صحيفة 26سبتمبر شهد اليمن بشطريه منذ نهاية السبعينات وحتي نهاية الثمانينات وبالتحديد في ظل قيادة الرئيس علي عبدالله صالح - حفظه الله - تحولات ايجابية فيما يتعلق بقضية الوحده اليمنية، تبلورت هذه التحولات بتسهيل المعوقات وتذليل العقبات امام اعادة تحقيق الوحده، وساعد على ذلك عوامل ومتغيرات وطنيه وخارجية تزامنت معها خطوات سياسية وغير سياسيه، ديمقراطية غير قسريه، وقانونية وعمليه افضت في نهاية المطاف الى قيام الجمهورية اليمنية في الـ22 مايو 1990م. وهذا ماسوف نحاول مناقشته من خلال هذه الدراسة المتواضعة حول العوامل والخطوات التي ادت الى اعادة تحقيق الوحدة اليمنية وقبل ذلك سنتطرق بشيء من الايجاز الى مناقشة التحولات والاوضاع التي اعاقت قيام دولة الوحدة اليمنية بعد ثورتي سبتمبر 1962م واكتوبر 1963م، وكذا الاتفاقيات الوحدوية السابقة 72- 79، عواملها واسباب فشلها.
اولاً: الظروف والأوضاع التي أعاقت قيام الوحدة اليمنية بعد استقلال الجنوب: كان المفترض على قيادة الجبهة القومية، فور الانسحاب البريطاني من الشطر الجنوبي واعلان الاستقلال، ان تتباحث مع قيادة الشطر الشمالي حول موضوع الوحدة اليمنية بموجب الاتفاق الذي تم بين حكومة صنعاء وقيادة الجبهة القومية، والعمل على تحقيق الوحدة اليمنية بعد زوال مسببات التجزئية المتمثلة في الاستعمار البريطاني، غير ان الذي حدث هو الواقع التشطيري الذي جاء نتيجة ظروف ومعوقات داخلية وخارجية نشير اليها في التالي:د. محمد محمد الحميدي#< الأوضاع والظروف الداخلية
1- الأوضاع في الشمال لم يتخذ النظام في الشمال أية خطوة لمنع قيام دولة مستقلة في جنوبه، والأكثر من هذا كان أول من بارك وهنأ بقيام هذه الدولة، وقد جاء هذا الموقف نتيجة اوضاع وظروف، وكان النظام في صنعاء يمر بها من أبرزها مايلي:
أ- عند إعلان قيام دولة يمنية جنوبية مستقلة، لم يكن النظام في صنعاء في وضع يمكنه من معارضة قيام هذه الدولة بالقوة، حسبما كان يصرح ويلوح باستخدامها لو قامت دولة مستقلة في الجنوب، فقد غادرت آخر وحدات القوات المصرية التي دعمت الثورة والجمهورية في 29نوفمبر 1967، قبل استقلال الجنوب بيوم واحد، الأمر الذي جعل القوة العسكرية اليمنية الشمالية، في وضع مهزوز لاتستطيع القيام بأي عمل عسكري لردع قرار الانفصال الذي رسخته قيادة الجبهة القومية (2).
ب - كانت الجمهورية وقت الاستقلال تتعرض لهجوم شرس وقوي من الملكيين، حتى وصل الأمر الى محاصرة العاصمة صنعاء من قبل القبائل الموالية لنظام الإمامة، والمدعومين من المملكة العربية السعودية، الأمر الذي شغل قادة الثورة وركز انتباههم للأوضاع الداخلية والظروف الحرجة التي تمر بها الجمهورية (1). جــ - منذ الأيام الأولى للثورة في الشمال برز في حركة الجمهوريين اتجاهان مختلفان اجتماعياً وسياسياً، الأول يمثل الاتجاه الراديكالي، والثاني الاتجاه الاصلاحي التقليدي المحافظ، والذي حصل على الحكم في انقلاب 5 نوفمبر 1967، وكان حينها متحفظاً على قيام الوحده بالصورة التي كان يريدها قادة الدوله الجديدة في الجنوب .
