اليمن ذات حضارة عتيقة ضاربة في عمق التاريخ ، وهي معدن الرجال ، وموطن الأبطال ، وجاء الإسلام فأضاف إلى مجدها أمجاداً، وأخرج منها زهاداً وعباداً ، وخرج منها جماعات كثيرة من المجاهدين ساهمت بقوة في الفتوحات الإسلامية ونشر الضياء في الخافقين ، وبرز منها علماء يندون عن الحصر ، وكان لها في صدر الإسلام صولة وجولة ، ومنة في أعناق المسلمين وأي منة ، وذلك للتضحيات التي قدمها أبناء اليمن في جوانب الجهاد والعلم والإنفاق في سبيل الله تعالى وللنماذج الجليلة من الرجال التي أخرجها ذلك البلد الطيب ونشرها في آفاق الأرض.
ولقد دخل اليمن مبكراً في نفق التخلف المظلم ، وسبق غيره من بلاد الإسلام إلى ولوج دائرة الضعف ، وربما كان ذلك لبعده وعدم اهتمام مراكز الحضارة الإسلامية والخلافة في مصر والشام والعراق بأمره ، ولهجرة كثير من فضلائه وعلمائه ، وما إن جاء القرن الرابع عشر للهجرة إلا وظهر فيه الضعف التام والتخلف في شئون الحياة جميعها ، فصار البلد في زمن التقدم العلمي والتقني كأنما هو قطعة نسيت ، وأرض أغفلت ، فلا مستشفيات ولا مدارس ، ولا وسائل اتصالات سوى سلك البرق العتيق الذي تركه العثمانيون لما خرجوا من اليمن في القرن الماضي ، ولا وسائل مواصلات فالناس ينتقلون على الحمير والبغال ، ولا تخطيط لمدن ، وليس هناك تخطيط اقتصادي أو علمي أو ما شابه هذا ، وبكلمة موجزة البلد تغط في نوم عميق ، وظل الحال هكذا إلى أن ثار اليمنيون على الحكم الإمامي ، وابتدأت مظاهر الحضارة والتقدم تناوش ذلك البلد على استحياء إلى يومنا هذا .
ولقد مكثت أياماً طويلة في صنعاء قاعدة اليمن ، والعجيب فيها صنعاء القديمة التي بقيت على حالها داخل سورها القديم كأنما هي شاهدة على قرون ماضية خلت ، وظلّ أهل صنعاء القديمة فيها لم يهجروها ، وحافظوا على مبانيهم الشامخة التي عُمّر كثير منها مئات السنين ، حافظوا عليها ورمموها وإلا لصارت أثراً بعد عين كما حصل لكثير من عواصم الإسلام القديمة ، ولا أعرف اليوم في أرض الإسلام مدناً قديمة بقيت على حالها يسكنها أهلها سوى بعض مدن اليمن ، ومدينة فاس القديمة في المغرب .
وصنعاء القديمة تأسرك بعبق تاريخها ، وأزقتها الضيقة ولولا أن الداخل من سورها يرى بعض مظاهر الحياة الحديثة لحسب أنه قد انتقل إلى القرون الخوالي ، ويظل الدائر في أزقتها متعجباً من اتساع رقعة البلد القديمة وجمال مبانيها ، وكثرة حماماتها التركية التي لا بد لأهل صنعاء القديمة منها ، ومحلاتها الصغيرة الضيقة ، وأسواقها الضاربة في القدم سواء في مبناها أو معناها أو طريقة عرض بضائعها ، وهي – أي صنعاء - لمحبي التاريخ قبلة لا بد من التوجه إليها .
ومن العجيب أني كنت يوما أسير في أزقتها ففوجئت برجل قد استوقفني فسأل : الشريف ؟ ( يعني هل أنت الشريف ) فقلت : نعم ، وبدا لي من كلامه أنه غربي ، فصار يصيح متعجبا الشريف !! الشريف !! فقلت: نعم، ما بالك ؟ فقال : أنت الذي تأتي في قناة اقرأ ؟ فقلت : نعم ، ومن أنت ؟ فقال : أنا إيطالي ، فسألته : وما الذي جاء بك ؟ فقال : جئت لتعلم العربية في صنعاء !! فسألته : هل أنت مسلم ؟ فقال : لا ، لكني أفكر في الإسلام ، ثم قال : أنا أتابع برنامجك في قناة اقرأ لأتمرس في العربية ، فعجبت من جلد القوم واهتمامهم ، ورغبتهم في تعلم لغة قوم لم يعد لهم مكان في صدارة الأمم ، لكن الله تعالى حافظ دينه ، ومن مقتضيات الحفظ بقاء اللغة العربية ، وسألته : أين تسكن ؟ فأشار إلى فندق هو بيت قديم من بيوت صنعاء لا يطيق البقاء فيه أكثر الطلبة اليوم الذين استولى عليهم الرخاء والترف ، وغمرتهم النعمة لكنها الهمة إذا علت لا تلتفت إلى هذه الأمور الصغيرة .
