|
منهج القرآن في التعامل مع أخطاء المجاهدين
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت في مجلة البيان مقالا حول منهج قرآني في التعامل مع أخطاء المجاهدين.
فأحببت كتابته هنا عل الله أن ينفع به.
"بداية نقصد بالمجاهدين هنا أولئك الذين قاموا بأداء فريضة العين،
وذلك بجهاد الدفع عن البلاد التي غزاها الكفرة واحتلوها، كما هو الحال
في أفغانستان والعراق والشيشان وفلسطين".
إن الفتن العظيمة التي تموج اليوم في واقعنا المعاصر لتفرض على المسلم أن يكون
حذرا يقظا متأنيا في أقواله وأفعاله ومواقفه، سائلا ربه عز وجل الهداية للحق والبصيرة
في الدين وتدبر كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والاستضاءة بهما
في خضم هذه الفتن التي تموج كموج البحر.
ومن هذه الفتن التي ظهرت في الآونة الأخيرة تلك المواقف المتباينة إزاء أخطاء بعض
المجاهدين في الثغور، ما بين مبرر لها ومدافع عنها، وكأنه يدعي العصمة للمجاهدين،
وما بين موقف مستعجلة من بعض الدعاة إزاء هذه الأخطاء لم يراعوا فيها التثبت
أو لم يراعوا فيها مآلات أقوالهم وما يترتب عليها من المفاسد، ودون انتباه لما يقوم
به العدو المتربص كافرا كان أو منافقا من توظيف لأقوالهم هذه في تبرير ضربهم
للمجاهدين أو الشماتة بهم.
ولذا يتعين على كل من أراد لنفسه السلامة من الزلل والسقوط في الفتن أن
يترسم القرآن الكريم ويتدبره ويجعله منطلق آيات كريمة عظيمة ترسم لنا
المنهج الحق العدل في التعامل مع أخطاء المجاهدين، ووضعها في حجمها الطبيعي
دون أن يوظفها العدو في صالحه، ومن هذه الآيات قول الله عز وجل:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقبل أن نقف عند الدروس من هذه الآية وما فيها من منهج حاسم في التعامل
مع أخطاء المجاهدين وأعداء المجاهدين، يحسن بنا أن نقف على سبب نزولها
كما جاء في كتب التفسير.
فقد جاء في روايات متعددة أنها نزلت في سرية عبدالله بن جحش رضي الله عنه
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم
أحد من الأنصار ومعه كتاب مغلق، وأمره ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين، فلما فتحه
وجد به ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بطن نخلة –بين مكة والطائف-
ترصد لنا قريشا وتعلم لنا من أخبارهم، ولا تُكرهنّ أحدا على السير معك من أصحابك).
وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى، فلما نظر عبدالله بن جحش في الكتاب
قال: سمعا وطاعة. ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله أن أمضي إلى بطن نخلة
أرصد قريشا حتى آتيه منها بخبر، وقد نهى أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم
يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأنا ماض لأمر رسول الله
فمضى ومضى معه أصحابه ولم يتخلف أحد منهم، فسلك الطريق على الحجاز،
حتى إذا كان ببعض الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما،
فتخلفا عن رهط عبدالله بن جحش ليبحثا عن البعير ومضى الستة الباقون، حتى إذا
كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن الحضرمي
وثلاثة آخرون، فقتلت السرية عمراً بن الحضرمي وأسرت اثنين وفر الرابع وغنمت العير
، وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة؛ فإذا هي في الأول من رجب،
وقد دخلت الأشهر الحرم التي تعظمها العرب، وقد عظمها الإسلام وأقرر حرمتها،
فلما قدمت السرية بالعير والأسيرين على رسول الله قال:
( ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ).
فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا.
فلما قال ذلك رسول الله سُقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم
من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام،
وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال) ا.هـ.
يقول الشيخ السعدي رحمه الله عند هذه الآية:
( ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل، لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم
عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب،
عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إذ فيهم من
القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم:
{ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله،
وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل في
الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده، كاف في الشر، فكيف وقد كان
في شهر حرام وبلد حرام ؟!
{ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة، فأخرجوهم { مِنْهُ }
ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد،
فهذه الأمور كل واحد منها { أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }
في الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم ؟!
فعلم أنهم فسقة ظلمة، في تعييرهم المؤمنين.
ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم
، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا
من أصحاب السعير).اهـ. تفسير السعدي.
نخلص من سبب نزول الآية والتوجيه الرباني فيها إلى الموقف السليم في التعامل
مع أخطاء المجاهدين المتمثل فيما يلي:
أولا : عدم ادعاء العصمة للمجاهدين، بل هم بشر يخطئون ويصيبون، والخطأ لا يدافع عنه
بل يقال إنه خطأ ومخالفة، وهذا ما ذكره الله في الآية الكريمة:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ).
فذكر سبحانه أن قتال المجاهدين في الشهر الحرام خطأ كبير، ولكن هذا الخطأ لا
يهدر به جهاد المجاهدين وبلاؤهم الحسن ومقصدهم الحسن في جهادهم، وهو
ابتغاء مغفرة الله ورحمته، بل يوضع في حجمه الطبيعي، ولذلك ذكر بعض المفسرين
أن الله عز وجل طيب قلوب هؤلاء المجاهدين المخطئين بعد ذلك بقوله تعالى:
(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يَرجون رحمة الله والله غفور رحيم).
