قبل مؤتمر المانحين الدوليين كان الشعار “الأرض مقابل السلام”. بعد هذا المؤتمر سيكون: “الطعام مقابل السلام”!
هذه على الأرجح الحصيلة الحقيقية لمؤتمر باريس للمانحين الدوليين. صحيح أن المؤتمرين قدموا للسلطة الفلسطينية 7،4 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات؛ وصحيح أن المساهمين العرب في هذا العطاء (750 مليون دولار من المملكة العربية السعودية و300 مليون من كل من دولة الإمارات والكويت) كان هدفهم إنقاذ ما يمكن إنقاذه في الضفة وغزة؛ إلا أن كل ذلك جرى في خضم مقايضة خطيرة بين الغرب والسلطة. كيف؟
توني بلير، المبعوث الدولي في الشرق الأوسط، كان صريحاً في إلقاء أضواء على هذه النقطة. قال في مقابلة مع “فاينانشال تايمز”: “المساعدات ستكون مشروطة بالأمن الذي يجب أن يوفره الفلسطينيون. وأنا مقتنع أن مؤتمر باريس هو الخطوة الأولى من جانب الفلسطينيين لتوضيح كيف سيتدبرون أمر هذا الأمن”.
كلام خطير؟
أجل. لكن ثمة ما هو أخطر. قال بلير أيضاً: “خلق دولة فلسطينية ليس مجرد مسألة أرض، بل قضية ما يجري داخل هذه الدولة. ولذا أهم شيء في الجهود لمساعدة الفلسطينيين هو إبلاغهم الحقيقة، وهي أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية، ما لم يتم أولاً توضيح طبيعة هذه الدولة”.
رئيس الوزراء “الاشتراكي” البريطاني السابق قلب بهذا الموقف كل الحقائق من دون أن يرف له جفن. فالفلسطينيون القابعون تحت احتلال عسكري قسّم الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات أشبه بالجبنة السويسرية، ودمرت أجهزته الأمنية كل الأمن الفلسطيني، بات مطلوباً منهم هم الآن توفير الأمن ل “إسرائيل”. لا أمن لدولة اليهود المحتلة، يعني لا دولة للفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال، وأيضاً لا طعام.
الفلسطينيون هم الذين تمنعهم الحواجز الأمنية “الإسرائيلية” المبثوثة بكثافة في كل الاتجاهات من ممارسة الحياة الطبيعية، ومن تحصيل لقمة العيش. ومع ذلك يطلب منهم بلير والغرب توفير الأمن والحياة الطبيعية ل “الإسرائيليين”.
صفقة مساعدات باريس لم تقل غير ذلك. وتسيبي ليفني وزيرة الخارجية “الإسرائيلية” كررته أمام مسامع الجميع في المؤتمر، حين قالت إن “إسرائيل” لن تخفف القيود على حواجزها الأمنية “إلا حاجزاً حاجزاً”، إستناداً إلى “تحسن الوضع الأمني”.
كل هذا يجرى، برغم أن البنك الدولي أوضح في تقاريره الأخيرة أن الاقتصاد الفلسطيني، ليس فقط في غزة بل أيضاً في الضفة، يتداعى “بسبب الإجراءات الأمنية “الإسرائيلية”، والحواجز، ونقاط التفتيش، والأذونات التي يجب أن يحصل عليها الفلسطينيون للتنقل في أرجاء أراضيهم. لقد أصبحت الأراضي (والكلام ما زال للبنك) كانتوتات مقطوعة الصلة عن بعضها بعضاً، الأمر الذي يجعل النمو الاقتصادي مستحيلاً”.
البنك أراد أن يقول بكلمات لم يرد أن يتلفظ بها، إن الاحتلال هو الذي دمر الاقتصاد الفلسطيني وخفض دخل الفرد بنسبة 40 في المائة (هو الآن 1110 دولارات سنوياً)، وهو الذي أوقف معظم الصادرات الفلسطينية، ونسف كل المؤسسات السياسية والأمنية.
وهذه، كما يتبين الآن، كانت خطة محبوكة بعناية لتحويل الفلسطينيين إلى شعب معتمد على الإعانات والمساعدات الخارجية وتحويلات العمال في الخارج.. وصولاً إلى مؤتمر باريس الأخير الذي قايض لقمة عيشهم بأمن الاحتلال.
***
“الأرض مقابل السلام” وداعاً. حتى “السلام مقابل السلام” الذي طرحه الليكوديون وداعاً أيضاً. لم يبق الآن سوى “الطعام مقابل السلام”.
أي سلام؟ لا تسألوا توني بلير!
مع التحيات
محمد النعمان