"مثلث برمودا " صهيوني يبتلع القدس
(المثلث الاستيطاني اليهودي الجاري استكماله اليوم بين القدس وبين مشارف البحر الميت إلى الشرق منها سيكون "مثلث برمودا "إسرائيلياً" يهدد بابتلاع القدس ومعها الدويلة الفلسطينية الموعودة و"عملية السلام" والسلام نفسه)
بينما يهرق عرب فلسطين دماءهم في اقتتال يرقى إلى الانتحار السياسي اصطراعا على سلطة وهمية ما زال الاحتلال سيدها وآسرها، تجد القدس العربية الإسلامية نفسها اليوم ضحية زمن غادر يكاد التاريخ القريب لتهويد شطرها الغربي يكرر نفسه في شطرها الشرقي حيث يتركها فيه لمصير مماثل احفاد بناتها اليبوسيين والكنعانيين وأجيالهم العربية اللاحقة ومن تآخت معهم في الإسلام من الأمم والشعوب الاخرى ليحملوا المقدسيين الصامدين فيها الامانة التاريخية التي تخلوا عنها، وهم بالكاد وبشق الانفس يحافظون على وجودهم فيها، بينما يؤسس الاحتلال "الإسرائيلي" لإقامة "مثلث برمودا" استيطاني جديد يحسم لمصلحته الصراع الديموغرافي على المدينة بعد أن حسم الصراع الجغرافي على الارض فيها ويبتلع القدس والدويلة الفلسطينية الموعودة وعملية السلام والسلام نفسه.
وكان التقرير الإحصائي السنوي لعام 2007 الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في الثالث من الشهر الجاري هو احدث دليل على أن الاحتلال يكاد يحسم الصراع الجغرافي والديموغرافي على القدس لمصلحته لكن الحقيقة الاهم التي يثبتها التقرير لكنه لا ينص عليها هي أن التاريخ القريب لتهويد الشطر الغربي من القدس من دون قتال قبل إقامة دولة المشروع الصهيوني في فلسطين بقوة السلاح عام 1948 يكرر نفسه اليوم بعد قيامها في عملية جارية على قدم وساق لتهويد شطرها الشرقي بقوة السلاح كذلك لكن من دون قتال ايضا.
ويوضح التقرير بما لا يدع مجالا لأي شك أن القدس كانت ولا تزال الهدف المركزي الذي يتوجه اليه هجوم الاستيطان الاستئصالي الإحلالي اليهودي منذ احتلال الشطر الشرقي للمدينة عام،1967 ففي عرض التوزيع الجغرافي للمستعمرات الاستيطانية حسب المحافظات في الضفة الغربية احتلت القدس المرتبة الاولى بست وعشرين مستعمرة ضمت دولة الاحتلال "الإسرائيلي" ست عشرة منها اليها ومع أن نسبة المستعمرات في محافظة القدس إلى اجمالي عدد المستعمرات والقواعد العسكرية في الضفة الغربية (التي تزيد على 500 مستعمرة وقاعدة) تبدو ضئيلة فإن عدد المستوطنين الذين يعيشون في مستعمرات القدس يمثلون ثلاثة وخمسين في المائة (256037 في محافظة القدس و194695 في منطقة بلدية القدس) من اجمالي عددهم في الضفة البالغ (483453) مستوطنا حتى نهاية العام المنصرم، حسب التقرير، وعلى الارجح أن عددهم سوف يتجاوز النصف مليون مستوطن خلال عام 2008 الجاري إذا اعتمدنا معدل نموهم البالغ (74.3%) خلال العامين المنصرمين وفقا للتقرير الفلسطيني.
ومما جاء في التقرير ليؤكد أن القدس كانت ولا تزال هي الهدف المركزي للهجوم الاستيطاني اليهودي أن ثمانية وثمانين في المائة من مجموع مستوطني الضفة يعيشون في خمسة واربعين "مستعمرة حضرية" (غير ريفية)... منها 22 مستعمرة في محافظة القدس"، وهذه هي المستوطنات التي يصر المفاوض "الإسرائيلي" على ضمها في أي تسوية سياسية نهائية مع الجانب الفلسطيني والتي ضمن موافقة الراعي الأمريكي لما يسمى "عملية السلام" على ضمها، بحجة أن تفكيكها وسحبها للعودة إلى حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967 يعتبر امراً "غير واقعي" طبقا لرسالة الضمانات التي بعثها الرئيس جورج دبليو. بوش إلى رئيس وزراء دولة الاحتلال "الإسرائيلي" السابق الغائب عن الوعي بانتظار إعلان وفاته ارييل شارون في 14 نيسان/ ابريل 2004. وطبقا لتقرير الإحصاء الفلسطيني تحتل المستعمرات ما نسبته (3.38%) من مساحة الضفة الغربية يحظر على عرب فلسطين دخولها، منها حسب الارقام "الإسرائيلية" (12%) في القدس ضمت دولة الاحتلال معظمها من جانب واحد مباشرة بعد الاحتلال عام 1967.