ومن معالم صنعاء القديمة التي لا تُنسى جامعها الكبير ، الذي أسس زمان الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، وقبلته منضبطة بإشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاملها ببنائه إلى جبل متجه للقبلة تماماً ، وفيه من الآثار وطرائق البناء القديمة ما يدهش الداخل إليه ، وهو حقيق بالزيارة لمن زار اليمن .
ولأهل اليمن في غالبهم حب للغرباء ، وحسن استقبال لهم ، ولا يشعر الداخل إليهم الزائر لبلادهم أنه أجنبي فيهم بعيد عنهم ، فودهم ظاهر ، ولطفهم باهر ، وهم في كل ذلك على عادة العرب الأوائل لا يتكلفون هذا الود واللطف ، وهم في الجملة مستمسكون بدينهم محبون له ، محافظون على فرائضه ، ومن حسنات الإصلاحيين في اليمن أنهم بعد هدوء الثورة وضعوا منهجاً لطلاب المدارس قائم على الكتاب والسنة ، بعيد عن الخلافات والحزازات ، لم يذكروا فيه تفاصيل المذاهب ، فاستطاعوا بفضل الله تعالى ثم بحكمتهم ـ والحكمة يمانية ـ أن يربوا الطلاب على هذا النهج فصارت الزيدية في اليمن أمراً تاريخياً إلا في مناطق متفرقة كصعدة لم تشملها الحكمة ولم يتصل بها الجد والجهد المبذول في هذا الأمر كما ينبغي ، وللأيدي الخارجية شأن وأي شأن في إثارة القلاقل في صعدة وما حولها ، وما الحوثي عنا ببعيد .
وفي الجملة لم أنقم من أمر اليمنيين شيئاً سوى عكوفهم على تلك النبتة التي يسمونها " القات " فقد أضعفت أبدانهم وأكلت أموالهم وأوقاتهم ، والعجيب أنهم بها مستمسكون ، وعليها عاكفون مهما نصح الناصحون ، وبيّن عيوبها الأطباء والمربّون ، لكن حبك للشيء يعمي ويصم ، وأزعم – والله أعلم – أن لهذه النبتة الخبيثة أثراً كبيراً في تخلف تلك البلاد اليوم وبعدها عن اللحاق بأسباب الحضارة المادية ، أما الفساد الإداري والضعف العلمي فحدث عنه ولا حرج لكن هذه أمور يستوون فيها مع الدول العربية قاطبة على درجات مختلفة الحدة فلا وجه لإفرادهم بالحديث عنها .
وزرت مأرب لرؤية سدها العظيم فوجدت ما بقي منه شاهداً على عظمته ، حاكياً لرونق جنته ، مخبراً بحضارة أهله التي بادت بعد أن سادت ، وما أخبر الله تعالى عنهم في القرآن كافٍ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ولقد أقام لهم حاكم الإمارات سداً آخر أنشأته شركة تركية على غرار السد القديم في كيفية بنائه ، والمنطقة بها آثار أولئك الأقوام شاهدة على نتائج الكفران ، وعواقب العصيان .
وفي اليمن مناطق جميلة ربما بلغت في جمالها وجودة مناخها في الصيف مصايف أوروبا وأخص بالذكر مدينة إب وما حولها والطريق المؤدي إليها ، ولو عُني بالمنطقة وأقيم بها لوازم السياحة لضارعت تلك المصايف ، ولأقبل عليها الناس من كل حدب وصوب من جزيرة العرب وربما من خارجها أيضاً ، لكن ليس للقوم عناية بالسياحة فينبغي أن تقوم بذلك شركات استثمارية من دول الخليج خاصة ، فجمال تلك المناطق يربو على كل جمال آخر في أي بلد عربي زرته ، فقد درت أكثر البلاد العربية مغربها ومشرقها فلم أر أجمل مما رأيت في إب اللهم إلا أن تكون المناطق السورية الشمالية على الحدود التركية ، أو جبال أطلس بالمغرب لأن هذين المكانين لم أصل إليهما ولا أعرفهما .
