أسماء الله الحسنى
الحمد لله رب العالمين والصلاة السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد :
فهذا بحث متواضع أقدمه للقراء الكرام حول أسماء الله الحسنى التسعة وتسعين والتي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وجعل لمن يحفظها أو يحصيها الجنة .
فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة .
وفي رواية أخرى : لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة .
فما هي هذه الأسماء الحسنى لكي نحفظها وننال بذلك وعد النبي عليه الصلاة والسلام بدخول الجنة .
ولعلنا نمهد للبحث بتعريف الاسم وتمييزه عن الصفة المشتقة منه .
المبحث الأول : معنى الاسم والصفة والفرق بينهما
الاسم : ((هو ما دل على معنى في نفسه)) ، و ((أسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها)) ، ((وقيل : الاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل)).
الصفة : ((هي الاسم الدال على بعض أحوال الذاتوهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يُعرف بها)) ، ((وهي ما وقع الوصف مشتقاً منها ، وهو دالٌ عليها ، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه)).
وقـال ابن فارس : ((الصفة : الأمارة اللازمة للشيء)) ، وقال : ((النعت : وصفك الشيء بما فيه من حسن)).
الفرق بين الاسم والصفة :
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن الفرق بين الاسم والصفة ؟ فأجابت بما يلي :
((أسمـاء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به ؛ مثل : القادر ، العليم ، الحكيم ، السميع ، البصير ؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله ، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر ، أما الصفات ؛ فهي نعوت الكمـال القائمة بالذات ؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر ؛ فالاسم دل على أمرين ، والصفة دلت على أمر واحد ، ويقال : الاسم متضمن للصفة ، والصفة مستلزمة للاسم…)). ((فتاوى اللجنة الدائمة)) (3/116-فتوى رقم 8942)
ولمعرفة ما يُميِّز الاسم عن الصفة ، والصفة عن الاسم أمور ، منها :
أولاً : ((أن الأسماء يشتق منها صفات ، أما الصفات ؛ فلا يشتق منها أسماء ، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم ، صفات الرحمة والقدرة والعظمة ، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر)).
ثانياً : ((أن الاسم لا يُشتق من أفعال الله ؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب ، أما صفاته ؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال ، لذلك قيل : باب الصفات أوسع من باب الأسماء)) [مدارج السالكين لابن القيم (3/415)].
ثالثاً : أن أسماء الله عَزَّ وجَلَّ وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها ، لكن تختلـف في التعــبد والدعاء ، فيتعبد الله بأسمائـه ، فنقول : عبد الكريم ، وعبد الرحـمن ، وعبد العزيز ، لكن لا يُتعبد بصفاته؛ فلا نقول : عبد الكرم ، وعبد الرحمـة ، وعبد العزة ؛ كما أنه يُدعى اللهُ بأسمائه، فنقول : يا رحيم ! ارحمنا ، ويا كريم! أكرمنا ، ويا لطيف! الطف بنا ، لكن لا ندعو صفاته فنقول : يا رحمة الله! ارحمينا ، أو : يا كرم الله ! أو :يا لطف الله ! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف ؛ فالرحمة ليست هي الله ، بل هي صفةٌ لله ، وكذلك العزة ، وغيرها ؛ فهذه صفات لله ، وليســـت هي الله ، ولا يجوز التعبد إلا لله ، ولا يجوز دعاء إلا الله ؛ لقولـه تعالى : ( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شــَيْئًا ) [النور : 55] ، وقوله تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [غافر :60] وغيرها من الآيات.
المبحث الثاني : حديث إن لله تسعة وتسعين اسماً ليس المراد منه حصر أسماء الله بعدد
قال الحافظ في الفتح (11/220) :
وقد اختلف في هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة أو أنها أكثر من ذلك ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟ فذهب الجمهور إلى الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد وصححه ابن حبان " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " وعند مالك عن كعب الأحبار في دعاء " وأسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم " وأورد الطبري عن قتادة نحوه، ومن حديث عائشة أنها دعت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك . اهـ
المبحث الثالث : ما هي الأسماء التسع وتسعين
أما ما هي هذه الأسماء المخصوصة التي أشار لها النبي صلى الله عليه وسلم فهي والله أعلم أسماء لله تعالى التي وردت في القرآن الكريم ودل الدليل القطعي عليها ، ولا بد أن ترد بصيغة اسم الفاعل ولا يصح أن تكون اسم فاعل مشتق من فعل أو صفة واردة في القرآن كما أشرت إلى ذلك عند تعريف الاسم والتفرقة بينه وبين الصفة .
وأما ما ورد في سرد الأسماء وتعيينها في بعض الأحاديث فلا يصح منها شيء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما الصحيح أن سرد الأسماء هو من إدراج بعض الرواة وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الذي ذهب اليه كثير من علماء وحفاظ الحديث ورجحه الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح .
قال الحافظ في الفتح (11/215) :
واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة، فمشى كثير منهم على الأول واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثيرا من هذه الأسماء كذلك.
وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه.
