نهاية السلام الأمريكي..
هل حملت تطورات الأحداث في الأيام والأسابيع القليلة المنصرمة إشارات تقود للإقرار بأن ما عرف بعصر السلام الأمريكي (Paxa Americana) قد أشرف على الزوال وأن الأقدار لم تعطه سوى أقل من عقدين من الزمن على خلاف ما عرف ب "عصر السلام الروماني" (Paxa Romana) والذي استمر قرابة ألف عام (829 سنة تحديداً)؟
الشاهد أن فكراً إمبراطورياً ما قد استولى على قلب وعقل الولايات المتحدة الأمريكية، وقادها في رمزية لا تخفى عن أعين الناظر لأن يكون الكونجرس الأمريكي في مظهره ومخبره نسخة من الكابيتول القديم الذي حكمت به روما العالم، كما سعت واشنطن إلى ذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انفرادها بالقطبية الأحادية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي.
في هذا الصدد يكتب المفكر الأوروبي "بيتر بيندر" في كتابه "أمريكا الإمبراطورية الرومانية الجديدة" يقول: "إنه عند مقارنة أمريكا الجديدة بروما القديمة نلاحظ" أن القوى العالمية التي لا يوجد لها منافسون هي فئة منغلقة على نفسها، فهي لا تقبل أن تكون متساوية مع الآخرين وهي سريعة في نداء الأصدقاء والتابعين المخلصين وهي لا تعرف خصوماً ولكن تعرف متمردين وحسب، إرهابيين ودولاً ضالة وهي لا تحارب. بل تكتفي بإنزال العقاب وهي لا تشن حروباً ولكن تنشئ سلاماً.
هذا هو السلام الأمريكي الذي نحن بصدده، والتساؤل كيف بدأ السير على دربه ولماذا انتهى في تقدير الكثيرين حتى من أنصار فكرة القرن الأمريكي سيما من اليمينيين المحافظين ومن أساطين المحافظين الجدد؟
نقطة البداية في واقع الشأن الإمبراطوري الأمريكي تعود إلى التوجيه الرئاسي الأمريكي رقم 68 لسنة 1950 وهو توجيه صاغه الخبير الاستراتيجي الأشهر "بول نيتزي" وقدمه "دين اتشيسون" وزير الخارجية الأمريكية إلى رئيسه "هاري ترومان" طالباً توقيعه واعتماده.
أما نص مقدمة هذا التوجيه فيقول: "إن الهدف الاستراتيجي لسياسة الولايات المتحدة يتحدد في تدمير الاتحاد السوفييتي وتحقيق تفوق عسكري أمريكي كامل عليه".
ومع الانهيار الذي جرى للاتحاد السوفييتي كانت جماعة أخرى تعمل بدءاً من العام 1997 على صياغة "توجيه إمبراطوري" جديد عبر لجنة خاصة رأسها "ريتشارد بيرل" المعروف بأمير الظلام والذي شغل منصب مدير الخطط الاستراتيجية لمجلس الدفاع القومي في إدارة بوش الأولى.
هذه اللجنة طبقاً لتحقيق قام عليه روبرت نوفاك أحد أشهر وأكفأ الصحافيين الأمريكيين أجملت رؤاها في الآتي: "إن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن توصلت إلى تحقيق هدفها المطلوب بالتوجيه الرئاسي رقم 68 لسنة 1950 على امتداد أربعين سنة من الحرب الباردة ووصلت إلى تفوق اقتصادي وعسكري غالب عليها، عند هذا المفصل التاريخي عليها أن تضع
وتنفذ السياسات الكفيلة بضمان استمرار القوة الأمريكية غالبة وبحيث تظل إرادتها غير قابلة للتحدي ودورها غير قابل للمنافسة".
ولعل المثير في ملامح الانهيار السريع الذي بدأ يضرب عصر السلام الأمريكي هو اعتراف أركان اليمين الأمريكي وأبواق المحافظين الجدد أنفسهم بحقيقة ما يجري وهنا يلزم التوقف مع بعض القراءات التي كتبت الأيام الماضية.
