نكبتهم وحلمنا
نحن لا نتذكر محنة النكبة ، نكبتنا بضياع فلسطين واحتلالها ، نحن نعيش أيام النكبة يوما بيوم ، بل قل ثانية بثانية . من ولد في منتصف القرن الماضي قبل عقد أو بعد عقد يدرك ماذا فعلت النكبة بنا ، نحن أبناء الجيل المنكوب الذي شاهد بأمهات عيونه كيف نبتت الخيام في الحقول وعلى أطراف الوديان لتؤوي شعبنا الذي طرده الاحتلال ليحل محله مهاجرون من كل مكان في الدنيا.
أتى هؤلاء البشر البيض والشقر والحمر والسود بدعوى "حق العودة" لليهود إلى أرض فلسطين ، وابتزوا العالم ، كل العالم لتثبيت "حق" باطل ، وخرج شعبنا يحمل على ظهره بعض ما استطاع أن يحمله من متاع الدنيا ، ولكنه حمل في قلبه عبء قضية خلقها له الاستعمار المتحالف مع الصهيونية العالمية لمنع وحدة الأمة العربية على شواطئ البحر المتوسط بين آسيا العربية وأفريقيا العربية ، كما خلقوا في قلب هذا الوطن المترامي الأطراف ، المليء بالخيرات ، القادرعلى أن يحكم نفسه بنفسه ، ويعيش من موارده لو ترك له الخيار ، ولكن عقلية المستعمر المستبد ، خططت لتقسيم هذا الوطن إلى دويلات تتناحر فيما بينها ، وضاعت فلسطين ، يا ولداه ، دون أن ترف لهؤلاء المتآمرين خفقة قلب على الذين شردوا من وطنهم ، وعاشوا ستين عاما يناضلون ضد الظلم ، ويناضلون ضد المحتل ، ويناضلون ضد الروايات الاسطورية التوراتية الخيالية التي سلبتهم وطنهم.
أقول هم سلبوا الوطن ، وبنوا "دولة" تعيش على ابتزازهم للعالم نتيجة لرواياتهم حول ما أسموه "بالهولوكوست".
نعم .. قد يكون مورست ضدهم أساليب قهر وعذاب تماما كما حصل مع معظم شعوب أوروبا التي عانت من حربين عالميين أكلتا الأخضر واليابس ، ولكن ، لماذا يدفع الفلسطينيون الثمن ؟ سؤال بسيط جدا ، لماذا لا يحتضنهم من عذبهم ؟ ولماذا يقومون هم أنفسهم بنفس الدور الذي حاربوا ضده ؟ ولماذا تصبح "الضحية" جلاداً ؟ سؤال آخر بسيط.
أسئلة كثيرة تضج وتقرع وليس هناك من إجابة مقنعة ، وكيف يقبل شخص متعلم يدّعى أنه امتلك أساس الحضارة ، ووقع على مواثيق حقوق الإنسان أن يحل شعب محل شعب ، ويخترع قصصا ليست علمية ولا منطقية لتبرير أمر واقع بحكم القوة الغاشمة.
أهلنا في فلسطين التاريخية ، فلسطين ومدنها يافا وحيفا والكرمل وصفد والناصرة ، ورام الله والخليل وبيت لحم وبيت جالا واللد والرملة وغزة ورفح وخان يونس وأريحا ، كلها فلسطين بلادنا الجميلة المقدسة ، مهد المسيح ومسرى الرسول الكريم . هي بلادنا التي مر على احتلالهم لها ستون عاما كاملة ولا تزال فلسطين هي فلسطين ، ولم يكل الشعب ولن يملّ ابداً من مقاومة هذا الطارئ الغريب الظالم المستقوي بالقوة العالمية لقهر شعب أعزل ، يبتدع أساليب مقاومة من الحجر والشجر والحديد والكاز ، حتى شجر الزيتون وزيته يقاوم المحتل ، ويبدو أن هذا قدر هذا الشعب المناضل الذي سيكتب عنه في مستقبل الأيام عندما تتحرر فلسطين بفعل المقاومة والمطالبة بالحق ، أنه الشعب الذي أعطى النموذج الحي لكل الامبراطوريات الغاشمة التي تتبنى"دولا صغيرة" لتقهر من خلالها شعبا أصيلا مناضلا امتلك قدرة اسطورية على البقاء حياً مطالباً بحقه في العودة إلى وطنه مهما كانت التضحيات.
تحية إلى كل المناضلين الشرفاء الذين سينتصرون ، على الرغم من الاحتفالات الكاذبة بوجود دولة قامت على أرض فلسطين بالبطش والعدوان. قد نكون حالمين ، ولكنّ الحُلم والحًلم هما أساس الوصول إلى تحقيق المطالب التي لا نشك لحظة واحدة في اننا اصبحنا أقرب إلى العودة إلى بلادنا بعد ستين عاماً على نكبتنا.