طلال رشيد يموت بالرصاص على يد قنّاصة جزائريين يعادون الدولة وتحولوا لقطاع طرق ونسل وعروق وكل شئ ، بدئوا بهدف وفي الطريق ضاعت الأهداف واستقر بهم الحال إلى مجموعة أوباش.
طلال في أول الأربعين من عمره له ولدين عبدا لعزيز وهو طفل في الابتدائي 6 أو 7 سنوات. ونواف المراهق في آخر المراحل الثانوية.
يحب القنص والرحلات البرية للصيد ويسافر من اجلها لبلدان متعددة لممارسة هوايته، حتى كانت رحلته الأخيرة للجزائر، وصل طلال إلى هناك بعد أن أدى العمرة في العشر الأواخر من رمضان متجها لمخيمه في الصحراء الجزائرية حيث ينتظره أصدقاؤه ومعاونيه وعمّاله قضى أيام جميله ممتعه وهو يمارس هواية الصيد للطيور والغزلان، حتى جاء يوم الرحيل يوم ليس له غد،في فجر ذلك اليوم
استيقظ مع صلاة الفجر، فقام كعادته وصلى بجميع الموجودين صلاة الفجر، وقضوا فترات طويلة بعدها في التجول بالسيارات بحثا عن الصيد، لم تخلو من وقفات كثيرة لطلال يتصدق فيها على بدو الصحراء الفقراء وهو في كل زيارة له للجزائر يحمل معه بطانيات وملابس وهدايا يعطيها للفقراء هناك. حتى جاء الليل المرعب في ذلك المكان الوعر المظلم وسط الجبال، وخرجت رصاصات الغدر من كل مكان ترش سيارة طلال بالرصاص رشا. حتى سقط أسفل مقعده وهو يقول للموجودين معه تشهدوا و ما هي إلا لحظات حتى رفع سبابته وتشهد بصوت خافت وخرجت روحه.
وقفه مع طلال*
سمعته في أمسياته يلقي قصائد الغزل ويكتب الحكم ويلقبه محبوه بالملتاع ، وغنيت له قصائد، وكنت اقرأ له أحيانا بعض أشعاره هذه فأراها باردة ضعيفة ولم أحبها,بالتأكيد هناك الكثير من المعجبين بها كما يظهر ذلك في الأمسيات.
حتى كانت الفترة الاخيرة في رمضان وقبل رمضان بقليل,رأيته يكتب في زاويته على الصفحة الأولى من مجلة فواصل استغفار مؤثر، ويعاتب نفسه على ضياع العمر والتقصير مع الله ، وقد كان كلاما مؤثرا، ثم رأيته في عدد بعده يكتب دعاءا إيمانيا مؤثرا، حتى أن الشيخ عائض القرني قال لما قرأته تأثرت به.
وكان الرشيد قد جمع مؤخرا في مجلته فواصل كوكبه من الدعاة والفضلاء، مثل السويدان والشيخ عايض القرني ،وصلاح الراشد، والكبيسي ، وعمرو خالد
ومن النادر أن يجتمعوا هؤلاء جميعا تحت سقف مطبوعة واحده.
بعد هذا كله لم يكن مستغربا أبدا أن يمن الله على طلال الرشيد بموته شريفه مات فيها دون نفسه ودفاعا عنها، والنبي اخبر أن هذه من حالات الشهادة. وليس هذا فقط بل كان آخر عهده بعمره في رمضان وصدقات في الجزائر وإمام في صلاة الفجر . لتكون خاتمته مع استشهاد شريف ترفع له السبابة ولسانا ينطق بالشهادة
رحم الله طلال الرشيد
الحياة مع خمسة اموات 2
اختم في الحديث عن طلال في كلمات كتبها في حب ابنه عبدالعزيز ، فرد عليها الطفل عبدا لعزيز بعد أيام من مفارقة أبيه للحياة، وليتها سبقت آخر أنفاس طلال ليقرأها.
يقول طلال:
لي ولد له صورة ..... في قلبي تملا البراويز
حر شجاع نادر ..... ماهو لزيز
اغليه واحبه كثير .....وانا بعد عنده عزيز
على رضى امه وابوه....وجدّته دايم يحيز
افتخر به بالعلم واللعب... دايم ما ينغلب
ولأنه بقلبي عزيز ........ سميته باسم الاخو
.......... باسم الأبو
وباسم جدي والفخر
عبدالعزيز
....... طلال الرشيد.
فتهجى له الطفل عبدالعزيز كلمات كلها شهيق على أوراق بللتها الدموع.
