|
حرب صعدة .. والحقيقة الغائبة
حرب صعدة .. والحقيقة الغائبة
الثلاثاء , 6 مايو 2008 م
د. كمال بن محمد البعداني
ستظل حرب صعدة المندلعة منذ أربع سنوات من الحروب التي تحمل ألغازاً كثيرة وأسئلة عديدة ولعل السؤال المهم في هذه الحرب، هو هل الجيش اليمني عاجز عن حسم المعركة هناك؟ الإجابة الطبيعية والمنطقية هي النفي أي أن الجيش غير عاجز عن حسم المعركة والدليل أن وحدات من هذا الجيش أوشكت أكثر من مرة على تحقيق ذلك ولكن وبقدرة قادر وقبل أن يحصل المطلوب يتدخل حكم المباراة فينهي اللقاء، الدولة تعرف تماماً الرؤوس الكبيرة التي تخطط وتوجه أصحاب الحوثي، كما تعرف أيضاً مصادر التموين ومع ذلك لم تتخذ الخطوات المطلوبة في مثل هذه الحالات، بل استمرت ترسل اللجان تلو اللجان إلى صعدة وكل لجنة تقيم في فندق "رحبان" فترة من الزمن ثم تغادر بعد أن تقدم اقتراحاً بسحب الجيش من مواقع معينة كبادرة حسن نية وتبعات ذلك يتحملها الجيش هناك قادة وأفراد، إنها حرب ألغاز والضحية هو "الوطن" إلا أنه من الإنصاف القول أن الحوثي ومن معه قد أداروا الحرب سياسياً وإعلامياً بصورة جيدة بل وتفوقوا على الدولة رغم أنهم يمتلكون الحجة الأضعف فهم لا يتجرؤون على الإفصاح عن مطالبهم الحقيقية على الأقل أمام الرأي العام، وفي العادة أن الذي لا يستطيع الإفصاح عن مطالبه بصورة علنية فهو يدرك أن هذه المطالب تدخل خانة اللامعقول أو خانة المستحيلات، إذاً من البديهي القول أن الأمر أكبر من الشعار وأكبر من الاحتفال بعيد الغدير أو حتى المولد النبوي الذي أدخله الحوثي ضمن الخارطة الاحتفالية لهذا العام حسب التوجيهات، سياسياً دفع الحوثي بالقضية إلى خارج الحدود اليمنية وتحديداً إلى قطر وهذا إنجاز سياسي يحسب له، وكان قد دفع بلاعب جديد إلى الساحة السياسية المتعلقة بحرب صعدة، هذا اللاعب هو "صالح هبرة " الذي مثل الحوثي في ما بعد بما أصبح يعرف باتفاق "هبرة - الإرياني"، ويبدو أنه قد تم اختيار هذه الشخصية بعناية فهو يمتد صيفاً وينقبض شتاءً، وقد تم تكليفه في بداية الأمر وتحديداً منتصف عام 2007م بتحرير رسالة إلى رئيس الجمهورية يخبره فيها أن حرب صعدة من السهل حلها وببساطة تامة، ولكن هذا يقتضي سحب ملف صعدة من علي محسن وإعطائه أحمد علي عبدالله صالح نجل رئيس الجمهورية، كما قام في نفس الوقت بتحرير رسالة إلى أحمد علي نجل الرئيس يحثه على ذلك، ومع هاتين الرسالتين بعث هبرة في نفس الوقت برسالة إلى علي محسن الأحمر يعاهده فيها بأنه سيظل الوفي المخلص وأن يضع يده بيده لحل قضية صعدة التي أصبحت تؤرقه في منامه كما قال: نعم هكذا ثلاث رسائل في وقت واحد في محاولة من الحوثي لاختراق المثلث السني إذا جاز التعبير "علي - علي - أحمد" ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل، لقد لعب الحوثي بقوة بورقتي "المذهب" وآلـ"البيت" وصور المعركة في البداية على أنها استهداف للمذهب واستهداف لآل البيت، وقد كان لإدعائه هذا صدى في البداية ولكن سرعان ما بدأت هذه الورقة تضعف، بل وأصبحت تأتي بنتائج عكسية على الحوثي نفسه وذلك عندما أدرك الجميع أن الحوثي قد خرج بفكره ونهجه عن المذهب الزيدي بل أن حسين الحوثي نفسه في ملازمه قد سفه كتب الفقه الزيدي بشهادة علماء المذهب أنفسهم في بيانهم الشهير "هذا بلاغ للناس ولينذروا به"، إضافة إلى ذلك أن اليمن بكل تاريخها لم يحصل فيها حروب مذهبية على الإطلاق ولعل السبب ببساطة هو عدم وجود ما يستدعي ذلك، فالمساجد واحدة والمدارس واحدة ولا شيء يدعو للتمييز، لقد خاضت الدولة في الشمال قبل الوحدة معاركاً ضارية ضد مليشيات مسلحة حاولت أن تفرض أجندتها وأفكارها بالقوة المسلحة فيما كان يعرف بحرب المناطق الوسطى وكان من نتيجتها