|
تحليل أولي لمقابلة الرئيس هل هناك مؤامرة تستهدفه ؟!
في: 08/10/2007 - 22:17
• منير الماوري
رغم أن كل فقرة من فقرات المقابلة التي أجرتها قناة الجزيرة مع الأخ رئيس الجمهورية تحتاج إلى توقف لتحليل مدلولاتها إلا أني سأكتفي هنا بالتعليق على الفقرة الخاصة باحتمال وجود مؤامرة دولية تستهدف النظام القائم في اليمن.
لم يكن الرئيس صريحا في توجيه الإتهام إلى جهة خارجية بعينها وإنما جاء حديثه في إطار رده على سؤال للإعلامي التونسي محمد كريشان " هل هناك خطر يهدد الوحدة اليمنية؟" فقال الرئيس إن " الوحدة لا خوف عليها إلا إذا طرأت مؤامرة خارجية أو لعبة دولية في المنطقة.. فالمنطقة تغلي وكل واحد عنده تصفية حسابات هنا أو هناك.. ونحن ليس لدينا خلافات مع جيراننا ولا مع الآخرين ولكن إذا فيه لعبة دولية في العراق وإيران وفلسطين، نحن في اليمن لنا موقف حول ضرورة قيام دولة فلسطينية نحن ضد الاحتلال ضد الجدار العازل ومع عودة الفلسطينيين المهجرين..
وردا على سؤال عن علاقة ذلك بما يجري في المحافظات الجنوبية ، قال الرئيس للإعلامي التونسي :" دعني أكمل لك .. نحن نقول إن صوت اليمن مرفوع نحن ضد الجدار العازل وضد الخلاف بين حماس وفتح ومع قيام الدولة الفلسطينية على أراضي 67م ،وهذا الصوت اليمني لا يعجب ربما كثير من الدول، نحن ضد احتلال العراق من أول وهلة, ونحن ضد إيجاد بؤر توتر جديدة بين الأسرة الدولية وإيران, إيران دولة إسلامية وقد تحدثنا في هذا الأمر وقلنا إيران من حقها أن تمتلك التكنولوجيا النووية السلمية ... وهذا الصوت لا يعجب البعض وربما تحصل مثل هذه التصرفات وتغذية لبعض الأفكار ولكن لكل حدث حديث.
لا أظن أن دور اليمن في فلسطين أو مع إيران أو موقف الرئيس من احتلال العراق يخيف أي قوة دولية أو إقليمية ولكن الرئيس أراد توجيه خطابه للمشاهد العربي الذي تعجبه مثل هذه البطولات مع الحق الفلسطيني.
كما يتضح من هذا الرد أن الرئيس كان حريصا على عدم توجيه أصابع الإتهام للنظام الإقليمي في حديثه عن المؤامرة المزعومة، لكنه وجه الإتهام للنظام الدولي، وعندما نتحدث عن النظام الدولي، فمعنى ذلك أن الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة لها ضلع في المؤامرة المحتملة وفقا لحديث الرئيس. والشيء المؤكد أن هذه المؤامرة إذا ما صحت فإن أسبابها سياسات الرئيس الداخلية وليس سياساته الخارجية التي لا تخيف أحدا.
وإذا ما ربطنا مخاوف الرئيس مما أسماه بالمؤامرة الخارجية مع تقرير نشرته في مايو الماضي مجلة جينس الدفاعية الأميركية ذات التأثير القوي على صناع القرار في واشنطن حيث تضمن التقرير القول إن اعادة انتخاب الرئيس اليمني عام 2006 أدى لتزايد مشاعر الكراهية في أوساط اليمنيين للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لأن الدولتين كان لهما دور فعال في إعادة علي عبدالله صالح رئيسا لفترة جديدة، وفقا لتقرير المجلة.
ولم تعط المجلة إيضاحات كافية ولكن إيرادها لهذه المعلومة اعتبر نصيحة ضمنية لصناع القرار في واشنطن والرياض بتصحيح خطأ ارتكب في حق الشعب اليمني منعا لتزايد حدة العداء ضد الدولتين بسبب تفاقم حالة الفقر والعوز وعجز دولة الرئيس الصالح عن تقديم أبسط الخدمات الأساسية لشعب أنهكه الفقر، وتفاقم بين مسؤوليه الفساد بشكل أصبح من الصعب القضاء عليه دون اجتثاث الفاسدين من مفاصل صنع القرار.