فكتب يقول:
..... بسم الله الرحمن الرحيم
يايبه رحت وتركتني افكر فيك كثير
وأنا يايبه صرت ادعيلك دايما يا رب تدخل الجنه.
أوعدك يايبه اني اهتم بالصلاة في المسجد زي ما علمتني.وبعد اهتم بدراستي.
واهتم باهلي كلهم.
وأنا يا يبه ما حنساك أبدا.أنا احبك يا يبه كثير
وسامحني يا يبه إذا زعلتك كثير
يا رب اغفر لأبوي وارحمه ودخله الجنه
يا يبه أنا كل يوم اشتاقلك كثير وأشوف صورتك
ولدك حبيبك... عبدالعزيز طلال الرشيد
النهاية.
* في الحقيقة كنت انوي الكتابة عن ثاني الأموات,ولكن تمالكتني الدموع ، فاعتذر عنها الآن.
الحياة مع خمسة أموات 3
صراخ الأرواح
سقط طلال رشيد على مقعد سيارته وروحه تصرخ لا الاه إلا الله ، وسقط طلال مداح من على كرسيه محتضنا عوده وروحه تصرخ ياليل دانه لا دان وعشرات المزامير تعوي وكم رأيت صورا لطلال مداح في حياته ووجهه شاحب وجسده ذابل وعيناه غائرتان، كان كل شيء فيه يقول انه مودع وراحل،لكنه لم يصدق.
لم يصدق شيباته ولا العظام النخره، ولاتاريخ الموتى وعبره، صرخت روحه بآخر آهاتها فأسكتت مئات الحاضرين في المسرح.
لقد علمهم كيف يصفقون له ولم يعلمهم ماذا يفعلون عندما تخرج روحه من بين أوتار عوده، خروج ضيق حرج مؤلم ،آلم من شاهده فكيف بصاحبه الذي أحس به.
وتستمر موسيقى الموت وتزداد اضطرابا ، لتخرج يداها الطويلة المخيفة وتقترب من المغنية التي أشارت ساعة قلبها إلى الصفر، فتزفر في وجهها زفرة العذاب،وتمسك بمسدس زوجها وتضغط على الزناد ليمطرها برصاصات الجحيم،احدها في الذقن من كاتم صوت ورصاص كثير على صدرها وبطنها من رشاش.
لتسقط ذكرى على الكنبة وتصرخ روحها يا ليتني لم اتخذ فلانا خليلا.
وفي ليله صادق فيها الشيطان الظلام,ليكشف له ستره عن المكتئبين من طلاب الموت،فوجد نفسه في إحدى الشقق في شوارع لندن، حيث يفر المر من أخيه ولا يعرف أحدا أحدا،وتتخاصم الشوارع مع بعضها،وتمشي الكئابة على رصيف الأرواح المتنافرة، وتنفث الشياطين النازقة وتأكل نيران المدافيئ بعضها.
تسلل الشيطان الى جسدها البدين الذي اعتزلت الناس خجلا منه،وعرض عليها صورا من مشهد الخلاص
فشاهدت نفسها تقف على حافة الشرفة(البلكونه) وتلقي بنفسها لتنافس كل الأجساد المتهاوية قبلها،بأنها سقطت من المكان الأكثر ارتفاعا، والسقوط على قدر العمل. لتصرخ روحها أين المفر؟!
وينتشر الخبر
بكاء ونحيب على موت السندريلا، بكاها وتألم لها عشرات الآلاف، فهل منهم شفيع؟؟ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم,أم هل تغطي أغلفة المجلات الحزينة أكتاف وصدور الفساتين العارية؟؟
أم هل تتوسط الشخصيات المهمة عند منكر ونكير فيخففوا عنها أحكام العذاب المؤقتة؟؟ أم هل توضع تلك الجوائز والنياشين والأوسمة في ميزان الحساب لتطيش السهرات والحفلات والسكرات والنظرات؟؟
أم هل يرحمها المصورون من نشر صورها التي يختبئ منها الحياء،أو تتوقف التلفزة عن عرض مشاهد الإغراء.؟؟!
وفي ذلك اليوم تسللت إحدى تلك المجلات المفجوعة إلى بيتنا،وكنت جالسا في الغرفة أنا وخولة أختي الله يرحمها وأمي وبقية أخواتي
فتصفحتها خوله وحمرة الدمع في عينيها، وحرارة الحزن ترتفع لديها، قالـت: بشين ثم واو ثم الفاء سقطت:
* انظر عبدالله صور سعاد حسني وهي طفلة ثم وهي ممثله شابة في أول دور لها،ثم في آخر فلم لها،ثم قبل موتها.