تشريد أسر وتهديم بيوت وإتلاف مزارع وطوال المواجهة التي استمرت أكثر من عشر سنوات على فترات متقطعة، وطوال هذه الفترة لم تستخدم الورقة المذهبية على الإطلاق لأنها كما قلنا ورقة خاسرة ولا مكان لها في اليمن "نعم في اليمن بالذات"، أما الورقة الثانية التي استخدمها الحوثي فهي ورقة آل البيت، وهذه الورقة أيضاً قد لحقت بسابقتها "ورقة المذهب" فلقد ظهر للجميع أن الفكر الحوثي قد اختزل آل البيت في اليمن ببدر الدين الحوثي وأولاده ومن ساندهم، بينما الواقع أن آلـ"البيت" منتشرون في اليمن شمالاً وجنوباً والغالبية الساحقة منهم تختلف مع الحوثي في الفكر والمنهج، بل أن منهم جنوداً وقادة شاركوا في حرب صعدة ضد الحوثي واستشهد منهم الكثير، إذاً فقد جعل الحوثي الهاشمية كنسب لا تكفي وحدها للانضمام إلى آلـ"البيت"، فلا يكفي أن يكون الهاشمي زيدياً أو شافعياً بل لابد أن يكون تابعاً بالفكر والمنهج لبدر الدين الحوثي وأولاده حتى يتم الاعتراف به أنه من آلـ"البيت"، فنظرتهم مثلاً إلى عبدالرحمن العماد على أنه سلفي وهابي، بينما تختلف النظرة إلى ابن أخيه المقيم في إيران "عصام العماد" فهم ينظرون إليه على أنه حجة وآية من آياتهم العظام، كما أنهم يطلقون على عبدالوهاب الديلمي "وزير العدل السابق" على أنه سلفي تكفيري، بينما تختلف النظرة إلى ديلمي آخر معهم في نفس الفكر، كما هو معلوم، وفوق هذا وذاك أن الشيخ/ محمد المؤيد وهو من خيار آلـ"البيت" في اليمن، هذا الشيخ المسجون في أميركا لم يحظ منهم بكلمة واحدة ولو من قبيل المزايدة، بأن يجعلوا مثلاًُ من ضمن شروطهم مطالبة الدولة بالضغط على أميركا بالإفراج عنه، وخاصة وهم يرفعون شعار "الموت لأميركا" المسجون فيها الشيخ المؤيد وهو من آلـ"البيت" الذي يقول الحوثي: إنهم مستهدفون، ولكنه لم يحصل ذلك أبداً لاختلافه عنهم بالفكر والمنهج، بل نجد أن يحيى الحوثي نفسه شقيق عبدالملك، واللذان يرفعان الاثنان معاً شعار "الموت لأميركا" يقيم معظم وقته في ألمانيا وهي نفس الدولة التي سلمت الشيخ المؤيد إلى أميركا، إذاً كما قلنا الأمر أكبر من الشعار، ومن الموت لأميركا "أو لأمي سعيدة"، ولعل الوضع برمته يتلخص بالآتي: "الحوثيون لا يسعون إلى الحكم بصورته الشكلية، فهم يعرفون أن الثورة قد خلقت واقعاً جديداً في اليمن ثم أتت الوحدة وعملت على توسيع وتثبيت هذا الواقع، إذاً ما يريدونه وما هو مرسوم لهم هو محاولة تكرار تجربة حزب الله اللبناني هنا في اليمن، فإذا كان حزب الله يسيطر على جنوب لبنان فما المانع أن يسيطر الحوثي على أجزاء من شمال اليمن؟ وإذا كان حزب الله قد اكتسب شرعيته وشعبيته هناك من خلال مواجهة إسرائيل فما المانع من إحضار إسرائيل إلى شمال اليمن ولو عن طريق الشعار ثم القول: أن الحوثي يواجه إسرائيل في اليمن حتى ولو كان كل القتلى هم من أبناء اليمن وليس بينهم إسرائيلي واحد، زعيم حزب الله هدد إسرائيل قبل فترة بالحرب المفتوحة معها وعبدالملك الحوثي هدد الدولة بالحرب المفتوحة من الشمال إلى الجنوب مع الفارق بين الاثنين فالأول يهدد إسرائيل والثاني يهدد اليمن، هذه العوامل هي التي أهلت حزب الله ليتحكم بشكل كبير في القرار السياسي في لبنان والدليل أن كرسي الرئاسة في قصر "بعبدا" ما يزال شاغراً حتى الآن بعد مغادرة العماد لحود لا لشيء إلا لأنه لم يأت الرئيس الذي يوافق عليه حزب الله وبالطبع من قبله إيران، وهكذا يريدون أن يكرروا نسخة لحود والسنيورة في صنعاء في المستقبل وعلى ذلك هم يخططون ويسعون لإيجاد ذراع عسكري يدعم التوجه السياسي لهم فيما بعد داخل الحكم وإذا استمر الحال على ما هو عليه من قبل الدولة فإننا نقول للرئيس: لقد أضعفت كل ما بنيت في عهدك وأتعبت من سيأتي بعدك".
|