مجموعة من الرواة أسماؤهم واحدة وأسماء آبائهم واحدة، كـالخليل بن أحمد ؛ فهناك ستة أشخاص
مشهورين بالرواية في الأحاديث، منهم: الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي البصري النحوي صاحب
العروض المشهور، ومنهم: الخليل بن أحمد المزني ، ومنهم: الخليل بن أحمد السجزي ، ومنهم:
الخليل بن أحمد المهلبي ، فأنت ترى أن أسماء هؤلاء الرواة وأسماء آبائهم متفقة، مفترقون
بالأشخاص. وقد تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم؛ وهذا طبعاً أقل مثل: أحمد بن جعفر بن
حمدان هناك أحمد بن جعفر بن حمدان البغدادي و أحمد بن جعفر بن حمدان البصري . قد يتفقان
في الكنية والنسبة معاً، مثل: عبد الملك بن حبيب ، و موسى بن سهل بن عبد الحميد اتفقوا في
الكنية فكل منهما كنيته أبو عمران، واتفقا أيضاً بالنسبة فكلاهما بصري، فإذا قلت: أبو عمران
البصري فيحتمل أنه عبد الملك بن حبيب التابعي المشهور، ويحتمل أنه موسى بن سهل بن عبد
الحميد ، فهنا لا بد من النظر لتعيين من هو منهما في السند، وقد يتفق الاسم واسم الأب
والنسبة، وقد يحدث أن تتفق الكنى وأسماء الآباء كأبي بكر بن عياش، فأبو بكر بن عياش اثنان: أبو
بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي و أبو بكر بن عياش الحمصي ، وهكذا من أنواع الاتفاقات،
لكنهم أشخاص متفترقة.......
المؤتلف والمختلف
ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي ومختلف حظي وما منك آمل
س: ماذا ذكر هنا؟ ج: المؤتلف والمختلف نوع من أنواع الحديث، مثل: أن تتفق الأسماء خطاً
وتختلف نطقاً. قد يكون المرجع في الاختلاف النقط مثل: الباء والنون، وقد يكون الشكل مثل: الضم
والكسر والفتح، فمثلاً: قد يوجد -وخصوصاً قبل النقط- تشابه كبير، فمثلاً: سلاَّم وسلام، حزام
وحرام، العنسي والعبسي، عثّام وغنّام؛ فهذه كلها في أبواب المؤتلف والمختلف، فهي من جهة
الخط واحدة، خصوصاً قبل وضع النقط ، ولكنها مختلفة من ناحية النطق.......
س: ماذا انطوى عليه هذا البيت؟ ج: العزيز، المشهور. أما بالنسبة للعزيز: فهو ألا يرويه أقل من
اثنين عن اثنين عن اثنين إلى منتهاه، وسمي عزيزاً إما لأنه عز برواية هذا وهذا فقوي، أو لأنه نادر
أن يكون بهذه الطريقة أي: لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين إلى منتهاه، في كل طبقة من طبقات
السند يوجد اثنان فأكثر. أما المشهور: فهو ما رواه أكثر من اثنين، وسمي بذلك لوضوحه. وبعضهم
يقول: إنه المستفيض من فاض الماء، وسمي بذلك لانتشاره. وبعضهم يقول: إن المشهور ما زادت
رواته عن ثلاثة. ولا يشترط في الحديث الصحيح أن يكون مشهوراً ولا عزيزاً، فقد يكون الحديث
الصحيح غريباً فرداً، خلافاً لمن يشترط أن يكون في كل طبقة من طبقات السند اثنان فأكثر،
فتسقط أحاديث كثيرة جداً، ونحن عندنا حديث: (إنما الأعمال بالنيات). رواه عن النبي صلى الله
عليه وسلم صحابي واحد فقط وهو عمر بن الخطاب ، ما عرفنا الحديث إلا من طريق عمر ، ورواه
عن عمر بن الخطاب تابعي واحد فقط؛ وهو علقمة بن وقاص الليثي ، وما رواه عن علقمة إلا واحد
وهو محمد بن إبراهيم التيمي . ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد
الأنصاري ، ومن يحيى بن سعيد الأنصاري انتشر الحديث، حتى إنه يقال: إنه سمعه منه مائتي
شخص، لكن الحديث بصحابيه ومن بعده ومن بعده ومن بعده واحد واحد واحد واحد في طبقات
السند، ومع ذلك فالحديث صحيح، فالحديث الغريب إذا كان رواته ثقات صحيح مقبول.......