• &- (عبدالله: متضايق) لاأريد أن أراها L
•
•خولة : انظر والله ان الواحد منا يشفق عليهاانها انتحرت، لماذا حدث هذا؟، لماذا لم يتصل بها الفنانات المعتزلات لينصحونها
*&-عبدالله: خولة انتي تتعبين نفسك من أجلها ، لو كان فيها خيرا لم تنتحر.
• خولة :لاتقل هكذا ، اذكروا محاسن موتاكم، ما يحزنني انه كان من الممكن أن تتوب قبل موتها لو وجدت من يساعدها.
• -خولة: انظر لصورتها وهي ميتة وأنت تعرف شعوري.
• &-عبدالله: أوه خوله أزعجتيني بها ، أنا ذاهب للخارج.
وانتهى الحوار الذي ماتت خوله بعده بشهر
تزوجت خوله زواجها الأخير، وفي شهر زواجها الذي أكملت فيه ما يقارب 37 سنه،سافرت مع زوجها إلى القاهره,بعد أن توقفت مده عند باب غرفة جدتي وهي تسر اليها ببعض الكلمات وجدتي تطمأنها وتطلب منها الاتصال بمجرد الوصول إلى القاهرة (قالت جدتي أنها أخبرتها بان نفسها مقبوضة من هذه السفرة)ثم دموع وداع معتادة ،وسافرت خوله الى اجلها المحتوم، في رحلة موت مرفهه
يقدم فيها الطعام والشاي وتعرض فيها الأفلام، والكراسي مريحة والتهوية لطيفه،والناس تتوق نفسها للفسحة القاهرية،وبالنسبة لخوله لم تكن تعلم ان فسحتها أكثر اتساعا ولا حدود لها.
وبمرور 10 ايام على سفرهم ،اتصلت خوله كعادتها ولم تكن مرتاحة بسبب كثرة انشغال زوجها بمراجعة الجامعة هناك، وإعداد بحث الماجستير،وطلبت ان تكلم ابنائها: عبدالله 14 سنه ومحمد 13 سنه وكانت أمي تحدق بعبدالله وتطلب منه أن يسكر السماعة بسرعة حتى لا يرتفع ثمن المكالمة الدولية،وكنت اسمع كلامها هذا وأنا في غرفتي فخرجت مسرعا قائلا: (يا يمه هذي امهم مشتاقين لها ان شاء لله يقعدون سنه بالتلفون حاجتهم اكبر من سعر المكالمه وأهم.) أمي كريمة اليد وكانت تقول تلك الكلمات بعفويه ومراعاة لزوج أختي، ولو كانت تعلم انها المكالمة الاخيرة بين خوله وأبنائها لستبدلت كل قطره من دمائها نقودا حتى تمد في عمر تلك المكالمة،ثم يومين قضيناهم في الكويت لم نسمع فيها عن خوله شيئا فهذا مألوف كونها تتصل كل ثلاث أو أربع أيام تقريبا.
حينها كانت خوله على موعد مع زائر غريب الأطوار، انه الصداع الموجع جدا والذي لم تألفه في حياتها
يهزها هزا يفتك بها، يعصف بها الألم فتسقط على السرير تقاوم، تتناول الحبوب لا فائدة،تمسك بالمصحف ترتل وتبكي(وأنا معها الآن ابكي) يأخذونها إلى الطبيب يخدرها، ثم تخرج ولما فاقت عاودها الصداع الرهيب، وكأن حلقة تربط بين خلايا المخ قد انفضت ،آهات وآيات، زفرات وعبرات ثم غيبوبة لمدة أربعة أيام,وصل أهلي في اليوم الثاني منها الى القاهرة واخواتي الخمس وأخي الكبير وأبي وأمي وأبناء المرحومة
كنت اودعهم عند باب بيتنا في الكويت،وقد قالت لي اختي الوسطى،عبدالله تعال معنا،قد يحصل أمر سيئ هناك وأنت لم تر خوله...، قلت لها لا جدتي في الكويت وحدها مع خالي ونحن نشفق عليها أن يأتي خبر سيئ منكم فتتدهور حالتها وتزهق روحها بين أيدينا، لعل وجودي يساعد ويواسي خالي وجدتي. وكان في نفسي أيضا أمر آخر. وهو أن الأجواء هناك تجسد مشهد الموت كاملا، فراش الموت، ومريض لا يحرك ساكنا،وبكاء ونحيب. وأختي في غيبوبة لن تتحدث مع احد،فماذا استفيد من ذهابي؟ وأنا هنا قلبي أقوى من قلب خالي وهو يحمل على قلبه هما أثقل من جبل احد،ويعرف ماذا تصنع جدتي المسنه عند سماعها بخبر موت الأحباب،حتى انه في كل موت لقريب نستنفر بقربها جميعا وندعو الله ان لاتموت هذه الساعه.
