يهودي ينبش التاريخ اليهودي
لتبرير جريمة الطرد بحق الفلسطينيين لم تكتفِ إسرائيل بتحريف التاريخ الحديث ليتوافق مع روايتها لحقها المزعوم في أرض فلسطين، ولكنها وعبر الأغلبية الساحقة من نخبتها الثقافية تعيد اختراع وتحريف التاريخ القديم ليتوافق مع تبرير الجريمة الكبرى التي ارتكبتها على الأرض الفلسطينية. وهذا لا يعني أن النخبة الإسرائيلية موحدة بالكامل حول الرواية الإسرائيلية، فهناك العديد من المؤرخين الإسرائيليين حاولوا وعبر الأرشيف الإسرائيلي مراجعة التاريخ الحديث، والاقتراب من الرواية الفلسطينية وتكذيب الرواية الإسرائيلية لحرب عام 1948 التي شهدت عمليات التطهير العرقي للفلسطينيين. ومن هذه الأسماء الإسرائيلية إيلان بابيه وايلا شوحط وتوم سيغيف وآفي شلايم وبني موريس وغيرهم، وقد عُرف هؤلاء في إسرائيل بتيار "المؤرخين الجدد" واعتبر المؤرخون التقليديون هؤلاء "كارهي أنفسهم" لأنهم أكدوا في أعمالهم اعتماداً على الأرشيف الإسرائيلي ذاته صحة الرواية الفلسطينية للصراع، وكذّبوا الرواية الإسرائيلية.
شلومو زاند أستاذ في جامعة تل أبيب الإسرائيلية، اسم جديد في نقض الرواية الإسرائيلية، فهو متخصص بتاريخ القرن العشرين وفي التاريخ الثقافي لفرنسا المعاصرة تحديداً. وكتابه يحمل عنوان "متى وكيف اختُرع الشعب اليهودي". يسعى الكاتب من خلاله لإثبات أن اليهود الذين يعيشون الآن في إسرائيل وأماكن أخرى من العالم لا ينحدرون من الشعب القديم الذي سكن "مملكة يهوذا". ذلك أن أصلهم استناداً إلى زاند: هو من شعوب مختلفة تحولت إلى اليهودية خلال فترات تاريخية مختلفة وفي مناطق مختلفة من حوض المتوسط والمناطق المجاورة له. وهذا لا ينطبق فقط على يهود شمال أفريقيا فحسب، بل يشمل أيضا غالبية المناطق التي دان أهلها بالوثنية وتحولوا إلى اليهودية، من يهود اليمن الذين تحولوا إلى اليهودية منذ القرن الرابع الميلادي إلى اليهود الأشكناز في شرق أوروبا اللاجئين من مملكة الخزر الذين تحولوا إلى اليهودية في القرن الثامن.
لم يلجأ زاند إلى التاريخ الحديث حرب 1948 وما بعدها لنقض الرواية الصهيونية، بل ذهب بعيداً في التاريخ اليهودي لآلاف السنين ليقوض الافتراضات التاريخية الصهيونية. فهو يريد أن يثبت أن الشعب اليهودي لم يوجد قط كأمة عرقية (قومية) بأصل معروف، ولكنه مزيج من مجموعات بشرية اعتنقت اليهودية في مراحل مختلفة من التاريخ، على عكس الرواية الصهيونية التي تقول بالأصل التاريخي الواحد لليهود. وقد جادل زاند عدداً من المذاهب الفكرية الصهيونية حول المفهوم الأسطوري والملفق الذي يعتبر اليهود شعباً قديماً، واعتبر ذلك يقود إلى تفكير عنصري حقيقي. وما يقوله زاند اليوم في إسرائيل كان يوصف قبل مدة وجيزة باعتباره معادياً للسامية.
استنادا إلى زاند فإن وصف اليهود باعتبارهم أمة عزلت نفسها وتتجول في المنافي عبر البحار والقارات ووصلوا أخيراً إلى نهاية الأرض، ومع تقدم الصهيونية فقد عادوا على شكل مجموعات إلى وطنهم اليتيم، ما هو سوى أسطورة مخترعة. وحسب زاند فإن الحقيقة تقول إنه تم اختراع الشعب اليهودي في القرن التاسع عشر بتأثير مثقفين من أصل يهودي نشؤوا في ألمانيا متأثرين بالشخصية الوطنية التراثية للأمة الألمانية، وأخذوا على عاتقهم مهمة اختراع شعب يهودي عن طريق استعادة الماضي يتوافق مع خلق شعب يهودي معاصر.