إن طوق المستعمرات الاستيطانية "الحضرية" الذي يبنيه الاحتلال حول القدس الكبرى يستهدف إقامة سد منيع خارجي من الحجر والمعدن والاسمنت حول القدس المهودة لحمايتها من جهة بحاجز مادي وبشري تستند اليه أي قوة عسكرية يوكل اليها الدفاع عن المدينة، ولاستخدام هذا الحاجز نفسه لعزل بيت المقدس وفصله عن محيطه العربي الإسلامي في الضفة الغربية، والعزل والفصل كلاهما شرط مسبق لا بد منه لأسرلة المدينة وتهويدها، ويكاد هذا الطوق يكتمل وما "التوسع الاستيطاني" المتسارع، خصوصا بعد اطلاق مفاوضات السلام الفلسطينية "الإسرائيلية" في انابولس بولاية ميريلاند الأمريكية في تشرين الثاني/ نوفمبر العام الماضي، إلا الدليل على أن الاحتلال يسعى إلى سد أي ثغرات متبقية في هذا الطوق لاستكماله، تمهيدا لفرضه كحقيقة جديدة على الارض يملي على المفاوض الفلسطيني القبول بها كما أملى عليه القبول بالمستعمرات المماثلة داخل هذا الطوق، وهو قبول قاد الجانب الفلسطيني إلى القبول بمبدأ "تبادل الاراضي" لمبادلة هذه المستعمرات المأهولة بالمستوطنين بأراض خلاء لا تساويها في النوعية والقيمة والمثل في صحراء النقب بمحاذاة قطاع غزة وقرب الخليل بحجة توسيع "الممر الآمن" المقترح بين القطاع وبين الضفة.
إن الضجيج اللفظي الذي اثارته احتجاجات المفاوض الفلسطيني على "التوسع الاستيطاني" في القدس وحولها بعد انابولس، وهو ضجيج لم يترك حتى الآن أي صدى عربي أو إسلامي أو دولي، لم يوقف هدير جرافات كاتربيلر "الإسرائيلية" أمريكية الصنع عن مواصلة سد الثغرات في هذا الطوق الخارجي في جنوب القدس وشمالها وشرقها، وكان الإعلان عن قرار حكومة دولة الاحتلال في الأسبوع الماضي بتوسيع مستعمرتي "كيدار ايه" و"كيدار بي" وضمهما إلى مستعمرة "معاليه ادوميم" بمصادرة (11) الف دونم من اراضي السواحرة وابو ديس بهدف "إقامة مثلث جنوب شرقي القدس" ببناء ستة آلاف وحدة استيطانية "حضرية" جديدة لاستيعاب ثلاثين الف مستوطن، يضافون إلى اكثر من خمسة وثلاثين ألفا آخرين في معاليه أدوميم لإنشاء مدينة تمتد من "جبع (شمال شرق القدس) شمالا إلى مشارف البحر الميت شرقا"، كما قال حاتم عبد القادر مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض في الثالث من الشهر الجاري، هو الحلقة الاستيطانية الاخيرة التي سوف تحكم إغلاق القدس بالمستعمرات من جهاتها الأربع.