< الأوضاع في الجنوب يمكن إرجاء قرار الجبهة القومية، التي حصلت على الحكم بعد الاستقلال، بعدم الوحدة مع الشمال، الى جملة من الاسباب والظروف الآتية:
أ- اعتبرت الجبهة القومية انقلاب 5نوفمبر 1967، في الشمال معوقاً للوحدة، لأن القوى التقليدية التي حصلت على الحكم بعد الانقلاب تتباين مع القوى الثورية التقدمية في الجنوب سياسياً وثقافياً واجتماعياً.
ب- اعتبر البعض من قادة الجبهة القومية ان الوحدة الفورية مع الشمال بمثابة الضم والإلحاق، واشترطوا لقيامها احداث تغييرات اجتماعية، واقتصادية وسياسية، مماثلة كما هي في الجنوب . جــ - بعد حدوث النكسة في يونيو 1967، حدث انشقاق سياسي بين قادة الجنوب وهو الامر الذي اعطى الاولوية للاهتمام بالداخل على حساب قضية الوحدة اليمنية
< المعوقات الخارجية 1- المعوقات الإقليمية
ساهمت الأوضاع المتأزمة في مصر بعد النكسة في تقوية مراكز القوى التقليدية في المنطقة التي عارضت قيام الوحدة اليمنية، وعملت على احتواء القوى التقدمية في صنعاء، لمواجهة النظام في الجنوب .
2- المعوقات الدولية
أ- من أهم المعوقات الدولية التي وقفت عقبة أمام تحقيق الوحدة اليمنية بعد الاستقلال.. الحكومة البريطانية التي اشترطت للانسحاب قيام دولة مستقلة، وتم هذا في المفاوضات التي وقعت في جنيف من 22-29نوفمبر 1967.
وتجلى هذا في سرعة جلائها الامر الذي ساعد الجبهة القومية في تكوين دولة مستقلة وفي ظروف صعبة كان الشطر الشمالي يمر بها .
ب- ساهم الاتحاد السوفيتي السابق في التجزئة من خلال الشروط التي كان يمليها على قادة الجنوب بطرحها على قادة الشمال لقيام الوحدة اليمنية والتي كان الاتحاد السوفيتي يريدها ان تتم بنفس الطريقة التي تمت بها الوحدة الفيتنامية.
ثانياً: اتفاقيتي الوحده الاولى والثانية وعوامل فشل لهما(72- 79) (حقائق تاريخية)
بعد استقلال الجنوب وثبات النظام الجمهوري في الشمال تحسنت علاقة الشطرين، بعد فتور مؤقت انتهى باعتراف حكومة الشمال بالدولة الجديدة في الجنوب، ومبادرة النظام في الجنوب بأرسال بعض القوات الجنوبية لمساعدة النظام في صنعاء، ضد الملكيين واستمرت الاتصالات والحوارات الإيجابية بين الشطرين الذين اتفقا على احياء مشروع الوحدة اليمنية في اول لقاء لحكومتي الشطرين في مدينة تعز في 25نوفمبر 1970م.
ولكن ما لبث ان ظهر مناخ العداء بين الجانبين، بسبب عوامل واقعية فرضت نفسها على اليمنيين، أبرزها اختلاف النظامين سياسياً، واقتصادياً، حيث اتجه أحدهما أقصى اليسار الماركسي (الجنوب)، والآخر تبنى الرأسمالية (الشمال)،وكل طرف طرح خيار الوحدة بالنهج الذي يراه وليس مايراه غيره، فقد طرح الشمال فكرة الوحدة الفورية، وان تكون السلطة بيد الشمال بينما طرح الجنوب فكرة الوحدة المتدرجة ورفض الوحدة الفورية، وأصر على توافر العامل الأيديولوجي والمضمون الاجتماعي والاقتصادي، ويبدو أن قضية الوحدة اليمنية، قد استغلت كدعاية استخدمها كل طرف ضد الآخر لكسب المعركة سياسياً وميدانياً من خلال محاولة كل نظام إسقاط الأخر، وقد اتاح هذا فرصة لعناصر المعارضة في كل من البلدين بالهروب باتجاه الطرف الآخر، فاليساريون في صنعاء اتجهوا ناحية الجنوب وكونوا مساندة الحكومة في صنعاء لإسقاط النظام في عدن.