يرسم المؤرخون الإسرائيليون تاريخ اليهودية باعتباره تاريخ أمة كان لها مملكة، هذه الأمة كانت شعباً متجولاً وفي النهاية عاد هذا الشعب أدراجه إلى مسقط رأسه. وبناء عليه تقول مقدمة إعلان استقلال إسرائيل: بعد أن أجبر اليهود على الخروج من أرضهم، فإنهم استمروا مخلصين لها، من خلال تصوراتهم لها (المخيال الجمعي) ولم يتوقفوا عن الصلاة بأمل العودة إليها ولمّ الشمل فيها لتحقيق حريتهم السياسية. وحسب زاند لقد تم اختراع "الدياسبورا" الشتات اليهودي ويقول "إن طرد الشعب اليهودي من أرضه لم يحدث أبداً". كان بناء النموذج المثالي للوطن مطلوباً لبناء ذاكرة طويلة الأمد تتخيله أمة وعرقاً مطروداً لتشكل الأساس للاستمرارية المباشرة للشعب الذي سبقها. ويشرح زاند أنه في إطار التأثير الذي أحدثه المؤرخون الذين تعاملوا مع نفس القضية في السنوات الحديثة، فإنه يعمل على إثبات أن قضية خروج الشعب اليهودي هي أسطورة مسيحية أصيلة صورت الأحداث باعتبارها عقاباً إلهياً طبق على اليهود لأنهم رفضوا البشارة المسيحية. وحسب زاند، فإن الرومان لم يطردوا اليهود، ولم يكن بإمكانهم فعل ذلك حتى لو أرادوا ذلك، حيث إنه لم تتوفر لديهم القطارات والشاحنات التي وجدت في القرن العشرين. وما يقوله الكتاب بشكل واضح، أن المجتمع اليهودي لم يشتت ولم يطرد.
ويفسر زاند انتشار اليهود في العالم، بأن الديانة اليهودية هي التي انتشرت وليس الشعب اليهودي. على اعتبار أن الديانة اليهودية كانت ديانة تبشيرية على عكس ما هو شائع. يجادل زاند في أن معظم الإضافات الحاسمة في أعداد اليهود في العالم تشكلت إثر ضعف و انهيار مملكة الخزر والتي شكلت إمبراطورية ضخمة نهضت في العصور الوسطى. يراجع زاند هذه الفرضية والتي اقترحها المؤرخون في القرنين الـ 19 والـ20 استناداً إلى أن اليهود الخزر يشكلون الأصل الأساس ليهود ومجتمعات أوروبا الشرقية. ويقول زاند: في بداية القرن العشرين كان هناك تمركز ضخم لليهود في أوروبا الشرقية. حيث كان هناك 3 ملايين يهودي في بولندا وحدها: إن الجغرافيا التاريخية للصهيونية تدعي أن أصل يهود أوروبا الشرقية هو المجتمعات اليهودية الأولى في ألمانيا، ولكنهم لم ينجحوا في تفسير كيفية أن عدداً صغيراًَ من اليهود استطاعوا أن يؤسسوا شعب اليديش لأوروبا الشرقية.
من الواضح أن الزعم أن اليهود ليسوا من "مملكة يهوذا"، يقوض شرعية الوجود الإسرائيلي بوجه من الوجوه، رغم نفي زاند لذلك. ولكنه يعتبر أن التحريف هو في معالجة الجذور اليهودية معالجة جينية، بيولوجية، عرقية، وأن إسرائيل لم توجد كدولة يهودية، "وإذا لم تتطور إسرائيل كدولة منفتحة متعددة المجتمعات فسوف نشهد كوسوفو في الجليل" حسب تعبيره. ويدعو إلى أن تكون إسرائيل دولة لكل مواطنيها من اليهود والعرب ويقول "يجب أن نبدأ العمل بشكل جاد لتتحول إسرائيل بحيث لا يكون الأصل العرقي وكذلك المعتقد في تناقض مع القانون. وأن أي شخص مطلع أو له معرفة بأوضاع الشبان العرب في إسرائيل يستطيع أن يرى أنهم لا يوافقون على العيش في وطن لا يعترف بوجودهم، ولو كنت فلسطينياً فسوف أكون ثائراً ضد دولة كهذه".
تعمل مساهمة زاند في كتابه على تفكيك الأساطير الصهيونية التي تم اعتمادها في بناء الدولة بناء على الادعاءات الصهيونية بتاريخ مزور، وبالتأكيد فإن الكتاب لن يفكك دولة إسرائيل، ولكنه يطرح عليها أسئلة تحاول تجنبها وتخترع الأساطير حتى لا تواجهها.
|