفلق فكان كل فرق كالطود العظيـم, فدخـلت بنو إسرائيـل, وكان فـي البحر اثنا عشر طريقا فـي كل طريق سبط.<br />
  وقد قال بعض نـحويـي البصرة: معنى قوله: وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فرقنا بـينكم وبـين الـماء: يريد بذلك: فصلنا بـينكم وبـينه وحجزناه حيث مررتـم به. وذلك خلاف ما فـي ظاهر التلاوة لأن الله جل ثناؤه إنـما أخبر أنه فرق البحر بـالقوم, ولـم يخبر أنه فرق بـين القوم وبـين البحر, فـيكون التأويـل ما قاله قائلوا هذه الـمقالة, وفرقه البحر بـالقوم, إنـما هو تفريقه البحر بهم علـى ما وصفنا من افتراق سبـيـله بهم علـى ما جاءت به الاَثار.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأنْـجَيْناكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ.<br />
  قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون, ونَـجّى بنـي إسرائيـل؟ قـيـل له: كما:<br />
  638ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد, قال: لقد ذكر لـي أنه خرج فرعون فـي طلب موسى علـى سبعين ألفـا من دُهْم الـخيـل سوى ما فـي جنده من شُهْبِ الـخيـل وخرج موسى, حتـى إذا قابله البحر ولـم يكن له عنه منصرف, طلع فرعون فـي جنده من خـلفهم, فلـما تراءى الـجمعان قال أصحاب موسى إنّا لَـمُدْرَكُونَ قال موسى: كَلاّ إنّ مَعِي رَبـي سَيَهْدِينِ أي للنـجاة, وقد وعدنـي ذلك ولا خـلف لوعده.<br />
  639ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, قال: أوحى الله إلـى البحر فـيـما ذكر إذا ضربك موسى بعصاه فـانفلقْ له, قال: فبـات البحر يضرب بعضه بعضا فَرَقا من الله وانتظار أمره, فأوحى الله جل وعزّ إلـى موسى: أنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فضربه بها وفـيها سلطان الله الذي أعطاه, فـانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـمِ أي كالـجبل علـى يبس من الأرض. يقول الله لـموسى: اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا فـي البَحْرِ يَبَسا لاَ تَـخافُ دَرَكا وَلا تَـخْشَى فلـما استقرّ له البحر علـى طريق قائمة يَبَسٍ سلك فـيه موسى ببنـي إسرائيـل, وأتبعه فرعون بجنوده.<br />
 762وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد اللـيثـي, قال: حدثت أنه لـما دخـل بنو إسرائيـل البحر, فلـم يبق منهم أحد, أقبل فرعون وهو علـى حصان له من الـخيـل حتـى وقـف علـى شفـير البحر, وهو قائم علـى حاله, فهاب الـحصان أن ينفذه فعرض له جبريـل علـى فرس أنثى وَدِيق, فقرّبها منه فشمها الفحل, فلـما شمها قدّمها, فتقدم معها الـحصان علـيه فرعون, فلـما رأى جند فرعون فرعونَ قد دخـل دخـلوا معه وجبريـل أمامه, وهم يتبعون فرعون وميكائيـل علـى فرس من خـلف القوم يسوقهم, يقول: الـحقوا بصاحبكم. حتـى إذا فصل جبريـل من البحر لـيس أمامه أحد, ووقـف ميكائيـل علـى ناحيته الأخرى ولـيس خـلفه أحد, طبق علـيهم البحر, ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله عزّ وجلّ وقدرته ما رأى وعرف ذلته وخذلته نفسه: آمَنْتُ أنّهُ لاَ إلَهَ إِلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيـلَ وأنا مِنَ الـمُسْلِـمِينَ.<br />
  640ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن أبـي إسحاق الهمدانـي, عن عمرو بن ميـمون الأودي فـي قوله: وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْـجَيْنَاكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ قال: لـما خرج موسى ببنـي إسرائيـل بلغ ذلك فرعون, فقال: لا تتبعوهم حتـى يصيح الديك. قال: فوالله ما صاح لـيـلتئذ ديك حتـى أصبحوا فدعا بشاة فذبحت, ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتـى يجتـمع إلـيّ ستـمائة ألف من القبط. فلـم يفرغ من كبدها حتـى اجتـمع إلـيه ستـمائة ألف من القبط. ثم سار, فلـما أتـى موسى البحر, قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟ قال: أمامك يشير إلـى البحر. فأقحم يوشك فرسه فـي البحر حتـى بلغ الغمر, فذهب به ثم رجع, فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت ففعل ذلك ثلاث مرات, ثم أوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى: أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْر فـانْفَلَقَ فَكانَ كُل فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـم يقول: مثل جبل. قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون فـي طريقهم, حتـى إذا تتاموا فـيه أطبقه الله علـيهم, فلذلك قال: وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ قال معمر: قال قتادة: كان مع موسى ستـمائة ألف, وأتبعه فرعون علـى ألف ألف ومائة ألف حصان.<br />
  641ـ وحدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: أوحى الله جل وعز إلـى موسى أنْ أسْرِ بعِبـادِي لَـيْلاً إنّكُمْ مُتّبَعُونَ قال: فسرى موسى ببنـي إسرائيـل لـيلاً, فأتبعهم فرعون فـي ألف ألف حصان سوى الإناث وكان موسى فـي ستـمائة ألف, فلـما عاينهم فرعون قال: إنّ هؤلاءِ لِشَرْذِمَةٌ قَلِـيـلُونَ وإنّهُمْ لَنا لَغَائِظُونَ وإنّا لَـجَمِيعٌ حَذِرُونَ. فسرى موسى ببنـي إسرائيـل حتـى هجموا علـى البحر, فـالتفتوا فإذا هم برَهْج دوابّ فرعون فقالوا: يا موسى أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أنْ تأتِـيَنَا ومِن بعدِ ما جِئْتَنا هذا البحر أمامنا, وهذا فرعون قد رهقنا بـمن معه. قال عَسَى رَبّكُمْ أنْ يُهْلِكَ عَدُوّكُمْ وَيَسْتَـخْـلِفَكم فِـي الأرْضِ فَـيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البحر وأوحى إلـى البحر: أن اسمع لـموسى وأطع إذا ضربك. قال: فبـات البحر له أفكل يعنـي له رعدة لا يدرى من أيّ جوانبه يضربه, قال: فقال يوشع لـموسى: بـماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر. قال: فـاضربه قال: فضرب موسى البحر بعصاه, فـانفلق, فكان فـيه اثنا عشر طريقا, كل طريق كالطود العظيـم, فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فـيه. فلـما أخذوا فـي الطريق, قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لـموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم علـى طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتـى نراهم قال سفـيان, قال عمار الدهنـي: قال موسى: اللهمّ أعنـي علـى أخلاقهم السيئة. قال: فأوحى الله إلـيه: أن قل بعصاك هكذا وأومأ إبراهيـم بـيده يديرها علـى البحر قال موسى بعصاه علـى الـحيطان هكذا, فصار فـيها كُوًى ينظر بعضهم إلـى بعض, قال سفـيان: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس: فساروا حتـى خرجوا من البحر, فلـما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه, وكان فرعون علـى فرس أدهم ذَنُوب حصان. فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر, فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وَدِيق. فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها, وقـيـل لـموسى: اترك البحر رَهْوا قال: طرقا علـى حاله قال: ودخـل فرعون وقومه فـي البحر, فلـما دخـل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر علـى فرعون وقومه فأغرقوا.<br />
  642ـ حدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: أن الله أمر موسى أن يخرج ببنـي إسرائيـل, فقال: أسْرِ بِعِبَـادِي لَـيْلاً إنّكُمْ مُتَبّعُونَ فخرج موسى وهارون فـي قومهما, وأُلقـي علـى القبط الـموت فمات كل بكر رجل. فأصبحوا يدفنونهم, فشغلوا عن طلبهم حتـى طلعت الشمس, فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فأتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِـينَ فكان موسى علـى ساقة بنـي إسرائيـل, وكان هارون أمامهم يقدُمُهم. فقال الـمؤمن لـموسى: يا نبـيّ الله, أين أمرت؟ قال: البحر. فأراد أن يقتـحم, فمنعه موسى. وخرج موسى فـي ستـمائة ألف وعشرين ألف مقاتل, لا يعدّون ابنَ العشرين لصغره ولا ابن الستـين لكبره, وإنـما عدوّا ما بـين ذلك سوى الذرية. وتبعهم فرعون وعلـى مقدمته هامان فـي ألف ألف وسبعمائة ألف حصان لـيس فـيها ما ذبـانه, يعنـي الأنثى وذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فأرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ إنّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِـيـلُونَ يعنـي بنـي إسرائيـل. فتقدم هارون, فضرب البحر, فأبى البحر أن ينفتـح, وقال: من هذا الـجبـار الذي يضربنـي؟ حتـى أتاه موسى, فكناه أبـا خالد وضربه فـانفلق فكانَ كلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـم يقول: كالـجبل العظيـم. فدخـلت بنو إسرائيـل. وكان فـي البحر اثنا عشر طريقا, فـي كل طريق سبط, وكانت الطرق انفلقت بجدران, فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا: فلـما رأى ذلك موسى, دعا الله, فجعلها لهم قناطر كهيئة الطّيقان. فنظر آخرهم إلـى أولهم, حتـى خرجوا جميعا. ثم دنا فرعون وأصحابه, فلـما نظر فرعون إلـى البحر منفلقا, قال: ألا ترون البحر فرق منـي قد انفتـح لـي حتـى أدرك أعدائي فأقتلهم؟ فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وأزْلَفْنا ثَمّ الاَخرِينَ يقول: قرّبنا ثم الاَخرين يعنـي آل فرعون. فلـما قام فرعون علـى أفواه الطرق أبت خيـله أن تقتـحم, فنزل جبريـل علـى ماذبـانه, فشامّ الـحصان ريح الـماذبـانه, فـاقتـحم فـي أثرها, حتـى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخـل آخرهم, أمر البحر أن يأخذهم, فـالتطم علـيهم.<br />
  643ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما أخذ علـيهم فرعون الأرض إلـى البحر قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخـلون البحر إن كانوا صادقـين. فلـما رآهم أصحاب موسى, قالوا: إنّا لَـمُدْرَكُونَ قال كَلاّ إنّ مَعِي رَبـي سَيَهْدِينِ فقال موسى للبحر: ألست تعلـم أنـي رسول الله؟ قال: بلـى. قال: وتعلـم أن هؤلاء عبـاد من عبـاد الله أمرنـي أن آتـي بهم؟ قال: بلـى. قال: أتعلـم أن هذا عدوّ الله؟ قال: بلـى. قال: فـانفرقْ لـي طريقا ولـمن معي. قال: يا موسى, إنـما أنا عبد مـملوك لـيس لـي أمر إلا أن يأمرنـي الله تعالـى. فأوحى الله عزّ وجل إلـى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فـانفرق, وأوحى إلـى موسى أن يضرب البحر, وقرأ قول الله تعالـى: فـاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا فـي البَحْرِ يَبَسا لاَ تَـخافُ دَرَكا وَلا تَـخْشَى وقرأ قوله: وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوا سَهَلاً لـيس فـيه تعدّ. فـانفرق اثنتـي عشرة فرقة, فسلك كل سبط فـي طريق. قال: فقالوا لفرعون: إنهم قد دخـلوا البحر. قال: ادخـلوا علـيهم, قال: وجبريـل فـي آخر بنـي إسرائيـل يقول لهم: لـيـلـحق آخركم أولكم. وفـي أول آل فرعون, يقول لهم: رويدا يـلـحق آخركم أولكم. فجعل كل سبط فـي البحر يقولون للسبط الذين دخـلوا قبلهم: قد هلكوا. فلـما دخـل ذلك قلوبهم, أوحى الله جلّ وعزّ إلـى البحر, فجعل لهم قناطر ينظر هؤلاء إلـى هؤلاء, حتـى إذا خرج آخر هؤلاء ودخـل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق علـى هؤلاء.<br />
  ويعنـي بقوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ أي تنظرون إلـى فَرْقِ الله لكم البحر وإهلاكه آل فرعون فـي الـموضع الذي نـجاكم فـيه, وإلـى عظيـم سلطانه فـي الذي أراكم من طاعة البحر إياه من مصيره رُكاما فَلِقا كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حدّه, انقـيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته, وهو سائل ذائب قبل ذلك. يوقـفهم بذلك جل ذكره علـى موضع حججه علـيهم, ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم, ويحذرهم فـي تكذيبهم نبـينا مـحمدا صلى الله عليه وسلم أن يحلّ بهم ما حلّ بفرعون وآله فـي تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.<br />
  وقد زعم بعض أهل العربـية أن معنى قوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ كمعنى قول القائل: «ضُربت وأهلك ينظرون, فما أتوك ولا أعانوك» بـمعنى: وهم قريب بـمرأى ومسمع, وكقول الله تعالـى: ألَـمْ تَرَ إلـى رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظّلّ ولـيس هناك رؤية, إنـما هو علـم. والذي دعاه إلـى هذا التأويـل أنه وجه قوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ: أي وأنتـم تنظرون إلـى غرق فرعون. فقال: قد كانوا فـي شغل من أن ينظروا مـما اكتنفهم من البحر إلـى فرعون وغرقه. ولـيس التأويـل الذي تأوله تأويـل الكلام, إنـما التأويـل: وأنتـم تنظرون إلـى فرق الله البحر لكم علـى ما قد وصفنا آنفـا, والتطام أمواج البحر بآل فرعون فـي الـموضع الذي صير لكم فـي البحر طريقا يبسا, وذلك كان لا شك نظر عيان لا نظر علـم كما ظنه قائل هذا القول الذي حكينا قوله.<br />
</font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=225750</guid>
		</item>
		<item>
			<title>قراءة صوتية كاملة لتفسير الشيخ / عبدالرحمن السعدي ( رحمه الله )</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=225634&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Wed, 04 Nov 2009 08:01:51 GMT</pubDate>
			<description>السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 
 
 اليوم أقدم لكم قراءة صوتية كاملة لتفسير الشيخ / عبدالرحمن السعدي ( رحمه الله ) 
 
 و اتماما للفائدة أضع مع هذه القراءة للتفسير المكتبة الكاملة للشيخ / عبدالرحمن السعدى ( رحمه الله )
 
 أولا روابط تحميل المكتبة الشاملة للشيخ عبدالرحمن السعدي 
 وبها معظم مؤلفاته نفعنا الله جميعا بعلمه 
 
 ملف تنفيذي بصيغة exe
 maktabat_saady_exe_03.zip (http://www.mediafire.com/download.php?z2zjlytmomm)
 
 ملف بصيغة chm
 maktabat_saady_chm_03.zip (http://www.mediafire.com/download.php?ynzn2t21mzw)
 
 
 
 ثانيا روابط تحميل القراءة الصوتية لتفسير الشيخ / عبدالرحمن السعدي 
 Tafseer.Al_saedey.part01.rar (http://www.mediafire.com/download.php?tzyzmtzwngz)
 Tafseer.Al_saedey.part02.rar (http://www.mediafire.com/download.php?u2mn3zn2jog)
 Tafseer.Al_saedey.part03.rar (http://www.mediafire.com/download.php?1ygl1zmgjzn)
 Tafseer.Al_saedey.part04.rar (http://www.mediafire.com/download.php?mymyte4wzgy)
 Tafseer.Al_saedey.part05.rar (http://www.mediafire.com/download.php?egjmlo4y0mt)
 Tafseer.Al_saedey.part06.rar (http://www.mediafire.com/download.php?ynegm0mzdod)
 Tafseer.Al_saedey.part07.rar (http://www.mediafire.com/download.php?mmggmqnjau2)
 Tafseer.Al_saedey.part08.rar (http://www.mediafire.com/download.php?jnjq1wumjmm)
 Tafseer.Al_saedey.part09.rar (http://www.mediafire.com/download.php?5zmwmmxzzi2)
 Tafseer.Al_saedey.part10.rar (http://www.mediafire.com/download.php?vt2m4nmwynm)
 Tafseer.Al_saedey.part11.rar (http://www.mediafire.com/download.php?wmwiw2naynj)
 Tafseer.Al_saedey.part12.rar (http://www.mediafire.com/download.php?aotvkjmimzg)
 Tafseer.Al_saedey.part13.rar (http://www.mediafire.com/download.php?oz3tnywdegn)
 Tafseer.Al_saedey.part14.rar (http://www.mediafire.com/download.php?ggom4d2jd42)
 Tafseer.Al_saedey.part15.rar (http://www.mediafire.com/download.php?mk0zyiqoj53)
 Tafseer.Al_saedey.part16.rar (http://www.mediafire.com/download.php?m0zmtjtnnyt)
 Tafseer.Al_saedey.part17.rar (http://www.mediafire.com/download.php?txuitkwwzqm)
 
 نفعنا الله و اياكم بهذا التفسير الدقيق و الميسر 
 
  ونرجو تعميمه لانه قد يفيد اخواننا الذين يعتمدون على نعمة السمع فقط و كذلك غير القارئين للكتب</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div>السلام عليكم ورحمة الله و بركاته <br />
 <br />
 اليوم أقدم لكم قراءة صوتية كاملة لتفسير الشيخ / عبدالرحمن السعدي ( رحمه الله ) <br />
 <br />
 و اتماما للفائدة أضع مع هذه القراءة للتفسير المكتبة الكاملة للشيخ / عبدالرحمن السعدى ( رحمه الله )<br />
 <br />
 أولا روابط تحميل المكتبة الشاملة للشيخ عبدالرحمن السعدي <br />
 وبها معظم مؤلفاته نفعنا الله جميعا بعلمه <br />
 <br />
 ملف تنفيذي بصيغة exe<br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?z2zjlytmomm" target="_blank">maktabat_saady_exe_03.zip</a><br />
 <br />
 ملف بصيغة chm<br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?ynzn2t21mzw" target="_blank">maktabat_saady_chm_03.zip</a><br />
 <br />
 <br />
 <br />
 ثانيا روابط تحميل القراءة الصوتية لتفسير الشيخ / عبدالرحمن السعدي <br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?tzyzmtzwngz" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part01.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?u2mn3zn2jog" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part02.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?1ygl1zmgjzn" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part03.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?mymyte4wzgy" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part04.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?egjmlo4y0mt" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part05.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?ynegm0mzdod" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part06.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?mmggmqnjau2" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part07.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?jnjq1wumjmm" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part08.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?5zmwmmxzzi2" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part09.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?vt2m4nmwynm" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part10.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?wmwiw2naynj" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part11.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?aotvkjmimzg" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part12.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?oz3tnywdegn" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part13.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?ggom4d2jd42" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part14.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?mk0zyiqoj53" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part15.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?m0zmtjtnnyt" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part16.rar</a><br />
 <a href="http://www.mediafire.com/download.php?txuitkwwzqm" target="_blank">Tafseer.Al_saedey.part17.rar</a><br />
 <br />
 نفعنا الله و اياكم بهذا التفسير الدقيق و الميسر <br />
 <br />
  ونرجو تعميمه لانه قد يفيد اخواننا الذين يعتمدون على نعمة السمع فقط و كذلك غير القارئين للكتب</div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>طريق الله</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=225634</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير سورة البقرة ايه 43 -44-45-46-47-48</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=224613&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Thu, 29 Oct 2009 20:13:22 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 43
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:  {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ }
   قال أبو جعفر: ذكر أن أحبـار الـيهود والـمنافقـين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه فأمرهم الله بإقام الصلاة مع الـمسلـمين الـمصدّقـين بـمـحمد وبـما جاء به, وإيتاء زكاة أموالهم معهم وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا كما:
  579ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن قتادة فـي قوله: وأقـيـمُوا الصّلاةَ وآتُوا الزّكاةَ قال: فريضتان واجبتان, فأدّوهما إلـى الله. وقد بـينا معنى إقامة الصلاة فـيـما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادته.
