الاثنين أكتوبر 27 2008
تل ابيب - - أطلقت تصريحات قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، غادي ايزنكوت، التي هدد فيها باستهداف القرى والمدنيين اللبنانيين (عقيدة الضاحية)، إذا تجددت المواجهة مع حزب الله، نقاشاً بين عدد من المحللين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين. وقد ساند بعضهم هذه التهديدات، ورأى فيها نجاعة ومقدرة على ردع الحزب اللبناني، بينما رأى البعض الآخر أنها نوع من اجترار لسلوك إسرائيلي سبق أن أثبت فشله. وفي هذا السياق، صدر عن "مركز دراسات الأمن القومي" التابع لجامعة تل أبيب (جافي سابقاً)، تعليق للباحث شالوم زاكي على "سياسة الرد الإسرائيلية الجديدة"، التي توقع أن "تنهش" قدرة الردع الإسرائيلية.
وفي التقرير الذي نشرته صحيفة "الاخبار" اللبنانية، وصف غادي ايزنكوت سياسة الرد الجديدة على حزب الله بـ"عقيدة الضاحية". وبموجبها، فإن "ما حل من دمار في الضاحية عام 2006، سيقع في كل قرية يطلق حزب الله النار منها باتجاه إسرائيل"، مضيفاً أن الجيش الإسرائيلي "سيفعّل ضد هذه القرى قوة نارية غير تناسبية، وسيسبب أضراراً ودماراً هائلاً، إذ إن هذه القرى بالنسبة إلى إسرائيل هي قواعد عسكرية، لا قرى مدنية".
وشدد ايزنكوت على أن الجيش الإسرائيلي سيعمد إلى حسم الحرب المقبلة بسرعة وبقوة ومن دون التفات إلى الرأي العام العالمي، مشيراً إلى أن "حزب الله يدرك جيداً أن إطلاقه النار من داخل القرى في جنوب لبنان، سيؤدي إلى تدميرها". حسبما يظهر من كلام ايزنكوت، هناك سياسة رد جديدة على حزب الله، مغايرة لتلك التي اعتُمدت في حرب لبنان الثانية. إلا أن إعلانها وعرضها علناً، كما يبدو، يهدف إلى زيادة مقدار التحذير الإسرائيلي الموجه إلى الحزب، ومحاولة من إسرائيل لمنعه من القيام بعمليات، من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد، والى إشعال النار مجدداً في الشمال. لكن هل تؤدي هذه السياسة فعلاً إلى تعزيز الردع الإسرائيلي قبالة حزب الله؟ الجواب مرتبط بالتقدير الذي سيتبلور لدى مسؤولي الحزب تجاه الصدقية والتصميم الإسرائيليين، على تنفيذها فعلياً.
جرت صياغة السياسة الجديدة بأسلوب صريح وواضح لجهة الشكل الذي سترد من خلاله إسرائيل. لكن في الوقت نفسه، هناك قدر من الغموض وعدم الوضوح في ما يتعلق بالأسباب الدافعة إليه. ومن ناحية فعلية، لم تعط العقيدة الجديدة إجابات واضحة عن أسئلة أساسية:
- هل تتعلق المسألة بسياسة رد ستُفَعّل في حال نشوب مواجهة حربية شاملة بين إسرائيل وحزب الله، أي إذا أصبح من الواضح أن كل قواعد اللعبة، المتعارف عليها، قد تغيرت كاملاً بين الطرفين؟ أم أن سياسة الرد ستفعّل أيضاً في حال نشوب مواجهة محدودة بينهما؟
- هل الإطلاق المتقطع للصواريخ سيؤدي بالفعل إلى تغييرات في قواعد اللعبة؟ أم أن الإطلاق المكثف هو وحده المسبب والدافع نحو تنفيذ السياسة الجديدة؟
- هل تُفَعّل سياسة الرد في حال إطلاق الصواريخ، أم أيضاً في أعقاب إطلاق "عادي" لسلاح المدفعية؟
- هل تُفَعّل سياسة الرد إذا أدى سقوط الصواريخ إلى إصابات في الأرواح؟ أم أن مجرد الإطلاق المكثف، حتى باتجاه «المناطق المفتوحة»، ومن دون وقوع إصابات، سيدفع نحو تفعيلها؟
- هل سيكون هناك تمييز بين استهداف حزب الله للقواعد العسكرية حيث يصاب فيها جنود، واستهداف المستوطنين المدنيين؟
- هل تُفَعّل سياسة الرد فقط في حال إطلاق الصواريخ باتجاه أهداف استراتيجية إسرائيلية، أم أنها ستفعّل انطلاقاً من مبدأ أن "قصف كريات شمونة كقصف تل أبيب؟".
