إن الإستهبال الذي تشكو منه أخي الكريم هو : أزمة أمة فقدت هويتها .. وتنكبت طريقها .. واتخذت القلم
والقرطاس مهجورا ..
أمة يتطاول فيها الأقزام ، ويستنسر بأرضها البغاث ، ويتعالم في ساحها المتغربون ....!!
وقبل أن نغرق وإياك أستاذي الفاضل في محيط لا ساحل له من الإستهبال .. دعني أقول لك إن موضوعك هذا
ذكرني بأحد أرباب الأدب ، وأباطرة القلم الذين يحملون رسالة أمة تبحث عن موقعها الإعرابي في خمسينيات
القرن الماضي ..
وملخص قصته أنه كان يحتفظ بقنينة دواء قديمة على طاولة مكتبه ، قد عفى عليها الزمن بعقود متطاولة ..
وعندما سأله أحد أحفاده عن سرها .. بدأ يسرد له سرها الدفين .. فكاتبنا المبجل كان من رواد الصحافة في وقت
راجت فيه سوق الصحف السوداء .. ذات التوجه الطابوري الخامس .. وكان صاحبنا تخطب وده الصحف
والمجلات وكان لا يملك من دنياه إلا القلم الذي لا يوفر له ما يسد رمق أسرته الصغيرة ...
وكان رئيس إحدى الصحف المافونة يعرض عليه الكتابة وهو يمتنع لأنه يرى الكتابة في مثل هذه الصحيفة
انتكاسة أخلاقية ، وسقوط للشرف المهني الذي أعطاه مواثيقه .. وتكررت الدعوات وتأكدت الإمتناعات أيضا
حتى جاء وقت الضرورة والحاجة .. فطفله الصغير فلذة الكبد ، وثمرة الفؤاد .. يصارع الموت ، ويحتاج إلى
ثمن الدواء .. ولكن من أين له بالنقود ..؟؟
تأتيه الدعوة من الصحيفة ليكتب عمودا فيها .. وهنا يصارع الكاتب ميثاق الشرف المهني ، ونداء البنوة الذي
يتلمظ تحت أنياب الموت .. وبعد صراع طويل ينتصر شعور الأب على شرف المهنة .. فيستل قلمه وينثر كنانة
كلماته يدبج بها صفحة سوداء ليبيض بها صحيفة سوداء ..
ويهرع مسرعا ليسلم المقال ، ويقبض الثمن ، وبنفس السرعة ذهب إلى أقرب صيدلية فاشترى الدواء وقفل
راجعا إلى البيت يحمل لبن العصفور منتصرا في منازلة رخيصة .. قرع الباب .. هاهو يدلف البيت يبشر الأم
.. يقبل على الإبن .. تتجمد الدماء .. تتثلج الأعضاء .. لقد شخص بصر الإبن .. واندلعت لسانه .. ولسان الحال
عفوا أبي لقد كان الموت اسرع منك ..!!
دعني هنا أنتزعك كما يتنزع السفود من الصوف المبلول لنعود إلى نقطة البداية ..
إن عقودا من التجهيل العلمي ، ودهورا من الركود المعرفي .. أفرزت ثقافة بالية لا تقدر العلم ، ولا تعترف
بالعلماء .. ساعد على ذلك غياب القدوات الناجحة التي حازت قصب الإخفاق في مضمار السباق في ميدان العلم
.. بينما لو أشرفت غير بعيد على مضامير أخرى في الحياة .. لوجدت قوافل الناجحين ، ورايات السابقين ..
تغريك لدخول المضمار في ميدان الرياضة ، والفن ، والإعلام .. فما أسهل أن تلتمع نجوميتك سريعا .. وتخرج
بطلا تحتفي بك الملا يين ، وتتمنى توقيعك ان كنت تجيده المعجبات والمعجبون ..!!
ثم انظر أستاذي إلى أصحاب القرار في وزارات التجهيل عفوا التعليم ، وفي أروقة الظلمات عفوا الجامعات
لترى سياسة تعليمية خرقاء لا تعترف بالكفاءة ، ولا تؤمن بالنجابة فترسل سيل المتخرجين الذين لا يعرفون ألف
باء مهنة التعليم يؤتمنون على أجيال المستقبل لتتسلسل المتوالية الهندسية .. !! فأي مخرجات سننتظرها ، وأي
حصيلة سنظفر بها ..؟
دعني أقول لك إن ابني حرم في الصف الأول الإبتدائي من المركز الأول لأن مدرس القرآن الكريم قدر له في
محصلة الفصل الأول 14 درجة ، وعدل له نفس الدرجة في الفصل الثاني دون أن يختبره لأن حضرة الأستاذ
مشغول بسيارة الأجرة .. ولعلي أصدقك القول حين أجزم أن الأستاذ كان يليق به أن يكون تلميذا عند التلميذ ..
لعلك اليوم تظفر مني بمسحة تشاؤم لكن لا عليك تابعني إلى النهاية لعلها تتبخر ..
أستاذي السليماني .: إن سياستنا التعليمية شئنا أم أبينا سياسة تجهيلية مع مرتبة الشرف الأولى بامتياز مع
التوصية بالإشادة .. - عفوا لا تستعجل أعلم أن ذلك مقررا عندك - ولكن دعني أفاجئك بان ميزانية أعرق
الجامعات العلمية في أغنى دولة في محيطنا الجغرافي ميزانيتها للبحث العلمي في السنة لا تتجاوز خمسة آلاف
دولار .. بما لا يساوي ميزانية بوفية مفتوحة في مهرجان سينمائي .. ناهيك عن العشاء وتوابعه ..
أو حجز فندقي لمشاركة رياضية ..!!
أترى ذلك الشاب الذي ركب رأسه ولم يستمع لنصح المخلصين أمثالك يغترب بعيدا في صحراء قاحلة ويفرط
في تعليمه لو كان وزن الشهادة يوفر له معشار ما يدر له عمله في الصحراء .. ؟ أترك لك الإجابة ..!!
إن امة لا تقدس العلم ولا تحترم المعلم ولا تبجله تبجيلا على قول شوقي ..لهي أمة جديرة بالفناء ..
أتذكر أن احد أمراء المماليك التقى بملك الفرنج على هامش قمة استسلامية .. وأراد المملوكي أن يزيد في الغلة
السلامية .. فجاء بأحد علماء الأمة الأحرار موثوق اليدين ، مكبل القدمين فوضعه في خيمة قريبة .. فأخبر ملك
الإفرنج بأن هذا العالم هو الذي يحرضنا عليكم .. فقال له الإفرنجي : ( لو كان هذا عندنا لغسلت قدميه وشربت
مرقتها ..)
بقي الإجابة عن سؤالك ( هل إلى خروج من سبيل )
وهذا ما أحاول الإجابة عنه في توصيات موضوع الأمة أزمات ونكسات ولكن لابواكي لها ..
أستاذي السليماني .. مبارك عليك هذا القلم المعطاء ..
فلله درك .. وأدر الله ضرع قلمك .. حتى نرى مواضيع الإبداع .. تلتمع في سماء الإمتاع ..
لقد قرأت مواضيعك السابقة .. فوجدت فيها نفس أديب .. وحضور أستاذ .. وفكر مبدع ..
لا حرمنا الله من كتاباتك ..
كما أشكرك على مشاعرك الأخوية الصادقة في مصابنا الجلل .. لا أراك الله في قريب مكروها ..!!
|