|
عزائها أنها ربت أجيالاً.......!!!!!
القلم الأحمر الماثل بين أصابع يدها أكثر من نصف النهار كان أهم سبب في ركوبها قطار العنوسة في بلد تشيخ فيه النساء باكراً، لكنها ظلت متمسكة به لحبها لمهنتها العظيمة حيناً، وأحياناً لحاجتها الماسة للراتب الضئيل الذي تتقاضاه نهاية كل شهر بعد أن يطال استقطاعات لازمة.
ليس القلم الأحمر فقط.. لكن غبار الطباشير الذي وجد محله غير المناسب وسط خيوط ملابسها وخطوط يدها، فما فارقها منذ سنوات حين عينت بوظيفة معلمة في مدرسة ابتدائية.
في بداية حياتها العملية كانت تعود في كل يوم محملة بأصوات الأطفال وضجيجهم وصوتها المرتفع لتهدئتهم، كانت استنفدت كل السبل في الحفاظ عليهم هادئين، لكن العدد الكبير لطلابها في مساحة فصل صغير في مدرسة حكومية حال دون ذلك تماماً.
في النهاية اكتسبت صفات لم تكن في تكوينها الاجتماعي، إذ تغيرت أشياء عديدة في حياتها على كل المستويات، صارت المدرسة حياتها وحديثها وتفكيرها في كيف تقدم الأفضل، بالتأكيد كان التطبيق مختلفاً جداً عما درسته أيام كلية التربية، وهذا ما شكل لديها فجوة أتعبتها كثيراً. بمضي الأيام فقدت أيضاً تلك الفتاة الأنيقة التي كانتها، فأصبح مظهرها آخر ما تهتم به، خاصة إذا كانت في طريقها إلى المدرسة، فهناك لن تقابل سوى مديرتها الغاضبة دائماً وطلبة يجعلون حلقها يجف من "الصياح"، وزميلات لا يختلفن عنها كثيراً، لذا أن تكون أنيقة كان آخر ما تفكر به.
علمت على الدوام أنها ستخوض تجربة صعبة كونها ستصبح معلمة، لكنها كانت من أولئك الذين يحملون أنفسهم مسؤولية تغيير الكون، جاهدت كثيراً في تحسين الوضع القائم، لكنها علمت في نهاية الأمر أنها تسبح ضد التيار، وهذا النوع من السباحة يأخذ منك جهداً، وفي النهاية يجعلك تستسلم.
بعد سنوات طوال وجدت نفسها أمام لا شيء، سوى تلك الوريقات التي تتسلمها نهاية كل شهر "أجراً" على ما تقدمه من عطاء لا يقدر بثمن ولن يقدره أحد.
وقفت كثيراً في حياتها تراقب الطريق الذي اختطته لنفسها، أحبطت، لكنها عزت نفسها بأنها مربية أجيال، ومهما يكن فقد ربت أجيالاً لهذا الوطن، كانت أماً لأولاد وبنات لم يكتب لها أن تلدهم
الغد.
|