وبعد سرد كثير من أقوال العلماء الذين يرون أن سرد الاسماء مدرج من مثل ابن حزم وابن العربي وغيرهم قال الحافظ : وإذا تقرر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعا فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد .. الخ . اهـ
ولعلنا نستعرض الرواية المشهورة التي ذكرت الأسماء وهي عند الترمذي :
عَن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليْهِ وسَلَّم:
إنَّ للَّهِ تسعةً وتسعينَ اسماً مِائةً غيرَ واحدةٍ مَنْ أحصاهَا دخلَ الجنَّةَ. هوَ اللَّهُ الَّذِي لا إله إلاّ هوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ الملكُ القُدُوسُ السَّلامُ المؤمنُ المُهيمنُ العزيزُ الجبَّارُ المُتكَبِّرُ الخالقُ البارئُ المصوِّرُ الغفَّارُ القهَّارُ الوهَّابُ الرَّزَّاقُ الفتَّاح العليمُ القابضُ الباسِطُ الخَافِضُ الرَّافعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّميعُ البصيرُ الحكمُ العدلُ الَّلطيفُ الخبيرُ الحليمُ العظيمُ الغفورُ الشَّكورُ العليُّ الكبيرُ الحفيظُ المُقِيتُ الحسيبُ الجليلُ الكريمُ الرَّقيبُ المجيبُ الواسِعُ الحكيمُ الودودُ المجيدُ الباعثُ الشَّهيدُ الحقُّ الوكيلُ القويُّ المتيُن الوليُّ الحميدُ المُحصي المُبدئ المُعيدُ المحيي المُميتُ الحيُّ القيُّومُ الواجدُ الماجدُ الواحدُ الصَّمدُ القَادرُ المقتدرُ المقدِّمُ المؤخِّرُ الأوَّلُ الآخرُ الظَّاهرُ الباطِنُ الوالي المُتعالي البرُّ التَّوابُ المنتقمُ العفوُّ الرَّؤوفُ مالكُ الملكِ ذو الجلالِ والإكْرامِ المُقسِطُ الجامِعُ الغنيُّ المُغني المانِعُ الضَّارُّ النَّافعُ النُّورُ الهادي البَديعُ الباقي الوارثُ الرَّشيدُ الصَّبور .
ففي هذه الرواية ذكرت كثيراً من الأسماء التي ذكرت في القرآن وقد أحصاها الحافظ فبلغت 72 اسماً وأما باقي الأسماء 27 فلم ترد بصيغة الاسم وهي :
القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل العدل الجليل الباعث المحصي المبدئ المعيد المميت الواجد الماجد المقدم المؤخر الوالي ذو الجلال والإكرام المقسط المغني المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور .
قال الحافظ في الفتح (11/218) :
وقد تتبعت ما بقي من الأسماء مما ورد في القرآن بصيغة الاسم مما لم يذكر في رواية الترمذي وهي " الرب الإله المحيط القدير الكافي الشاكر الشديد القائم الحاكم الفاطر الغافر القاهر المولى النصير الغالب الخالق الرفيع المليك الكفيل الخلاق الأكرم الأعلى المبين بالموحدة الحفي بالحاء المهملة والفاء القريب الأحد الحافظ " فهذه سبعة وعشرون اسما إذا انضمت إلى الأسماء التي وقعت في رواية الترمذي مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تكمل بها التسعة والتسعون وكلها في القرآن، لكن بعضها بإضافة كالشديد من (شديد العقاب) والرفيع من (رفيع الدرجات) والقائم من قوله (قائم على كل نفس بما كسبت) والفاطر من (فاطر السماوات) والقاهر من (وهو القاهر فوق عباده) والمولى والنصير من (نعم المولى ونعم النصير) والعالم من (عالم الغيب) والخالق من قوله (خالق كل شيء) والغافر من (غافر الذنب) والغالب من (والله غالب على أمره) والرفيع من (رفيع الدرجات) والحافظ من قوله (فالله خير حافظا) ومن قوله (وإنا له لحافظون) وقد وقع نحو ذلك من الأسماء التي في رواية الترمذي وهي المحيي من قوله (لمحيي الموتى) والمالك من قوله (مالك الملك) والنور من قوله (نور السماوات والأرض) والبديع من قوله (بديع السموات والأرض) والجامع من قوله (جامع الناس) والحكم من قوله (أفغير الله أبتغي حكما) والوارث من قوله (ونحن الوارثون) والأسماء التي تقابل هذه مما وقع في رواية الترمذي مما لم تقع في القرآن بصيغة الاسم وهي سبعة وعشرون اسما " القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل العدل الجليل الباعث المحصي المبدئ المعيد المميت الواجد الماجد المقدم المؤخر الوالي ذو الجلال والإكرام المقسط المغني المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور " فإذا اقتصر من رواية الترمذي على ما عدا هذه الأسماء وأبدلت بالسبعة والعشرين التي ذكرتها خرج من ذلك تسعة وتسعون اسما كلها في القرآن واردة بصيغة الاسم ومواضعها كلها ظاهرة من القرآن إلا قوله الحفي فإنه في سورة مريم في قول إبراهيم (سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) وقل من نبه على ذلك .
وقال : وهذا سردها لتحفظ ولو كان في ذلك إعادة لكنه يغتفر لهذا القصد " الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار التواب الوهاب الخلاق الرزاق الفتاح العليم الحليم العظيم الواسع الحكيم الحي القيوم السميع البصير اللطيف الخبير العلي الكبير المحيط القدير المولى النصير الكريم الرقيب القريب المجيب الوكيل الحسيب الحفيظ المقيت الودود المجيد الوارث الشهيد الولي الحميد الحق المبين القوي المتين الغني المالك الشديد القادر المقتدر القاهر الكافي الشاكر المستعان الفاطر البديع الغافر الأول الآخر الظاهر الباطن الكفيل الغالب الحكم العالم الرفيع الحافظ المنتقم القائم المحيي الجامع المليك المتعالي النور الهادي الغفور الشكور العفو الرءوف الأكرم الأعلى البر الحفي الرب الإله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . اهـ
أقول : جزى الله الامام الحافظ ابن حجر على عمله العظيم هذا وجعله في ميزان حسناته ، وأنا بدوري رأيت من باب اتمام الفائدة أن أقوم بسرد هذه الأسماء مقرونة بأدلتها من القرآن الكريم طالباً بذلك الأجر والثواب من الله تعالى .
|