وحسب المعلومات المتوفرة من المصادر المفتوحة فإن الولايات المتحدة ضغطت بالفعل على رموز المعارضة اليمنية لقبول نتائج الإنتخابات الرئاسية الماضية في حين أن الموقف السعودي ظل محايدا إلا إذا اعتبرنا تأييد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر للرئيس صالح من داخل السعودية في آخر لحظة موقفا سعوديا مؤيدا.
وبعد مرور أكثر من سنة على الإنتخابات الرئاسية أستطيع القول إن الرئيس صالح مستمر كعادته في سياسة عدم تفويت أي فرصة لتفويت فرصة الإصلاح السياسي الحقيقي، وهنا تكمن الخطورة إذ أن الموقف الدولي والموقف الإقليمي بدأ بالفعل يتحول ضد الرجل ليس لدرجة السعي لتغيير نظامه ولكن إلى درجة تكفي لرفع غطاء الحماية عنه وعدم الممانعة من إسقاطه.
ومن حسن حظ الرئيس صالح أن الولايات المتحدة كقوة دولية، والمملكة العربية السعودية كقوة إقليمية، والمعارضة اليمنية كقوة داخلية، وقعت في أخطأء جسيمة ناجمة عن سوء فهم المحللين السياسيين لدى هذه القوى لسيكلوجية الرئيس صالح. ففي الولايات المتحدة اعتمد أصحاب القرار على تحليلات دبلوماسيين تدربوا على تحسين العلاقات ولا يرغبون خسران الرئيس صالح ليس حبا فيه ولكن ظنا منهم أن فوز اللقاء المشترك بحكم اليمن يعني هيمنة حزب الإصلاح على مفاصل الحكم في اليمن وبالتالي فإن الولايات المتحدة ستواجه خطر المتطرفين في حزب الإصلاح.
ولم يدرك المحللون للشأن اليمني في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين أن المتطرفين في حزب الإصلاح دعموا في الإنتخابات الرئيس صالح ولم يدعموا مرشح حزبهم، كما لم يدركوا أن دور المتطرفين الإسلاميين وعلاقتهم بالنظام الحالي أمتن من علاقتهم بقيادات الإصلاح التحديثية. ولا أعتقد أن المتطرفين سيكون لهم دورا إذا ما وصل الإصلاح إلى الحكم أكبر من الدور الذي يوليهم إياه حاليا الرئيس الصالح.
أما المملكة العربية السعودية فقد وقعت في فخ قناعتها بمقولة " جني تعرفه ولا إنسي ما تعرفه" ولهذا يبدو أنها أوعزت لرجالها بالوقوف موقف الحياد إن لم يتمكنوا من دعم الرئيس الصالح، وكان من الغريب جدا أن نرى رموز التيار السلفي الذي لا يؤمن بالإنتخابات أصلا ينادي بالتصويت لولي الأمر الدائم الرئيس علي عبدالله صالح.
وبعد أن طلبت السعودية تسليم أحد الإرهابيين السعوديين من الهاربين في اليمن قوبلت بمطالب بتسليم سياسيين الأمر الذي جعل السعوديين يدركون أن التعامل مع الرئيس علي عبدالله صالح يحتاج إلى نوع من الكر والفر لم يعهدوه في علاقاتهم مع الآخرين، ولهذا تسرب الحديث عن فتور في العلاقات اليمنية السعودية، وأنا هنا أكثر ميلا لتصديق عبدالباري عطوان من تصديق الرئيس صالح لأننا اعتدنا في العالم العربي على أن نفي ما هو مثبت وتكذيب ماهو صحيح.
وبما أن الرئيس علي عبدالله صالح قد تولى حل أكبر مشكلة مع السعودية وهي مشكلة الحدود فلم يعد هناك ما يدعو السعودية لإنقاذه من ورطات يدخل نفسه إليها، ولم يعد هناك ما يجبر السعوديين على توفير الغطاء لحكم الرئيس علي عبدالله صالح، لأن أي نظام قادم سيكون أكثر صدقا في التعامل مع خطر الإرهاب حيث أن الرئيس علي عبدالله صالح لا يبدو عليه أنه مدرك بأن الإرهاب مشكلة دولية، بل مازال يتعامل مع الإرهابيين كورقة سياسية يمكن استخدامها بشكل أو بآخر داخليا وخارجيا.
