كتب اخ كريم لي تجربته في سجون الطغاة في أفغانستان وجوانتناموا
وقد سبق لي نشر صفحة من تلك الصفحات
ورأيت أن من أقل واجباتي
نشر صوته
على هذا المنتدى السامق
فإليكم شيئاً من تجربته
وسأجعلها على أكثر من حلقة حتى لايتسلل الملل للقاريء الكريم
ـــــــــــــــــــ
تنتشر المنظمات والهيئات الإغاثية في طول البلاد وعرضها، وتختلف أنشطتها كما تختلف مشاربها والأهداف التي تسعى لها تحت ستار الإغاثة والمساعدات الإنسانية, فمنها ما يكون هدفها إغاثياً محضاً وليس لها هدف سواه، ومنها ما يكون هدفها الدعوة لدين أو مذهب أو نحلة، ومنها ما يكون هدفها البحث والاستقصاء وجمع المعلومات لطرف أو لآخر، ومنها ما يجمع كل تلك الأهداف في كل مجال بحسبه..
ولعل من أهم هذه المؤسسات الإغاثية على مستوى العالم أجمع (اللجنة الدولية للصليب الأحمر) حيث أنها من أعظم تلك المنظمات شهرة، وأوسعها انتشاراً، ويستطيع موظفوها الوصول إلى أماكن قد لايصل إليها موظفو هيئة الأمم المتحدة أو غيرها من المؤسسات الدولية ذات السلطة.
لهذا وغيره.. يشكك البعض في أهداف وأعمال هذه المنظمة- اللجنة الدولية للصليب الأحمر- و يتساءل البعض: هل دعوى الإغاثة هي مجرد غطاء لأعمال أخرى لا نعلمها؟
ولحساب من تتم هذه الأعمال ؟ هل هي لحساب طرف معين ؟ أم لحساب عدة أطراف يجمع بينهما عقيدة واحدة أو مصلحة واحدة؟
لذلك أيها القارئ .. وجواباً عن تلك التساؤلات المشروعة .. أضع بين يديك بعضاً من القصص الواقعية التي حصلت للسجناء والأسرى في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على ماأسمته بـ ( الإرهاب) .. وهذه القصص حصلت في منظومة السجون الأمريكية وسجون عملاءها ابتداء من سجون أفغانستان وانتهاء بمعتقلات جوانتانامو.
وسيكون الحديث وفق العناوين التالية :
* سجن شبرغان.. وصابون الصليب الأحمر .
* تفاحة الصليب ( قمة التعامل الانساني) .
* الصليب الأحمر وشكاوى المعتقلين .
* الترجمة والصليب الأحمر.
* حرص كبير على تعبئة الاستبانات.
* والي مزار شريف المزعوم
* حرص منقطع النظير لتقديم المساعدة .
* الصليب الأحمر في جوانتانامو بين المهمة الإنسانية والمهام الأخرى.
* المرشد الروحي لابن لادن.
* رجل الصليب المثقف وأخبار الخروج .
* السجين الروسي ورجل الصليب كسبار.
* الصليب الأحمر ساع للبريد طبقاً للمواصفات الأمريكية.
* أسماء بعض موظفي الصليب الأحمر الذين سبق لهم زيارة المعتقلين .
وهذه القصص غيض من فيض، وقليل من كثير, أكتبها إليك أيها القارئ - كما هي- من غير مبالغة، مع الحرص على الاختصار قدر الإمكان، مكتفياً بالمهم تاركاً التفاصيل التي ليست بذات أهمية.
هذه المواقف حصلت مع عدد كبير من أفراد الصليب وليست تصرفات فردية، كما أنها وقعت في أماكن وسجون مختلفة، والأفراد الذين وقعت منهم هذه القصص معروفون، وشارك بعضهم في مؤتمرات الصليب الأحمر في البلاد العربية, فلا يمكن – والحالة هذه – أن يتم اعتبار هذه القصص والوقائع حالات شاذة .. بل هي سلوك سائد، وحتى لا أستبق النتيجة، فإنني أترككم مع تلك القصص، تاركاً لكل قارئ أن يحكم بنفسه على مايقرأ .