  أما إيتاء الزكاة: فهو أداء الصدقة الـمفروضة وأصل الزكاة: نـماء الـمال وتثميره وزيادته. ومن ذلك قـيـل: زكا الزرع: إذا كثر ما أخرج الله منه وزكت النفقة: إذا كثرت. وقـيـل: زكا الفرد, إذا صار زوجا بزيادة الزائد علـيه حتـى صار به شفعا, كما قال الشاعر:
 كانُوا خَسا أوْ زَكا مِنْ دُونِ أرْبَعَةٍلَـم يَخْـلَقُوا وَجُدُودُ النّاسُ تَعْتَلِـجُ 
  وقال آخر:
 فَلا خَسا عَدِيدُهُ ولا زَكاكمَا شِرارُ البَقْلِ أطْرافُ السّفَـا 
  قال أبو جعفر: السفـا: شوك البهمي, والبهمي: الذي يكون مدوّرا فـي السّلاّء. يعنـي بقوله: «ولا زكا» لـم يصيرهم شفعا من وتر بحدوثه فـيهم.
  وإنـما قـيـل للزكاة زكاة وهي مال يخرج من مال لتثمير الله بإخراجها مـما أخرجت منه ما بقـي عند ربّ الـمال من ماله. وقد يحتـمل أن تكون سميت زكاة لأنها تطهير لـما بقـي من مال الرجل, وتـخـلـيص له من أن تكون فـيه مظلـمة لأهل السهمان, كما قال جل ثناؤه مخبرا عن نبـيه موسى صلوات الله علـيه: أقَتَلْتَ نَفْسا زَكِيّةً يعنـي بريئة من الذنوب طاهرة, وكما يقال للرجل: هو عدل زكىّ لذلك الـمعنى.
  وهذا الوجه أعجب إلـيّ فـي تأويـل زكاة الـمال من الوجه الأوّل, وإن كان الأوّل مقبولاً فـي تأويـلها. وإيتاؤها: إعطاؤها أهلها.
  وأما تأويـل الركوع: فهو الـخضوع لله بـالطاعة, يقال منه: ركع فلان لكذا وكذا: إذا خضع له, ومنه قول الشاعر:
 بِـيعَتْ بِكَسْرٍ لتَـيْـمٍ واسْتَغَاثَ بهامِنَ الهُزَالِ أبُوها بَعْدَمَا رَكَعا 
  يعنـي: بعد ما خضع من شدّة الـجهد والـحاجة. وهذا أمر من الله جل ثناؤه لـمن ذكر من أحبـار بنـي إسرائيـل ومنافقـيها بـالإنابة والتوبة إلـيه, وبإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, والدخول مع الـمسلـمين فـي الإسلام, والـخضوع له بـالطاعة. ونهيٌ منه لهم عن كتـمان ما قد علـموه من نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم بعد تظاهر حججه علـيهم بـما قد وصفنا قبل فـيـما مضى من كتابنا هذا, وبعد الإعذار إلـيهم والإنذار, وبعد تذكيرهم نعمه إلـيهم وإلـى أسلافهم تعطفـا منه بذلك علـيهم وإبلاغا إلـيهم فـي الـمعذرة.
الآية : 44
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
 {أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
   قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي معنى البرّ الذي كان الـمخاطبون بهذه الآية يأمرون الناس به وينسون أنفسهم, بعد إجماع جميعهم علـى أن كل طاعة لله فهي تسمى برّا. فروي عن ابن عبـاس ما:
  580ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ أي تنهون الناس عن الكفر بـما عندكم من النبوّة والعهد من التوراة, وتتركون أنفسكم: أي وأنتـم تكفرون بـما فـيها من عهدي إلـيكم فـي تصديق رسولـي, وتنقضون ميثاقـي, وتـجحدون ما تعلـمون من كتابـي.
  581ـ وحدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ يقول: أتأمرون الناس بـالدخول فـي دين مـحمد صلى الله عليه وسلم, وغير ذلك مـما أمرتـم به من إقام الصلاة وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ.
  وقال آخرون بـما:
  582ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبِرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ قال: كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه.
  583ـ وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن قتادة فـي قوله: أتأمُرُونَ النّاسَ بـالبِرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ قال: كان بنو إسرائيـل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبـالبرّ ويخالفون, فعيّرهم الله.
  584ـ وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا الـحجاج, قال: قال ابن جريج: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ أهل الكتاب والـمنافقون كانوا يأمرون الناس بـالصوم والصلاة, ويدعون العمل بـما يأمرون به الناس, فعيّرهم الله بذلك, فمن أمر بخير فلـيكن أشدّ الناس فـيه مسارعة.
  وقال آخرون بـما:
  585ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: هؤلاء الـيهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما لـيس فـيه حق ولا رشوة ولا شيء, أمروه بـالـحقّ, فقال الله لهم: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ.
  586ـ وحدثنـي علـيّ بن الـحسن, قال: حدثنا مسلـم الـحرمي, قال: حدثنا مخـلد بن الـحسين, عن أيوب السختـيانـي, عن أبـي قلابة فـي قول الله: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبِرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ قال: قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتـى يـمقت الناس فـي ذات الله ثم يرجع إلـى نفسه فـيكون لها أشدّ مَقْتا.
  قال أبو جعفر: وجميع الذي قال فـي تأويـل هذه الآية من ذكرنا قوله متقارب الـمعنى لأنهم وإن اختلفوا فـي صفة البرّ الذي كان القوم يأمرون به غيرهم الذين وصفهم الله بـما وصفهم به, فهم متفقون فـي أنهم كانوا يأمرون الناس بـما لله فـيه رضا من القول أو العمل, ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلـى غيره بأفعالهم.
  فـالتأويـل الذي يدلّ علـى صحته ظاهر التلاوة إذا: أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه, فهلا تأمرونها بـما تأمرون به الناس من طاعة ربكم معيرهم بذلك ومقبحا إلـيهم ما أتوا به. ومعنى نسيانهم أنفسهم فـي هذا الـموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ بـمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: تَتْلُونَ: تدرسون وتقرءون. كما:
  587ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك عن ابن عبـاس: وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ يقول: تدرسون الكتاب بذلك. ويعنـي بـالكتاب: التوراة.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أفَلا تَعْقِلُونَ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: أفَلا تَعْقِلُونَ: أفلا تفقهون وتفهمون قبح ما تأتون من معصيتكم ربكم التـي تأمرون الناس بخلافها وتنهونهم عن ركوبها وأنتـم راكبوها, وأنتـم تعلـمون أن الذي علـيكم من حقّ الله وطاعته فـي اتبـاع مـحمد والإيـمان به وبـما جاء به مثل الذي علـى من تأمرونه بـاتبـاعه. كما:
  588ـ حدثنا به مـحمد بن العلاء, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: أفَلا تَعْقلُونَ يقول: أفلا تفهمون فنهاهم عن هذا الـخـلق القبـيح.
  وهذا يدل علـى صحة ما قلنا من أمر أحبـار يهود بنـي إسرائيـل غيرهم بـاتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم, وأنهم كانوا يقولون هو مبعوث إلـى غيرنا كما ذكرنا قبل.
الآية : 45
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
 {وَاسْتَعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ: استعينوا علـى الوفـاء بعهدي الذي عاهدتـمونـي فـي كتابكم من طاعتـي واتبـاع أمري, وترك ما تهوونه من الرياسة وحبّ الدنـيا إلـى ما تكرهونه من التسلـيـم لأمري, واتبـاع رسولـي مـحمد صلى الله عليه وسلم بـالصبر علـيه والصلاة.
  وقد قـيـل: إن معنى الصبر فـي هذا الـموضع: الصوم, والصومُ بعض معانـي الصبر عندنا. بل تأويـل ذلك عندنا: أن الله تعالـى ذكره أمرهم بـالصبر علـى ما كرهته نفوسهم من طاعة الله, وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس مـحابّها وكفّها عن هواها ولذلك قـيـل للصابر علـى الـمصيبة: صابر, لكفه نفسه عن الـجزع وقـيـل لشهر رمضان: شهر الصبر, لصبر صائمه عن الـمطاعم والـمشارب نهارا, وصبرُه إياهم عن ذلك: حبسه لهم, وكفه إياهم عنه, كما يصبر الرجل الـمسيء للقتل فتـحبسه علـيه حتـى تقتله. ولذلك قـيـل: قتل فلان فلانا صبرا, يعنـي به حبسه علـيه حتـى قتله, فـالـمقتول مصبور, والقاتل صابر. وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فـيـما مضى.
  فإن قال لنا قائل: قد علـمنا معنى الأمر بـالاستعانة بـالصبر علـى الوفـاء بـالعهد والـمـحافظة علـى الطاعة, فما معنى الأمر بـالاستعانة بـالصلاة علـى طاعة الله, وترك معاصيه, والتعرّي عن الرياسة, وترك الدنـيا؟ قـيـل: إن الصلاة فـيها تلاوة كتاب الله, الداعية آياته إلـى رفض الدنـيا وهجر نعيـمها, الـمسلـية النفوس عن زينتها وغرورها, الـمذكرة الاَخرة وما أعدّ الله فـيها لأهلها. ففـي الاعتبـار بها الـمعونة لأهل طاعة الله علـى الـجدّ فـيها, كما رُوي عن نبـينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حَزَ به أمر فزع إلـى الصلاة.
  589ـ حدثنـي بذلك إسماعيـل بن موسى الفزاري, قال: حدثنا الـحسين بن رتاق الهمدانـي, عن ابن جرير, عن عكرمة بن عمار, عن مـحمد بن عبـيد بن أبـي قدامة, عن عبد العزيز بن الـيـمان, عن حذيفة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذا حز به أمر فزع إلـى الصلاة».
   وحدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار, قال: حدثنا خـلف بن الولـيد الأزدي, قال: حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار, عن مـحمد بن عبد الله الدولـي, قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة, قال حذيفة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَ به أمر صلـى». وكذلك رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبـا هريرة منبطحا علـى بطنه فقال له: «اشكنب دَرْد»؟ قال: نعم, قال: «قُمْ فَصَلّ فَـانّ فِـي الصّلاَةِ شفـاءً». فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبـار بنـي إسرائيـل أن يجعلوا مفزعهم فـي الوفـاء بعهد الله الذي عاهدوه إلـى الاستعانة بـالصبر والصلاة كما أمر نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال له: فـاصْبرْ يا مـحمد علـى ما يَقُولُونَ وَسبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللّـيْـلِ فَسَبّحْ وأطْرَافَ النّهارِ لَعَلّك تَرْضَى فأمره جل ثناؤه فـي نوائبه بـالفزع إلـى الصبر والصلاة.
  590ـ وقد حدثنا مـحمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيـم قالا: حدثنا ابن علـية, قال: حدثنا عيـينة بن عبد الرحمن عن أبـيه: أن ابن عبـاس نعى إلـيه أخوه قثم وهو فـي سفر, فـاسترجع ثم تنـحى عن الطريق, فأناخ فصلـى ركعتـين أطال فـيهما الـجلوس, ثم قام يـمشي إلـى راحلته وهو يقول: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاة وإنّها لَكَبِـيرَةٌ إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ.
  وأما أبو العالـية فإنه كان يقول بـما:
  591ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاةِ قال يقول: استعينوا بـالصبر والصلاة علـى مرضاة الله, واعلـموا أنهما من طاعة الله.
  وقال ابن جريج بـما:
  592ـ حدثنا به القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج فـي قوله: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاَةِ قال: إنهما معونتان علـى رحمة الله.
  593ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: وَاسْتَعينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاَةِ الآية, قال: قال الـمشركون: والله يا مـحمد إنك لتدعونا إلـى أمر كبـير, قال: إلـى الصلاة والإيـمان بـالله.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وإنّها لَكَبِـيرَةٌ إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ.
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: وإنّها وإن الصلاة, فـالهاء والألف فـي «وإنها» عائدتان علـى «الصلاة». وقد قال بعضهم: إن قوله: وإنها بـمعنى: إن إجابة مـحمد صلى الله عليه وسلم, ولـم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكرٌ فتـجعل الهاء والألف كناية عنه, وغير جائز ترك الظاهر الـمفهوم من الكلام إلـى بـاطن لا دلالة علـى صحته. ويعنـي بقوله: لَكَبِـيرةٌ: لشديدة ثقـيـلة. كما:
  594ـ حدثنـي يحيى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا ابن يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك, فـي قوله: وإنها لَكَبِـيرَةٌ إلا علـى الـخاشِعِينَ قال: إنها لثقـيـلة.
  ويعنـي بقوله: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ: إلا علـى الـخاضعين لطاعته, الـخائفـين سطواته, الـمصدّقـين بوعده ووعيده. كما:
  595ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ يعنـي الـمصدّقـين بـما أنزل الله.
  596ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ قال: يعنـي الـخائفـين.
  597ـ وحدثنـي مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفـيان, عن جابر, عن مـجاهد: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ قال: الـمؤمنـين حقّا.
   وحدثنـي الـمثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
  598ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الـخشوع: الـخوف والـخشية لله. وقرأ قول الله: خاشِعينَ منَ الذّلّ قال: قد أذلهم الـخوف الذي نزل بهم, وخشعوا له.
  وأصل «الـخشوع»: التواضع والتذلل والاستكانة, ومنه قول الشاعر:
 لَـمّا أتـى خَبَرُ الزّبَـيْرِ تَوَاضَعَتْسُورُ الـمَدِينَةِ وَالـجِبَـالُ الـخُشّعُ 
  يعنـي والـجبـال خشع متذللة لعظم الـمصيبة بفقده.
  فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبـار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم علـى طاعة الله, وكفها عن معاصي الله, وبإقامة الصلاة الـمانعة من الفحشاء والـمنكر, الـمقرّ به من مراضي الله, العظيـمة إقامتها إلا علـى الـمتواضعين لله الـمستكينـين لطاعته الـمتذللـين من مخافته.
الآية : 46
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:  {الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاَقُو رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }
   قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بـالـخشوع له بـالطاعة أنه يظنّ أنه ملاقـيه, والظنّ: شكّ, والشاكّ فـي لقاء الله عندك بـالله كافر؟ قـيـل له: إن العرب قد تسمي الـيقـين ظنا, والشك ظنا, نظير تسميتهم الظلـمة سُدْفة والضياء سُدْفة, والـمغيث صارخا, والـمستغيث صارخا, وما أشبه ذلك من الأسماء التـي تسمي بها الشيء وضدّه. ومـما يدل علـى أنه يسمى به الـيقـين قول دُريد بن الصمة:
 فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنّوا بإِلْفَـيْ مُدَجّجٍسَرَاتُهُمُ فـي الفـارِسيّ الـمُسَرّدِ 
  يعنـي بذلك: تـيقنوا ألفـي مدجج تأتـيكم. وقول عَميرة بن طارق:
 بِأنْ تَغْتَزُوا قَوْمي وأقْعُدُ فِـيكُمُوأجْعَلَ مِنّـي غَيْبـا مُرَجّمَا 
  يعنـي: وأجعل منـي الـيقـين غيبـا مرجما. والشواهد من أشعار العرب وكلامها علـى أن الظنّ فـي معنى الـيقـين أكثر من أن تـحصى, وفـيـما ذكرنا لـمن وُفّق لفهمه كفـاية.
  ومنه قول الله جل ثناؤه: ورأى الـمُـجْرِمُونَ النّارَ فَظَنّوا أنّهُمْ مُواقِعوها. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك جاء تفسير الـمفسرين.
  599ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: يظّنونَ أنّهُمْ مُلاقُوا رَبّهمْ قال: إن الظنّ ههنا يقـين.
  600ـ وحدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفـيان, عن جابر, عن مـجاهد, قال: كل ظنّ فـي القرآن يقـين, إنـي ظننت وظنوا.
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا أبو داود الـحفري, عن سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: كل ظنّ فـي القرآن فهو علـم.
  601ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: الّذين يظنّون أنّهم مُلاقوا ربّهم أما يظنون فـيستـيقنون.
  602ـ وحدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج: الّذين يظنّونَ أنّهم مُلاقُوا ربّهم علـموا أنهم ملاقوا ربهم, هي كقوله: إنّـي ظَنَنْتُ أنـي مُلاقٍ حِسابِـيَه يقول علـمت.
  603ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: الّذِينَ يَظُنون أنَهُمْ مُلاقُوا رَبّهِمْ قال: لأنهم لـم يعاينوا, فكان ظنهم يقـينا, ولـيس ظنا فـي شك. وقرأ: إنّـي ظَنَنْتُ أنّـي مُلاقٍ حسابـيَهْ.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أنّهّمْ مُلاقُوا رَبّهِمْ.
  قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قـيـل إنهم ملاقوا ربهم فأضيف الـملاقون إلـى الربّ جل ثناؤه وقد علـمت أن معناه: الذين يظنون أنهم يـلقون ربهم؟ وإذا كان الـمعنى كذلك, فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبـات النون, وإنـما تسقط النون وتُضيف فـي الأسماء الـمبنـية من الأفعال إذا كانت بـمعنى فعل, فأما إذا كانت بـمعنى يفعل وفـاعل, فشأنها إثبـات النون, وترك الإضافة قـيـل: لا تَدَافُعَ بـين جميع أهل الـمعرفة بلغات العرب وألسنها فـي إجازة إضافة الاسم الـمبنـي من فعل ويفعل, وإسقاط النون وهو بـمعنى يفعل وفـاعل, أعنـي بـمعنى الاستقبـال وحالِ الفعل ولـما ينقض, فلا وجه لـمسألة السائل عن ذلك: لـم قـيـل؟
  وإنـما اختلف أهل العربـية فـي السبب الذي من أجله أضيف وأسقطت النون.
  فقال نـحويو البصرة: أسقطت النون من: مُلاقوا رَبّهمْ وما أشبهه من الأفعال التـي فـي لفظ الأسماء وهي فـي معنى يفعل وفـي معنى ما لـم ينقض استثقالاً لها, وهي مرادة كما قال جل ثناؤه: كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الـمَوْتِ وكما قال: إنّا مُرْسِلُوا النّاقَة فِتْنَةً لَهُمْ ولـما يرسلها بعد وكما قال الشاعر:
 هَلْ أَنْتَ بـاعِثُ دِينارٍ لِـحاجَتِناأوْ عَبْدَ رَبَ أخا عَوْنِ بْنِ مخْرَاقِ 
  فأضاف بـاعثا إلـى الدينار, ولـما يبعث, ونصب عبد ربّ عطفـا علـى موضع دينار لأنه فـي موضع نصب وإن خفض. وكما قال الاَخر:
 الـحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لايَأتـيهِمُ مِنْ وَرَائِهِمْ نَطَفُ 
  بنصب العورة وخفضها. فـالـخفض علـى الإضافة, والنصب علـى حذف النون استثقالاً, وهي مرادة. وهذا قول نـحويـي البصرة.
  وأما نـحويو الكوفة فإنهم قالوا: جائز فـي مُلاقُوا الإضافة, وهي فـي معنى يـلقون, وإسقاط النون منه لأنه فـي لفظ الأسماء, فله فـي الإضافة إلـى الأسماء حظّ الأسماء, وكذلك حكم كل اسم له كان نظيرا. قالوا: وإذا أثبت فـي شيء من ذلك النون وتركت الإضافة, فإنـما تفعل ذلك به لأن له معنى يفعل الذي لـم يكن ولـم يجب بعد. قالوا: فـالإضافة فـيه للفظ, وترك الإضافة للـمعنى.
  فتأويـل الآية إذا: واستعينوا علـى الوفـاء بعهدي بـالصبر علـيه والصلاة, وإن الصلاة لكبـيرة إلا علـى الـخائفـين عقابـي, الـمتواضعين لأمري, الـموقنـين بلقائي والرجوع إلـيّ بعد مـماتهم.
  وإنـما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبـيرة إلا علـى من هذه صفته لأن من كان غير موقن بـمعاد ولا مصدّق بـمرجع ولا ثواب ولا عقاب, فـالصلاة عنده عناء وضلال, لأنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفع ضرّ, وحقّ لـمن كانت هذه الصفة صفته أن تكون الصلاة علـيه كبـيرة, وإقامتها علـيه ثقـيـلة, وله فـادحة.
  وإنـما خفت علـى الـمؤمنـين الـمصدّقـين بلقاء الله, الراجين علـيها جزيـل ثوابه, الـخائفـين بتضيـيعها ألـيـم عقابه, لـما يرجون بإقامتها فـي معادهم من الوصول إلـى ما وعد الله علـيها أهلها, ولـما يحذرون بتضيـيعها ما أوعد مضيعها. فأمر الله جل ثناؤه أحبـار بنـي إسرائيـل الذين خاطبهم بهذه الاَيات أن يكونوا من مقـيـميها الراجين ثوابها إذا كانوا أهل يقـين بأنهم إلـى الله راجعون وإياه فـي القـيامة ملاقون.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ.
  قال أبو جعفر: والهاء والـميـم اللتان فـي قوله: وأنّهُمْ من ذكر الـخاشعين, والهاء فـي «إلـيه» من ذكر الربّ تعالـى ذكره فـي قوله: مُلاقُوا رَبّهِمْ فتأويـل الكلـمة: وإنها لكبـيرة إلا علـى الـخاشعين الـموقنـين أنهم إلـى ربهم راجعون.
  ثم اختلف فـي تأويـل الرجوع الذي فـي قوله: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ. فقال بعضهم بـما:
  604ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ قال: يستـيقنون أنهم يرجعون إلـيه يوم القـيامة.
  وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إلـيه يرجعون بـموتهم.
  وأولـى التأويـلـين بـالآية القول الذي قاله أبو العالـية لأن الله تعالـى ذكره, قال فـي الآية التـي قبلها كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِـاللّهِ وكُنْتُـمْ أمْوَاتا فأحْياكُمْ ثُمّ يُـمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْيِـيكُمْ ثُمّ إِلَـيْهِ تُرْجَعُونَ فأخبر الله جل ثناؤه أنَ مرجعهم إلـيه بعد نشرهم وإحيائهم من مـماتهم, وذلك لا شك يوم القـيامة, فكذلك تأويـل قوله: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ.
الآية : 47
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِي الّتِيَ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّي فَضّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }
   قال أبو جعفر: وتأويـل ذلك فـي هذه الآية نظير تأويـله فـي التـي قبلها فـي قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِـي الّتِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ وأوْفُوا بعَهْدِي وقد ذكرته هنالك.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ علـى العَالـمِينَ.
  قال أبو جعفر: وهذا أيضا مـما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم. ويعنـي بقوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلـى العَالَـمِينَ: أنـي فضلت أسلافكم, فنسب نعمه علـى آبـائهم وأسلافهم إلـى أنها نعم منه علـيهم, إذ كانت مآثر الاَبـاء مآثر للأبناء, والنعم عند الاَبـاء نعما عند الأبناء, لكون الأبناء من الاَبـاء, وأخرج جلّ ذكره قوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ علـى العَالَـمِينَ مخرج العموم, وهو يريد به خصوصا لأن الـمعنى: وإنـي فضلتكم علـى عالـم من كنتـم بـين ظهريه وفـي زمانه. كالذي:
  605ـ حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى الصنعانـي, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, عن معمر, وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلـى العَالَـمِينَ قال: فضلهم علـى عالـم ذلك الزمان.
  606ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ قال: بـما أعطوا من الـملك والرسل والكتب علـى عالـم من كان فـي ذلك الزمان, فإن لكل زمان عالـما.
  607ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مـجاهد فـي قوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.
   وحدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.
  608ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألت ابن زيد عن قول الله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ قال: عالـم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَـى عِلْـمٍ عَلـى العَالَـمِينَ قال: هذه لـمن أطاعه واتبع أمره, وقد كان فـيهم القردة وهم أبغض خـلقه إلـيه, وقال لهذه الأمة: كُنْتُـمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ للنّاسِ قال: هذه لـمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب مـحارمه.
  قال أبو جعفر: والدلـيـل علـى صحة ما قلنا من أن تأويـل ذلك علـى الـخصوص الذي وصفنا ما:
  609ـ حدثنـي به يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر جميعا, عن بهز بن حكيـم, عن أبـيه, عن جده. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنّكُمْ وَفّـيْتُـمْ سَبْعِين أُمّةً» قال يعقوب فـي حديثه: «أنتـم آخرها». وقال الـحسن: «أنتـم خيرها وأكرمها علـى الله». فقد أنبأ هذا الـخبر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن بنـي إسرائيـل لـم يكونوا مفضلـين علـى أمة مـحمد علـيه الصلاة والسلام, وأن معنى قوله: وَفَضّلْناهُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ وقوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلـى العَالَـمِينَ علـى ما بـينا من تأويـله. وقد أتـينا علـى بـيان تأويـل قوله: العَالَـمِينَ بـما فـيه الكفـاية فـي غير هذا الـموضع, فأغنى ذلك عن إعادته.
الآية : 48
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ }
   قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: وَاتّقُوا يَوْما لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفَسٍ شَيْئا: واتقوا يوما لا تـجزى فـيه نفس عن نفس شيئا. وجائز أيضا أن يكون تأويـله: واتقوا يوما لا تـجزيه نفس عن نفس شيئا, كما قال الراجز:
 قَدْ صَبّحَتْ صَبّحَها السّلامُبِكَبِدٍ خالَطَها سَنَامُ 
 فِـي ساعَةٍ يُحَبّها الطّعامُ 
  وهو يعنـي: يحبّ فـيها الطعام, فحذفت الهاء الراجعة علـى «الـيوم», إذ فـيه اجتزاء بـما ظهر من قوله: وَاتّقُوا يَوْما لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ الدال علـى الـمـحذوف منه عما حذف, إذ كان معلوما معناه.
  وقد زعم قوم من أهل العربـية أنه لا يجوز أن يكون الـمـحذوف فـي هذا الـموضع إلا الهاء.
  وقال آخرون: لا يجوز أن يكون الـمـحذوف إلا «فـيه». وقد دللنا فـيـما مضى علـى جواز حذف كل ما دل الظاهر علـيه.
  وأما الـمعنى فـي قوله: وَاتّقُوا يَوْما لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا فإنه تـحذير من الله تعالـى ذكره عبـاده الذين خاطبهم بهذه الآية عقوبته أن تـحلّ بهم يوم القـيامة, وهو الـيوم الذي لا تـجزي فـيه نفس عن نفس شيئا, ولا يجزي فـيه والد عن ولده, ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.
  وأما تأويـل قوله: لا تَـجْزِي نَفْسٌ فإنه يعنـي: لا تغنـي. كما:
  610ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: وَاتّقُوا يَوْما لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ أما تـجزي: فتغنـي.
  وأصل الـجزاء فـي كلام العرب: القضاء والتعويض, يقال: جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء, بـمعنى: قضيته دينه, ومن ذلك قـيـل: جزى الله فلانا عنـي خيرا أو شرّا, بـمعنى: أثابه عنـي وقضاه عنـي ما لزمنـي له بفعله الذي سلف منه إلـيّ. وقد قال قوم من أهل العلـم بلغة العرب: يقال: أجزيت عنه كذا: إذا أعنته علـيه, وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته. وقال آخرون منهم: بل جزيت عنك: قضيت عنك, وأجزيت: كفـيت. وقال آخرون منهم: بل هما بـمعنى واحد, يقال: جزت عنك شاة وأجزت, وجزى عنك درهم وأجزى, ولا تَـجْزي عنك شاة ولا تُـجْزي بـمعنى واحد, إلا أنهم ذكروا أن جزت عنك ولا تُـجزي عنك من لغة أهل الـحجاز, وأن أجزأ وتُـجزىء من لغة غيرهم. وزعموا أن تـميـما خاصة من بـين قبـائل العرب تقول: أجزأت عنك شاة, وهي تُـجزىء عنك. وزعم آخرون أن جَزَى بلا همز: قضى, وأجزأ بـالهمز: كافأ. فمعنى الكلام إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغنـي عنها غِنًى.
  فإن قال لنا قائل: وما معنى: لا تقضي نفس عن نفس, ولا تغنـي عنها غنى؟ قـيـل: هو أن أحدنا الـيوم ربـما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه وأما فـي الاَخرة فإنه فـيـما أتتنا به الأخبـار عنها يسرّ الرجل أن يبرد له علـى ولده أو والده حقّ, وذلك أن قضاء الـحقوق فـي القـيامة من الـحسنات والسيئات. كما:
  611ـ حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأودي, قال: حدثنا الـمـحاربـي, عن أبـي خالد الدولابـي يزيد بن عبد الرحمن, عن زيد بن أبـي أنـيسة, عن سعيد بن أبـي سعيد الـمقبري, عن أبـي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللّهُ عَبْدا كَانَتْ عِنْدَهُ لأخِيهِ مَظْلَـمَةٌ فِـي عِرْضٍ» قال أبو بكر فـي حديثه: «أوْ مالٍ أوْ جاهٍ, فـاسْتَـحَلّهُ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَلَـيْسَ ثَمّ دِينارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فإنْ كانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِنْ حَسَناتِهِ, وَإِنْ لَـمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ حَمَلُوا عَلَـيْهِ مِنْ سَيئَاتِهِمْ».
   حدثنا أبو عثمان الـمقدمي, قال: حدثنا القروي, قال: حدثنا مالك, عن الـمقبري, عن أبـيه, عن أبـي هريرة, عن النبـي صلى الله عليه وسلم بنـحوه.
   حدثنا خلاد بن أسلـم, قال: حدثنا أبو همام الأهوازي, قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد, عن سعيد عن أبـي هريرة, عن النبـي صلى الله عليه وسلم بنـحوه.