ثم دخل الصراع مرحلة جديدة مع أتهام عدن لصنعاء بمحاولة أسقاط النظام في عدن بمساعدة الغرب والقوى المحافظه في المنطقة وعارضت تعيين الأصنج و باسندوه في حكومة الشطر الشمالي، وهما من أبرز المعارضين لنظام الجنوب، كما رفضت تخصيص حكومة صنعاء 28 مقعداً من مجلس الشوري للجنوب واعتبرته بمثابة ضم والحاق تسعى حكومة صنعاء الى تحقيقه، وفي 20/2/1972استدرج نظام الجنوب عدداً من مشايخ الشمال لعقد مؤتمر قبلي كبير لمشايخ اليمن شماله وجنوبه، وكان ذلك كافياً لبداية الانفجار العسكري الذي بدأ في أواخر فبراير 1972، حينما اعلنت صنعاء ان عدن هاجمت مدينة قعطبة جواً وردت عدن أن صنعاء تحاصر قريتين في الحدود، ثم اتسع نطاق الصراع في سبتمبر من نفس العام 1972 ، ليهدد بقيام حرب شاملة النطاق تهدد اليمن، وجيرانها في المنطقة مالم يوجد حل لاحتوائها، وعلى هذا انطلقت المبادرات العربية لحل النزاع في اليمن برعاية الجامعة العربية، وكانت اول وساطة تقدمت بها دولة الكويت، وأرسلت وزير خارجيتها الى صنعاء وعدن، إلا انها لم تنجح في هذه المهمة، ثم تدخلت الجامعة العربية لاحتواء الأزمة والتمهيد لإحياء مشروع الوحدة وأرسلت لجنة للوساطة بين البلدين شارك فيها كل من (ليبيا- الجزائر- مصر - سوريا- الكويت)وقامت هذه اللجنة بزيارة على الطبيعة لشطري اليمن، وعقد اجتماع في مدينة الضالع بين الاطراف المتنازعة بحضور الجنة العسكرية المشتركة لجامعة الدول العربية، انتهى بقرارات من أهمها انسحاب القوات المسلحة للطرفين الي مواقعها السابقة وامتناع كل طرف عن ايواء المتسللين أو المخربين من طرفه الى الجبهة الآخرى وعلى ان يتم اجتماع ممثلي صنعاء وعدن في الجامعة العربية اواخر اكتوبر 1972.
< اتفاقية الوحدة الأولى (1972) 1- اتفاقية القاهرة اجتمع وفدا اليمن الشمالي والجنوبي في القاهرة في اكتوبر 72 وطرح كل منهما مشروعه للوحدة، وبعد هذا عقد لقاء بين رئيسي مجلسي الوزراء لكلا الشطرين وبحضور ممثلي الجامعة العربية، واتفق الطرفان على قيام وحدة اندماجية للشطرين في دولة واحدة عاصمتها صنعاء، وسلطتها الدستورية موحدة وتم الاتفاق على ان يكون النظام جمهورياً وطنياً ديمقراطياً، وان يضمن الدستور كافة الحريات الشخصية والسياسية للمواطنين، ويحافظ على مكاسب ثورتي سبتمبر واكتوبر، كما تم في الاجتماع ايضاح وسائل تحقيق دولة الوحدة.
اعقب ذلك توقيع اتفاقية وقعها عن الشمال رئيس مجلس الوزراء محسن العيني، وعن الجنوب رئيس مجلس الوزراء علي ناصر محمد تتضمن النقاط السالف ذكرها.
< بيان طرابلس: التقى القاضي عبدالرحمن الارياني رئيس الجمهورية العربية اليمنية وسالم ربيع علي رئيس مجلس الرئاسة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في طرابلس اواخر فبراير 1972تعقيباً للاتفاق الذي تم التوقيع عليه في القاهرة، وقد حضر الاجتماع الرئيس الليبي معمر القذافي الذي استضاف الوفدين في ليبيا، وفي الاجتماع اكد الرئيسان على اهمية تفعيل اتفاقية الوحدة على ضوء ماتم الاتفاق عليه في القاهرة وتسهيل كل مايلزم لتحقيق ذلك وبعد ذلك ساد الاعتقاد ان مرحلة جديده من العلاقات الوديه ستتغلب السياسة على العداء بين النظامين، إلا ان المظاهر الإيجابية في علاقة الشطرين لم تستمر طويلاً، فقد بدأت علامات التوتر تعود بين النظامين، وتوقفت اعمال اللجان التي كانت مخصصة لتنفيذ اتفاقية القاهرة، ويرجع سبب هذا الى التحفظات والاختلافات التي ظهرت بخصوص بنود الاتفاقية ومعارضة كل جانب لبعض ماجاء في بنودها.