ومن الإجمال ننتقل إلى التفصيل :
* سجن شبرغان.. وصابون الصليب الأحمر:
في التاسع عشر من شهر رمضان من عام 1422هـ كان سجن شبرغان الواقع شمال أفغانستان يحوي ما يقارب من 4000 سجين، رغم صغر حجم السجن وقلة أو انعدام إمكانياته.
وينقسم سجن شبرغان إلى ثلاثة عنابر، كنت في العنبر الأصغر منها، حيث كان يحتوي على ما يقارب من 700 سجين، أغلبيتهم من الجنسية الباكستانية، إضافة إلى مجموعة من السعوديين والبنجلاديشيين واليمنيين، وبعضاً من الأوزبك والطاجيك والروس والكشميريين والمغاربة، وكويتي وأذربيجاني وأسباني.
كان هذا السجن مفتقداً لكل المقومات التي تجعل منه سجناً قابلاً للاستعمال، سوى أنه لايمكن الهرب منه، يحتوي العنبر الذي كنت فيه على غرف صغيرة يبلغ عددها 14 غرفة تقريباً، بينها ممر مغطى بشبك على شكل قوس، الغرفة الواحدة لايتجاوز حجمها 3 متر×4 متر، وكان أفضل السجناء حالاً من يبلغ عددهم داخل الغرفة 15 شخصاً، وإلا فإن الغالب أن يكون العدد أكثر من ذلك، حيث يبقى السجناء طوال الوقت في وضعية الجلوس، سواء كان ذلك في وقت النوم أوفي سائر الأوقات.
كانت الغرف خالية من كل شيء! فالسجناء يجلسون على التراب وللغرفة الواحدة نافذة لايمكن إغلاقها حيث كان الجو شديد البرودة.
وكان الممر الذي بين الغرف فيه مايزيد على مائتي سجين، وقد بدأ نزول الثلج، فكان السجناء الذين في الغرف أحسن حالاً من الذين في الممر، فالذين في الغرف محميين من الثلج والمطر أما الذين في الممر فهم في حالة سيئة جداً، ولم يكن في القسم الذي نحن فيه سوى مدفئة واحدة تعمل على الغاز توضع في كل غرفة لمدة خمس دقائق ثم تنقل لغرفة أخرى، وبعد ذلك توضع في الممر ويتكدس عليها كل السجناء الذين في الممر.
أما بالنسبة لدورات المياة فكان عددها ثمان، وهي خالية من كل شيء سوى المرحاض، ولا يوجد لها أبواب، والقاذورات طافية فوق الأرض مع كثرة الأمطار وكثرة المستخدمين لها.
أما الطعام، فكانت الوجبة الوحيدة المقدمة للسجناء مكونة من خبزة دائرية في حجم اليد! وحفنة من الأرز فحسب .
أما بالنسبة للماء، فكان بإمكان المجمموعة من السجناء المكونة من خمسة عشر سجيناً الحصول على كمية من الماء لاتتجاوز اللتر الواحد، وهذا الماء غير صالح للشرب فهو ترابي اللون وغير مصفى.
أما السجناء الجرحى فكان وضعهم هو الأسوأ، خاصة إن كانت الإصابة بليغة، حيث أن السجن خال من الأدوات الطبية الضرورية، فكثيراً ما يتم تنظيف الجرح ومن ثم لفه بنفس القماش القديم الملطخ بالدم والقيح.. وكثيراً ما يتم إهمال الجروح حتى تتعفن، بل إن بعض الجرحى لايمكن الجلوس بجوارهم من شدة الرائحة السيئة المنبعثة من جروحهم..
كل هذا بخلاف المعاملة السيئة التي يجدها الجرحى من الممرضين التابعين لميليشيات دوستم.
