الموضوع
على الرغم من إيماني العميق بأهمية حفظ الحقوق الفكرية كوسيلة من أهم وسائل حماية الإبداع، إلا أن هذا لا يعني أن نورد العديد من الملاحظات حول تطبيق نظريات الحماية الفكرية في عالمنا العربي.
وقد كانت هذه الملحوظات كانت محور العديد من الكتابات التي تناولت المآخذ الواردة على الإجراءات المتبعة في هذا المجال والتي قد تسفر عن نتائج عكسية إذا ما لم يحسن تطبيقها، وقد سبق وأن ألقينا الضوء في هذا المضمار على الآثار السلبية للتشدد في مجال حماية الحقوق بدون الإصرار على وجود برامج للتدريب وطرق تكفل حقوق المبدعين في الاطلاع على البرمجيات الحديثة بأسعار تتناسب مع دخولهم.
ومن غير إتباع هذه الوسائل تكون دعوات حماية الحقوق مجرد إجراءات تسويقية لشركات بعينها، ووسيلة من وسائل تكريس الاحتكار، ومضاعفة أرباح الكيانات الكبرى على حساب أي محاولات جديدة للإبداع.
ومن بين الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها في هذا الصدد تطوير بعض الشركات العالمية المتخصصة في مجال الهندسة الوراثية محاصيل زراعية تضاعف من إنتاجية الأرض ، ولكنها بالمقابل وحفظاً لحقوقها الملكية ابتكرت طريقة يجبر بها من يزرع محاصيلها المهندسة وراثياً على أن يشتري منها البذور كل عام، وقد تمكن علماؤها من وضع خطة هندسية وراثية يقتل بها النبات بذوره، فلا تنبت إذا زرعت، ولا يستطيع المزارع أبداً أن يستخدمها لإنتاج محصول جديد، وعليه أن يعود صاغراً إلى الشركة في كل موسم!
وسوف ألقي الضوء في هذا المقال عن جانب آخر قد يخفى على الكثيرين في هذا المضمار وخاصة في المجال التقني.
فالقرصنة وانتشار أفانينها تعتبر أحد الأدوات المهمة لدى بعض المنتجين!
نعم.. هذه هي الحقيقة للأسف الشديد، فإن العديد من البرامج ومواد الوسائط المتعددة، يقف وراء انتشارها بشكل غير شرعي مؤلفوها أنفسهم!
ولا يهتم المؤلف كثيرا في هذه الحالة بتعرض أعماله للنسخ أو القرصنة لأن هذه الخطوة تعتبر أول الخطوات التسويقية في عالم صناعة المليارات.
ولا تعتبر هذه المسألة بمثابة مفاجأة بالنسبة للمختصين في علوم الاقتصاد التقني، حيث أنه من المستحيل اقتصاديا فهم سيطرة برامج بعينها على بعض الأسواق رغم أنها ليست الأفضل ولا الأرخص، إلا من خلال فهم مرحلة تاريخية انتشرت فيها البرامج المستنسخة في هذه الأسواق.
إن أساليب القرصنة، والاستنساخ، وغيرها من وسائل سرقة حقوق المؤلف هي في الأصل أساليب وافدة إلى المنطقة، ومن الظلم البين اتهام الثقافة العربية بابتكار أساليب تعتمد على اللصوصية والسطو، ليس فقط لأن المكون العقدي الإسلامي يقف حائلا دون ذلك، ولكن أيضا لأنه من الظلم اتهام العالم العربي بالتورط في "ابتكار" أي شيء في المجال التقني، حتى ولو كان أسلوبا من أساليب السرقة، خاصة في المراحل المبكرة لثورة المعلومات.
والآن.. وبعد أن تعقدت وتشابكت أساليب حماية المؤلف، سواء من الناحية النظامية أو من الناحية التقنية، فإن المسألة أصبحت أكثر صعوبة، بالشكل الذي يكفل للمنتجين حماية برامجهم بصورة أفضل، إلا أن الظاهرة لا تزال كائنة، ليس فقط لأن القراصنة يطورون من أساليبهم في كسر أي نظام للحماية، ولكن لأن بعض المنتجين يعرفون أن في القضاء على ظاهرة القرصنة موت لهم ولمنتجاتهم.
وتقف وراء هذه الظاهرة العجيبة ثلاثة أسباب رئيسية:
ولعل أهمها على الإطلاق هو سعي الشركات المنتجة إلى تحقيق الانتشار لمنتجاتها التقنية فور الإعلان عن طرحها بالأسواق، وهو الأمر الذي يسميه بعض التجار بظاهرة "فتح السوق" حيث لا تستطيع الشركات المنتجة طرح نسخ مجانية من برامجها، ثم لا تلبث وأن تعرض نفس المنتج بأسعار خيالية!! وبالتالي يكون طرح النسخ المقرصنة لفترة من الوقت هو الطريقة المثلى في هذه الحالة!
ومن الأسباب المهمة في هذا المضمار أيضا هو الحاجة إلى ترويج فكر عقدي أو أيديولوجية سياسية معينة، وبالتالي يكون الهدف المراد تحقيقه غير اقتصادي بالأساس، ولعل ذلك يوضح انتشار ألعاب الأطفال المقرصنة التي تحمل بين طياتها غزوا فكريا لعقول الصغار، وكذلك انتشار النسخ المقرصنة من فيلم "آلام المسيح" في جميع الدول العربية على مرأى ومسمع من كافة أجهزة حماية الحقوق!
أما السبب الثالث فيتعلق بالمنافسات التي تقع بين بعض الشركات، حيث يعد هذا الأسلوب من أساليب الإغراق والذي يحمل بين طياته أسلوبا غير عادل في المنافسة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال إذا لجأت شركة ما إلى طرح كميات هائلة مستنسخة من برنامج معين فإنها سوف تستطيع ببساطة طرد الشركات المنافسة من السوق، وبالتالي التحكم في الأسعار كما يحلو لها بعد نجاح مساعيها نحو الاحتكار، والمثير في هذه الحالة أن الشركة التي تلجأ إلى إتباع هذا الأسلوب لا تقع تحت طائلة مخالفة النظام، فقد طرحت نسخا من البرامج لا تحمل اسمها، بل إن الضحايا من مستخدمي هذه البرامج هم الذين سوف يعانون من العقوبات رغم عدم ضلوعهم في تطبيق المخطط الاحتكاري!
وباختصار، فقد كانت المنتجات التقنية، وغيرها، في حاجة إلى بعض الوقت لتثبت أقدامها في العالم العربي، وقد آن الأوان لأن يدفع العرب ثمن "اعتيادهم" أو "إدمانهم" استخدام أنماط بعينها من البرمجيات المستوردة، ويبدو أن هذا الثمن سيكون غاليا على الفرد والمؤسسة والدولة وخصوصا التي لا تتقاضى ضرائب.