وتبايت التفسيرات لمضمونها وبهذه التناقضات في الرؤية والابعاد توقفت اعمال اللجان وانتهى العمل بالوثيقة التي كانت تحوي مطالب الطرفين وفي نفس الوقت تناقضات الجانبين.
< اتفاقية الوحدة الثانية (1979) 1-تطورات العلاقة بين الشطرين قبل توقيع اتفاقية الوحدة الثانية (72- 79)
بعد اخفاق المحاولة الوحدوية الأولى بين الشطرين، عاد التوتر يسيطر على علاقة الطرفين واستمرت الاتهامات بشأن المؤامرات والتخريب في كلا البلدين، وبذلت المساعي العربية لتقريب المواقف وايقاف الأعمال التي من شأنها تعميق التشطير، وتأجيل الصراع بين الطرفين، فتم لقاء بين الرئيسين، القاضي عبدالرحمن الإرياني وسالم ربيع علي في الجزائر في سبتمبر 1973 ، وتم الاتفاق على انهاء اعمال التخريب في كل انحاء اليمن، وعدم السماح للعناصر المعارضة للشطرين بمزاولة اعمالها، ثم تبع ذلك لقاء آخر في نوفمبر من نفس العام في مدينة تعز، لبحث ماتم الاتفاق عليه، ومتابعة الخطوات اللازمة للوحدة.
غير ان الأمور كانت تسير في الاتجاه المعاكس، اتجاه تصعيد الأزمة وزيادة التوتر، حيث تم اغتيال الشيخ محمد علي عثمان عضو المجلس الجمهوري في مدينة تعز في مايو 1974م واتهمت الحكومة صنعاء رسمياً حكومة عدن بضلوعها في الاغتيال، وأوقفت رسمياً اعمال اللجان المشتركة وفي ظل توتر العلاقات بين شطري اليمن ازيح القاضي الإرياني من رئاسة المجلس الجمهوري، وشكل مجلس قيادة برئاسة العقيد ابراهيم الحمدي في 13 يونيو 1974 الذي عقد اول لقاء له مع الرئيس سالم ربيع علي، في مدينة قعطبة في فبراير 1977 ، وتم الاتفاق على تكوين مجلس تنسيق برئاستهما يتولى متابعة مشروع انجاز الوحدة.
وفي خطوة لاحقة قام الرئيس الحمدي باتخاذ اجراءات شديدة تجاه بعض الشخصيات الشمالية القبلية قلصت نفوذها وازيحت، من مناصبها الحكومية مقابل ذلك زاد في تقاربه مع النظام في الجنوب وقيل ان الرئيس الحمدي كان ينوي التوجه الى عدن لإكمال ترتيبات اعلان الوحدة وهذا الأمر على مايبدو كان كافياً لاغتياله الذي تم في ظروف غامضة في اكتوبر 1977. وتولى الرئاسة من بعده الرئيس احمد الغشمي الذي اكد على اهمية تحسين العلاقة مع نظام الجنوب برئاسة سالم ربيع علي، غير ان ذلك لم يحدث بعد اغتيال الرئيسين معاً، الغشمي قتل بحقيبة ملغومة إثر استقباله لمبعوث الرئيس سالم ربيع علي، في مقر عمله في صنعاء، في يونيو 1978، وحملت حكومة صنعاء النظام في عدن مسؤولية الاغتيال، وعقب هذا الاغتيال في الشمال، انقلاب في الجنوب ضد الرئيس سالم ربيع علي من الجناح المتشدد انتهى بإعدام الرئيس سالمين في 26يونيو 1978، بقرار من المكتب السياسي للحزب الذي عين عبدالفتاح اسماعيل رئيساً جديداً لليمن الجنوبي.