وفي هذه الأوضاع المتردية في هذا السجن الكئيب .. جاء "الصليب الأحمر" الذي أعلن دوماً مناصرته للقضايا الانسانية، ومساعدته للأسرى وجرحى الحروب..
وصل الصليب، فتوقع الجميع أن يتغير وجه السجن، ويتم إصلاح أوضاع المسجونين بشكل كلي، وأن يتم مداواة الجرحى وعلاجهم..
فكان أول عمل قام به الصليب الأحمر أن بدأ باستجوابات شاملة للسجناء! وكان يتخلل ذلك الاستجواب أسئلة هي أبعد ماتكون عن المهمة الإنسانية المزعومة.. بل هي أقرب إلى أن تكون أسئلة استخباراتية بحتة.
وقد شرح بعض السجناء لموظفي الصليب الأحمر حالة السجن والوضع السيء الذي يعيشه السجناء رغم أن الوضع الظاهر كان غنياً عن الشرح والإيضاح، وكان الصليب يسجل جميع المشاكل والاحتياجات الأساسية، ويعد الجميع بأنه سيتم حل المشاكل التي يعاني منها السجناء، وأنه سيوفر لهم كل احتياجاتهم الضرورية، وكانت هذه الوعود تتكرر من أفراد الصليب الأحمر وتطمئن السجناء بأن الأمور ستتحسن.. غير أن شيئاً من ذلك لم يقع!
وفي أحد الأيام الشاتية، وفي الصباح الباكر جاء بعض الحراس إلى السجناء وأخبروهم بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد جاءت إلى السجن ومعها مساعدات خاصة بالسجناء، وأمروا السجناء بالخروج واحداً تلو الآخر لاستلام المساعدة، وحين يخرج السجين يتم كتابة رقم تسلسلي على ساعده حتى لايتمكن من أخذ المساعدة أكثر من مرة!
وحين عاد السجناء كانت المفاجأة أن تلك المساعدة المنتظرة ليست سوى (صابونة لغسيل الأيدي!) و(بطانية خفيفة) لاتقي من مطر ولا تحمي من برد...
كانت هذه هي ( كل) ألوان المساعدة التي قدمتها (اللجنة الدولية للصليب الأحمر).
هذه اللجنة ذات الأرصدة المليونية المخصصة لمتابعة تلك القضايا الإنسانية تقدم صابونة وبطانية خفيفة في الوقت الذي لايجد فيه أولئك السجناء ماءً صالحاً للشرب، بل لايجدون مايسد جوعتهم من الطعام ولا يجدون العلاج اللازم..
وليُعلم حجم الجريمة الإنسانية .. بقي أن تعلم أيها القارئ الكريم أن هذا العنبر - الذي كنت أحد نزلائه – والذي قدمت فيه لجنة الصليب الأحمر مساعدتها النادرة .. قد لقي فيه مايربو على ثلاثين سجيناً حتفهم بسبب الإصابة بمرض السل دون علاج!
كما مات في هذا العنبر ثمانية من الجرحى بسبب إهمال جراحاتهم !
أما حجم الضحايا في سجن "شبرغان" بكامله .. فذلك شيء آخر ..
هذا ما عرفته وعلمت عنه أنا، وماخفي عني كثير وكثير ..
ومن المثير للشفقة أن الصليب الأحمر - في هذا الوقت العصيب - جاء للمعتقلين بأوراق مخصصة للرسائل، طالباً منهم أن يخطوا لأهاليهم ويكتبوا لهم .. فأي شيء يمكن أن يكتبه المعتقل وهو في هذا الموضع الرهيب، وهو يرى الدماء والأشلاء من كل جانب.. ويشم رائحة الموت والعفن والمرض ..
هل انتهت مهام الصليب في هذا المعتقل .. ولم يتبق للسجناء إلا أن يتراسلوا مع أهاليهم ..
كانت تلك صورة للخدمات المتميزة التي تقدمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر لسجناء "شبرغان"!!
الحلقة القادمة بعنوان
* تفاحة الصليب ( قمة التعامل الانساني) .