لعل أولها وأهمها تلك القراءة التي قدمها "ريتشارد هاس" رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في نيويورك، وأحد كبار المنظرين الأمريكيين والذي سبق منذ نحو عامين تقريباً أن أصدر ورقة بحثية أشار فيها إلى نهاية عصر السيطرة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط، وها هو هذه المرة وعبر مجلة "فورين افيرز" الأمريكية يكتب عما يسمى "عصر اللا أقطاب"، مؤكداً أن السمة الرئيسية لعلاقات القرن الواحد والعشرين الدولية تتحول لتصبح لا قطبية، أي عالم لا تهيمن عليه دولة أو اثنتان أو حتى عدة دول وإنما عشرات الفاعلين الذين يمتلكون ويمارسون أنواعاً مختلفة من القوة، الأمر الذي يمثل تحولاً بنيوياً عن الماضي.
غير أن الأمر غير المتوقع وغير المتوقع يحدث دائما كما يقول أديب فرنسا الكبير أندريه مالرو هو أن يعود صراع الأيديولوجيات بمثل هذه السرعة لينحو المشهد الدولي بصورة تدعو ركناً آخر من أركان اليمين الأمريكي "روبرت كاجان" المستشار الحالي للمرشح الجمهوري جون ماكين لأن يقر معترفا عبر صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية بتاريخ الحادي عشر من أغسطس/ آب المنصرم بأن المؤرخين سيخلصون لاعتبار الثامن من أغسطس/ آب 2008 نقطة تحول لا تقل أهمية عن التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1989 لدى سقوط جدار برلين، والحجة عنده أن الهجوم الروسي على سيادة الأراضي الجورجية شكل بداية العودة الرسمية للتاريخ على خلاف ما قال به فرانسيس فوكاياما من الوصول إلى نهاية التاريخ بعد 1989.
والفهم الواقعي للمشهد الدولي لابد أن يبدأ بفهم الطريقة التي سيؤدي بها هذا التحول غير المتوقع إلى تحديد شكل عالمنا.. هل حان الوقت لاستيقاظ الولايات المتحدة من حلم عصر السلام الأمريكي؟
يبدو أن ذلك كذلك، فصعود قوتين كروسيا والصين حتى مع اعتبارهما من قبل المؤدلجين غربياً قوتين أوتوقراطيتين أمر سيؤدي إلى تحويل كفة الميزان مرة ثانية، الأمر الذي يرحب به سيرجي لافروف، معتبراً "أنه لأول مرة منذ سنوات عديدة نرى بيئة تنافسية جديدة في سوق الأفكار يشتد فيها التنافس بين منظومات لقيم مختلفة وأنماط نمو متباينة".
ويبقى التساؤل قبل الانصراف: لماذا جاء حصاد بيدر السلام الأمريكي مناقضا لحسابات العقل؟
ربما نجد الإجابة عند وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "كوينسي آدمز" (1821) والذي أطلق صيحة اعتبرت منارة للسياسة الأمريكية طوال النصف الأول من القرن العشرين.
يقول كوينسي: "أينما كانت راية الحرية والاستقلال مرفوعة أو سوف تكون، كذلك سيكون هناك قلب أمريكا وبركاتها وصلواتها لكنها لن تذهب إلى الخارج بحثاً عن الوحوش كي تدمرهم، إنها تتمنى الخير والحرية والاستقلال للجميع، إنها نصيرة نفسها المدافعة عن نفسها، فقط سوف تدعم القضية العامة برزانة صوتها وتعاطفها وهي تعرف جيداً أنها حين تنضوي تحت شعارات غير شعاراتها حتى ولو كانت شعارات الاستقلال عن الأجنبي فسوف تورط نفسها بما يتجاوز قوة الخروج من المأزق في كل حروب المصالح والمكائد والجشع الفردي والحسد والطموح والتي تفترض ألوان معايير الحرية وتغتصبها.. قد تصبح ديكتاتور العالم ولن تكون بعد ذلك حاكم روحها".
هل كان كوينسي يستقرئ المستقبل؟
ذات مرة تشدقت مادلين أولبرايت بالقول: إن الأمريكيين يستحقون أن يقودوا لأنهم يستطيعون أن "يروا أبعد مما يرى الناس الآخرون"، والحاصل أنه لو كان هذا صحيحاً بشكل دائم ومقبولاً قبولاً واسعاً لوافق العالم مع ذلك على غير رغبة صادقة منه على أولية الحكم الأمريكي والرغبات الأمريكية غير أنه إذ تبين أن الحكم الأمريكي البوشي على نحو خاص أقصر نظراً من حكم الآخرين لذا كان طبيعياً أن تظهر مركبات قطبية متعددة تجعل فقدان زمن السلام الأمريكي والقطبية الأحادية الأمريكية قدراً مقدوراً في زمن منظور.
بقلم: إميل أمين
|