جنباً إلى جنب, تصدر مدير المعهد الديمقراطي الأميركي بصنعاء مع أحد أشهر علماء التيار السلفي في اليمن (أبو الحسن المأربي), منصة القاعة في أحد فنادق مدينة مأرب, التي احتضنت ندوة "مكافحة الإرهاب وأثره على المجتمع", وتحدثا معاً عن ظاهرة الإرهاب وخطورتها وأضرارها وأهمية مواجهتها, الأول من منطلق شرعي إسلامي, والآخر وفق الرؤية الدولية التي تقودها بلاده في حربها ضد الإرهاب.
بدا مدير معهد الـndi (بيتر ديمتروف) مهتماً إلى حد كبير للإطلاع على إشارات العالم السلفي الذي صار إسمه (أبو الحسن السليماني) أثناء عرض الأخير لورقته المقدمة، والتي تناولت (الجانب الشرعي وفساد النظرية الإيديولوجية للعنف), ما أجبره على الإنحراف بكرسيه قليلاً بإتجاه أبو الحسن فيما أذنه تلتقط من مترجمة المعهد التعبيرات باللغة الإنجليزية لتلك الإشارات والحركات التي حظيت بنصيب الأسد من إهتمامه فاقت ماحظيت به كلمات الآخرين بمافيهم محافظ مأرب (عارف الزوكا).
أستمرت أذن بيتر في إلتقاط التعابير فيما لم يتوقف رأسه عن الإهتزاز والإيماء بالموافقة والتعجب والتأييد لما يقال من هذا العلامة الذي يرأس جمعية التقوى ويقوم بإدارة دار الحديث بمأرب, التي عرف بها منذ قدومه قبل 25 عاماً من بلده مصر, ويبدو بهيئته اليمنية الشبيهة بالهيئة التي يبدو عليها الكثيرين من علماء السنة في اليمن, متحدثاً باللغة العربية الفصحى مع لكنة مأربية واضحة في أحاديثه غير الرسمية, ومتجرداً من أي صلة باللهجة المصرية.
أبو الحسن الذي دون اسمه في ذيل ورقته على النحو (أبو الحسن مصطفى إسماعيل السليماني) هو ذاته الذي بدأت اسمع عنه لأول مرة أثناء ملاحقة القوات اليمنية في مأرب بحثاً عن الأهدل والحارثي المطلوبين أميركياً في مطلع الألفية الثالثة, لم ينس قبل أن يودع المنصة أن يقدم لـ(بيتر) هدية نسخة من كتاب أصدره بعنوان (فتنة التفجيرات والإغتيالات: الأسباب, والآثار, والعلاج) بعد أن عرضه على القاعة مؤكداً انه قد طبع قبل 4 سنوات وصدرت منه حتى الآن 3 طبعات "ونفع الله به الكثيرين", إلا أن أمر آخر يلفت إنتباه المتفحص للوضع, حيث علاقته الحميمة بكافة ألوان الطيف السياسي في مأرب أحزاب سلطة ومعارضة ومسئولين ومشائخ ووجهاء ونشطاء والتي تبدو بوضوح من خلال الأحضان التي تتلاقفه وتتمنع ان تتحاضن فيما بينها.
وفيما تركزت ورقة العلامة أبو الحسن حول حرمة ما يجري من تفجيرات وإختطافات وعمليات تتدثر بالدين تجاه المصالح الأجنبية والمواطنين الأجانب من الغرب -خاصة في البلاد الإسلامية- وفندها بتأصيل شرعي معتدل ووسطي، يسعى لتقديم إسلام قيم الخير والمحبة والتسامح, بدا غير ملتفت للأسباب والدوافع الباعثة لمثل هذا الفكر وتلك الأعمال، وآثر عدم الخوض فيما هو خارج اليمن سواءاً في العراق أو في فلسطين، أو ماله علاقة بالأنظمة العربية والأنظمة الغربية من إستبداد وغياب للعدالة من الأولى وتدخل وكيل بمكيالين من الثانية, وهو الذي كان محل إهتمام المشاركين في النقاش, إلا أن أبو الحسن لم يتحمس لإلتقاط الصور التذكارية مع الصحفيين بمبرر أنه أمر لايحبذه.
ولي الأمر مسألة محسومة لدى العلامة أبو الحسن, وهو الذي عرف عبر التلفزيون الرسمي اليمني قبل عام من الآن وهو يحرم منافسة ولي الأمر في المهرجان الإنتخابي للرئيس علي عبدالله صالح, فقد بدا ساعياً لتلبية رغبات الأنظمة العربية والحكومة الأميركية التي تقود الحرب ضد الإرهاب عالمياً, وهو ما كان محل توضيح من قبل الصحفي عبدالإله شائع حينما تحدث عن الحرب الأميركية والغربية ضد الإرهاب التي تخاصم الواقع حينما تعتبر الطفل الفلسطيني إرهابياً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي يدافع عن النفس رأيها.