وما هي الا يومين وجائنا خبر عاري الجسد ملفوف بالكفن محمول على الأكتاف، ان خوله ماتت
نعم ماتت رحمها الله، ونحسبها على خير فالمرض كما في السنّة انه من حسن الخاتمة،يكون مهله لصاحبه أن يتوب ويستغفر، ويكون اشد كفاره له عن بقايا ذنوبه قبل موته، وهذا لا يحصل مع موت الفجأه.
وماتت وكانت آخر ما أحست به وهي تمسكه القرآن الكريم ويد زوجها الذي احتضنني وقال لي في مطار الموت
ابشر يا عبدالله،،الحمدلله خوله قبل الغيبوبه بيومين وهي تقرأ القرآن مع الألم بالليل والنهار،فسبحان من هيـأ لها هذه النعمة والرحمة من جوف المرض والألم.
وأشد المواقف وطأة على نفسي، ان أتذكر وأنا في صلاة الجنازة بأني يجب أن انزل لحفره مظلمة أنا وأخي لأضع أختي في ذلك اللحد الضيق والمكان الموحش تحت الأرض ثم ارمي عليها التراب وانصرف،لا الاه إلا الله ليتها كانت روحي التي خرجت.
مسكتها ووضعوا فوقنا غطائا عن أعين الناس ونحن تحت في الحفرة وأنا أعض على قلبي،استلهم رباطة جأشي،وأحد الرجال بالأعلى يوجهنا ويقول اكشفوا وجهها واجعلوا رأسها باتجاه القبلة وقد كنت أنا الذي بقرب رأسها وأخي يقول اكشف وجهها،فهاجت الدنيا في نفسي التي تقول كيف تكشف عن الوجه الذي هربت منه ولم تسافر القاهرة لتراه؟لم أحب ان أشاهدها ولها قلب ينبض،فكيف انظر لوجهها وهو شاحب كدمية بلا روح، نعم فالجسد اذا خرجت روحه لم يعد سوى لحم وعظم كالذي نضعه في الثلاجات . كأنه فضلة طعام لاتحتمل أكثر من ساعات مكشوفة وإلا تعفنت. لا الاه الا الله.
أين صور الأيام؟ هل خرجت من ذاكرة الأموات لتستقر في البومات الصور. يا الله....
فكشفت عن وجهها ونظرت إليه ربع نظره لا تعادلها 100 قشعريرة،وجعلته إلى القبلة سريعا، وخرجت من الحفرة واستعجل الناس بالدفن وفي خمس دقائق كان القبر مدفونا تماما وثلث الناس تقف للدعاء والثلثين يهرولون ليحجزوا مكانا في طابور التعازي(وما ينفعنا عزائكم في ميتنا، وكم كان ينفعه ويسرنا لو دعوتم له على قبره
وقفت على قبرها وضممت أبنائها وأمسكت بيدهم ندعو لها، كنت بين الناس رأسا وجسد،ومع نفسي فقط جسد،فكأني أرى رأسي مختبئا تحت ملابسي،يخشى من بركان من الدموع يوشك أن يتفجر،بكاء أسبوع كنت فيه المواسي وهم يبكون،وكنت الداعي وهم يأمنون، المصبّر وهم يضعفون.
وها أنا ذا أداريها وأداريها,وإذا بها تنفجر ساخنة،كنت أريد ان اخفف عن أبنائها الذين بين جوانحي،وإذا بي ابن بين الأبناء،طفل من البكاء،نأتي بماء ونذهب بماء والكل الى فناء
وضعتها في الحفرة الموحشة وتركتها وحيده، ترى هل كانت تناديني؟ هل تطلب مني الدعاء؟ هل تبكي ام هي سعيدة؟ هل كانت تتوسل إلي أن أبقى معها فوق القبر قليلا؟ هل همست لي بوصيه إلى أبنائها؟؟
يا الله..... أختي أضعها في الرمال واهرب للبيت.
*لا أعلم الآن كم قلبا سقط وهو يقرأ. ولكني أعلم أني وصلت إلى نهاية رحلة الحياة مع خمسة أموات.
)ادعوا للأموات الخمسة بالمغفرة والجنة، ولخوله أختي بالفردوس الأعلى