كارثة اليمن الكبرى
الحكومة ثم الفساد ثم القات القات القات
صنعاء: محمد سماحة
غلاف مجلة المجتمع العدد 1764
يتبع القات العائلة النباتية "سيلا ستر يسب" شجرة دائمة الخضرة، موطنها الأصلي الحبشة، تتفاوت الروايات التاريخية حول تاريخ دخولها اليمن، فتقول إحدى الروايات إنها دخلت مع حملة الأحباش في عام 525م، في حين تقول أخرى إنها دخلت اليمن في القرن الثالث عشر.
ويجمع الباحثون على أن القات بدأ ينتشر في اليمن في مراحل متأخرة بعد ظهور الإسلام متزامناًً مع ظهور نبات البن، في نهاية عهد آل رسول في "تعز"، أثناء حكم الملك المؤيد داود (731696ه) الموافق (13221296م).
وللقات أسماء مختلفة فهو (جات) في الحبشة والصومال و(ميرا) أو (مار ونجي) في كينيا.. ويزرع القات في عدة بلدان إفريقية أخرى مثل تنزانيا ملاوي زائير موزنبيق.
وللوقوف على حجم الظاهرة وأخطارها الصحية والاقتصادية والاجتماعية باليمن، أجرت "المجتمع" التحقيق التالي:
بداية قال د. عبد الرحمن ثابت أستاذ العلوم البيئية بجامعة صنعاء ل"المجتمع" إن مناطق زراعة القات الأصلية في اليمن هي: جبل صبر، العدين، ريمة، أما في الوقت الحاضر فتمتد من جبل "فيفة" في منطقة "عسير" إلى "الحجرية" جنوب تعز وجبال "جحاف" شرقاً إلى محافظة البيضاء، ولم تعد أي منطقة خالية من زراعته سوى المناطق والسهول الساحلية.
على حساب الحبوب
ويشير محمد النويرة مدير عام الإحصاء الزراعي بوزارة الزراعة إلى أن زراعة القات تتسع من عام إلى آخر، وقد استشعرت الدولة خطورة انتشاره على الرقعة الزراعية مؤخراً، واتخذ مجلس الوزراء مطلع مارس الماضي قراراً بمنع زراعته في القيعان الزراعية المخصصة لإنتاج الحبوب..
وأضاف: نحن الآن بصدد إجراء المسوحات اللازمة لمعرفة مدى انتشار القات في القيعان الزراعية لتتخذ الدولة الإجراءات المناسبة لإزالة أشجاره وتعويض أصحابها..
وأوضح أن من أسباب انتشار زراعة القات ارتفاع مردوده الاقتصادي على المزارع، حيث يدر هكتار القات ما يساوي مردود 100 هكتار (الهكتار: 10 آلاف متر مربع) من أي محصول آخر.
الكارثة في أرقام
وبحسب كتاب الإحصاء الزراعي لعام 2005م الصادر عن الإدارة العامة للإحصاء الزراعي، فإن مساحة زراعة القات ارتفعت من 108715 هكتاراً عام 2001م إلى 123933 هكتاراً عام 2005م، كما ارتفع مقدار إنتاجه خلال الفترة ذاتها من 105465 طناً إلى 121399 طناً.
وتؤكد الإحصاءات أن زيادة مساحة وإنتاج القات، يقابله تراجع في مساحة وإنتاج البن والعنب، وهما من المحاصيل التي تشتهر بها اليمن، فبينما كانت مساحة زراعة البن عام 2001م تصل إلى 33641 هكتاراً، تنتج 11906 أطنان، تراجعت في عام 2005م إلى 28821 هكتاراً تنتج 11331 طناً، وبينما كانت زراعة العنب تحتل مساحة 22672 هكتاراً، وتنتج 162726 طناًً، تراجعت لصالح القات إلى 12424 هكتاراً تنتج 107753 طناً.
وأكد د. نجيب غانم رئيس لجنة الصحة والسكان بالبرلمان اليمني ووزير الصحة اليمني الأسبق ل "المجتمع" أن اليمن يواجه بسبب القات كارثة خطيرة، تهدد الأمن الغذائي والأمن القومي، لما يسببه من انهيار القدرة على العمل والإنتاج.. داعياً جميع اليمنيين إلى تحمل مسؤولياتهم في الحد من انتشار آفة القات، فالكل مسؤول عن انتشارها، السلطة التشريعية، الحكومة، صناع القرار، المجتمع، الأسرة، المزارعون.. ويجب عليهم أن يدركوا أنهم وإن كانوا يجنون الأرباح السريعة حالياً، إلا أنهم على المدى البعيد لن يجدوا من يشتري منهم؛ لأن المجتمع سيكون قد بلغ به الفقر والمرض مبلغاً لا يستطيع معه العمل وكسب المال..