تعريف الغريب
غريب يقاسي البعد عنكم وما له وحقك عن دار القلى متحول
وذكر في هذا البيت الغريب، وهو ما انفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من ا
لسند، فهذا هو الغريب. السفاريني رحمه الله قال: إن المتحول هنا يمكن أن يقصد بها التحويل
الذي في السند، التي تكتب أحياناً (ح) أي: تحويلة، وتعني: انتقال الراوي من سند إلى سند آخر،
يلتقي بعد ذلك مع هذا السند وقد لا يلتقي ويكون الإسنادان منفصلين. يقول: إنني لم أر فيمن
شرح من قبل القصيدة ذكر هذا، لكن يُحتمل أنه أراد الإشارة إلى التحويل الذي في السند.......
تعريف المقطوع
فرفقاً بمقطوع الوسائل مـا له إليك سبيل لا ولا عنك معدل
س: ماذا أورد هنا؟ ج: المقطوع، وهو ما أضيف إلى التابعي من قول أو فعل، وجمعه مقاطيع، ما
ينتهي إلى التابعي وحتى من دونه من أتباع التابعين يسمى مقطوعاً؛ وهذا غير المنقطع بطبيعة الحال.......
العالي والنازل من الأسانيد
فلا زلت في عزٍ منيعٍ ورفعـة ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل
س: ماذا ذكر هنا؟ ج: العالي والنازل من فنون المصطلح، والسند العالي لا شك أنه نعمة إذا كان
صحيحاً، والسند العالي ما قلت فيه الوسائط، وإذا كان بين صاحب الكتاب والنبي صلى الله عليه
وسلم ثلاثة كان ذلك أشرف من أن يكون بينهما أربعة، وأشرف من أن يكون خمسة وهكذا، وكلما
قلّ الرجال في السند تقل مئونة البحث فيه وفي ضعفه، واحتمالات الخطأ فيه، فهذا العالي والنازل.
فالإسناد العالي يعتبر محموداً إذا كان نظيفاً من المجروحين، وقد أحسن ابن ناصر الدين الدمشقي
رحمه الله لما قال:
إذا أحببت تخريج العوالي على الراوين حقق ما أقول
نزول عن ثقاتهم علوٌ علوٌ من ضعافهم نزول
فإذا ذهبت تروي الإسناد العالي عن طريق ضعفاء ففي الحقيقة أنت ما علوت، وإنما نزلت.
والمقصود بالعلو: العلو إلى النبي صلى الله عليه وسلم في السند؛ فالراوي مثلاً يذهب إلى شيخ
شيخه ويسمع منه لكي يعلو إسناده، وقد يكون العلو إلى إمام مشهور، أو إلى كتاب من الكتب
الستة، ولا شك أن أفضلها في العلو العلو للنبي صلى الله عليه وسلم.......
المقصود بقصيدة ابن فرح
أوري بسعدى والرباب وزينب وأنت الذي تُعنى وأنت المؤمل
يقول الناظم: إنني استخدمت التورية وأتيت بأبيات ظاهرها الغزل، أو ذكر الحب ونحو ذلك، وما يُذكر
في أشعار الغزل من سعدى والرباب وزينب وليلى ولبنى وعزة وبثينة ونحو ذلك، ولكنني أقصد شيئاً آخر، قال:
فخذ أولاً من آخر ثم أولاً من النصف منه فهو فيه مكمل
هذا لغز حله في البيت الذي بعده:
أبرُّ إذا أقسمت أني بحبه أهيمُ وقلبي بالصبابة مشعل
فما هو حل اللغز؟ فهو يلغز إلى كلمة واحدة؛ والكلمة هذه علم على شخص. لأنه في البيت الأخير
قال:
أبر إذا أقسمت أني بحبه أهيم وقلبي بالصبابة مشعل
وكان قد قال قبلها:
فخذ أولاً من آخر
أي: خذ أول كلمة من آخر بيت، وما هي أول كلمة من آخر بيت: (أبر)
ثم أولاً من النصف
التي هي كلمة (أهيم).
منه فهو فيه مكمل
فهذه الكلمة هي ( إبراهيم ). وبهذا نكون قد انتهينا من المرور على منظومة ابن فرح الإشبيلي
بشرح العلامة السفاريني رحمه الله تعالى. ......