وفي صنعاء تولى مقاليد السلطة علي عبدالله صالح واعلن صراحة ان القوات المسلحة ستضرب بكل قوة كل من يريد المساس بأمن البلاد وسيادته واستقراره ودخل الشطران في ازمة جديدة ووقفت معظم الدول العربية مع الشطر الشمالي، خاصة بعد صدور قرار الجامعة العربية بتعليق عضوية الشطر الجنوبي من الجامعة، بسبب اغتيال الرئيس الغشمي.
وفي شهر فبراير 1979، انفجر الوضع العسكري بين الشطرين واستمر حتى شهر مارس من نفس العام، وتدخلت الجامعة العربية ودعت الطرفين الى وقف القتال، واستئناف المفاوضات والخطوات الوحدوية، وتم الاتفاق على ان يتم هذا اللقاء في مدينة الكويت.
< اتفاقية الكويت (مارس 1979): في 28مارس 1979 التقى وفدا الجانبان، اليمن الشمالي برئاسة الرئيس علي عبدالله صالح واليمن الجنوبي برئاسة الرئيس عبدالفتاح اسماعيل، في مدينة الكويت، وتم عقد مؤتمر للصلح بين الشطرين واتفق الجانبان على استئناف التفاوض بشأن مشروع الوحدة اليمنية.
وضرورة انجاز الوحدة وتسهيل كل الطرق التي تؤدي لقيام دولة واحدة وانهاء التشطير. وقد حضر هذا المؤتمر المغفور له الشيخ الجابر الأحمد الصباح امير الكويت - رحمه الله - وجمع من الدبلوماسيين والمراقبين العرب والدوليين.
وتوصل الوفدان الشمالي والجنوبي في هذا الاجتماع الى تأكيد الرئيسين على العمل باتفاقية القاهرة . وبيان طرابلس 1972 .
واجمالاً نستطيع القول ان هذه الاتفاقية مثلها مثل سابقتها (اتفاقية 1972) جاءت نتيجة أزمة وظرف طارئ، جمعت الطرفين حول المفاوضات التي انتهت بالتوقيع على اتفاقية الوحدة. التي لم يسبقها اي تنسيق او خطوات تسهل قيامها وإزالة عقباتها، الأمر الذي جعلها اتفاقية مع وقف التنفيذ، سرعان ماعادت الأوضاع والتوترات الى سابق عهدهما، ويجب التنوية ايضاً الى ان الشيء الذي اختلف عند توقيع هذه المعاهدة عن سابقتها (1972) هو انخفاض نسبة المعارضة في الداخل للوحدة، وبالذات من القوى القبلية في الشطر الشمالي، والسبب في ذلك يرجع الى حكمة ودهاء الرئيس علي عبدالله صالح الذي جمع كل الشخصيات الوطنية والقبلية والحكومية والعسكرية ، واصطحبها معه الى الكويت لحضور التوقيع على الاتفاق وقبل التوقيع وقف وقال لهم :
«هانحن اولاً جميعاً هنا وهذا هو الاتفاق المطلوب توقيعه مع الاخ عبدالفتاح اسماعيل، فقولوا لي وقع اولا توقع لأني لا أريد ان يزايد علي احد عندما نعود الى صنعاء، او يحتج على ماجرى، ومن له رأي فليقله الآن». ثم وقع الاتفاقية بمشورة وموافقة الجميع بمن فيهم القوى التقليدية التي كانت تعارض الوحدة مع الجنوب، وفي المقابل لم تلق الاتفاقية معارضة تذكر من القوى النافذة في الحزب الاشتراكي واعلن عبدالفتاح اسماعيل انه مستعد للتخلي عن السلطة للرئيس علي عبدالله صالح في خطوة لإثبات جدية النظام في عدن تجاه الوحدة اليمنية، ولكن رغم هذا لم تلق الاتفاقية النجاح.