كما أكدت دراسة للباحث أمين أحمد شمسان نشرتها وكالة سبأ الرسمية أن نسبة الذكور من متعاطي القات ارتفعت في السنوات الأخيرة على نحو كبير، حيث يتعاطاه ما بين 80 85% من الرجال، وتصل النسبة في أوساط النساء إلى 35%.
وحسب دراسة للباحث الاجتماعي والإعلامي د. عبد الله الزلب فإن شريحة الشباب تمثل أعلى نسبة بين متعاطي القات مقارنة بالشرائح الاجتماعية الأخرى بنسبة 60.5%.
آثار اقتصادية واجتماعية
ويشدد د. عبد الرحمن ثابث على أن خطورة زراعات القات التي توسعت بشكل كبير، بات يهدد مساحات كبيرة من الأرض الصالحة لزراعة المحاصيل ذات القيمة التصديرية العالية، بالإضافة إلى المحاصيل الزراعية ذات الأهمية الغذائية؛ مثل البن الذي كان يسد جزءاً كبيراً من الفجوة التجارية في ميزان المدفوعات، ويوفر العملات الصعبة لدعم الاستقرار في سعر الصرف.
ويعتبر ثابت الحاصل على درجة الدكتوراه في "القات وأضراره" أن القات من أبرز العوامل المسؤولة عن إعاقة التنمية الزراعية، وعدم قدرة القطاع الزراعي على مواجهة المتطلبات المتزايدة للمحاصيل الغذائية، بالإضافة إلى زيادة الواردات من السلع الزراعية، خاصة القمح الذي يعتبر من أبرز مكونات الوجبة الغذائية في اليمن.
ويؤكد أن استهلاك القات محلياً له آثار سلبية على توزيع الدخل، حيث أظهرت نتائج مسح حول ميزانية الأسرة لعام 1998م أن القات والتبغ استحوذا على 16.8% من إجمالي إنفاق الأسرة على السلع الغذائية، واحتل المركز الثاني بعد مجموعة الحبوب ومنتجاته، وبلغ الإنفاق الوطني على القات عام 1998م 36 مليار ريال سنوياً.
محو ذاكرة اليمنيين
وعن الآثار الاجتماعية يذهب الدكتور ثابت إلى أن "تعاطي القات لم يعد خطراً على الاقتصاد والصحة فقط، بل أصبح خطراً يهدد الحياة العائلية بالتفكك، نتيجة عجز رب الأسرة عن الوفاء بالتزاماته الأسرية أو غيابه عن المنزل لساعات طويلة، الأمر الذي يؤدي إلى مشكلات اجتماعية تؤثر على التكوين النفسي والاجتماعي للفرد والأسرة، ويساهم في غياب الاستقرار العائلي وضعف مدخرات الأسرة بسبب زيادة الإنفاق على القات.
كما أن للقات تأثيره السلبي على العملية التعليمية؛ فالأسرة اليمنية حسب تقديره لا تنفق على التعليم من دخلها الشهري سوى 1% مقابل إنفاق حوالي 12% على القات، وهذه كارثة على المدى البعيد ستمحو ذاكرة اليمنيين، وسيساهم القات إلى حد كبير في تجهيل الشعب اليمني وزيادة نسبة الأمية..
وفيما يتعلق بالجانب الثقافي أكد القاضي إسماعيل الأكوع باحث ومؤرخ أن القات ليس له أي تأثير إيجابي على الثقافة في اليمن، مؤكداً أن مجالس القات وإن كانت في الماضي تقرأ فيها وتناقش بعض الكتب، أما اليوم فإن القات قد استعبد العقول والأنفس ولم يعد لمجالس القات أي مردود ذي بال في مجال الثقافة.
استنزاف المياه
ومن الآثار السلبية للقات استنزافه الشديد للماء، حيث تؤكد الدراسات أن نسبة ما يستخدم في زراعة القات من المياه الجوفية تصل إلى 40% من المخزون المائي، ما يؤثر على المنسوب المائي الجوفي، حيث يعمد المزارعون إلى حفر الآبار بشكل عشوائي..