وتأتي أهمية الندوة -نظمها موقع "مأرب برس"- ليس من خلال مضمون الأوراق والمناقشات والأشخاص المشاركين فيها - بإستثناء ابو الحسن -, ولكنها حسب ما أخبرني به أحد قيادات المعهد الديمقراطي الأميركي (ndi) -الذي كان الداعم لها بالشراكة مع السفارة البريطانية بصنعاء التي لم يكن لها أي حضور ولم يعلن عنها- وإنما أهميتها تكمن بكونها تعقد في مدينة مأرب حيث (وكر دبابير القاعدة) -حسب أحد الصحفيين- رغم محاولات المسئولين الرسميين وقيادات ومشائخ وناشطين من مأرب نفي هذه العلاقة بين الطرفين، من خلال التأكيد على تعاون المواطنين مع السلطات المحلية والأمنية، وأن من يدعمون أو يؤون عناصر القاعدة ليسوا سوى أشخاص محدودين ولايمثلون أبناء مأرب وقبائلها.
تبارى معدو أوراق العمل في عرض بضائعهم على الحاضرين عقب مباراة مشابهة للكلمات التقليدية لراعي الحفل وداعمه ومنظميه, إلا أن مباريات أخرى قد تصل حد العراك لو صدقت توجهات أصحابها بدت هي الأخرى, دفعت رئيس فرع المؤتمر الشعبي (عبدالواحد القبلي) إلى اتهام المعارضة بإيواء المطلوبين في قضايا الإرهاب وقال إنهم "يلجأون إلى أوكار محسوبة على المعارضة", كرد فعل على حديث رئيس فرع الإصلاح (مبخوت بن عبود) عن عراقيل كادت أن تمنع انعقاد الندوة في مأرب "ممن يفترض فيهم مواجهة الإرهاب", في إشارة إلى سلطات رسمية مستشهداً بـ"وضع خطوط حمراء" أمام إسم الأستاذ في العلوم السياسية بجامعة صنعاء (الدكتور عبدالله الفقيه) الذي كان قد طرح اسمه لتقديم ورقة عمل في الندوة, مؤكداً بحزم أنه "حيثما وجد الإستبداد يجد الإرهاب بيئة خصبة له".
إجراءات أمنية مشددة تفرضها الأجهزة الأمنية على إمتداد النقاط العسكرية التي تبدأ من ضواحي العاصمة إلى الفندق, وتتجاوز الـ15 نقطة, إحداها في مفرق الجوف أبى ضابطها إلا أن يمنع الباص الذي يقل الصحفيين من المرور إلا عقب تلقيه توجيهات تأخرت لأكثر من نصف ساعة, في حين كان المحافظ عارف الزوكا الذي توافق مع مدير أمن المحافظة (محمد منصور الغدراء) في نفي أي صلة لمأرب وأبنائها بحوادث التفجيرات التي وقعت فيها والصورة السيئة المقدمة عنها كمأوى وحصن وحضن للإرهابيين من تنظيم القاعدة, مؤكداً وجود شواذ لايمثلون المحافظة وأن معظم أبناء المحافظة أفراداً وقبائل يقفون ويتعاونون مع الدولة في حربها ضد الإرهاب والقاعدة.
وأشار الزوكا إلى تفجير أمس الأول والذي طال أنبوب نفط, مؤكداً بثقة "نحن في الدولة سنواصل التصدي بالقوة ولن ترهبنا التفجيرات, سنقف في هذا الخندق ولن نتراجع ولن نهتز", بعد ان لفت إلى أن "دماء السياح الأسبان الذين طالتهم يد الغدر والخيانة لم تجف بعد", منوهاً إلى ان هذا "لايمت بصلة لديننا الإسلامي ومعتقداتنا وقيم وأعرف قبائل وأبناء مأرب", فيما قال مدير الأمن: أن ما يحدث من ممارسات أو عمليات لا تمثل أبناء المحافظة, وأضاف: "وبالعكس لمسنا كثيراً من التعاون وإن أبناء مأرب بمختلف شرائحهم يدينون هذه الأعمال".