  612ـ حدثنا موسى بن سهل الرملـي, قال: حدثنا نعيـم بن حماد, قال: حدثنا عبد العزيز الدراوردي, عن عمرو بن أبـي عمرو, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «لا يَـمُوتَنّ أحَدُكُمْ وَعَلَـيْهِ دَيْنٌ, فَإنّهُ لَـيْسَ هُنَاكَ دِينارٌ وَلا دِرْهَمٌ, إنّـمَا يَقْتَسِمُونَ هنَالِكَ الـحَسَناتِ وَالسّيّئاتِ» وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيده يـمينا وشمالاً.
  613ـ حدثنـي مـحمد بن إسحاق, قال: قال: حدثنا سالـم بن قادم, قال: حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى, قال: أخبرنـي الـحارث بن مسلـم, عن الزهري, عن أنس بن مالك, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو حديث أبـي هريرة.
  قال أبو جعفر: فذلك معنى قوله جل ثناؤه: لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا يعنـي أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها لأن القضاء هنالك من الـحسنات والسيئات علـى ما وصفنا. وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسرّه أن يثبت له علـى ولده أو والده حقّ, فـيأخذه منه ولا يُتـجافـى له عنه؟.
  وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن معنى قوله: لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا: لا تـجزي منها أن تكون مكانها. وهذا قول يشهد ظاهر القرآن علـى فساده, وذلك أنه غير معقول فـي كلام العرب أن يقول القائل: ما أغنـيت عنـي شيئا, بـمعنى: ما أغنـيت منـي أن تكون مكانـي, بل إذا أرادوا الـخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء, قالوا: لا يجزي هذا من هذا, ولا يستـجيزون أن يقولوا: لا يجزي هذا من هذا شيئا.
  فلو كان تأويـل قوله: لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا ما قاله من حكينا قوله لقال: وَاتقُوا يَوْما لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ كما يقال: لا تـجزي نفس من نفس, ولـم يقل لا تـجزي نفس عن نفس شيئا: وفـي صحة التنزيـل بقوله: لا تـجزي نفس عن نفس شيئا أوضح الدلالة علـى صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله فـي ذلك.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ.
  قال أبو جعفر: والشفـاعة مصدر من قول الرجل: شفع لـي فلان إلـى فلان شفـاعة, وهو طلبه إلـيه فـي قضاء حاجته. وإنـما قـيـل للشفـيع شفـيع وشافع لأنه ثنّى الـمستشفع به, فصار له شَفْعا, فكان ذو الـحاجة قبل استشفـاعه به فـي حاجته فردا, فصار صاحبه له فـيها شافعا, وطلبُه فـيه وفـي حاجته شفـاعة ولذلك سمي الشفـيع فـي الدار وفـي الأرض شفـيعا لـمصير البـائع به شفعا.
  فتأويـل الآية إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره, ولا يقبل الله منها شفـاعة شافع, فـيترك لها ما لزمها من حق. وقـيـل: إن الله عزّ وجلّ خاطب أهل هذه الآية بـما خاطبهم به فـيها لأنهم كانوا من يهود بنـي إسرائيـل, وكانوا يقولون: نـحن أبناء الله وأحبـاؤه وأولاد أنبـيائه, وسيشفع لنا عنده آبـاؤنا. فأخبرهم الله جل وعزّ أن نفسا لا تـجزي عن نفس شيئا فـي القـيامة, ولا يقبل منها شفـاعة أحد فـيها حتـى يُستوفـى لكل ذي حقّ منها حقه. كما:
  614ـ حدثنـي عبـاس بن أبـي طالب, قال: حدثنا حجاج بن نصير, عن شعبة, عن العوام بن مزاحم رجل من قـيس بن ثعلبة, عن أبـي عثمان النهدي, عن عثمان بن عفـان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنّ الـجَمّاءَ لَتَقْتَصّ مِنَ القَرْناءِ يَوْمَ القِـيَامَةِ, كَما قَالَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ وَنَضَعُ الـمَوَازِينَ القِسْطَ لِـيَوْمِ القِـيَامَةِ فَلا تُظْلَـمُ نَفْسٌ شَيْئا الآية...».
  فآيسهم الله جل ذكره مـما كانوا أطمعوا فـيه أنفسهم من النـجاة من عذاب الله مع تكذيبهم بـما عرفوا من الـحقّ وخلافهم أمر الله فـي اتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده بشفـاعة آبـائهم وغيرهم من الناس كلهم, وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إلـيه من كفرهم والإنابة من ضلالهم, وجعل ما سنّ فـيهم من ذلك إماما لكل من كان علـى مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلـحاد فـي رحمة الله.
  وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما فـي التلاوة, فإن الـمراد بها خاص فـي التأويـل لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شَفَـاعَتِـي لأَهْلِ الكَبَـائِرِ مِنْ أُمّتـي» وأنه قال: «لَـيْسَ مِنْ نبِـيّ إِلاّ وَقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً, وَإِنّـي خَبَأتُ دَعْوَتِـي شَفَـاعَةً لامّتـي, وَهِيَ نائلَةٌ إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنْهُمْ مَنْ لا يُشْرِكُ بـاللّهِ شَيْئا». فقد تبـين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعبـاده الـمؤمنـين بشفـاعة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثـير من عقوبة إجرامهم بـينه وبـينهم, وأن قوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ إنـما هي لـمن مات علـى كفره غير تائب إلـى الله عزّ وجلّ. ولـيس هذا من مواضع الإطالة فـي القول فـي الشفـاعة والوعد والوعيد, فنستقصي الـحِجَاجَ فـي ذلك, وسنأتـي علـى ما فـيه الكفـاية فـي مواضعه إن شاء الله تعالـى.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ.
  قال أبو جعفر: والعدل فـي كلام العرب بفتـح العين: الفدية. كما:
  615ـ حدثنا به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قال: يعنـي فداء.
  616ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر عن السدي: وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ أما عدل فـيعدلها من العدل, يقول: لو جاءت بـملء الأرض ذهبـا تفتدي به ما تقبل منها.
  617ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن قتادة فـي قوله: ولا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ قال: لو جاءت بكل شيء لـم يقبل منها.
  618ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا حسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مـجاهد: قال ابن عبـاس: وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قال: بدل, والبدل: الفدية.
  619ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قال: لو أن لها ملء الأرض ذهبـا لـم يقبل منها فداء قال: ولو جاءت بكل شيء لـم يقبل منها.
  620ـ وحدثنـي نـجيح بن إبراهيـم, قال: حدثنا علـيّ بن حكيـم, قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن أبـيه, عن عمرو بن قـيس الـملائي, عن رجل من بنـي أمية من أهل الشام أحسن علـيه الثناء, قال: قـيـل يا رسول الله ما العدل؟ قال: «العَدْلُ: الفِدْيَةُ».
  وإنـما قـيـل للفدية من الشيء والبدل منه عدل, لـمعادلته إياه وهو من غير جنسه ومصيره له مثلاً من وجه الـجزاء, لا من وجه الـمشابهة فـي الصورة والـخـلقة, كما قال جل ثناؤه: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا بـمعنى: وإن تفد كل فدية لا يؤخذ منها, يقال منه: هذا عَدْله وعَدِيـله. وأما العِدْل بكسر العين, فهو مثل الـحمل الـمـحمول علـى الظهر, يقال من ذلك: عندي غلام عِدْل غلامك, وشاة عِدْل شاتك بكسر العين, إذا كان غلام يعدل غلاما, وشاة تعدل شاة, وكذلك ذلك فـي كل مثل للشيء من جنسه. فإذا أريد أن عنده قـيـمته من غير جنسه نصبت العين فقـيـل: عندي عَدْل شاتك من الدراهم. وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من العِدْل الذي هو بـمعنى الفدية لـمعادلة ما عادله من جهة الـجزاء, وذلك لتقارب معنى العَدْل والعِدْل عندهم, فأما واحد الأعدال فلـم يسمع فـيه إلا عِدْل بكسر العين.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.
  وتأويـل قوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعنـي أنهم يومئذٍ لا ينصرهم ناصر, كما لا يشفع لهم شافع, ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بطلت هنالك الـمـحابـاة واضمـحلت الرّشَا والشفـاعات, وارتفع بـين القوم التعاون والتناصر, وصار الـحكم إلـى العدل الـجبـار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء, فـيجزي بـالسيئة مثلها وبـالـحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: وَقِـفُوهُمْ إنّهُمْ مَسْؤولُونَ مَا لَكْمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الـيَوْمَ مُسْتَسْلِـمُونَ. وكان ابن عبـاس يقول فـي معنى: لا تَنَاصَرُونَ ما:
  621ـ حدثت به عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: ما لَكُمْ لاَ تَناصَرُونَ ما لكم لا تُـمَانعون منا؟ هيهات لـيس ذلك لكم الـيوم
  وقد قال بعضهم فـي معنى قوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: ولـيس لهم من الله يومئذٍ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. وقد قـيـل: ولا هم ينصرون بـالطلب فـيهم والشفـاعة والفدية.
  قال أبو جعفر: والقول الأول أولـى بتأويـل الآية لـما وصفنا من الله جل ثناؤه إنـما أعلـم الـمخاطبـين بهذه الآية أن يوم القـيامة يوم لا فدية لـمن استـحقّ من خـلقه عقوبته, ولا شفـاعة فـيه, ولا ناصر له. وذلك أن ذلك قد كان لهم فـي الدنـيا, فأخبر أن ذلك يوم القـيامة معدوم لا سبـيـل لهم إلـيه.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 43<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:  {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ }<br />
   قال أبو جعفر: ذكر أن أحبـار الـيهود والـمنافقـين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه فأمرهم الله بإقام الصلاة مع الـمسلـمين الـمصدّقـين بـمـحمد وبـما جاء به, وإيتاء زكاة أموالهم معهم وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا كما:<br />
  579ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن قتادة فـي قوله: وأقـيـمُوا الصّلاةَ وآتُوا الزّكاةَ قال: فريضتان واجبتان, فأدّوهما إلـى الله. وقد بـينا معنى إقامة الصلاة فـيـما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادته.<br />
  أما إيتاء الزكاة: فهو أداء الصدقة الـمفروضة وأصل الزكاة: نـماء الـمال وتثميره وزيادته. ومن ذلك قـيـل: زكا الزرع: إذا كثر ما أخرج الله منه وزكت النفقة: إذا كثرت. وقـيـل: زكا الفرد, إذا صار زوجا بزيادة الزائد علـيه حتـى صار به شفعا, كما قال الشاعر:<br />
 كانُوا خَسا أوْ زَكا مِنْ دُونِ أرْبَعَةٍلَـم يَخْـلَقُوا وَجُدُودُ النّاسُ تَعْتَلِـجُ <br />
  وقال آخر:<br />
 فَلا خَسا عَدِيدُهُ ولا زَكاكمَا شِرارُ البَقْلِ أطْرافُ السّفَـا <br />
  قال أبو جعفر: السفـا: شوك البهمي, والبهمي: الذي يكون مدوّرا فـي السّلاّء. يعنـي بقوله: «ولا زكا» لـم يصيرهم شفعا من وتر بحدوثه فـيهم.<br />
  وإنـما قـيـل للزكاة زكاة وهي مال يخرج من مال لتثمير الله بإخراجها مـما أخرجت منه ما بقـي عند ربّ الـمال من ماله. وقد يحتـمل أن تكون سميت زكاة لأنها تطهير لـما بقـي من مال الرجل, وتـخـلـيص له من أن تكون فـيه مظلـمة لأهل السهمان, كما قال جل ثناؤه مخبرا عن نبـيه موسى صلوات الله علـيه: أقَتَلْتَ نَفْسا زَكِيّةً يعنـي بريئة من الذنوب طاهرة, وكما يقال للرجل: هو عدل زكىّ لذلك الـمعنى.<br />
  وهذا الوجه أعجب إلـيّ فـي تأويـل زكاة الـمال من الوجه الأوّل, وإن كان الأوّل مقبولاً فـي تأويـلها. وإيتاؤها: إعطاؤها أهلها.<br />
  وأما تأويـل الركوع: فهو الـخضوع لله بـالطاعة, يقال منه: ركع فلان لكذا وكذا: إذا خضع له, ومنه قول الشاعر:<br />
 بِـيعَتْ بِكَسْرٍ لتَـيْـمٍ واسْتَغَاثَ بهامِنَ الهُزَالِ أبُوها بَعْدَمَا رَكَعا <br />
  يعنـي: بعد ما خضع من شدّة الـجهد والـحاجة. وهذا أمر من الله جل ثناؤه لـمن ذكر من أحبـار بنـي إسرائيـل ومنافقـيها بـالإنابة والتوبة إلـيه, وبإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, والدخول مع الـمسلـمين فـي الإسلام, والـخضوع له بـالطاعة. ونهيٌ منه لهم عن كتـمان ما قد علـموه من نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم بعد تظاهر حججه علـيهم بـما قد وصفنا قبل فـيـما مضى من كتابنا هذا, وبعد الإعذار إلـيهم والإنذار, وبعد تذكيرهم نعمه إلـيهم وإلـى أسلافهم تعطفـا منه بذلك علـيهم وإبلاغا إلـيهم فـي الـمعذرة.<br />
الآية : 44<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
 {أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }<br />
   قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي معنى البرّ الذي كان الـمخاطبون بهذه الآية يأمرون الناس به وينسون أنفسهم, بعد إجماع جميعهم علـى أن كل طاعة لله فهي تسمى برّا. فروي عن ابن عبـاس ما:<br />
  580ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ أي تنهون الناس عن الكفر بـما عندكم من النبوّة والعهد من التوراة, وتتركون أنفسكم: أي وأنتـم تكفرون بـما فـيها من عهدي إلـيكم فـي تصديق رسولـي, وتنقضون ميثاقـي, وتـجحدون ما تعلـمون من كتابـي.<br />
  581ـ وحدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ يقول: أتأمرون الناس بـالدخول فـي دين مـحمد صلى الله عليه وسلم, وغير ذلك مـما أمرتـم به من إقام الصلاة وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ.<br />
  وقال آخرون بـما:<br />
  582ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنـي عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبِرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ قال: كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه.<br />
  583ـ وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن قتادة فـي قوله: أتأمُرُونَ النّاسَ بـالبِرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ قال: كان بنو إسرائيـل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبـالبرّ ويخالفون, فعيّرهم الله.<br />
  584ـ وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا الـحجاج, قال: قال ابن جريج: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ أهل الكتاب والـمنافقون كانوا يأمرون الناس بـالصوم والصلاة, ويدعون العمل بـما يأمرون به الناس, فعيّرهم الله بذلك, فمن أمر بخير فلـيكن أشدّ الناس فـيه مسارعة.<br />
  وقال آخرون بـما:<br />
  585ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: هؤلاء الـيهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما لـيس فـيه حق ولا رشوة ولا شيء, أمروه بـالـحقّ, فقال الله لهم: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ.<br />
  586ـ وحدثنـي علـيّ بن الـحسن, قال: حدثنا مسلـم الـحرمي, قال: حدثنا مخـلد بن الـحسين, عن أيوب السختـيانـي, عن أبـي قلابة فـي قول الله: أتأْمُرُونَ النّاسَ بـالبِرّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ قال: قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتـى يـمقت الناس فـي ذات الله ثم يرجع إلـى نفسه فـيكون لها أشدّ مَقْتا.<br />
  قال أبو جعفر: وجميع الذي قال فـي تأويـل هذه الآية من ذكرنا قوله متقارب الـمعنى لأنهم وإن اختلفوا فـي صفة البرّ الذي كان القوم يأمرون به غيرهم الذين وصفهم الله بـما وصفهم به, فهم متفقون فـي أنهم كانوا يأمرون الناس بـما لله فـيه رضا من القول أو العمل, ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلـى غيره بأفعالهم.<br />
  فـالتأويـل الذي يدلّ علـى صحته ظاهر التلاوة إذا: أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه, فهلا تأمرونها بـما تأمرون به الناس من طاعة ربكم معيرهم بذلك ومقبحا إلـيهم ما أتوا به. ومعنى نسيانهم أنفسهم فـي هذا الـموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ بـمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: تَتْلُونَ: تدرسون وتقرءون. كما:<br />
  587ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك عن ابن عبـاس: وأنْتُـمْ تَتْلُونَ الكِتابَ يقول: تدرسون الكتاب بذلك. ويعنـي بـالكتاب: التوراة.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أفَلا تَعْقِلُونَ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: أفَلا تَعْقِلُونَ: أفلا تفقهون وتفهمون قبح ما تأتون من معصيتكم ربكم التـي تأمرون الناس بخلافها وتنهونهم عن ركوبها وأنتـم راكبوها, وأنتـم تعلـمون أن الذي علـيكم من حقّ الله وطاعته فـي اتبـاع مـحمد والإيـمان به وبـما جاء به مثل الذي علـى من تأمرونه بـاتبـاعه. كما:<br />