ومررت بصعدة ، ودخلت جامعها الكبير ، ورأيت قبور الإمام الهادي وأبناءه وآل بيته الكرام الذين جاؤوا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصف القرن الثالث الهجري ، وآلمني تعظيم الزيدية لتلك القبور وإبرازهم لها على وجه لا يقره الإسلام ولا يرضاه ، والخوف كل الخوف على زيدية صعدة وما حولها أن يترفضوا فيصيروا اثني عشرية ، وذلك لأن الأيادي الخارجية تتدخل لتصرف القوم عن زيديتهم إلى إمامية رافضية اثني عشرية غالية ، وهذا أمر واقع في اليمن ويخاف على أهله منه ، ولذلك وجب على عقلاء ساسة اليمن وعلمائه ومفكريه وقادة الرأي فيه ودعاته ومثقفيه أن تجتمع كلمتهم وتتفق جهودهم على مواجهة هذا الخطر الخبيث القادم من الخارج ومحاصرته في الداخل حتى لا تذهب جهود أسلافهم في الإصلاح إبان الثورة أدراج الرياح .
ولا أستطيع أن أنهي الحديث عن اليمن قبل أن أذكر بعض رجالها العظام وقضاتها وعلمائها ودعاتها وفضلاءها ، فممن زرتهم وأعجبت بهديهم ودلّهم وسمتهم الأستاذ الدكتور عبد الوهاب الديلمي وهو وزير العدل السابق ، والمدير السابق لجامعة الإيمان ، وهو ممن إذا رؤي ذكر الله تعالى ، أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله تعالى ، والأستاذ الشيخ عبد الرحمن العماد عضو مجلس النواب السابق والمجاهد الذي عمل كثيراً لإيقاف المد الشيوعي أوائل القرن الهجري الحالي / أوائل الثمانينات الميلادية ، وقصته في ذلك وقصة إخوانه الأبطال الشهداء وغيرهم مما تستحق أن تجمع من أفواههم الطاهرة لتكتب بماء الذهب ، ولتبقى للأجيال القادمة لتذكي الهمم ولتبقى شاهدة على أن الإسلام لا يُغلب ولن يُغلب ، وأن القوة الحيوية العجيبة التي تطرد ما سواها من القوى العادية مهما بلغ شأنها وعظم عددها وعتادها ، ولقد تأثرت كثيراً مما سمعت منه من قصص الجهاد وعظمة المجاهدين و خيبة أعداء الله الشيوعيين ، وعجيب أن مثل تلك القصص العوالي لا يعرفها أكثر الدعاة والمصلحين ، ولا يتناقلها السُمَار والقُصَاص والوعاظ ، وأطلب من الشيخ تسجيلها والعناية بها على وجه تام فربما كان هو أقدر أهل اليمن على هذا ، والله أعلم ، والشيخ سريع الدمعة ، حلو العبارة ، لطيف الشمائل ، مقبل على جليسه ، محسن له ، مؤد لحقه .
وممن أعجبني من أهل اليمن – وهم كثرة كاثرة الشيخ القاضي العلامة يحيى بن إسماعيل العمراني ، أعجبني تواضعه ولطفه ، وحسن خلقه وسرعة بديهته ، وجمال ما يورد لضيفة وحاضر مجلسه من أسمار ولطائف في ثنايا كلامه ، وسرني التفاف الناس حوله ، واستفادتهم من علمه على كبر سنه حفظه الله
ومنهم أيضاً الشيخ سليمان الأهدل الذي أفردت له ولبلده زبيد حلقة خاصة، وهو رئيس الهيئة القضائية في التجمع اليمني للإصلاح .
وغيرهم كثير ، وقد زرتهم في أماكن كثيرة من اليمن ، فلم أر فيهم عُجباً ولا كبراً ، ولا تيهاً ، ولا خشونة ، وأعجبتني هيئتهم السلفية وأخلاقهم الزكية فبارك الله فيهم .