|
تبليط البحر في عدن ..!!
• صادق ناشر
صنعاء برس00
محظوظون هم أولئك الذين يلتقون على أرض مدينة عدن هذه الأيام لقضاء إجازة عيد الأضحى المبارك، فقد جاءها مئات الآلاف من اليمنيين وهم محملون باللهفة والرغبة في قضاء أيام جميلة في إجازة العيد، وهي لم تقصّر في إكرامهم ومنحهم الشعور بالدفء والراحة والسعادة..
لكن أنين المدينة لم تستطع أن تخفيه مظاهر العيد، فكلما ذهبت إلى مكان يلتقي فيه جمع من الناس لمست استياءهم مما يجرى من تقطيع لأوصال المدينة بشكل مريع، فأراضيها محجوزة من قبل بعض الذين حوّلوا المدينة إلى كانتونات صغيرة وجزر متناثرة هنا وهناك، ووجدت قيادة المحافظة نفسها عاجزة عن القيام بأي دور لحمايتها من هذا العبث الذي يطال المدينة من كل جهة.
وعلى سبيل المثال فإن منطقة ساحل أبين في منطقة خورمكسر تحولت إلى غابة من المباني الاسمنتية من دون مراعاة للمعايير التي يجب أن تُمنح فيها الأراضي في مثل هذا المكان الحيوي والهام، حتى إن الاسمنت تجرّأ على البحر وبدأ يزحف إليه تدريجياً من دون القدرة على ردعه أو الحد من جبروته.
والحال ينطبق على كل شيء في عدن التي بدأ الكثير من معالمها يتغير؛ بدءاً من عقبة عدن، وليس انتهاءً ببحار التواهي وجولد مور وجزيرة العمال وغيرها من الأماكن التي تمكّن البعض من تحويلها إلى أماكن استثمارية بطريقة شرعية وغير شرعية.
ومع التسليم بأهمية التغيير الذي حدث في المدينة منذ ما بعد قيام دولة الوحدة، حيث تشهد المدينة ثورة عمرانية كبيرة، بالإضافة إلى التوسع الهائل في الطرقات، وهو ما أضفى على المدينة مساحة كبيرة من الجمال، إلا أن هذه الثورة لم تراعِ الخصوصية التي تتمتع بها المدن الساحلية عادة، فقد هيمن البناء بالحجر الملون على كل المباني الجديدة في المدينة، وأهمل الطراز المعماري الذي يعكس روح المدينة وطقسها الحار، ولهذا فقد تحولت المدينة إلى هجين غريب من أنماط العمارة.
ولو لا البحر لتحولت عدن إلى مدينة مغلقة مثلها مثل بقية المدن الجبلية، مثل صنعاء وتعز وإب، فالبحر يمنح عدن أهمية إضافية، ويجعلها مدينة مفتوحة قادرة على منح زائريها قدراً كبيراً من الراحة عند التجول في شوارعها.
ولهذا فإن مهمة المسؤولين في المحافظة والدولة بشكل عام هي الحيلولة دون تحويل المدينة الساحلية إلى مدينة جبلية، وإغلاق منافذها البحرية بحجة الاستثمار "كما يحدث اليوم في ساحل أبين وجولد مور" حيث تغزو المباني السكنية والفنادق والمجمعات السياحية كل شبر في المدينة، ولم يترك لها نوافذ للتنفس.
إن روح عدن في البحر، ولو فقدته المدينة لتحولت إلى مجرد أبنية لا روح فيها، ولو تركناها لجشع الذين ينهبونها باسم الاستثمار لوجدناهم قد استولوا على البحر وكل ما يتصل به، ولن نستغرب إذا ما صحونا ذات يوم وقد قاموا بتبليط البحر تبليطاً كاملاً!!.
المصدر: يومية الجمهورية.
|