وفي سياق متصل أكدت "فلافيا بانسيري" الممثل المقيم للبرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة في اليمن في حفل إعلان "تقرير التنمية البشرية" في 22 مارس 2007م أن أكثر من 80% من الآبار الجديدة في المرتفعات تستخدم في إنتاج القات.
أضرار صحية
وبخصوص المخاطر الصحية للقات يقول الدكتور عبد الرحمن ثابت: "إن عصارة القات تتسبب في التهاب الغشاء المبطن للفم والتهاب اللثة وخلخلة الأسنان والإصابة بقرحة المعدة، وخاصة إذا كان "المخزن" مدخناً، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الإصابة بقرحة المعدة والاثني عشر بين المدخنين أعلى منها بين الأشخاص غير المدخنين، بالإضافة إلى أن تعاطي الشاي أثناء وبعد التخزين وكذا تعاطي المشروبات الغازية ينتج عنه زيادة في إفراز العصارة المعدية ويضاعف من أعراض الإصابة بالقرحة. وتحتوي عصارة القات في تركيبها على مادة "التانين" ذات الأثر القابض والمسببة للإمساك، وكذا مادة "الكاثينون" وهي تعمل على الإبطاء من حركة الأمعاء اللولبية مما يؤدي إلى تثبيط نشاط المعدة ومن ثم عسر الهضم، خاصة لدى الأفراد الذين يتعاطون القات بعد وجبة الغداء مباشرة والمصابين بالإمساك المزمن، وهم أكثر الأشخاص عرضة للإصابة بالبواسير وانسداد الأمعاء. وللقات تأثيرات مباشرة على الكبد الذي يعتبر مخزناً للسموم، حيث يؤدي القات إلى تحفيز الكبد لإفراز أنزيم الطاقة "الأيدونيسين ثلاثي الفوسفات"، الذي يعمل على تكسير روابط السكر في الدم مسبباً ارتفاع درجة حرارة الجسم أثناء فترة التخزين..
فقدان الشهية
ويوضح الدكتور ثابت أن تعاطي القات يؤدي إلى فقدان الشهية وعدم الرغبة في تناول الطعام لإحساس المخزن بالشبع، والسبب في ذلك يرجع إلى احتواء عصارة القات على مادة "الكاثينون الشبيهة" بمركب "الأمغيتامين" التي تؤثر على تنبيه مراكز الشبع في المخ، مما يؤدي إلى تقليل الشهية لتناول الطعام، بالإضافة إلى أن "الكاثينون" يعمل على حث مراكز الإحساس العصبية في الدماغ على إفراز بعض الناقلات العصبية مثل "الدوبامين" و"النور أدرينالين" مما يقلل من الشهية لتناول الأطعمة. وهذا التأثير المتواصل على مراكز الشبع يؤدي إلى فقدان الشهية المتواصل، ويسبب سوء التغذية، وبالتالي يؤثر على فعالية جهاز المناعة في الجسم، وتكون محصلته النهائية جسماً هزيلاً عرضة لكثير من الأمراض يفقد الجسم بعده كثيراً من قدراته العضلية والذهنية.
ضغط الدم
كما يسبب القات ارتفاع ضغط الدم، لانقباض وانبساط عضلات القلب التي تعمل على الإسراع من ضربات القلب حيث يستمر التأثير لبضع ساعات، يرجع بعدها النبض لحالته الطبيعية وهذه الظاهرة تشكل خطراً على الأشخاص المخزنين والمصابين بخلل في أداء الجهاز الدوري، ومن المضاعفات الخطيرة الناتجة عن ارتفاع ضغط الدم حدوث تضخم في عضلة القلب ويؤدي الضغط الزائد إلى السكتة القلبية والدماغية.
الجهاز التناسلي
وعن أضرار القات على الجهاز التناسلي يقول ثابت: "القات يؤثر على البروستاتا والحويصلة المنوية، خاصة عند المتعاطين كبار السن الذين يعانون من تضخم البروستاتا إذ يشعرون بصعوبة التبول بعد مضغ القات، كما أن احتواء القات على مركب "الكاثين" والذي يشبه في تأثيره "مركب الأفدرين" يتسبب في ضعف اندفاع الدم إلى الأعضاء التناسلية عند الذكور، مما يؤدي لضعف المقدرة على الأداء الجنسي.. وتشير الدراسات العلمية إلى تأثيره على أوزان الأجنة لدى الأمهات الحوامل اللاتي تعودن مضغ القات، حيث يتشابه تأثيره مع "مركبات الأمفيتامين" التي تسبب تشوه الأجنة..
