[b]إسلامية تأملات
.. وهكذا تكون صلة الأرحام في منهج الاسلام!
بقلم: علي عياد [/B
]اذا كان الاحسان مطلوبا بين البشر انطلاقا من مبدأ الاخاء الانساني الذي يكرسه الاسلام ويدعو اليه قولا وعملا, واذا كان مطلوبا بين المؤمنين الذين يستظلون براية الاسلام انطلاقا من حق الاخوة في الدين والعقيدة.. فإن الاحسان بين الاقارب وذوي الارحام احق واقوي واكثر الزاما ـ
وبهذا الاعتبار كان محل الرعاية والعناية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
يشير الي ذلك القرآن الكريم فيقول تعالي: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء, واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا.
ويرتب القرآن الكريم علي قطيعة الرحم البعد عن رحمة الله ورضاه فيقول عز وجل: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا ارحامكم اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم واعمي ابصارهم.
وتشير السنة النبوية الي مثل ما اشار اليه القرآن الكريم فيقول الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ: والذي بعثني بالحق لا يقبل الله صدقة من رجل وعنده قرابة محتاجون لصدقته ويصرفها الي غيرهم, والذي نفسي بيده لا ينظر الله اليه يوم القيامة.
ومن دلالات وعلامات الايمان باليوم الاخر وما فيه من ثواب لمن اطاع الله ورسوله, وعقاب لمن عصي واستمع الي هواه وسار وراء نفسه الامارة بالسوء.. ان يكون الانسان تجسيدا عمليا لمنهج رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في صلة الرحم وغيرها من مكارم الاخلاق في مثل توجيهه عليه الصلاة والسلام: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه, ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليصل رحمه, ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت.
وسعة الرزق والبركة فيه والعمر المديد في صحة وخير.. طريق تحقيق ذلك مرتبط بصلة الرحم ومودتهم ورعايتهم كما يقول ـ صلي الله عليه وسلم ـ: من احب ان يبسط له في رزقه وينسأ له في اثره فليصل رحمه. وقد سئل ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن اي الاعمال افضل بعد الايمان بالله قال: صلة الرحم وعن اي الاعمال ابغض الي الله بعد الاشراك به سبحانه قال: قطيعة الرحم.
وقد سأل اعرابي النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ يا رسول الله, اخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني عن النار: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم فلما ادبر الاعرابي قال النبي عليه الصلاة والسلام: ان تمسك بما امرته به دخل الجنة.
ومن وصايا النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ لصاحبه ابي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ ما رواه بنفسه:اوصاني خليلي ـ صلي الله عليه وسلم ـ بخصال من الخير..أوصاني الا انظر الي من هو فوقي, وانظر الي من هو دوني, واوصاني بحب المساكين والدنو منهم, واوصاني ان اصل رحمي وان ادبرت, واوصاني الا اخاف في الله لومة لائم, واوصاني ان اقول الحق وإن كان مرا, واوصاني ان اكثر من لا حول ولا قوة الا بالله فانها كنز من كنوز الجنة.
واذا كانت صلة الرحم بهذه المثابة من الاهتمام في شريعة الاسلام قرآنا وسنة, فقد تحدث تصرفات من نوي الرحم تضعف هذه الصلاة وتلك اليد الممدودة لهم بالعطاء لكن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ وخلق القرآن الكريم يطلب منا دائما ان نتخلق بخلق الاسلام فنقابل سيئة القريب من ذوي الرحم بالحسنة, وقطيعته لنا بالاتصال به, وجهله بالحلم ومرض قلبه بسلامة قلوبنا وصدق نياتنا وبهذا ننتزع من نفوسهم وقلوبهم الغل والحقد والحسد,وهنا يروي ابو هريرة ـ رضي الله عنه ـ ان رجلا قال, يا رسول الله, ان لي قرابة اصلهم ويقطعوني, واحسن اليهم ويجهلون علي فقال ـ صلي الله عليه وسلم ـ ان كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت علي ذلك.
وتروي صفحات التاريخ الاسلامي ان الصديق ابا بكر ـ رضي الله عنه ـ تعرض لاساءة بالغة من قريب له يسمي مسطح وكان الصديق ينفق عليه, فما كان من ابي بكر الا ان منع عنه عطاءه جزاء ما ارتكب من خطأ واثم فيما ادعاه في حديث الافك الذي كذبه القرآن الكريم.. وهنا نزل قرآن كريم يدعو الي العفو والصفح والتسامح والاستمرار في العطاء حتي لمن اساء الادب ـ فيقول تعالي: ولا يأتل اولو الفضل منكم والسعة ان يؤتوا اولي القربي والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم وهنا ايضا يسرع صديق رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ابو بكر ـ رضي الله عنه ـ للامتثال لامر الله ويعيد العطاء لقريبه مسطح ويقول: بلي والله اني لاحب ان يغفر الله لي, والله لا انزعها منه ابدا.
وقد خرج رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يوما وهم مجتمعون فقال:.
يا معشر المسلمين, اتقوا الله وصلوا ارحامكم, فإنه ليس من ثواب اسرع من صلة الرحم, واياكم والبغي فإنه ليس من عقوبة اسرع من عقوبة البغي, واياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة توجد من مسيرة الف عام, والله لايجدها عاق ولاقاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء إنما الكبرياء لله رب العالمين.
ان منهج الاسلام متمثل في القرآن والسنة وماترك لنا السلف الصالح من اصحاب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقوم علي البر والتعاون والتكافل في السراء والضراء والتراحم والايثار والاخاء الانساني والبر. واذا كان ذلك مكفولا لكل الناس علي اختلاف مللهم واجناسهم طبقا لهذا المنهج الاسلامي.. فإن اولي الناس بذلك كما قلنا في بداية هذه السطور ـ هم الصق الناس بك واقربهم اليك وهم اهلك وذوو رحمك.. فلنحرص علي صلة ارحامنا لانهم طريقنا الواضح الي الجنة.
ولنتأمل معا السطور التالية ثم نستخرج الدرس الذي يجب ان نستوعبه منها ومن كل سطور المقال فقد كانت هناك حالة من الجفاء بين محمد بن الحنفية, واخيه من ابيه الامام الحسن بن علي بن ابي طالب فكتب اليه ابن الحنفية قائلا:
سلام الله عليك فان ابي واباك علي بن ابي طالب لا تفضلني فيه ولا افضلك, واما امك ففاطمة الزهراء بنت رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ سيدة نساء العالمين واما امي فامرأة من بني حنيفة فوالله لو ان ملء الارض من امي ماساوين امك, فإذا وصلك خطابي هذا فاحضر الي لتترضاني لتكون صاحب الفضل الذي انت له اهل.
وما ان قرأ الامام الحسن الخطاب حتي اسرع وهو في غاية التأثر للقاء اخيه, وبذلك كان اهلا لذلك الفضل ولا تعجب يا اخي فقد تربي في بيت النبوة واستمع فيه لما يتلي من آيات الله والحكمة.
وهكذا تكون صلة الارحام في منهج الاسلام.