< عوامل فشل اتفاقيتي الوحدة الأولى والثانية نستطيع القول بأن فشل الاتفاقيتين الوحدويتين الأولى والثانية ،يرجع الى العقبات والعوامل الداخلية والخارجية التالية:
1- العقبات الداخلية: أ- تباين الثقافات للنخب والقوى المؤثرة في الشطرين، ففي الشمال اعتبرت القوى التقليدية ان الوحدة اليمنية مع القوى الماركسية في الجنوب وحدة غير اسلامية وعارضت قيامها خوفاً على مصالحها ونفوذها، وقد اكد ذلك الرئيس علي عبدالله صالح، عندما ذكر ان القبائل المعارضة لهذه الوحدة، ارسلت اليه رسائل في ابريل 1979، تحذره من قيام هذه الوحدة.
اما في الجنوب فهناك قوى مؤثرة في الدولة لاتتحمس لقيام هذه الوحدة باعتبار ان الشطر الشمالي، يختلف عن الجنوب. ثقافياً وعقائدياً. ب- تناقض السياسة الداخلية والخارجية للنظامين ويعتبر هذا من اهم عقبات الوحدة . لأنه لايمكن ان تتم وحدة في ظل نظامين متناقضين احدهما يوسع من انفتاحه نحو الغرب والاقتصاد الحر (الشمال) . والآخر يتمسك بالخط الاشتراكي المعادي للغرب ومن يرتبط بسياسته(4).
جــ - استمرار دعم القوى لكل نظام ضد الآخر. بعد ان سمحت حكومة صنعاء، للمعارضة الجنوبية بقيادة عبدالقوي مكاوي، بممارسة مهامها واعمالها، وفي المقابل واصلت حكومة عدن دعم الجبهة الوطنية، ضد نظام صنعاء وامدتها بالسلاح والمال والرجال د- لم يسبق الاتفاقيات الوحدوية السابقة أية خطوات تمهيدية لدراسة المعوقات وكيفية التغلب عليها. وانما جاءت نتيجة ازمة وصدام مسلح، جمعت الطرفين حول المفاوضات بدون قناعة او دافع حقيقي لإنجاز الوحدة.
و- لم يكن هناك جدية ورغبة كاملة بين الطرفين لقيام هذه الوحدة، فقد كان الجميع يناور ويزايد على شعبه بمسألة الوحدة، للخروج من أزمته الداخلية التي يمر بها، ونلمس تأكيداً لهذا في اتهام رئيس اليمن الشمالي (القاضي الارياني)، الذي اتهم النظام في عدن بالمراوغة وعدم الجدية في مسألة الوحدة وكذلك اتهام رئيس وزراء الشطر الجنوبي ( علي ناصر محمد)، بأن النظام في صنعاء ليس جاداً في مسألة الوحدة ويتآمر مع القوى الإمبريالية والرجعية التي اصبح واحداً منها.
2- العقبات الخارجية. أ- عقبات اقليمية: وابرز هذه المعوقات الموقف من بعض دول المنطقة والتي كانت تخشى قيام هذه الوحدة مع النظام الجنوبي الشيوعي الماركسي، الذي يستمد قوته من الاتحاد السوفيتي عدو الرأسمالية.والدين الاسلامي وفي هذا خطر على الأمة الإسلامية جمعاء.
ويبرز معوق آخر الى جانب ذلك ، يتمثل في اسرائيل التي تخشى اي مشروع وحدوي للعرب سواءًأ كان في اليمن او أي مكان آخر لما في ذلك من تهديد على أمنها القومي وتعارض لسياستها تجاه المنطقة العربية.
ب - عقبات دولية:- وتتمثل في عدم رغبة النظام الدولي في اتمام هذه الوحدة واستمرار خريطة التقاسم الدولي على ماهي عليه، بأن يظل النظام في صنعاء محسوباً علىالغرب الرأسمالي. والنظام في عدن محسوباً على الشرق الاشتراكي.
ثالثاً: العوامل والمتغيرات التي ساعدت على تحقيق الوحدة اليمنية : سنحاول من خلال مايلي اكتشاف دور واثر التطورات الداخلية التي حصلت في شطري اليمن ، وكذا المتغيرات الخارجية، وكيف ساعدت مع العوامل الأخرى على تحقيق الوحدة اليمنية. # باحث في شؤون الأمن القومي اليمني