ويرى د. نجيب غانم، من جهته أن القات يترك آثاراً ضارة على الجهاز العصبي للإنسان، مشيراً إلى أن نسبة الأمراض النفسية في اليمن مقارنة بحجم السكان تكاد تكون عشرات الأضعاف مما هو خارج اليمن، فالمرضى النفسيون في اليمن يمثلون 40 ضعف أمثالهم في مصر ولا يوجد سبب رئيس لدينا غير القات.
القات والمبيدات
وتزيد المبيدات التي يرش بها المزارعون أشجار القات من الأخطار الصحية للقات لتصبح مشكلته مركبة.. فقد أكد الدكتور جلال فقيرة وزير الزراعة والري خلال مشاركته في منتدى الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الأسبوعي مؤخراً أن أكثر من 335 مبيداً محظوراً يستخدمها المزارعون في اليمن، 70% منها تستخدم لرش القات.
العلاج
وأمام تفاقم أضرار القات ووصولها إلى مستويات خطرة تكاد تكون مدمرة على المجتمع اليمني، تقدم د. نجيب غانم إلى البرلمان مؤخراً بمشروع قانون لمعالجة القات بالتدرج والتعويض. وأوضح غانم ل"المجتمع" أن المشروع يستهدف توعية وإقناع مزارعي القات بالتخلص التدريجي الطوعي منه واستبداله بمحاصيل الحبوب من ذرة وقمح وشعير وفواكه وخضراوات وورود ونباتات عطرية... إلخ. وأضاف غانم أنه وإدراكاً من معدي المشروع لارتباط معيشة قطاع واسع من السكان بزراعة وبيع القات، يلزم المشروع الحكومة بالتعويضات المالية والفورية لمن يقوم باقتلاع أشجار القات طوعياً، عن طريق صندوق خاص، تديره لجنة من الوزارات ذات العلاقة برئاسة وزير الزراعة، تسهم الحكومة من خلاله في توفير البذور وشتلات المحاصيل والأشجار البديلة للمزارعين.. وقلل البرلماني اليمني من أهمية القرارات التي سبق واتخذتها الدولة في فترات سابقة، مؤكداً أن "ما اتخذ في السابق من إجراءات ضد القات لم يرق إلى مستوى المعالجة التشريعية والقانونية، ولعل هذا هو الجديد في المعالجة التي نسعى لها والتي ستأخذ شكل قانون ملزم للسلطة التنفيذية، وفقاً للائحة تنفيذية وبرنامج وطني إستراتيجي تقوم بتنفيذه مجموعة وزارات منها الزراعة والصحة والإعلام والتربية والتعليم والأوقاف وغيرها. وأعرب رئيس لجنة الصحة والسكان في البرلمان اليمني في ختام حديثه ل"المجتمع" عن أمله بإقرار مشروع "قانون معالجة القات بالتدرج والتعويض" في البرلمان، الأمر الذي سيشكل نقلة نوعية في حياة الشعب اليمني، وصحته العامة، وسيخرجه إلى آفاق رحبة من الحراك الاقتصادي وزيادة ساعات العمل والإنتاج وارتفاع مستوى الدخل.
"العم أبو بدر" حث على مكافحة القات
وفي إشارة ذات صلة بمشروع قانون "مكافحة القات بالتعويض والتدريج"، قال د. نجيب سعيد غانم وزير الصحة السابق: "أذكر أنني كنت في زيارة للكويت، وزرنا العم عبدالله المطوع أبو بدر يرحمه الله وإذا به أثناء حديثه معنا، يذكر لي موضوع القات.. ويقول: "لا يصح السكوت أمام هذه الظاهرة، ولابد من التحرك بصورة أو بأخرى للتصدي لهذه الآفة.. وأشهد أن كلامه كان دافعاً إضافياً قوياً ضاعف من حماسي، وساعدني على الإسراع بتبني مشروع معالجة القات بالتعويض والتدرج".