تستعد السلطة الفلسطينية في رام الله بقيادة رئيسها محمود عباس للاقدام على خطوة غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي، تتمثل في نشر اعلانات تجارية في الصحف الاسرائيلية من اجل اقناع الاسرائيليين بقبول مبادرة السلام السعودية التي تحولت الى مبادرة عربية اثناء انعقاد قمة بيروت العربية في آذار (مارس) عام 2002«
القائمون على هذه الخطوة، يقولون ان الرأي العام الاسرائيلي غير مطلع بالشكل الكافي على هذه المبادرة وبنودها، ولذلك قرروا شراء صفحات كاملة في صحف اسرائيلية كبرى مثل 'يديعوت احرونوت' و'معاريف' و'هآرتس' للتعريف بهذه المبادرة ونشر تفاصيلها على امل التأثير على الاسرائيليين واقناعهم بقبولها، او ممارسة ضغوط على السياسيين الاسرائيليين لاتخاذ مواقف ايجابية تجاهها، خاصة ان الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية باتت على الابواب.
ومن المفارقة ان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة كانت تبذل جهودا خارقة من اجل اقناع العرب بالاعتراف بها، وفتح حوارات معها، وكانت تجد صدا قويا لكل هذه الجهود، ورفضا صلبا لكل عروض التفاوض رغم ما كانت تتضمنه من اغراءات متعددة الجوانب، ولكن الزمن يتغير وبسرعة، حيث تنقلب المعادلات، وتتغير المواقف، وها هي الاطراف العربية تستجدي اسرائيل وحكومتها وسكانها للقبول بعروضها للسلام وتواجه بالرفض المهين.
وليس من قبيل الصدفة ان يأتي هذا التحرك من قبل السلطة في رام الله ورئيسها، وادارة المفاوضات فيها، بعد ايام معدودة من انعقاد الدورة الاخيرة من حوار الاديان في نيويورك بدعوة من المملكة العربية السعودية وعاهلها الملك عبد الله بن عبد العزيز. فقد كان لافتا توجيه الدعوة للرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس للمشاركة فيها على رأس وفد كبير ضم السيدة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية.
وليس من قبيل الصدفة ايضا ان يتزامن هذا التحرك مع تصريحات ادلى بها الرئيس بيريس اثناء لقائه 'اتحاد الجاليات اليهودية في امريكا الشمالية' في القدس المحتلة، وقال فيها ان حكومة بلاده 'تسعى لتوقيع اتفاق سلام مع الفلسطينيين من'أجل'حماية معتنقي المذهب السني في الشرق الاوسط من الخضوع لايران وللأقلية الشيعية المتطرفة اللذين يريدان السيطرة على الشرق الاوسط باسم الدين، اي دينهم هم'.
نحن امام مرحلة جديدة مختلفة كلياً في مفاهيمها وتطلعاتها السياسية، عنوانها بناء تحالفات جديدة على اسس طائفية ضد ايران والاشقاء الشيعة الذين يحاول البعض تحويلهم الى عدو، مقابل اخراج اسرائيل من قائمة الاعداء وتحويلها الى دولة صديقة للسنة العرب.
نشك ان تنجح اعلانات السلطة الفلسطينية المدفوعة من اموال المساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني، في تحويل الرأي العام الاسرائيلي لصالح مبادرة السلام العربية، مثلما نشك حتى لو نجحت، في تغيير موقــف الاسرائيليين تجاه القضايا الاساسية مثل الانسحاب الكامل من الاراضي المحتلــة وازالــة المستوطنات والقبـول بالقــدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، وعــودة اللاجئين وهي البنود الاساسية في المبادرة العربية.
اسرائيل طالبت بالتطبيع أولاً، واسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين من المبادرة العربية، وأعربت عن استعدادها لرفع علم عربي على المسجد الأقصى لتغطية عورة المسؤولين العرب الذين يمكن أن يوقعوا معاهدة سلام نهائي معها، ومن الواضح ومن خلال هذا التهافت العربي والفلسطيني خاصة على السلام معها، انها ستظفر بكل مطالبها، دون أن تقدم أي شيء ملموس للعرب.
انه استجداء مخجل، لعدو بارع في المناورة والمماطلة، ويريد أخذ كل شيء دون أن يقدم أي شيء، باستثناء الفتات.
الصحف الاسرائيلية ستكون سعيدة بهذه الاعلانات العربية التي ستدعم ميزانياتها، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن الحكومة الاسرائيلية، والشعب الاسرائيلي، فالعرب هم الذين يطرقون ابوابهم ويتوسلون رضاهم ويدفعون أموالاً مقابل ذلك.