  588ـ حدثنا به مـحمد بن العلاء, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: أفَلا تَعْقلُونَ يقول: أفلا تفهمون فنهاهم عن هذا الـخـلق القبـيح.<br />
  وهذا يدل علـى صحة ما قلنا من أمر أحبـار يهود بنـي إسرائيـل غيرهم بـاتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم, وأنهم كانوا يقولون هو مبعوث إلـى غيرنا كما ذكرنا قبل.<br />
الآية : 45<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
 {وَاسْتَعِينُواْ بِالصّبْرِ وَالصّلاَةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }<br />
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ: استعينوا علـى الوفـاء بعهدي الذي عاهدتـمونـي فـي كتابكم من طاعتـي واتبـاع أمري, وترك ما تهوونه من الرياسة وحبّ الدنـيا إلـى ما تكرهونه من التسلـيـم لأمري, واتبـاع رسولـي مـحمد صلى الله عليه وسلم بـالصبر علـيه والصلاة.<br />
  وقد قـيـل: إن معنى الصبر فـي هذا الـموضع: الصوم, والصومُ بعض معانـي الصبر عندنا. بل تأويـل ذلك عندنا: أن الله تعالـى ذكره أمرهم بـالصبر علـى ما كرهته نفوسهم من طاعة الله, وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس مـحابّها وكفّها عن هواها ولذلك قـيـل للصابر علـى الـمصيبة: صابر, لكفه نفسه عن الـجزع وقـيـل لشهر رمضان: شهر الصبر, لصبر صائمه عن الـمطاعم والـمشارب نهارا, وصبرُه إياهم عن ذلك: حبسه لهم, وكفه إياهم عنه, كما يصبر الرجل الـمسيء للقتل فتـحبسه علـيه حتـى تقتله. ولذلك قـيـل: قتل فلان فلانا صبرا, يعنـي به حبسه علـيه حتـى قتله, فـالـمقتول مصبور, والقاتل صابر. وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فـيـما مضى.<br />
  فإن قال لنا قائل: قد علـمنا معنى الأمر بـالاستعانة بـالصبر علـى الوفـاء بـالعهد والـمـحافظة علـى الطاعة, فما معنى الأمر بـالاستعانة بـالصلاة علـى طاعة الله, وترك معاصيه, والتعرّي عن الرياسة, وترك الدنـيا؟ قـيـل: إن الصلاة فـيها تلاوة كتاب الله, الداعية آياته إلـى رفض الدنـيا وهجر نعيـمها, الـمسلـية النفوس عن زينتها وغرورها, الـمذكرة الاَخرة وما أعدّ الله فـيها لأهلها. ففـي الاعتبـار بها الـمعونة لأهل طاعة الله علـى الـجدّ فـيها, كما رُوي عن نبـينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حَزَ به أمر فزع إلـى الصلاة.<br />
  589ـ حدثنـي بذلك إسماعيـل بن موسى الفزاري, قال: حدثنا الـحسين بن رتاق الهمدانـي, عن ابن جرير, عن عكرمة بن عمار, عن مـحمد بن عبـيد بن أبـي قدامة, عن عبد العزيز بن الـيـمان, عن حذيفة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذا حز به أمر فزع إلـى الصلاة».<br />
   وحدثنـي سلـيـمان بن عبد الـجبـار, قال: حدثنا خـلف بن الولـيد الأزدي, قال: حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار, عن مـحمد بن عبد الله الدولـي, قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة, قال حذيفة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَ به أمر صلـى». وكذلك رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبـا هريرة منبطحا علـى بطنه فقال له: «اشكنب دَرْد»؟ قال: نعم, قال: «قُمْ فَصَلّ فَـانّ فِـي الصّلاَةِ شفـاءً». فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبـار بنـي إسرائيـل أن يجعلوا مفزعهم فـي الوفـاء بعهد الله الذي عاهدوه إلـى الاستعانة بـالصبر والصلاة كما أمر نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال له: فـاصْبرْ يا مـحمد علـى ما يَقُولُونَ وَسبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللّـيْـلِ فَسَبّحْ وأطْرَافَ النّهارِ لَعَلّك تَرْضَى فأمره جل ثناؤه فـي نوائبه بـالفزع إلـى الصبر والصلاة.<br />
  590ـ وقد حدثنا مـحمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيـم قالا: حدثنا ابن علـية, قال: حدثنا عيـينة بن عبد الرحمن عن أبـيه: أن ابن عبـاس نعى إلـيه أخوه قثم وهو فـي سفر, فـاسترجع ثم تنـحى عن الطريق, فأناخ فصلـى ركعتـين أطال فـيهما الـجلوس, ثم قام يـمشي إلـى راحلته وهو يقول: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاة وإنّها لَكَبِـيرَةٌ إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ.<br />
  وأما أبو العالـية فإنه كان يقول بـما:<br />
  591ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاةِ قال يقول: استعينوا بـالصبر والصلاة علـى مرضاة الله, واعلـموا أنهما من طاعة الله.<br />
  وقال ابن جريج بـما:<br />
  592ـ حدثنا به القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج فـي قوله: وَاسْتَعِينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاَةِ قال: إنهما معونتان علـى رحمة الله.<br />
  593ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: وَاسْتَعينُوا بـالصّبْرِ وَالصّلاَةِ الآية, قال: قال الـمشركون: والله يا مـحمد إنك لتدعونا إلـى أمر كبـير, قال: إلـى الصلاة والإيـمان بـالله.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وإنّها لَكَبِـيرَةٌ إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ.<br />
  قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: وإنّها وإن الصلاة, فـالهاء والألف فـي «وإنها» عائدتان علـى «الصلاة». وقد قال بعضهم: إن قوله: وإنها بـمعنى: إن إجابة مـحمد صلى الله عليه وسلم, ولـم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكرٌ فتـجعل الهاء والألف كناية عنه, وغير جائز ترك الظاهر الـمفهوم من الكلام إلـى بـاطن لا دلالة علـى صحته. ويعنـي بقوله: لَكَبِـيرةٌ: لشديدة ثقـيـلة. كما:<br />
  594ـ حدثنـي يحيى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا ابن يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك, فـي قوله: وإنها لَكَبِـيرَةٌ إلا علـى الـخاشِعِينَ قال: إنها لثقـيـلة.<br />
  ويعنـي بقوله: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ: إلا علـى الـخاضعين لطاعته, الـخائفـين سطواته, الـمصدّقـين بوعده ووعيده. كما:<br />
  595ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ يعنـي الـمصدّقـين بـما أنزل الله.<br />
  596ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ قال: يعنـي الـخائفـين.<br />
  597ـ وحدثنـي مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفـيان, عن جابر, عن مـجاهد: إِلاّ علـى الـخاشِعِينَ قال: الـمؤمنـين حقّا.<br />
   وحدثنـي الـمثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.<br />
  598ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الـخشوع: الـخوف والـخشية لله. وقرأ قول الله: خاشِعينَ منَ الذّلّ قال: قد أذلهم الـخوف الذي نزل بهم, وخشعوا له.<br />
  وأصل «الـخشوع»: التواضع والتذلل والاستكانة, ومنه قول الشاعر:<br />
 لَـمّا أتـى خَبَرُ الزّبَـيْرِ تَوَاضَعَتْسُورُ الـمَدِينَةِ وَالـجِبَـالُ الـخُشّعُ <br />
  يعنـي والـجبـال خشع متذللة لعظم الـمصيبة بفقده.<br />
  فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبـار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم علـى طاعة الله, وكفها عن معاصي الله, وبإقامة الصلاة الـمانعة من الفحشاء والـمنكر, الـمقرّ به من مراضي الله, العظيـمة إقامتها إلا علـى الـمتواضعين لله الـمستكينـين لطاعته الـمتذللـين من مخافته.<br />
الآية : 46<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:  {الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاَقُو رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }<br />
   قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بـالـخشوع له بـالطاعة أنه يظنّ أنه ملاقـيه, والظنّ: شكّ, والشاكّ فـي لقاء الله عندك بـالله كافر؟ قـيـل له: إن العرب قد تسمي الـيقـين ظنا, والشك ظنا, نظير تسميتهم الظلـمة سُدْفة والضياء سُدْفة, والـمغيث صارخا, والـمستغيث صارخا, وما أشبه ذلك من الأسماء التـي تسمي بها الشيء وضدّه. ومـما يدل علـى أنه يسمى به الـيقـين قول دُريد بن الصمة:<br />
 فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنّوا بإِلْفَـيْ مُدَجّجٍسَرَاتُهُمُ فـي الفـارِسيّ الـمُسَرّدِ <br />
  يعنـي بذلك: تـيقنوا ألفـي مدجج تأتـيكم. وقول عَميرة بن طارق:<br />
 بِأنْ تَغْتَزُوا قَوْمي وأقْعُدُ فِـيكُمُوأجْعَلَ مِنّـي غَيْبـا مُرَجّمَا <br />
  يعنـي: وأجعل منـي الـيقـين غيبـا مرجما. والشواهد من أشعار العرب وكلامها علـى أن الظنّ فـي معنى الـيقـين أكثر من أن تـحصى, وفـيـما ذكرنا لـمن وُفّق لفهمه كفـاية.<br />
  ومنه قول الله جل ثناؤه: ورأى الـمُـجْرِمُونَ النّارَ فَظَنّوا أنّهُمْ مُواقِعوها. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك جاء تفسير الـمفسرين.<br />
  599ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: يظّنونَ أنّهُمْ مُلاقُوا رَبّهمْ قال: إن الظنّ ههنا يقـين.<br />
  600ـ وحدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفـيان, عن جابر, عن مـجاهد, قال: كل ظنّ فـي القرآن يقـين, إنـي ظننت وظنوا.<br />
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا أبو داود الـحفري, عن سفـيان, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: كل ظنّ فـي القرآن فهو علـم.<br />
  601ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: الّذين يظنّون أنّهم مُلاقوا ربّهم أما يظنون فـيستـيقنون.<br />
  602ـ وحدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج: الّذين يظنّونَ أنّهم مُلاقُوا ربّهم علـموا أنهم ملاقوا ربهم, هي كقوله: إنّـي ظَنَنْتُ أنـي مُلاقٍ حِسابِـيَه يقول علـمت.<br />
  603ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: الّذِينَ يَظُنون أنَهُمْ مُلاقُوا رَبّهِمْ قال: لأنهم لـم يعاينوا, فكان ظنهم يقـينا, ولـيس ظنا فـي شك. وقرأ: إنّـي ظَنَنْتُ أنّـي مُلاقٍ حسابـيَهْ.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أنّهّمْ مُلاقُوا رَبّهِمْ.<br />
  قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قـيـل إنهم ملاقوا ربهم فأضيف الـملاقون إلـى الربّ جل ثناؤه وقد علـمت أن معناه: الذين يظنون أنهم يـلقون ربهم؟ وإذا كان الـمعنى كذلك, فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبـات النون, وإنـما تسقط النون وتُضيف فـي الأسماء الـمبنـية من الأفعال إذا كانت بـمعنى فعل, فأما إذا كانت بـمعنى يفعل وفـاعل, فشأنها إثبـات النون, وترك الإضافة قـيـل: لا تَدَافُعَ بـين جميع أهل الـمعرفة بلغات العرب وألسنها فـي إجازة إضافة الاسم الـمبنـي من فعل ويفعل, وإسقاط النون وهو بـمعنى يفعل وفـاعل, أعنـي بـمعنى الاستقبـال وحالِ الفعل ولـما ينقض, فلا وجه لـمسألة السائل عن ذلك: لـم قـيـل؟<br />
  وإنـما اختلف أهل العربـية فـي السبب الذي من أجله أضيف وأسقطت النون.<br />
  فقال نـحويو البصرة: أسقطت النون من: مُلاقوا رَبّهمْ وما أشبهه من الأفعال التـي فـي لفظ الأسماء وهي فـي معنى يفعل وفـي معنى ما لـم ينقض استثقالاً لها, وهي مرادة كما قال جل ثناؤه: كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الـمَوْتِ وكما قال: إنّا مُرْسِلُوا النّاقَة فِتْنَةً لَهُمْ ولـما يرسلها بعد وكما قال الشاعر:<br />
 هَلْ أَنْتَ بـاعِثُ دِينارٍ لِـحاجَتِناأوْ عَبْدَ رَبَ أخا عَوْنِ بْنِ مخْرَاقِ <br />
  فأضاف بـاعثا إلـى الدينار, ولـما يبعث, ونصب عبد ربّ عطفـا علـى موضع دينار لأنه فـي موضع نصب وإن خفض. وكما قال الاَخر:<br />
 الـحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لايَأتـيهِمُ مِنْ وَرَائِهِمْ نَطَفُ <br />
  بنصب العورة وخفضها. فـالـخفض علـى الإضافة, والنصب علـى حذف النون استثقالاً, وهي مرادة. وهذا قول نـحويـي البصرة.<br />
  وأما نـحويو الكوفة فإنهم قالوا: جائز فـي مُلاقُوا الإضافة, وهي فـي معنى يـلقون, وإسقاط النون منه لأنه فـي لفظ الأسماء, فله فـي الإضافة إلـى الأسماء حظّ الأسماء, وكذلك حكم كل اسم له كان نظيرا. قالوا: وإذا أثبت فـي شيء من ذلك النون وتركت الإضافة, فإنـما تفعل ذلك به لأن له معنى يفعل الذي لـم يكن ولـم يجب بعد. قالوا: فـالإضافة فـيه للفظ, وترك الإضافة للـمعنى.<br />
  فتأويـل الآية إذا: واستعينوا علـى الوفـاء بعهدي بـالصبر علـيه والصلاة, وإن الصلاة لكبـيرة إلا علـى الـخائفـين عقابـي, الـمتواضعين لأمري, الـموقنـين بلقائي والرجوع إلـيّ بعد مـماتهم.<br />
  وإنـما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبـيرة إلا علـى من هذه صفته لأن من كان غير موقن بـمعاد ولا مصدّق بـمرجع ولا ثواب ولا عقاب, فـالصلاة عنده عناء وضلال, لأنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفع ضرّ, وحقّ لـمن كانت هذه الصفة صفته أن تكون الصلاة علـيه كبـيرة, وإقامتها علـيه ثقـيـلة, وله فـادحة.<br />
  وإنـما خفت علـى الـمؤمنـين الـمصدّقـين بلقاء الله, الراجين علـيها جزيـل ثوابه, الـخائفـين بتضيـيعها ألـيـم عقابه, لـما يرجون بإقامتها فـي معادهم من الوصول إلـى ما وعد الله علـيها أهلها, ولـما يحذرون بتضيـيعها ما أوعد مضيعها. فأمر الله جل ثناؤه أحبـار بنـي إسرائيـل الذين خاطبهم بهذه الاَيات أن يكونوا من مقـيـميها الراجين ثوابها إذا كانوا أهل يقـين بأنهم إلـى الله راجعون وإياه فـي القـيامة ملاقون.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ.<br />
  قال أبو جعفر: والهاء والـميـم اللتان فـي قوله: وأنّهُمْ من ذكر الـخاشعين, والهاء فـي «إلـيه» من ذكر الربّ تعالـى ذكره فـي قوله: مُلاقُوا رَبّهِمْ فتأويـل الكلـمة: وإنها لكبـيرة إلا علـى الـخاشعين الـموقنـين أنهم إلـى ربهم راجعون.<br />
  ثم اختلف فـي تأويـل الرجوع الذي فـي قوله: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ. فقال بعضهم بـما:<br />
  604ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ قال: يستـيقنون أنهم يرجعون إلـيه يوم القـيامة.<br />
  وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إلـيه يرجعون بـموتهم.<br />
  وأولـى التأويـلـين بـالآية القول الذي قاله أبو العالـية لأن الله تعالـى ذكره, قال فـي الآية التـي قبلها كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِـاللّهِ وكُنْتُـمْ أمْوَاتا فأحْياكُمْ ثُمّ يُـمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْيِـيكُمْ ثُمّ إِلَـيْهِ تُرْجَعُونَ فأخبر الله جل ثناؤه أنَ مرجعهم إلـيه بعد نشرهم وإحيائهم من مـماتهم, وذلك لا شك يوم القـيامة, فكذلك تأويـل قوله: وأنّهُمْ إلَـيْهِ رَاجِعُونَ.<br />
الآية : 47<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِي الّتِيَ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّي فَضّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }<br />
   قال أبو جعفر: وتأويـل ذلك فـي هذه الآية نظير تأويـله فـي التـي قبلها فـي قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِـي الّتِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ وأوْفُوا بعَهْدِي وقد ذكرته هنالك.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ علـى العَالـمِينَ.<br />
  قال أبو جعفر: وهذا أيضا مـما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم. ويعنـي بقوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلـى العَالَـمِينَ: أنـي فضلت أسلافكم, فنسب نعمه علـى آبـائهم وأسلافهم إلـى أنها نعم منه علـيهم, إذ كانت مآثر الاَبـاء مآثر للأبناء, والنعم عند الاَبـاء نعما عند الأبناء, لكون الأبناء من الاَبـاء, وأخرج جلّ ذكره قوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ علـى العَالَـمِينَ مخرج العموم, وهو يريد به خصوصا لأن الـمعنى: وإنـي فضلتكم علـى عالـم من كنتـم بـين ظهريه وفـي زمانه. كالذي:<br />
  605ـ حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى الصنعانـي, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, عن معمر, وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلـى العَالَـمِينَ قال: فضلهم علـى عالـم ذلك الزمان.<br />
  606ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ قال: بـما أعطوا من الـملك والرسل والكتب علـى عالـم من كان فـي ذلك الزمان, فإن لكل زمان عالـما.<br />
  607ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مـجاهد فـي قوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.<br />
   وحدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.<br />