ترجمة ابن فرح ناظم القصيدة والسفاريني شارحها :
أما بالنسبة لناظم هذه القصيدة فهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فرح بن أحمد بن محمد بن
فرح اللخمي الإشبيلي الحافظ المحدث الفقيه الشافعي المولود سنة 624هـ بـأشبيلية وهو نزيل
دمشق ، وقد أسره الفرنج سنة (646هـ) ثم نجاه الله تعالى وحج، وسمع بـمصر من شيخ الشيوخ
عبد العزيز الأنصاري و ابن عبد السلام وطبقتهما ثم استوطن في دمشق ، وسمع من ابن عبد
الدائم و الكرماني وخلق سواهم، وسمع منه قصيدة (غرامي صحيح) -وهي التي ذكرنها-
الدمياطي و اليونيني و البرزالي ، وهو من كبار الحفاظ، وكان له حلقة في جامع دمشق ، وعرضت
عليه مشيخة دار الحديث النورية، فامتنع ولعل ذلك تواضع منه رحمه الله تعالى، وله هذه المنظومة
و شرح الأربعين النووية و مختصر خلافيات البيهقي ، لأن البيهقي جمع المسائل الخلافية بين
الحنفية والشافعية فاختصر الكتاب ابن فرح الأشبيلي رحمه الله، وعاش خمساً وسبعين سنة
وتوفي في منزله بتربة أم الصالح مبطوناً؛ أي: بداء البطن، سنة (699هـ)، وهي سنة قازان التي
أخذ فيها التتار بلاد الشام ، ومات في هذه السنة خلق كثير من أهل العلم رحمه الله وشيعه جمٌ
غفير. نظم هذه القصيدة، وشرحها بعض أهل العلم منهم: الإمام عز الدين محمد بن أحمد بن
جماعة وسماه: زوال الترح بشرح منظومة ابن فرح ، وكذلك شرحها يحيى بن عبد الرحمن القرافي ،
وأول الشرح: الحمد لله الذي قبل بصحيح النية .. إلى آخره، وشرحها العلامة السفاريني رحمه الله،
فمن هو هذا العلامة؟ وأين عاش؟ وفي أي زمن؟ لأن له مؤلفات مشهورة وموجودة. &......
ترجمة السفاريني ونبذة عن حياته
أما بالنسبة لهذا العلامة فإنه سمي بـالسفاريني نسبة إلى سفارين وهي من أعمال بلدة نابلس في فلسطين فك الله أسرها من أيدي اليهود، فبلدة السفاريني قريبة من نابلس التي بأيدي اليهود اليوم، وكان الوقت الذي عاش فيه السفاريني رحمه الله في القرن الثاني عشر، فهو من العلماء المتأخرين نسبياً في بلاد الشام من عام (1114هـ) إلى عام (1188هـ) وكان العثمانيون يحكمون في تلك الفترة بلاد الشام ، ولكن كانت فترة ضعف في الخلافة العثمانية، فقد تآلبت عليها دول أوروبا ، وانتزعت منها كثيراً من ممتلكاتها والبلدان التي كانت تحت حكمها، واشتغل كثيرٌ من سلاطينها في أواخر عمرها باللهو والعبث، حتى حكّم بعضهم شريعة غير شريعة الله، واستورد القوانين وأخذ بها دون القوانين الإسلامية. فالمهم أنه صار الوضع في آخر الدولة العثمانية حال استبداد وفوضى، وخرج عليها كثير من الولاة، وتكونت دويلات مستبدة وضعيفة، وعم السلب والنهب وفقد الأمن. يقول العلامة محمد كرد علي مؤرخ الشام متحدثاً عن حالة الشام في القرن الثاني عشر: وسكان هذا القُطر -أي: بلاد الشام- كسائر الأقطار العثمانية لا عمل لهم إلا إرضاء شهوات حكامهم، فلم يحدث شيء مما يقال له الإصلاح؛ لأن أحداً لم يأخذ بأسبابه ولا توسل بطرقه، فصار التخلف والاستبداد وإرهاق الرعية بالضرائب والإتاوات، وعم الفقر والبؤس. ولما عمت الإتاوات والضرائب والفقر والبؤس كان من دور الشيخ السفاريني مقاومة ذلك، فكان محارباً للظلم والطغيان، ومما يذكر من شجاعته أنه قال لأمير نابلس لما تولى بعد أبيه الأمير، وجاء أهل العلم لتهنئته وطلبوا منه إلغاء الضرائب الزائدة عن الزكاة الشرعية؛ لأن المزارعين لا يشبعون من غلة أراضيهم لكثرة الضرائب، فقال الأمير: لا أغير شيئاً مما كان عليه والدي المرحوم، فقال له الشيخ السفاريني : وما أدراك أنه مرحوم؟ أزل الضرائب والناس يدعون لك، فاستجاب له وأزال كثيراً من الضرائب، وأخذوا منه كتابة لإزالة الضرائب، ودعوا له بالتوفيق. أما بالنسبة للحالة الدينية في ذلك الوقت فإن الجمود والانحطاط أثر بلا شك في الحالة العلمية فمثلاً: انتشار التصوف وظهور البدع والخرافات كان واضحاً في ذلك العصر، حتى قال الكاتب الأمريكي لوثرب استيوارت في كتابه: حاضر العالم الإسلامي ، فيقول عن هذه الفترة: وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة للناس -وهو النبي صلى الله عليه وسلم- سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم بالحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن .. إلى آخر كلامه. السفاريني رحمه الله في كتابه غذاء الألباب نقل صوراً مخزية عن الحال التي كانت في عصره، وكذلك ابن مفلح من أهل زمانهم أيضاً قال: فما بالك بعصرنا هذا الذي نحن فيه -وكان طبعاً في المائة الثانية عشرة من الهجرة- وقد انطمست معالم الدين وطفئت إلا من بقايا حفظت الدين، فصارت السنة بدعة والبدعة شرعة، والعبادة عادة والعادة عبادة، فعالمهم عاكف على شهواته، وحاكمهم متمادٍ في غفلاته، وغنيهم لا رأفة عنده ولا رحمة بالمساكين، وفقيرهم متكبر وغنيهم متجبر. ثم حكى عن الصوفية الذين في عصره فقال: فلو رأيت جموع صوفية زماننا وقد أوقدوا النيران وأحضروا آلات المعازف كالدفوف المجلجلة والطبول والنايات والشبابات -وهي جمع شبَّابة وهو نوع من المزامير- وقاموا على أقدامهم يرقصون ويتمايلون لقضيت بأنهم فرقة من بقية أصحاب السامري، وهم على عبادة عجلهم يعكفون، أو حضرت مجمعاً وقد حضره العلماء بعمائمهم الكبار، والفراء المثمنة، والهيئات المستحسنة، ينشدون الأشعار المهيجة في وصف الخدود والنهود والقدود، وقد أرخى القوم رءوسهم ونكسوها، واستمعوا للنغمة واستأنسوها، لقلت وهم لذلك مطرقون: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. في خضم هذا الفساد الاعتقادي والابتعاد عن الكتاب والسنة، نشأ وحمل لواء الإصلاح أئمة في ذلك الوقت، منهم الشيخ محمد السفاريني رحمه الله في بلاد الشام ، ولا شك أن تآليف الشيخ في العقيدة تدل على أنه كان سلفياً في الجملة، كما في كتابه: لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية في شرح قصيدة أبي داود الحائية ، وكذلك كتابه: لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية . وكذلك كتابه: البحور الزاخرة في علوم الآخرة ، فإنه يظهر منها في الجملة أن الرجل كان سلفي المعتقد، والعصر الذي وجد فيه كان عصر جمود وعدم ابتكار، وحتى لو كان هناك مؤلفات فكثير منها حواشٍ على مؤلفات قديمة، أو اختصارات، أو جمع، أما من جهة التأليف المبتكر الذي يدل على اجتهاد أو قوة علم وعمق فنادراً ما كنت تجده في مؤلفات ذلك الوقت، لكن كما قلنا وجد أئمة كبار مثل الشيخ محمد حياة السندي رحمه الله، ومن محدثي ذلك الزمان، وكان من شيوخ السفاريني رحمه الله. وقال السفاريني في كتابه: شرح ثلاثيات مسند أحمد ، فيقول عن الحالة العلمية في عصره: لم يبق من آثار ذهاب البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس ككان وكان، والعلم قد أفلت شموسه، وتقوضت محافله ودروسه، وربعه المأهول أمسى