الدور المناط بأبي الحسن كان محلاً لدعوة المحافظ للعلماء وكل من يرتادون المنابر بأن يكون خطابنا موحداً "الإرهاب خطر محدق بنا وبمصالحنا ومصالح هذه المحافظة", وهو ما ألتقطه مدير المعهد الأميركي بالإشارة إلى أن للإرهاب أثر بعيد المدى يتمثل في "تأخير التنمية, وتقويض المجتمع المدني, وخلق حالة من الخبط العشواء الذي لا يمكن للتنمية أن تحقق أي تقدم", مشيراً إلى أنه "من السهل مواجهة مخاطر الإرهاب على مستوى قريب كتعزيز القوى الأمنية لتفادي أعمال الإرهاب", إلا أنه من الصعب مواجهة الآثار على المدى البعيد, مؤكداً الوفاء بإلتزام المعهد تجاه "هذه المحافظة الطيبة, وسنعمل على دمج خلاصة دعمنا في خططنا المستقبلية".
وأشار ديمتروف إلى أن المعهد سيؤكد لشركائه الدوليين والمانحين ان أبناء مأرب قد ناقشوا كافة الأمور لمواجهة ظاهرة الإرهاب, وأختتم بالقول "أؤكد إلتزامنا بالعمل معكم حتى تكون مأرب واحة للسلام والأمن في المستقبل".
أبو الحسن الذي تألق إعتدالاً ووسطية وهو يؤصل دينياً لإسلام التسامح والخير والمحبة وتقبل الآخر وحرمة المساس بمن منحه ولي الأمر (الفيزا أو التأشيرة), أكد أنه طالما وأن الإرهاب أضحى مشكلة عالمية وإقليمية ومحلية, "لابد أن يعالج كل منا قسطه من الإرهاب", ملفتاً إلى أن "المدرسة عليها واجبها, والجامع, والعلماء, والأسرة, ووسائل الإعلام, والدولة", ولم يكن أمامه ليختم سوى التأكيد على أن "آخر العلاج الكي, والذي لا ينفع معه العلاج الفكري, قد ينفع معه السجن والضرب", ليستدرك "البعض خرجوا من السجون وقد أزدادوا غلواً", في إشارة إلى أهمية العلاج الفكري والحوار.
الصحفي (عبدالإله حيدر شائع) قدم بحثاً للتعريف بـ(الإرهاب ودوافعه السياسية) أشار فيما يتعلق بالدوافع المحلية يمنياً للإرهاب, إلى أن الدوافع السياسية للقاعدة في اليمن "وفق منظومتهم الفكرية وأدبياتهم الثقافية", كهدف عام "تحقيق العدالة والحرية للناس بحكم إسلامي صرف لا يخضع لأي من الهيمنات والقوى الدولية, بل جميع الدول تخضع لهيمنة الإسلام فقط", في حين ان للقاعدة هدف خاص باليمن يتمثل في تحويلها "إلى خلفية إمداد, ومحطة تدريب وانطلاق, لتغذية جبهات القتال التي تديرها الجماعات الجهادية في العالم", ملفتاً إلى أنها تعمل "على طرد كل من لا يدين بالإسلام من جزيرة العرب تنفيذا لحديث نبوي", منوهاً إلى أن تنظيم القاعدة يرى أن اليمن تحولت إلى أرضية إمداد خلفية في حرب الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لعملياتها المختلفة في العالم خصوصاً العراق والجزيرة العربية والقرن الإفريقي".
ويخلص شائع إلى أن ما رافق الحرب العالمية التي تقودها أميركا ضد الإرهاب من إعتقالات وتشريد وملاحقات, دون اهتمام بتعريف الإرهاب، وبعد أن وضعت تلك الدول لنفسها خطة عمل ميدانية ليس لها تغطية تعريفية أو قانونية, أصبحت سلوكيات الدول تجاه الإفراد والجماعات تفسر معنى الإرهاب وتحدد مفهومه, وبناءاً عليه تقوم بمحاربته بشتى الوسائل, وأضاف "وهذا من الأسباب السياسية التي تسهل للإرهاب أن يصبح حركة عالمية يتنامى كل يوم ويفتتح مياديناً وفروعاً جديدة".
قدمت ورقتين أخريين في الندوة تناولتا الأضرار الاقتصادية والاجتماعية للإرهاب سواءاً على مأرب أو اليمن ككل, مؤكدةً - وهو ما كان ملموساً على الواقع- أثرها على السياحة كقطاع تسعى الحكومة اليمنية لتحويلها إلى صناعة تقفز بإيرادات الدولة المعتمدة على إيرادات صادرات النفط والأسماك ومساعدات المانحين والقروض.
الإطلالة على عرش بلقيس بـ50 ريالاً دون سند رسمي وبيع الآثار في خانة الآلاف
إختفاء للمظاهر المسلحة.. وحضور للبعوض والغبار