  608ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألت ابن زيد عن قول الله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ قال: عالـم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَـى عِلْـمٍ عَلـى العَالَـمِينَ قال: هذه لـمن أطاعه واتبع أمره, وقد كان فـيهم القردة وهم أبغض خـلقه إلـيه, وقال لهذه الأمة: كُنْتُـمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ للنّاسِ قال: هذه لـمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب مـحارمه.<br />
  قال أبو جعفر: والدلـيـل علـى صحة ما قلنا من أن تأويـل ذلك علـى الـخصوص الذي وصفنا ما:<br />
  609ـ حدثنـي به يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, وحدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر جميعا, عن بهز بن حكيـم, عن أبـيه, عن جده. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنّكُمْ وَفّـيْتُـمْ سَبْعِين أُمّةً» قال يعقوب فـي حديثه: «أنتـم آخرها». وقال الـحسن: «أنتـم خيرها وأكرمها علـى الله». فقد أنبأ هذا الـخبر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن بنـي إسرائيـل لـم يكونوا مفضلـين علـى أمة مـحمد علـيه الصلاة والسلام, وأن معنى قوله: وَفَضّلْناهُمْ عَلَـى العَالَـمِينَ وقوله: وأنّـي فَضّلْتُكُمْ عَلـى العَالَـمِينَ علـى ما بـينا من تأويـله. وقد أتـينا علـى بـيان تأويـل قوله: العَالَـمِينَ بـما فـيه الكفـاية فـي غير هذا الـموضع, فأغنى ذلك عن إعادته.<br />
الآية : 48<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {وَاتّقُواْ يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ }<br />
   قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: وَاتّقُوا يَوْما لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفَسٍ شَيْئا: واتقوا يوما لا تـجزى فـيه نفس عن نفس شيئا. وجائز أيضا أن يكون تأويـله: واتقوا يوما لا تـجزيه نفس عن نفس شيئا, كما قال الراجز:<br />
 قَدْ صَبّحَتْ صَبّحَها السّلامُبِكَبِدٍ خالَطَها سَنَامُ <br />
 فِـي ساعَةٍ يُحَبّها الطّعامُ <br />
  وهو يعنـي: يحبّ فـيها الطعام, فحذفت الهاء الراجعة علـى «الـيوم», إذ فـيه اجتزاء بـما ظهر من قوله: وَاتّقُوا يَوْما لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ الدال علـى الـمـحذوف منه عما حذف, إذ كان معلوما معناه.<br />
  وقد زعم قوم من أهل العربـية أنه لا يجوز أن يكون الـمـحذوف فـي هذا الـموضع إلا الهاء.<br />
  وقال آخرون: لا يجوز أن يكون الـمـحذوف إلا «فـيه». وقد دللنا فـيـما مضى علـى جواز حذف كل ما دل الظاهر علـيه.<br />
  وأما الـمعنى فـي قوله: وَاتّقُوا يَوْما لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا فإنه تـحذير من الله تعالـى ذكره عبـاده الذين خاطبهم بهذه الآية عقوبته أن تـحلّ بهم يوم القـيامة, وهو الـيوم الذي لا تـجزي فـيه نفس عن نفس شيئا, ولا يجزي فـيه والد عن ولده, ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.<br />
  وأما تأويـل قوله: لا تَـجْزِي نَفْسٌ فإنه يعنـي: لا تغنـي. كما:<br />
  610ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: وَاتّقُوا يَوْما لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ أما تـجزي: فتغنـي.<br />
  وأصل الـجزاء فـي كلام العرب: القضاء والتعويض, يقال: جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء, بـمعنى: قضيته دينه, ومن ذلك قـيـل: جزى الله فلانا عنـي خيرا أو شرّا, بـمعنى: أثابه عنـي وقضاه عنـي ما لزمنـي له بفعله الذي سلف منه إلـيّ. وقد قال قوم من أهل العلـم بلغة العرب: يقال: أجزيت عنه كذا: إذا أعنته علـيه, وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته. وقال آخرون منهم: بل جزيت عنك: قضيت عنك, وأجزيت: كفـيت. وقال آخرون منهم: بل هما بـمعنى واحد, يقال: جزت عنك شاة وأجزت, وجزى عنك درهم وأجزى, ولا تَـجْزي عنك شاة ولا تُـجْزي بـمعنى واحد, إلا أنهم ذكروا أن جزت عنك ولا تُـجزي عنك من لغة أهل الـحجاز, وأن أجزأ وتُـجزىء من لغة غيرهم. وزعموا أن تـميـما خاصة من بـين قبـائل العرب تقول: أجزأت عنك شاة, وهي تُـجزىء عنك. وزعم آخرون أن جَزَى بلا همز: قضى, وأجزأ بـالهمز: كافأ. فمعنى الكلام إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغنـي عنها غِنًى.<br />
  فإن قال لنا قائل: وما معنى: لا تقضي نفس عن نفس, ولا تغنـي عنها غنى؟ قـيـل: هو أن أحدنا الـيوم ربـما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه وأما فـي الاَخرة فإنه فـيـما أتتنا به الأخبـار عنها يسرّ الرجل أن يبرد له علـى ولده أو والده حقّ, وذلك أن قضاء الـحقوق فـي القـيامة من الـحسنات والسيئات. كما:<br />
  611ـ حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأودي, قال: حدثنا الـمـحاربـي, عن أبـي خالد الدولابـي يزيد بن عبد الرحمن, عن زيد بن أبـي أنـيسة, عن سعيد بن أبـي سعيد الـمقبري, عن أبـي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللّهُ عَبْدا كَانَتْ عِنْدَهُ لأخِيهِ مَظْلَـمَةٌ فِـي عِرْضٍ» قال أبو بكر فـي حديثه: «أوْ مالٍ أوْ جاهٍ, فـاسْتَـحَلّهُ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَلَـيْسَ ثَمّ دِينارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فإنْ كانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِنْ حَسَناتِهِ, وَإِنْ لَـمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ حَمَلُوا عَلَـيْهِ مِنْ سَيئَاتِهِمْ».<br />
   حدثنا أبو عثمان الـمقدمي, قال: حدثنا القروي, قال: حدثنا مالك, عن الـمقبري, عن أبـيه, عن أبـي هريرة, عن النبـي صلى الله عليه وسلم بنـحوه.<br />
   حدثنا خلاد بن أسلـم, قال: حدثنا أبو همام الأهوازي, قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد, عن سعيد عن أبـي هريرة, عن النبـي صلى الله عليه وسلم بنـحوه.<br />
  612ـ حدثنا موسى بن سهل الرملـي, قال: حدثنا نعيـم بن حماد, قال: حدثنا عبد العزيز الدراوردي, عن عمرو بن أبـي عمرو, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «لا يَـمُوتَنّ أحَدُكُمْ وَعَلَـيْهِ دَيْنٌ, فَإنّهُ لَـيْسَ هُنَاكَ دِينارٌ وَلا دِرْهَمٌ, إنّـمَا يَقْتَسِمُونَ هنَالِكَ الـحَسَناتِ وَالسّيّئاتِ» وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيده يـمينا وشمالاً.<br />
  613ـ حدثنـي مـحمد بن إسحاق, قال: قال: حدثنا سالـم بن قادم, قال: حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى, قال: أخبرنـي الـحارث بن مسلـم, عن الزهري, عن أنس بن مالك, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو حديث أبـي هريرة.<br />
  قال أبو جعفر: فذلك معنى قوله جل ثناؤه: لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا يعنـي أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها لأن القضاء هنالك من الـحسنات والسيئات علـى ما وصفنا. وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسرّه أن يثبت له علـى ولده أو والده حقّ, فـيأخذه منه ولا يُتـجافـى له عنه؟.<br />
  وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن معنى قوله: لاَ تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا: لا تـجزي منها أن تكون مكانها. وهذا قول يشهد ظاهر القرآن علـى فساده, وذلك أنه غير معقول فـي كلام العرب أن يقول القائل: ما أغنـيت عنـي شيئا, بـمعنى: ما أغنـيت منـي أن تكون مكانـي, بل إذا أرادوا الـخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء, قالوا: لا يجزي هذا من هذا, ولا يستـجيزون أن يقولوا: لا يجزي هذا من هذا شيئا.<br />
  فلو كان تأويـل قوله: لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا ما قاله من حكينا قوله لقال: وَاتقُوا يَوْما لا تَـجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ كما يقال: لا تـجزي نفس من نفس, ولـم يقل لا تـجزي نفس عن نفس شيئا: وفـي صحة التنزيـل بقوله: لا تـجزي نفس عن نفس شيئا أوضح الدلالة علـى صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله فـي ذلك.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ.<br />
  قال أبو جعفر: والشفـاعة مصدر من قول الرجل: شفع لـي فلان إلـى فلان شفـاعة, وهو طلبه إلـيه فـي قضاء حاجته. وإنـما قـيـل للشفـيع شفـيع وشافع لأنه ثنّى الـمستشفع به, فصار له شَفْعا, فكان ذو الـحاجة قبل استشفـاعه به فـي حاجته فردا, فصار صاحبه له فـيها شافعا, وطلبُه فـيه وفـي حاجته شفـاعة ولذلك سمي الشفـيع فـي الدار وفـي الأرض شفـيعا لـمصير البـائع به شفعا.<br />
  فتأويـل الآية إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره, ولا يقبل الله منها شفـاعة شافع, فـيترك لها ما لزمها من حق. وقـيـل: إن الله عزّ وجلّ خاطب أهل هذه الآية بـما خاطبهم به فـيها لأنهم كانوا من يهود بنـي إسرائيـل, وكانوا يقولون: نـحن أبناء الله وأحبـاؤه وأولاد أنبـيائه, وسيشفع لنا عنده آبـاؤنا. فأخبرهم الله جل وعزّ أن نفسا لا تـجزي عن نفس شيئا فـي القـيامة, ولا يقبل منها شفـاعة أحد فـيها حتـى يُستوفـى لكل ذي حقّ منها حقه. كما:<br />
  614ـ حدثنـي عبـاس بن أبـي طالب, قال: حدثنا حجاج بن نصير, عن شعبة, عن العوام بن مزاحم رجل من قـيس بن ثعلبة, عن أبـي عثمان النهدي, عن عثمان بن عفـان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنّ الـجَمّاءَ لَتَقْتَصّ مِنَ القَرْناءِ يَوْمَ القِـيَامَةِ, كَما قَالَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ وَنَضَعُ الـمَوَازِينَ القِسْطَ لِـيَوْمِ القِـيَامَةِ فَلا تُظْلَـمُ نَفْسٌ شَيْئا الآية...».<br />
  فآيسهم الله جل ذكره مـما كانوا أطمعوا فـيه أنفسهم من النـجاة من عذاب الله مع تكذيبهم بـما عرفوا من الـحقّ وخلافهم أمر الله فـي اتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده بشفـاعة آبـائهم وغيرهم من الناس كلهم, وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إلـيه من كفرهم والإنابة من ضلالهم, وجعل ما سنّ فـيهم من ذلك إماما لكل من كان علـى مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلـحاد فـي رحمة الله.<br />
  وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما فـي التلاوة, فإن الـمراد بها خاص فـي التأويـل لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شَفَـاعَتِـي لأَهْلِ الكَبَـائِرِ مِنْ أُمّتـي» وأنه قال: «لَـيْسَ مِنْ نبِـيّ إِلاّ وَقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً, وَإِنّـي خَبَأتُ دَعْوَتِـي شَفَـاعَةً لامّتـي, وَهِيَ نائلَةٌ إِنْ شَاءَ اللّهُ مِنْهُمْ مَنْ لا يُشْرِكُ بـاللّهِ شَيْئا». فقد تبـين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعبـاده الـمؤمنـين بشفـاعة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم لهم عن كثـير من عقوبة إجرامهم بـينه وبـينهم, وأن قوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ إنـما هي لـمن مات علـى كفره غير تائب إلـى الله عزّ وجلّ. ولـيس هذا من مواضع الإطالة فـي القول فـي الشفـاعة والوعد والوعيد, فنستقصي الـحِجَاجَ فـي ذلك, وسنأتـي علـى ما فـيه الكفـاية فـي مواضعه إن شاء الله تعالـى.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ.<br />
  قال أبو جعفر: والعدل فـي كلام العرب بفتـح العين: الفدية. كما:<br />
  615ـ حدثنا به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قال: يعنـي فداء.<br />
  616ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر عن السدي: وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ أما عدل فـيعدلها من العدل, يقول: لو جاءت بـملء الأرض ذهبـا تفتدي به ما تقبل منها.<br />
  617ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن قتادة فـي قوله: ولا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ قال: لو جاءت بكل شيء لـم يقبل منها.<br />
  618ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا حسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مـجاهد: قال ابن عبـاس: وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قال: بدل, والبدل: الفدية.<br />
  619ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قال: لو أن لها ملء الأرض ذهبـا لـم يقبل منها فداء قال: ولو جاءت بكل شيء لـم يقبل منها.<br />
  620ـ وحدثنـي نـجيح بن إبراهيـم, قال: حدثنا علـيّ بن حكيـم, قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن أبـيه, عن عمرو بن قـيس الـملائي, عن رجل من بنـي أمية من أهل الشام أحسن علـيه الثناء, قال: قـيـل يا رسول الله ما العدل؟ قال: «العَدْلُ: الفِدْيَةُ».<br />
  وإنـما قـيـل للفدية من الشيء والبدل منه عدل, لـمعادلته إياه وهو من غير جنسه ومصيره له مثلاً من وجه الـجزاء, لا من وجه الـمشابهة فـي الصورة والـخـلقة, كما قال جل ثناؤه: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا بـمعنى: وإن تفد كل فدية لا يؤخذ منها, يقال منه: هذا عَدْله وعَدِيـله. وأما العِدْل بكسر العين, فهو مثل الـحمل الـمـحمول علـى الظهر, يقال من ذلك: عندي غلام عِدْل غلامك, وشاة عِدْل شاتك بكسر العين, إذا كان غلام يعدل غلاما, وشاة تعدل شاة, وكذلك ذلك فـي كل مثل للشيء من جنسه. فإذا أريد أن عنده قـيـمته من غير جنسه نصبت العين فقـيـل: عندي عَدْل شاتك من الدراهم. وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من العِدْل الذي هو بـمعنى الفدية لـمعادلة ما عادله من جهة الـجزاء, وذلك لتقارب معنى العَدْل والعِدْل عندهم, فأما واحد الأعدال فلـم يسمع فـيه إلا عِدْل بكسر العين.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.<br />
  وتأويـل قوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعنـي أنهم يومئذٍ لا ينصرهم ناصر, كما لا يشفع لهم شافع, ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بطلت هنالك الـمـحابـاة واضمـحلت الرّشَا والشفـاعات, وارتفع بـين القوم التعاون والتناصر, وصار الـحكم إلـى العدل الـجبـار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء, فـيجزي بـالسيئة مثلها وبـالـحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: وَقِـفُوهُمْ إنّهُمْ مَسْؤولُونَ مَا لَكْمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الـيَوْمَ مُسْتَسْلِـمُونَ. وكان ابن عبـاس يقول فـي معنى: لا تَنَاصَرُونَ ما:<br />
  621ـ حدثت به عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: ما لَكُمْ لاَ تَناصَرُونَ ما لكم لا تُـمَانعون منا؟ هيهات لـيس ذلك لكم الـيوم<br />
  وقد قال بعضهم فـي معنى قوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: ولـيس لهم من الله يومئذٍ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. وقد قـيـل: ولا هم ينصرون بـالطلب فـيهم والشفـاعة والفدية.<br />
  قال أبو جعفر: والقول الأول أولـى بتأويـل الآية لـما وصفنا من الله جل ثناؤه إنـما أعلـم الـمخاطبـين بهذه الآية أن يوم القـيامة يوم لا فدية لـمن استـحقّ من خـلقه عقوبته, ولا شفـاعة فـيه, ولا ناصر له. وذلك أن ذلك قد كان لهم فـي الدنـيا, فأخبر أن ذلك يوم القـيامة معدوم لا سبـيـل لهم إلـيه.<br />
</font></div>


<!-- END TEMPLATE: postbit_external -->]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.sh3bwah.maktoob.com/forumdisplay.php?f=75">القرآن الكريم وعلومه</category>
			<dc:creator>homeahly</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=224613</guid>
		</item>
		<item>
			<title>تفسير ايه 40-41 -42 من سورة البقرة</title>
			<link>http://forum.sh3bwah.maktoob.com/showthread.php?t=224335&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Wed, 28 Oct 2009 13:09:19 GMT</pubDate>
			<description>الآية : 40
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ }
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ: يا ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن وكان يعقوب يدعى إسرائيـل, بـمعنى عبد الله وصفوته من خـلقه وإيـل هو الله وإسرا: هو العبد, كما قـيـل جبريـل بـمعنى عبد الله. وكما:
  544ـ حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن الأعمش, عن إسماعيـل بن رجاء, عن عمير مولـى ابن عبـاس, عن ابن عبـاس: إن إسرائيـل كقولك عبد الله.