وهذه المثلث هو الاخطر في سلسلة التوسع الاستيطاني في طوق المستعمرات المحيطة بالقدس وسيكون "مثلث برمودا "إسرائيلياً"" يهدد بابتلاع القدس ومعها الدويلة الفلسطينية الموعودة و"عملية السلام" والسلام نفسه لأنه أولا سوف يحكم اغلاق الطوق الاستيطاني الخارجي حول المدينة من الجهات الأربع وثانيا لأنه سوف يتم وصل هذا المثلث جغرافياً بالمستعمرات داخل حدود بلدية القدس عن طريق استيطان ارض فلسطينية مقدسية خلاء (تعرف باسم أي 1) تقل مساحتها عن خمسة اميال مربعة، وتقع بين التلة الفرنسية في القدس الشرقية غربا ومستعمرتي معاليه ادوميم شرقا وكيدار جنوبا وبلدة ابو ديس الفلسطينية في الجنوب الشرقي، ويمنع الاحتلال المقدسيين من البناء فيها لكنه اقام فيها مقر قيادة شرطته للضفة الغربية بكاملها تمهيدا لاستيطانها. وهذا "المثلث الاستيطاني" الجديد هو الأخطر ثالثاً لأنه يهود الطريق التاريخي الاستراتيجي الموصل بين بيت المقدس وبين محيطه العربي الإسلامي في المشرق العربي عبر الأردن شرقي النهر بإقامة حاجز "حضري" وبشري وعسكري يهودي يمنع أي تواصل ديموغرافي اردني مباشر مع القدس ويجري حاليا الاستعداد لتعويض سكان الضفة عن هذا الطريق بتحديث طريق عسكري قديم خطر بين محافظة رام الله وبين اريحا عبر بلدة الطيبة تعرف باسم طريق "المعرجات" بتمويل واشراف ياباني ضمن جهود الدول المانحة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية لمساعدتها في تأهيل بناها التحتية للدولة الفلسطينية الموعودة!
وهو الأخطر رابعا لأنه سوف يلي استكماله استيطان المنطقة المعروفة ب"إي 1" وربما تكون الإيجابية الوحيدة لأنابولس هي أنها "اجلت" عملية الاستيطان هذه نتيجة لاحتجاجات المفاوض الفلسطيني لكن الخطط "الإسرائيلية" جاهزة لاستيطانها بانتظار قرار سياسي، وصدور القرار السياسي المرتقب في أية لحظة معناه إغلاق الثغرة الوحيدة المفتوحة للوصل الجغرافي بين بيت المقدس وبين الضفة الغربية من ناحية وكذلك اغلاق الثغرة الوحيدة المفتوحة للوصل بين الضفة الغربية ومدن بيت ساحور وبيت لحم وبيت جالا ومنها إلى الخليل جنوبي الضفة عبر ابو ديس والعيزرية من ناحية اخرى.
وهو الاخطر خامسا والأهم لأنه سيقيم مدينة سيبلغ عدد مستوطنيها في المدى المنظور القريب جدا اكثر من سبعين الف نسمة، لتكون الأكبر خلال بضع سنوات بين القدس وبين نهر الاردن لتزيد مساحتها بالاراضي الفلسطينية المصادرة على اضعاف مساحة مدينة اريحا التاريخية المحاصرة حاليا بالمستعمرات الاستيطانية الاصغر التي تسيطر عليها عسكريا من التلال الغربية والشمالية المطلة عليها من جهة وبالبحر الميت المهدد بالجفاف وربما بقناة البحرين الاحمر والميت التي تجري الدراسات والمشاورات الاردنية "الإسرائيلية" الفلسطينية حولها منذ بضع سنوات من الناحية الاخرى.
وسيكون استكمال هذا المثلث المدينة هو المسمار الذي يدق في نعش الدويلة الفلسطينية الموعودة أو الموهومة لا فرق لأنه سيفصل "حضريا" وعسكريا بين جنوب الضفة الغربية وبين شمالها التي ما زال المفاوضون يكابرون بأن انتزاعهم لموافقة الولايات المتحدة الأمريكية والاعضاء الثلاثة الأمميين والأوروبيين والروس في اللجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط على شرط تواصلها الجغرافي كان إنجازا ورقيا آخر لا وجود ماديا له على الارض، مثل السلطة "الوطنية" التي تعترف بها هذه اللجنة ومثل الدولة الفلسطينية التي يعترف بها الاشقاء العرب والاخوة المسلمون !