خالياً، وواديه المأنوس أضحى موحشاً داوياً، وغصنه الرطيب غدا ذاوياً، وبرده القشيب صار بالياً، فالعالم الآن قلت مضاربه، وضاقت مطالبه، وسدت مذاهبه، فليس له في هذا الزمان إلا التجاء إلى عالم السر والإعلان، هذا بالنسبة للحالة التي كان موجوداً فيها السفاريني رحمه الله تعالى. أما اسمه: فهو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني أبو العون شمس الدين ، ونسبته إلى سفارين ، قال مرتضى الزبيدي : وهي كجبارين أي: في النطق، قرية من قرى نابلس ؛ و نابلس بضم الباء والميم كما قلنا وكما ضبطها السمعاني في كتابه: الأنساب، وهي البلدة المعروفة في جنوب شرق طولكرم بـفلسطين على مسافة عشرين كيلو متر، وينسب إليها العالم محمد السفاريني رحمه الله. مولده كما قلنا: سنة (1114هـ)، وأسرته قيل: إنها كانت من الحجاز حيث نزح بعض أفرادها وسكنوا طولكرم و يافا ، ومنهم الشيخ سعيد بن أسعد السفاريني كان إماماً في المذهب الحنبلي. وللشيخ محمد الذي نحن بصدده ابنان من أبنائه يوسف و مصطفى ، ومن أحفاده عبد الرحمن بن يوسف و عبد القادر بن مصطفى ، وكانا من أهل العلم. وأما بالنسبة لسيرته رحمه الله: فإنه كان عالماً جليلاً جميلاً صاحب سمت ووقار ومهابة واعتبار، جمع بين الإمامة والفقه، والديانة والصيانة، والصدق وحُسن السمت والخلق، والتعبد وطول الصمت عما لا يعنيه، وكان محمود السيرة نافذ الكلمة رفيع المنزلة سخي النفس، كريماً بما يملك مهاباً معظماً، وكان كثير العبادة ملازماً على قيام الليل يحث الناس عليه، وكانت مجالسه لا تخلو من فائدة، ويشغل جميع أوقاته بالإفادة والاستفادة، يطرح المسائل على الطلاب والأقران، ويدير بينهم المحاورة، وكان صادعاً بالحق لا يبالي فيه جميع أعيان البلد، وكان أمراؤها يهابونه، كان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ناصراً للسنة، قامعاً للبدعة، خيراً جواداً. ومع حرصه على الكتب العلمية وجمعه كثيراً منها كان يقول من تواضعه: أنا فقير للكتب العلمية، وكل ما يدخل في يده من الدنيا ينفقه، وعاش مدة عمره في بلده عزيزاً موقراً محتشماً، كانت وفاته رحمه الله سنة (1188هـ)، قال الجبرتي في تاريخه ؛ و تاريخ الجبرتي من التواريخ المهمة في العصور المتأخرة، وهذا التاريخ مهم وجيد، ومن نوادر الذين أرخوا تاريخاً فيه نزاهة وعدل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الجبرتي رحمه الله، قال الجبرتي عن الشيخ السفاريني : لا يزال يملي ويفيد ويجيز من سنة (1148هـ) إلى أن توفي يوم الاثنين الثامن من شوال من هذه السنة بـنابلس وجهز وصلي عليه بالجامع الكبير، ودفن بالمقبرة الزراكينية وكثر الأسف عليه. ولا شك أن هذا الرجل ما دام بلغ هذا المبلغ من العلم فلا بد أن يكون في أول أمره حريصاً عليه من السن المبكرة، فهو قد قال: وقد منّ الله علي بقراءة القرآن سنة (1131هـ) فانتهى منه حفظاً واشتغل بالعلم، ورحل إلى دمشق في سنة (1133هـ) ومكث خمس سنين يأخذ عن علمائها، ورزقه الله قوة حفظ وملكة في الاستيعاب، ولذلك فقد استوعب علوماً كثيرة وأخذ عن مشايخ كبار وعلماء وأجازه غير واحد، فلما صار عمره تسع عشرة سنة كان قد فقه وأتقن مسائل المذهب يذاكر بها شيوخه، حتى قال عن شيخه عبد القادر التغلبي : ذاكرته في عدة مباحث من شرحه على الدليل ؛ وهو دليل الطال
آخر تعديل بواسطة mas mastr ، 10-31-2007 الساعة 02:18 AM.