  545ـ وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن عبد الله بن الـحارث, قال: إيـل: الله بـالعبرانـية.
  وإنـما خاطب الله جل ثناؤه بقوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ أحبـار الـيهود من بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنسبهم جلّ ذكره إلـى يعقوب, كما نسب ذرية آدم إلـى آدم, فقال: يا بَنِـي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ وما أشبه ذلك. وإنـما خصهم بـالـخطاب فـي هذه الآية والتـي بعدها من الاَي التـي ذكرهم فـيها نعمه, وإن كان قد تقدم ما أنزل فـيهم وفـي غيرهم فـي أول هذه السورة ما قد تقدم أن الذي احتـجّ به من الـحجج والاَيات التـي فـيها أنبـاء أسلافهم وأخبـار أوائلهم, وقصص الأمور التـي هم بعلـمها مخصوصون دون غيرهم من سائر الأمـم لـيس عند غيرهم من العلـم بصحته, وحقـيقته مثل الذي لهم من العلـم به إلا لـمن اقتبس علـم ذلك منهم. فعرّفهم بـاطلاع مـحمد علـى علـمها مع بعد قومه وعشيرته من معرفتها, وقلة مزاولة مـحمد صلى الله عليه وسلم دراسة الكتب التـي فـيها أنبـاء ذلك, أن مـحمدا صلى الله عليه وسلم لـم يصل إلـى علـم ذلك إلا بوحي من الله وتنزيـل منه ذلك إلـيه لأنهم من علـم صحة ذلك بـمـحل لـيس به من الأمـم غيرهم. فلذلك جل ثناؤه خصّ بقوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ خطابهم كما:
  546ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير عن ابن عبـاس قوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ قال: يا أهل الكتاب للأحبـار من يهود.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: اذْكُرُوا نِعْمَتِـي التِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ.
  قال أبو جعفر: ونعمته التـي أنعم بها علـى بنـي إسرائيـل جل ذكره اصطفـاؤه منهم الرسل, وإنزاله علـيهم الكتب, واستنقاذه إياهم مـما كانوا فـيه من البلاء والضرّاء من فرعون وقومه, إلـى التـمكين لهم فـي الأرض, وتفجير عيون الـماء من الـحجر, وإطعام الـمنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلـى آبـائهم علـى ذكر, وأن لا ينسوا صنـيعه إلـى أسلافهم وآبـائهم, فـيحلّ بهم من النقم ما أحل بـمن نسي نعمه عنده منهم وكفرها وجحد صنائعه عنده. كما:
  547ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: اذْكُرُوا نَعْمَتِـي التـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ أي آلائي عندكم وعند آبـائكم لـما كان نـجاهم به من فرعون وقومه.
  548ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِـيَ قال: نعمته أن جعل منهم الأنبـياء والرسل, وأنزل علـيهم الكتب.
  549ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: اذْكُرُوا نِعْمَتِـيَ التِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ يعنـي نعمته التـي أنعم علـى بنـي إسرائيـل فـيـما سمي وفـيـما سوى ذلك, فجر لهم الـحجر, وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, وأنـجاهم عن عبودية آل فرعون.
  550ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: نِعمتـي الّتِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ قال: نعمه عامة, ولا نعمة أفضل من الإسلام, والنعم بعد تبعَ لها. وقرأ قول الله يَـمُنّونَ عَلَـيْكَ أنْ أسْلَـمُوا قُلْ لاَ تَـمُنّوا عَلَـيّ إسْلاَمَكُمْ الآية. وتذكير الله الذين ذكرهم جل ثناؤه بهذه الآية من نعمه علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم, نظير تذكير موسى صلوات الله علـيه أسلافهم علـى عهده الذي أخبر الله عنه أنه قال لهم. وذلك قوله: وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِـيكُمْ أنْبِـياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلوكا وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العَالَـمِينَ.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.
  قال أبو جعفر: قد تقدم بـياننا معنى العهد فـيـما مضى من كتابنا هذا واختلاف الـمختلفـين فـي تأويـله والصوابُ عندنا من القول فـيه. وهو فـي هذا الـموضع عهد الله ووصيته التـي أخذ علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة أن يبـينوا للناس أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول, وأنهم يجدونه مكتوبـا عندهم فـي التوراة أنه نبـيّ الله, وأن يؤمنوا به وبـما جاء به من عند الله. أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وعهده إياهم: أنهم إذا فعلوا ذلك أدخـلهم الـجنة, كما قال جل ثناؤه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَـي عَشَرَ نَقِـيبـا الآية, وكما قال: فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتنا يُؤْمِنُونَ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِـيّ أُلامّيّ الآية. وكما:
  551ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وأوْفُوا بعَهْدِي الذي أخذت فـي أعناقكم للنبـي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم. أُوفِ بعَهْدِكُمْ: أي أنـجز لكم ما وعدتكم علـيه بتصديقه واتبـاعه, بوضع ما كان علـيكم من الإصر والأغلال التـي كانت فـي أعناقكم بذنوبكم التـي كانت من أحداثكم.
  552ـ وحدثنا الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: أوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قال: عهده إلـى عبـاده: دين الإسلام أن يتبعوه. أُوفِ بِعَهْدِكُمْ يعنـي الـجنة.
  553ـ وحدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أوْفُوا بعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أما أوفوا بعهدي: فما عهدت إلـيكم فـي الكتاب, وأما أوف بعهدكم: فـالـجنة, عهدت إلـيكم أنكم إن عملتـم بطاعتـي أدخـلتكم الـجنة.
  554ـ وحدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج فـي قوله: وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قال: ذلك الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي الـمائدة وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنـي إسْرَائِيـلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَـي عَشَرَ نَقِـيبـا إلـى آخر الآية. فهذا عهد الله الذي عهد إلـيهم, وهو عهد الله فـينا, فمن أوفـى بعهد الله وفـى الله له بعهده.
  555ـ وحدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وأُوفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِكُمْ يقول: أوفوا بـما أمرتكم به من طاعتـي ونهيتكم عنه من معصيتـي فـي النبـي صلى الله عليه وسلم وفـي غيره أوف بعهدكم يقول: أرض عنكم وأدخـلكم الـجنة.
  556ـ وحدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: وأُوْفوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قال: أوفوا بأمري, أوف بـالذي وعدتكم, وقرأ: إنّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ أنُفُسَهُمْ وأمُوَالَهُمْ حتـى بلغ: وَمَنْ أَوْفـى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ قال: هذا عهده الذي عهده لهم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَإِيّايَ فـارْهَبُونِ.
  قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: وَإِيّايَ فَـارْهَبُونِ وإياي فـاخشوا, واتقوا أيها الـمضيعون عهدي من بنـي إسرائيـل والـمكذّبون رسولـي الذي أخذت ميثاقكم فـيـما أنزلت من الكتب علـى أنبـيائي أن تؤمنوا به وتتبعوه, أن أحلّ بكم من عقوبتـي, إن لـم تنـيبوا وتتوبوا إلـيّ بـاتبـاعه والإقرار بـما أنزلت إلـيه ما أحللت بـمن خالف أمري وكذّب رسلـي من أسلافكم. كما:
  557ـ حدثنـي به مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَإيّايَ فَـارْهَبُونِ أن أنزل بكم ما أنزلت بـمن كان قبلكم من آبـائكم من النقمات التـي قد عرفتـم من الـمسخ وغيره.
  558ـ وحدثنا الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنـي آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَإيّايَ فَـارْهَبُونِ يقول: فـاخشون.
  559ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: وَإِيّايَ فَـارْهَبُونِ بقول: وإياي فـاخشون.
الآية : 41
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوَاْ أَوّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتّقُونِ }
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: آمِنُوا: صدّقوا, كما قد قدمنا البـيان عنه قبل. ويعنـي بقوله: بـمَا أنْزَلْت: ما أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم من القرآن. ويعنـي بقوله: مُصَدّقا لِـمَا مَعَكُمْ أن القرآن مصدّق لـما مع الـيهود من بنـي إسرائيـل من التوراة. فأمرهم بـالتصديق بـالقرآن, وأخبرهم جل ثناؤه أن فـي تصديقهم بـالقرآن تصديقا منهم للتوراة لأن الذي فـي القرآن من الأمر بـالإقرار بنبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتبـاعه نظير الذي من ذلك فـي الإنـجيـل والتوراة. ففـي تصديقهم بـما أنزل علـى مـحمد تصديق منهم لـما معهم من التوراة, وفـي تكذيبهم به تكذيب منهم لـما معهم من التوراة. وقوله: مُصَدّقا قَطْعٌ من الهاء الـمتروكة فـي أنْزَلْتُهُ من ذكر «ما». ومعنى الكلام: وآمنوا بـالذي أنزلته مصدّقا لـما معكم أيها الـيهود. والذي معهم هو التوراة والإنـجيـل. كما:
  560ـ حدثنا به مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى بن ميـمون, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: وَآمِنُوا بِـمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقا لِـمَا مَعَكُمْ يقول: إنـما أنزلت القرآن مصدقا لـما معكم التوراة والإنـجيـل.
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
  561ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: أخبرنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وآمِنُوا بِـمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقا لِـمَا مَعَكُمْ يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بـما أنزلت علـى مـحمد مصدّقا لـما معكم. يقول: لأنهم يجدون مـحمدا صلى الله عليه وسلم مكتوبـا عندهم فـي التوراة والإنـجيـل.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلاَ تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ.
  قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: كيف قـيـل: وَلاَ تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ والـخطاب فـيه لـجمع وكافر واحد؟ وهل نـجيز إن كان ذلك جائزا أن يقول قائل: لا تكونوا أوّل رجل قام؟ قـيـل له: إنـما يجوز توحيد ما أضيف له «أفعل», وهو خبر لـجمع, إذا كان مشتقا من «فعل» و«يفعل» لأنه يؤدي عن الـمراد معه الـمـحذوف من الكلام, وهو «مَنْ», ويقوم مقامه فـي الأداء عن معنى ما كان يؤدي عنه «مَنْ» من الـجمع والتأنـيث وهو فـي لفظ واحد. ألا ترى أنك تقول: ولا تكونوا أوّل من يكفر به, ف«مَنْ» بـمعنى جمع وهو غير متصرّف تصرّف الأسماء للتثنـية والـجمع والتأنـيث. فإذا أقـيـم الاسم الـمشتق من فعل ويفعل مقامه, جرى وهو موحد مـجراه فـي الأداء عما كان يؤدّي عنه من معنى الـجمع والتأنـيث, كقولك: الـجيش ينهزم, والـجند يقبل فتوحد الفعل لتوحيد لفظ الـجيش والـجند, وغير جائز أن يقال: الـجيش رجل, والـجند غلام, حتـى تقول: الـجند غلـمان, والـجيش رجال لأن الواحد من عدد الأسماء التـي هي غير مشتقة من فعل ويفعل لا يؤدي عن معنى الـجماعة منهم, ومن ذلك قول الشاعر:
 وَإذَا هُمُ طَعِمُوا فألأَمُ طاعِمٍوَإِذَا هُمُ جاعُوا فَشَرّ جِياعِ 
  فوحد مرّة علـى ما وصفت من نـية «مَنْ», وإقامة الظاهر من الاسم الذي هو مشتقّ من فعل ويفعل مقامه. وجمع أخرى علـى الإخراج علـى عدد أسماء الـمخبر عنهم. ولو وحد حيث جمع أو جمع حيث وحد كان صوابـا جائزا. فأما تأويـل ذلك فإنه يعنـي به: يا معشر أحبـار أهل الكتاب صدّقوا بـما أنزلت علـى رسولـي مـحمد صلى الله عليه وسلم من القرآن الـمصدّق كتابكم, والذي عندكم من التوراة والإنـجيـل الـمعهود إلـيكم فـيهما أنه رسولـي ونبـي الـمبعوث بـالـحقّ, ولا تكونوا أوّل من كذّب به وجحد أنه من عندي وعندكم من العلـم به ما لـيس عند غيركم. وكفرُهم به: جحودهم أنه من عند الله, والهاء التـي فـي «به» من ذكر «ما» التـي مع قوله: وآمِنُوا بِـمَا أنْزَلْتُ. كما:
  562ـ حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, قال: قال ابن جريج فـي قوله: وَلا تَكُونُوا أولَ كَافِرٍ بِهِ بـالقرآن.
  قال أبو جعفر: ورُوي عن أبـي العالـية فـي ذلك ما:
  563ـ حدثنـي به الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلاَ تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ يقول: لا تكونوا أوّل من كفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.
  وقال بعضهم: وَلا تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ يعنـي بكتابكم, ويتأوّل أن فـي تكذيبهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبـا منهم بكتابهم لأن فـي كتابهم الأمر بـاتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم.
  وهذان القولان من ظاهر ما تدلّ علـيه التلاوة بعيدان. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر الـمخاطبـين بهذه الآية فـي أوّلها بـالإيـمان بـما أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم, فقال جل ذكره: وَآمِنُوا بِـمَا أَنْزَلْتُ مُصَدّقا لِـمَا مَعَكُمْ ومعقول أن الذي أنزله الله فـي عصر مـحمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا مـحمد, لأن مـحمدا صلوات الله علـيه رسول مرسل لا تنزيـلٌ مُنزل, والـمنزل هو الكتاب. ثم نهاهم أن يكونوا أوّل من يكفر بـالذي أمرهم بـالإيـمان به فـي أوّل الآية من أهل الكتاب. فذلك هو الظاهر الـمفهوم, ولـم يجر لـمـحمد صلى الله عليه وسلم فـي هذه الآية ذكر ظاهر فـيعاد علـيه بذكره مكنـيّا فـي قوله: وَلا تَكُونُوا أوّلَ كافِرٍ بِهِ وإن كان غير مـحال فـي الكلام أن يذكر مكنـيّ اسم لـم يجر له ذكر ظاهر فـي الكلام. وكذلك لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر فـي «به» علـى «ما» التـي فـي قوله: لِـمَا مَعَكُمْ لأنّ ذلك وإن كان مـحتـملاً ظاهر الكلام فإنه بعيد مـما يدلّ علـيه ظاهر التلاوة والتنزيـل, لـما وصفنا قبل من أن الـمأمور بـالإيـمان به فـي أوّل الآية هو القرآن, فكذلك الواجب أن يكون الـمنهي عن الكفر به فـي آخرها هو القرآن. وأما أن يكون الـمأمور بـالإيـمان به غير الـمنهي عن الكفر به فـي كلام واحد وآية واحدة, فذلك غير الأشهر الأظهر فـي الكلام, هذا مع بعد معناه فـي التأويـل.
  564ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَآمنُوا بِـمَا أنْزَلْتَ مصَدّقا لِـمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أولَ كافِرٍ بِهِ وعندكم فـيه من العلـم ما لـيس عند غيركم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِـي ثَمَنا قَلِـيلاً.
  قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك:
  565ـ فحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية وَلاَ تَشْتَرُوا بِآياتِـي ثَمَنا قَلِـيلاً يقول: لا تأخذوا علـيه أجرا. قال: هو مكتوب عندهم فـي الكتاب الأول: يا ابن آدم عَلّـمْ مـجانا كما عُلّـمْتَ مَـجّانا.