ونأتي هنا إلى الخطأ الأكثر جسامة الذي وقعت فيه المعارضة اليمنية وهو اعتقاد بعض رموزها أن التغيير في البلاد لصالح جموع الشعب يحتاج إلى ضوء أخضر خارجي، متناسين أن الضوء الأخضر الخارجي لا يتأتي إلا بناء على تغيير موازين القوى في الداخل.
وفي الوقت الذي استطاع فيه الرئيس علي عبدلله صالح استغلال ضعف المعارضة وعدم ميلها للمواجهة، فإن المعارضة من جانبها لم تستغل فشل الرئيس علي عبدالله صالح في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، ولم تبد المعارضة إنحيازا كافيا لمطالب الشارع لا في الشمال ولا في الجنوب، وقبلت المعارضة نتائج انتخابات تعرف جيدا أن أرقامها أعلنت قبل الفرز واستخدمت فيها الأموال العامة، ومقومات الدولة لإنجاح مرشح الحزب الحاكم.
ما نشهده حاليا هو مجرد مؤشرات أولية لإدراك تدريجي من الولايات المتحدة أن مصلحتها الإستراتيجية تكمن في وقوفها مع الشعب اليمني وليس مع الدكتاتورية والتسلط والفساد، وإدراك تدريجي من المملكة العربية السعودية أن مصلحتها الاستراتيجية لن تكون في تحويل الشعب اليمني إلى قطيع من المتسولين يغزون أراضيها كل يوم من أجل تسول أجبرهم عليه نظام فاشل.
وما نشهده حاليا، هو بداية إدراك من المعارضة اليمنية أن الإنحياز للشارع اليمني خير وأبقى من الولائم الرئاسية، وأن الوقوف مع مصالح الوطن العليا أفضل وأسمى من التواطئ مع الفاسدين والفاشلين والاستسلام للدجل والكذب والترهيب.
ما يجري حاليا ليس بداية مؤامرة خارجية وإنما بداية إدراك محلي إقليمي دولي بأن التغيير هو سنة الحياة وأن بقاء الحال من المحال، ولا بد للشعب اليمني أن يتنفس الصعداء وأن يعرف مصير ثرواته ، وتمكينه من إدارة شؤونه بطريقة أكثر نزاهة وأكثر رحمة مما يتم حاليا.
وبقي القول إن الوقت مازال كافيا للرئيس علي عبدالله صالح لتقديم فاسد واحد للمحاكمة، ونحن نخشى أن ينفذ الوقت ويصبح حتى قبول الرئيس صالح بتنفيذ وثيقة العهد والإتفاق كاملة غير مقبول من قوى التغيير. وإذا كان الرئيس صالح نفسه قد سئم من المتنفذين والمتمصلحين والمترددين على بابه فإن الشعب أصبح أكثر سأما منهم، كما أن ضباط وجنود القوات المسلحة حزب الأحزاب أصبحوا من أكثر شرائح الشعب معاناة، وسيتضح للرئيس صالح في النهاية أن تعويله عليهم لقمع الشعب لن يكون أكثر من تعويل شاه إيران على السافاك والجيش الإيراني لحماية حكمه.
وأنا هنا لا أدعو لأعمال عنف ولا أنادي بثورة شعبية، ولكني أحذر من معطيات ستؤدي بلا شك إلى ثورة شعبية عارمة تلوح في الأفق لحماية الوحدة من الممارسات الإنفصالية التي تقوم بها السلطة في صنعاء من قمتها إلى القاعدة. وعلينا تذكير الرئيس صالح أن ثورة سبتمبر التي يحتفل بها كل عام لم تبدأ باعتصامات ولا بتظاهرات سلمية وإنما كانت عملا من أعمال العنف التي ننبذها في زمننا الحالي، ونتمنى أن يضع الرئيس نصب عينيه أن هناك دوما من يسعى في الخفاء لإختصار الإجراءات، وهؤلاء السعاة هم من أقرب المقربين إليه وليسوا من المتقاعدين. ورحم الله صدام حسين الذي لم يتعظ حتى آخر لحظة من حياته
|