- هل تُفعَّل السياسة الجديدة بعد أن يُعطى سكان القرى اللبنانية تحذيراً، بأن قراهم ستقصف بقسوة، أم أن هذه السياسة تُنَفّذ تلقائياً من دون إعطاء السكان مهلة للانسحاب منها؟
- وفي النهاية، كيف تُطبّق الخطة إن اتضح أن سكّان القرى قد امتنعوا عن مغادرتها؟ هل يفعّل الجيش عمليات الإطلاق المكثف التي ستؤدي إلى مقتل المئات، بل وربما الآلاف، من المدنيين؟
لا جواب واضحاً عن هذه الأسئلة. وبالتالي، يمكن حزب الله أن يفترض أنه سيجري تفعيل سياسة الرد الجديدة، إزاء سيناريوات شبيهة بسيناريوات تموز - آب (يوليو - اغسطس) 2006، أي: مواجهة شاملة بين إسرائيل والحزب، وفقط عندما يقدم هو على إطلاق مكثف للصواريخ، باتجاه المستوطنات والمدن الشمالية، مثل نهاريا وعكا وحيفا والعفولة والخضيرة.
أيضا، وحتى في ظروف متطرفة كهذه، يمكن حزب الله أن يقدّر أن إسرائيل ستتردد كثيراً في تنفيذ سياسة تفعيل قوة وحشية جداً، إزاء حزب الله والقرى اللبنانية. وهناك سلسلة من الحجج والدلائل تشير إلى أن إسرائيل ستمتنع عن تنفيذ سياسة الرد، التي وُصفت أعلاه، منها:
- اتضح خلال سنوات المواجهة الطويلة بين إسرائيل و"المنظمات الإرهابية"، أن مستويات رفيعة جداً في إسرائيل، أطلقت تهديدات متكررة بشأن سياسة رد إسرائيلية (شبيهة)، وأنها سترد بقسوة في حال استهداف إسرائيل. إلا أنها امتنعت في حالات كثيرة عن تنفيذ جزء معتبر من هذه التهديدات. تماماً كما هو السلوك الإسرائيلي في أعقاب انسحاب الجيش من جنوب لبنان في أيار 2000، وفي المراحل التي أعقبته. وأيضاً بعد الانسحاب قطاع غزة في آب 2005.
- امتناع إسرائيل عن الاستهداف المكثف للسكان المدنيين، ليس نابعاً فقط من ردة فعل المجتمع الدولي، بل من القيود الإسرائيلية الداخلية والضغوط الخارجية، وبشكل أساسي من الإدارة الأميركية.
- امتناع إسرائيل عن استهداف البنية التحتية اللبنانية في بداية حرب لبنان الثانية، رغم أن المسألة كانت تتعلق بمواجهة شاملة مع حزب الله، إضافة إلى ما برز من تردد في استهداف إمدادات الوقود والكهرباء والمياه في قطاع غزة في مرحلة إطلاق الصواريخ المكثف نحو سديروت وعسقلان، يدل على عوامل داخلية تمنع إسرائيل من استخدام القوة التي تستهدف السكان المدنيين، وإن كانوا موجودين في أرض العدو، ذلك أن هناك خطورة في أن يؤدي القصف العنيف للقرى إلى مقتل عدد كبير من المدنيين. وهناك شك في أن تعرض الحكومة الإسرائيلية نفسها لمخاطرة كهذه.
- يمتلك حزب الله منظومة صواريخ بعيدة المدى، قادرة على استهداف كل مكان في إسرائيل.. ويمكن الحزب أن يفترض أنه يمتلك قدرة على إيجاد "توازن رعب" فعال جداً، يمثّل رادعاً لإسرائيل.
وترتكز سياسة الرد الجديدة، بشكل غير مباشر، على فرضية أن إسرائيل تمتلك قدرة على استهداف، بكثافة، التجمعات السكنية والبنى التحتية في الجانب الثاني. مع ذلك، ووفق تقارير كثيرة، يمتلك حزب الله، اليوم، منظومة صواريخ بعيدة المدى، قادرة على استهداف كل مكان في إسرائيل. وإذا كان الأمر كذلك، يمكن حزب الله أن يفترض أنه يمتلك قدرة على إيجاد "توازن رعب" فعّال جداً ضد إسرائيل.
من شأن هذه التقديرات وغيرها، أن توصل حزب الله إلى استنتاج هام، أن إسرائيل ستمتنع عن تنفيذ سياسة الرد الجديدة. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يحاول في مرحلة ما العمل على اختبار صدقية إسرائيل وتصميمها، من خلال عدد متنوع من السيناريوات. وهنا تكمن الخطورة الكبيرة جداً في التصريحات الإسرائيلية بشأن سياسة الرد الجديدة. فإذا لم يكن هناك تصميم على تنفيذها، فإن النتيجة قد تكون "نهش" قدرة الردع الإسرائيلية، عوضاً عن تعاظمها.