  وقال آخرون بـما:
  566ـ حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِـي ثَمَنا قَلِـيلاً يقول: لا تأخذوا طمعا قلـيلاً وتكتـموا اسم الله. فذلك الطمع هو الثمن.
  فتأويـل الآية إذا: لا تبـيعوا ما آتـيتكم من العلـم بكتابـي وآياته بثمن خسيس وعرض من الدنـيا قلـيـل. وبـيعهم إياه تركهم إبـانة ما فـي كتابهم من أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم للناس, وأنه مكتوب فـيه أنه النبـيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبـا عندهم فـي التوراة والإنـجيـل بثمن قلـيـل, وهو رضاهم بـالرياسة علـى أتبـاعهم من أهل ملتهم ودينهم, وأخذهم الأجر مـمن بـينوا له ذلك علـى ما بـينوا له منه.
  وإنـما قلنا معنى ذلك: «لا تبـيعوا» لأن مشترى الثمن القلـيـل بآيات الله بـائع الاَيات بـالثمن, فكل واحد من الثمن والـمثمن مبـيع لصاحبه, وصاحبه به مشتري. وإنـما معناه علـى ما تأوّله أبو العالـية: بـينوا للناس أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم, ولا تبتغوا علـيه منهم أجرا. فـيكون حينئذٍ نهيه عن أخذ الأجر علـى تبـيـينه هو النهي عن شراء الثمن القلـيـل بآياته.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وَإيّايَ فـاتّقُونِ.
  قال أبو جعفر: يقول: فـاتقون فـي بـيعكم آياتـي بـالـخسيس من الثمن, وشرائكم بها القلـيـل من العَرَض, وكفركم بـما أنزلت علـى رسولـي, وجحودكم نبوّة نبـيه أن أحلّ بكم ما أحللت بأخلافكم الذين سلكوا سبـيـلكم من الـمَثُلات والنّقِمَات.
الآية : 42
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
   {وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: وَلا تَلْبِسُوا: لا تـخـلطوا, واللبس: هو الـخـلط, يقال منه: لبست علـيهم الأمر ألْبِسُه لبسا: إذا خـلطته علـيهم. كما:
  567ـ حدثت عن الـمنـجاب, عن بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وَللَبَسْنا عَلَـيْهِمْ مَا يَـلْبِسُونَ يقول: لـخـلطنا علـيهم ما يخـلطون. ومنه قول العجاج:
 لَـمّا لَبِسْنَ الـحَقّ بـالتّـجَنّـيغَنِـينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدا مِنّـي 
  يعنـي بقوله: لبسن: خـلطن. وأما اللّبْس فإنه يقال منه: لبِسْته ألبَسُه لُبْسا ومَلْبَسا, وذلك فـي الكسوة يكتسيها فـيـلبسها. ومن اللّبْس قول الأخطل:
 لقَدْ لبِسْتُ لِهَذا الدهْرِ أعْصُرَهُحَتّـى تَـجَلّلَ رأسِي الشّيْبُ وَاشْتَعَلاَ 
  ومن اللبس قول الله جل ثناؤه: وللبَسْنا عَلَـيْهِمْ ما يَـلْبِسُونَ.
  فإن قال لنا قائل: وكيف كانوا يـلبسون الـحق بـالبـاطل وهم كفـار, وأيّ حقّ كانوا علـيه مع كفرهم بـالله؟ قـيـل: إنه كان فـيهم منافقون منهم يظهرون التصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم ويستبطنون الكفر به, وكان أعُظْمُهم يقولون: مـحمد نبـي مبعوث إلا أنه مبعوث إلـى غيرنا. فكان لَبْسُ الـمنافق منهم الـحقّ بـالبـاطل إظهاره الـحق بلسانه وإقراره لـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به جهارا, وخـلطه ذلك الظاهر من الـحقّ بـالبـاطل الذي يستبطنه. وكان لَبْسُ الـمقرّ منهم بأنه مبعوث إلـى غيرهم الـجاحد أنه مبعوث إلـيهم إقراره بأنه مبعوث إلـى غيرهم وهو الـحقّ, وجحوده أنه مبعوث إلـيهم وهو البـاطل, وقد بعثه الله إلـى الـخـلق كافة. فذلك خـلطهم الـحق بـالبـاطل ولبسهم إياه به. كما:
  568ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روح, عن الضحاك, عن ابن عبـاس قوله: وَلاَ تَلْبِسُوا الـحَق بـالبـاطِلِ قال: لا تـخـلطوا الصدق بـالكذب.
  569ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَلاَ تَلْبسُوا الـحَق بـالبـاطِلِ يقول: لا تـخـلطوا الـحقّ بـالبـاطل, وأدوا النصيحة لعبـاد الله فـي أمر مـحمد علـيه الصلاة والسلام.
  570ـ وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج, قال مـجاهد: وَلاَ تَلْبِسُوا الـحَق بـالبـاطِلِ الـيهودية والنصرانـية بـالإسلام.
  571ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: وَلاَ تَلْبسوا الـحَق بـالبـاطلِ قال: الـحقّ: التوراة الذي أنزل الله علـى موسى, والبـاطل: الذي كتبوه بأيديهم.
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وتَكْتُـمُوا الـحَقّ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ.
  قال أبو جعفر: وفـي قوله: وَتَكْتُـمُوا الـحَق وجهان من التأويـل: أحدهما أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتـموا الـحقّ كما نهاهم أن يـلبسوا الـحقّ بـالبـاطل. فـيكون تأويـل ذلك حينئذٍ: ولا تلبسوا الـحقّ بـالبـاطل, ولا تكتـموا الـحقّ. ويكون قوله: وتَكْتُـمُوا عند ذلك مـجزوما بـما جزم به «تلبسوا» عطفـا علـيه. والوجه الاَخر منهما أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يـلبسوا الـحق بـالبـاطل, ويكون قوله: وتَكْتُـمُوا الـحَق خبرا منه عنهم بكتـمانهم الـحقّ الذي يعلـمونه, فـيكون قوله: «وتكتـموا» حينئذٍ منصوبـا, لانصرافه عن معنى قوله: وَلا تَلْبِسُوا الـحَق بـالبـاطِلِ إذ كان قوله: وَلا تَلْبِسُوا نهيا, وقوله: وَتَكْتُـمُوا الـحَق خبرا معطوفـا علـيه غير جائز أن يعاد علـيه ما عمل فـي قوله: تَلْبِسُوا من الـحرف الـجازم, وذلك هو الـمعنى الذي يسميه النـحويون صرفـا. ونظير ذلك فـي الـمعنى والإعراب قول الشاعر:
 لاتَنْهَ عَنْ خُـلُقٍ وتَأتِـيَ مِثْلَهُعارٌ عَلَـيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيـمُ 
  فنصب «تأتـي» علـى التأويـل الذي قلنا فـي قوله: وَتَكْتُـمُوا الآية, لأنه لـم يرد: لا تنه عن خـلق ولا تأت مثله, وإنـما معناه: لا تنه عن خـلق وأنت تأتـي مثله. فكان الأوّل نهيا والثانـي خبرا, فنصب الـخبر إذ عطفه علـى غير شكله.
  فأما الوجه الأول من هذين الوجهين اللذين ذكرنا أن الآية تـحتـملهما, فهو علـى مذهب ابن عبـاس الذي:
  572ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس قوله: وتَكْتُـمُوا الـحَقّ يقول: ولا تكتـموا الـحَقّ وأنتـم تعلـمون.
   وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَتَكْتُـمُوا الـحَقّ: أي ولا تكتـموا الـحق.
  وأما الوجه الثانـي منهما فهو علـى مذهب أبـي العالـية ومـجاهد.
  573ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وتَكْتُـمُوا الـحقّ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ قال: كتـموا بعث مـحمد صلى الله عليه وسلم.
  574ـ وحدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى بن ميـمون, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, نـحوه.
   وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, نـحوه.
  وأما تأويـل الـحقّ الذي كتـموه وهم يعلـمونه, فهو ما:
  575ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وَتَكْتُـمُوا الـحَقّ يقول: لا تكتـموا ما عندكم من الـمعرفة برسولـي وما جاء به, وأنتـم تـجدونه عندكم فـيـما تعلـمون من الكتب التـي بأيديكم.
   وحدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس: وَتَكْتُـمُوا الـحَقّ يقول: إنكم قد علـمتـم أن مـحمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك.
  576ـ وحدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: وَتَكْتُـمُوا الـحَقّ وأنتـم تَعْلَـمونَ قال: يكتـم أهل الكتاب مـحمدا, وهم يجدونه مكتوبـا عندهم فـي التوراة والإنـجيـل.
   وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
  577ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي: وتَكْتُـمُوا الـحَقّ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ قال: الـحقّ هو مـحمد صلى الله عليه وسلم.
  578ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: وَتَكْتُـمُوا الـحَقّ وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ قال: كتـموا بعث مـحمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبـا عندهم.
   وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد: تكتـمون مـحمدا وأنتـم تعلـمون, وأنتـم تـجدونه عندكم فـي التوراة والإنـجيـل.
  فتأويـل الآية إذا: ولا تـخـلطوا علـى الناس أيها الأحبـار من أهل الكتاب فـي أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه, وتزعموا أنه مبعوث إلـى بعض أجناس الأمـم دون بعض أو تنافقوا فـي أمره, وقد علـمتـم أنه مبعوث إلـى جميعكم, وجميع الأمـم غيركم, فتـخـلطوا بذلك الصدق بـالكذب, وتكتـموا به ما تـجدونه فـي كتابكم من نعته وصفته, وأنه رسولـي إلـى الناس كافة, وأنتـم تعلـمون أنه رسولـي, وأن ما جاء به إلـيكم فمن عندي, وتعرفون أن من عهدي الذي أخذت علـيكم فـي كتابكم الإيـمان به وبـما جاء به والتصديق به.
</description>
			<content:encoded><![CDATA[<!-- BEGIN TEMPLATE: postbit_external -->
<div><font size="5">الآية : 40<br />
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:<br />
   {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيَ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ }<br />
   قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ: يا ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن وكان يعقوب يدعى إسرائيـل, بـمعنى عبد الله وصفوته من خـلقه وإيـل هو الله وإسرا: هو العبد, كما قـيـل جبريـل بـمعنى عبد الله. وكما:<br />
  544ـ حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن الأعمش, عن إسماعيـل بن رجاء, عن عمير مولـى ابن عبـاس, عن ابن عبـاس: إن إسرائيـل كقولك عبد الله.<br />
  545ـ وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن الأعمش, عن الـمنهال, عن عبد الله بن الـحارث, قال: إيـل: الله بـالعبرانـية.<br />
  وإنـما خاطب الله جل ثناؤه بقوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ أحبـار الـيهود من بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنسبهم جلّ ذكره إلـى يعقوب, كما نسب ذرية آدم إلـى آدم, فقال: يا بَنِـي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ وما أشبه ذلك. وإنـما خصهم بـالـخطاب فـي هذه الآية والتـي بعدها من الاَي التـي ذكرهم فـيها نعمه, وإن كان قد تقدم ما أنزل فـيهم وفـي غيرهم فـي أول هذه السورة ما قد تقدم أن الذي احتـجّ به من الـحجج والاَيات التـي فـيها أنبـاء أسلافهم وأخبـار أوائلهم, وقصص الأمور التـي هم بعلـمها مخصوصون دون غيرهم من سائر الأمـم لـيس عند غيرهم من العلـم بصحته, وحقـيقته مثل الذي لهم من العلـم به إلا لـمن اقتبس علـم ذلك منهم. فعرّفهم بـاطلاع مـحمد علـى علـمها مع بعد قومه وعشيرته من معرفتها, وقلة مزاولة مـحمد صلى الله عليه وسلم دراسة الكتب التـي فـيها أنبـاء ذلك, أن مـحمدا صلى الله عليه وسلم لـم يصل إلـى علـم ذلك إلا بوحي من الله وتنزيـل منه ذلك إلـيه لأنهم من علـم صحة ذلك بـمـحل لـيس به من الأمـم غيرهم. فلذلك جل ثناؤه خصّ بقوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ خطابهم كما:<br />
  546ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير عن ابن عبـاس قوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ قال: يا أهل الكتاب للأحبـار من يهود.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: اذْكُرُوا نِعْمَتِـي التِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ.<br />
  قال أبو جعفر: ونعمته التـي أنعم بها علـى بنـي إسرائيـل جل ذكره اصطفـاؤه منهم الرسل, وإنزاله علـيهم الكتب, واستنقاذه إياهم مـما كانوا فـيه من البلاء والضرّاء من فرعون وقومه, إلـى التـمكين لهم فـي الأرض, وتفجير عيون الـماء من الـحجر, وإطعام الـمنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلـى آبـائهم علـى ذكر, وأن لا ينسوا صنـيعه إلـى أسلافهم وآبـائهم, فـيحلّ بهم من النقم ما أحل بـمن نسي نعمه عنده منهم وكفرها وجحد صنائعه عنده. كما:<br />
  547ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: اذْكُرُوا نَعْمَتِـي التـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ أي آلائي عندكم وعند آبـائكم لـما كان نـجاهم به من فرعون وقومه.<br />
  548ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِـيَ قال: نعمته أن جعل منهم الأنبـياء والرسل, وأنزل علـيهم الكتب.<br />
  549ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: اذْكُرُوا نِعْمَتِـيَ التِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ يعنـي نعمته التـي أنعم علـى بنـي إسرائيـل فـيـما سمي وفـيـما سوى ذلك, فجر لهم الـحجر, وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى, وأنـجاهم عن عبودية آل فرعون.<br />
  550ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: نِعمتـي الّتِـي أنْعَمْتُ عَلَـيْكُمْ قال: نعمه عامة, ولا نعمة أفضل من الإسلام, والنعم بعد تبعَ لها. وقرأ قول الله يَـمُنّونَ عَلَـيْكَ أنْ أسْلَـمُوا قُلْ لاَ تَـمُنّوا عَلَـيّ إسْلاَمَكُمْ الآية. وتذكير الله الذين ذكرهم جل ثناؤه بهذه الآية من نعمه علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم, نظير تذكير موسى صلوات الله علـيه أسلافهم علـى عهده الذي أخبر الله عنه أنه قال لهم. وذلك قوله: وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِـيكُمْ أنْبِـياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلوكا وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَدا مِنَ العَالَـمِينَ.<br />
  القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.<br />
  قال أبو جعفر: قد تقدم بـياننا معنى العهد فـيـما مضى من كتابنا هذا واختلاف الـمختلفـين فـي تأويـله والصوابُ عندنا من القول فـيه. وهو فـي هذا الـموضع عهد الله ووصيته التـي أخذ علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة أن يبـينوا للناس أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول, وأنهم يجدونه مكتوبـا عندهم فـي التوراة أنه نبـيّ الله, وأن يؤمنوا به وبـما جاء به من عند الله. أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وعهده إياهم: أنهم إذا فعلوا ذلك أدخـلهم الـجنة, كما قال جل ثناؤه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَـي عَشَرَ نَقِـيبـا الآية, وكما قال: فَسأكْتُبُها للّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالّذِينَ هُمْ بآياتنا يُؤْمِنُونَ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِـيّ أُلامّيّ الآية. وكما:<br />
  551ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: وأوْفُوا بعَهْدِي الذي أخذت فـي أعناقكم للنبـي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم. أُوفِ بعَهْدِكُمْ: أي أنـجز لكم ما وعدتكم علـيه بتصديقه واتبـاعه, بوضع ما كان علـيكم من الإصر والأغلال التـي كانت فـي أعناقكم بذنوبكم التـي كانت من أحداثكم.<br />
  552ـ وحدثنا الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: أوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قال: عهده إلـى عبـاده: دين الإسلام أن يتبعوه. أُوفِ بِعَهْدِكُمْ يعنـي الـجنة.<br />
  553ـ وحدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: أوْفُوا بعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أما أوفوا بعهدي: فما عهدت إلـيكم فـي الكتاب, وأما أوف بعهدكم: فـالـجنة, عهدت إلـيكم أنكم إن عملتـم بطاعتـي أدخـلتكم الـجنة.<br />
  554ـ وحدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج فـي قوله: وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ قال: ذلك الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي الـمائدة وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنـي إسْرَائِيـلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَـي عَشَرَ نَقِـيبـا إلـى آخر الآية. فهذا عهد الله الذي عهد إلـيهم, وهو عهد الله فـينا, فمن أوفـى بعهد الله وفـى الله له بعهده.<br />
  555ـ وحدثت عن الـمنـجاب, قال: حدثنا بشر, عن أبـي روق, عن الضحاك, عن ابن عبـاس فـي قوله: وأُوفُوا بِعَهْ