وكان الاحتلال قد استكمل تقريبا طوقه الاستعماري حول القدس من جهاتها الثلاث الاخرى الغربية والشمالية والجنوبية. أن استعراضا سريعا لما جاء في تقرير الاحصاء الفلسطيني حول التوزيع الجغرافي للمستعمرات حسب المحافظات يظهر أن محافظة رام الله والبيرة، التي تمثل المدخل إلى بيت المقدس من الشمال والشمال الغربي، تلي محافظة القدس في الكثافة الاستيطانية حيث نقل الاحتلال (81851) مستوطناً يهودياً للعيش في (24) مستعمرة "حضرية" اقامها فيها ويتصل هؤلاء شمالا بثلاثين الف مستوطن في محافظة سلفيت بين رام الله وبين نابلس، وتلي القدس في المرتبة الثالثة في الكثافة الاستيطانية بعد رام الله محافظة بيت لحم إلى الجنوب من بيت المقدس حيث يعيش (53406) مستوطنين "حضريين" في ست عشرة مستوطنة يضمها مجمع مستعمرات "غوش عتصيون" يتصلون جنوبا مع (12328) مستوطنا في (14) مستعمرة اقامها الاحتلال في جبل الخليل، وإذا ما استكمل "مثلث برمودا "الإسرائيلي" إلى الشرق من بيت المقدس فإنه سينافس رام الله على المرتبة الثانية في الكثافة الاستيطانية.
ولن يفوت أي خبير عسكري عادي ملاحظة أن المخطط الاستراتيجي "الإسرائيلي" قد اقام مستعمراته الرئيسية حول القدس لتغلق الطرق التي استخدمتها الجيوش تاريخيا للوصول اليها من الشمال والشرق والجنوب بعد أن سد هذا المخطط الثغرات التي كشفها الحصار العربي للشطر اليهودي من القدس خلال حرب 1948 بإقامة مستعمرة مودعين ليضمن الطريق الغربي الموصل تاريخيا إلى بيت المقدس، إذ لن ينسى من لا يزالون معنيين بقراءة تاريخ بيت المقدس أن صلاح الدين الايوبي دخل القدس عام 1187م بعد انتصاره في معركة حطين إلى الشمال منها وان الجنرال البريطاني ادموند هنري هاينمان اللنبي دخلها عام 1917 بعد انتصاره على القوات العثمانية في غزة جنوبا مثلما وصلت القوات المصرية إلى بيت لحم على مشارف القدس الجنوبية قادمة من غزة أيضا عبر الخليل جنوبا عام 1948 بينما وصلت قوات الجيش العربي الاردني إلى المدينة المقدسة في تلك السنة عبر "مثلث برمودا" الذي تكاد دولة الاحتلال "الإسرائيلي" اليوم تستكمله إلى الشرق من بيت المقدس.
وبينما يسلم العرب والمسلمون اليوم مصير بيت المقدس لرب يحميه، تبدو المسيحية الغربية، بعد أن روضتها العلمانية، قد تخلت بدورها عما كانت تدعيه من حقوق في القدس، مهد المسيحية، وورثت أحلامها "الصليبية" للحركة الصهيونية العالمية لتقوم حكومة الجنرال اللنبي الذي دخل المدينة محتلا في الحادي عشر من الشهر الثاني عشر عام 1917 بتسليمها هي وأكنافها إلى الصهاينة تنفيذا ل"وعد بلفور" ليقيموا فيها دولتهم اليهودية التي يستخدمها الاستعمار الامبريالي الغربي الحديث للقيام بالدور الذي قامت به الدويلات "المسيحية" التي أنشأها الغزاة الفرنجة في فلسطين بمباركة الفاتيكان قبل الف عام، بينما لم يبق من الورثة الوطنيين للتراث المسيحي في المدينة من أبنائها العرب إلا قلة قليلة تزيد هجرتهم المستمرة في تناقصها، مما يجرد "العهدة العمرية" المشهورة من أي امكانية عملية للتطبيق المعاصر بعد أن اسقط التهويد القائم على قدم وساق للمدينة منذ مائة سنة تقريبا ما اشترطته العهدة العمرية من عدم إسكان اليهود فيها ليصبح اليهود هم سادتها اليوم ولهم "عهدتهم" التي يعلنونها ليل نهار بأن المدينة سوف تظل العاصمة الأبدية "للشعب اليهودي" كافة وليس فقط لدولة الاحتلال "الإسرائيلي" وأن الوجود العربي والإسلامي والمسيحي فيها لن يزيد على كونه مجرد وجود أقلية رمزية، وعلى هذا الاساس فقط يمكن التفاوض على السلام وإلا فليذهب السلام إلى الجحيم!
|