وهكذا يكون التعامل مع أخطاء المجاهدين بحيث ينكر عليهم خطؤهم ولا يقرون عليه،
وفي الوقت نفسه لا ينسى لهم بلاؤهم وجهادهم وتنكيلهم في عدوهم، وهجرهم
لأهلهم وأوطانهم، وهذا ما يتضح بجلاء في هديه صل الله عليه وسلم في تعامله
مع أخطاء بعض الصحابة رضي الله عنهم أثناء جهادهم في سبيل الله.
فهذا أسامة بن زيد عندما قتل المشرك الذي شهد أن لا إله إلا الله بحجة أنه
قالها متعوذا وخوفا من السيف، عاتبه النبي عتابا شديدا وأوقف أسامة على خطئه،
ومع ذلك بقي هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقيت مكانته عنده لم تتغير،
حتى إنه أمّره قبيل وفاته بالجيش المعروف بجيش أسامة، ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما عنفه النبي صلى الله عليه وسلم
وتبرأ من فعله وقتله لمن أظهر الإسلام من بني جذيمة، لم يمنعه ذلك من إبقائه
في قيادة العمليات الجهادية المتتالية في عهده وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
فهل بعد هذا الهدي النبوي في تعامله مع أخطاء المجاهدين من عذر لبعض
الدعاة هداهم الله الذين ينسون جهاد المجاهدين وبلاءهم الحسن، ويسعون إلى
إقصائه بمجرد أن يصدر منهم خطأ أو مخالفة شرعية في قولهم أو فعلهم،
إن هذا ليس العدل.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في تعليقه على قصة عبدالله بن جحش
وما نزل فيها من الآيات:
(وَالْمَقْصُودُ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمَ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَلَمْ يُبْرِئْ أَوْلِيَاءَهُ
مِنْ ارْتِكَابِ الْإِثْمِ بِالْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ بَلْ أَخْبَرَ أَنّهُ كَبِيرٌ و أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ مُجَرّدِ
الْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ، فَهُمْ أَحَقّ بِالذّمّ وَالْعَيْبِ وَالْعُقُوبَةِ لَا سِيّمَا وَأَوْلِيَاؤُهُ كَانُوا
مُتَأَوّلِينَ فِي قِتَالِهِمْ ذَلِكَ أَوْ مُقَصّرِينَ نَوْعَ تَقْصِيرٍ يَغْفِرُهُ اللّهُ لَهُمْ فِي جَنْبِ مَا فَعَلُوهُ
مِنْ التّوْحِيدِ وَالطّاعَاتِ وَالْهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِهِ وَإِيثَارِ مَا عِنْدَ اللّهِ فَهُمْ كَمَا قِيلَ:
وَإِذَا الْحَبِيبُ أَتَى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ... جَاءَتْ مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعٍ
فَكَيْفَ يُقَاسُ بِبَغِيضٍ عَدُوّ جَاءَ بِكُلّ قَبِيحٍ وَلَمْ يَأْتِ بِشَفِيعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحَاسِنِ).
زاد المعاد، 3/170.
ثانيا : ومن المواقف المهمة المستوحاة من الآية الكريمة في الحديث عن
أخطاء المجاهدين: الحذر الشديد من توظيف الكفرة والمنافقين الكلام عن
أخطاء المجاهدين في الشماتة بهم وبالمسلمين وبالتنفير من الجهاد وأهله.
ولقطع الطريق أمام الكفرة والمنافقين من توظيف الحديث في صالحهم والتنفير
من المجاهدين؛ نرى في الآية الكريمة أن الله تعالى عندما ذكر أن القتال في
الشهر الحرام كبيرة، أتبعه في الآية نفسها بالتشنيع على الكفار وما يقومون به
من العدوان والصد عن سبيل الله تعالى مما هو في جرمه وشناعته أكبر وأشد
من خطأ المجاهدين، ويوضح الله عز وجل ذلك في قوله:
( وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ).
أي أن ما يقوم به الكفار من صد عن سبيل الله وكفر به بالله وإخراج المسلمين
من المسجد الحرام والشرك بالله ( أكبر عند الله من القتل ).
وبهذا يُقطَع الطريق على الكفرة والمنافقين من أن تتم فرحتهم بأخطاء المجاهدين
بأن تذكر فضائح الكفار وعدوانهم وصدهم عن سبيل الله عز وجل، وعندئذ لا
يستطيعون استغلال الحديث في صالحهم ضد المسلمين.
فيا ليت إخواننا الدعاة الذين يتحدثون اليوم عن أخطاء المجاهدين ينهجون هذا
المنهج الرباني، فيقرنون حديثهم ونقدهم لأخطاء المجاهدين بذكر ما هو أكبر
وأشنع مما يقوم به اليوم الكفرة الغزاة وأولياؤهم والمنافقون من قتل وتشريد وسجن
وتجويع وحصار خانق على المسلمين وصد عن سبيل الله عز وجل، وقبل ذلك
كفرهم بالله ومحادّتهم للإسلام وأهله في بلاد العراق وأفغانستان والشيشان
وفلسطين والصومال.
هذا هو المنهج القرآني المستوحى من آية البقرة الآنفة الذكر.
أما أن يفرد المجاهدون بالنقد ويترك الكفرة المعتدون والمنافقون الخائنون
لا تذكر فضائحهم، ولا يذكر عدوانهم وإرهابهم وصدهم عن سبيل الله
فهو من جانب: منهج جائر ينظر بعين واحدة
ومن جانب آخر: يسهل الطريق على الكفرة الغزاة والمنافقين ومن معهم في
الشماتة بالمجاهدين ويوظف ذلك في مصالحهم وأهدافهم.
أسأل الله عز وجل أن ينصر المجاهدين في كل مكان
وأن يجنبهم شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم
وأن يؤلف بين قلوبهم
ويكبت عدوهم من الكفرة والمنافقين، والحمد لله رب العالمين.
منقول
|