أخصائيون: سلبيات بمشاركة الصغار في تشييع الموتى
تشييع أحد المتوفين
المدينة المنورة: خالد لجهني
يصر بعض أرباب الأسر على اصطحاب أبنائهم من صغار السن لتشييع ودفن الموتى، ولا يكون للأطفال في هذه الحالة خيار وهم يقفون على تلك القبور، سوى أن يستسلموا لذلك المشهد، والذي يبقى اثره السلبي ـ رغم شرعيته الدينية ـ في نفوسهم طويلا، وغالبا ما يحتار بعض من صغار السن في تفسير طبيعة ما يحدث. حيث إنه ليس لديهم معرفة كافية عن مثل هذه الأمور. مما يعرضهم لأحلام مزعجة قد يكون لها اثرها السلبي- بحسب الاختصاصيين- في تكوينهم النفسي.
وحول هذه القضية يقول محمد السهلي والذي التقت به "الوطن" داخل بقيع الغرقد بالمدينة حيث كان يصحب معه ابنه البالغ من العمر ثماني سنوات لتشييع جنازة قريب له إنه أراد من ذلك أن يتعرف ابنه على كيفية دفن الميت، ويدرك أن حياة كل إنسان نهايتها الموت، وأنه سيعود للتراب الذي خلق منه.
وأكد السهلي أنها ليست المرة الأولى التي يأتي فيها ابنه معه أثناء التشييع "فكل مرة نشيع قريباً لنا أو صديقاً هو بنفسه يطلب أن يذهب معي"، وذلك بالرغم من أنه في أول مرة ذهب معه لدفن أحد الموتى لم ينم ليلتها، وكان يصحو ويصرخ ويهذي بعض الكلمات غير المفهومة. ثم ما لبث أن تعود على ذلك.
ولم يعرف طارق البلوي أن ذهاب ابنه والذي لم يتجاوز العاشرة معه لمشاهدة عملية الدفن أمر سوف يؤثر على نفسيته سلبا مستقبلا، وأنه لا توجد فائدة كبيرة من تواجده بين المشيعين. خصوصا في ظل الغبار المتطاير ومنظر القبور والذي لا يتحمله - بحسب وصفه- قلب طفل صغير.
ويقول البلوي ـ بعد أن عرف الأضرار التي من شأنها أن تلحق بابنه ـ إنه لن يفكر أن يصطحبه مرة أخرى لمشاهدة عملية الدفن، وإنه يمكن تعويضه عن ذلك من خلال المشاركة في صلوات الجنائز.
ويرى فهد جابر (موظف في القطاع الحكومي) أن في القضية جهلاً كبيراً حيث إن صغار السن لم تكتمل لديهم حقيقة الموت بعد ، وأن الناس يرحلون، وتحتاج المسألة إلى تدرج قبل أن يحضر بنفسه ليشاهد عملية الدفن، مضيفا أن الشرع يؤكد على ذلك. حيث إن الصغير ممكن أن يتعرض لأثر سلبي قد يجعله يكره مثل هذه الأمور التي تعتبر لدينا حقائق ثابتة.
ويتساءل ماجد السليمي (موظف في القطاع الخاص) "كيف لي أن اصطحب صغيري كي يشاهد جموعاً من الناس وهي تبكي، وحفرة ينزل بها الميت ثم يغطى بالطوب. ثم يردم بالتراب هكذا بكل بساطة دون أي مقدمات، ويضيف "هل يمكن للطفل أن ينام بسهولة بعد تلك المشاهد رغم شرعيتها، وأنها نهاية كل مخلوق؟".
وتتحدث أم منال "ربة منزل" عن قصة واقعية حيث اصطحب زوجها ابنه الذي يبلغ من العمر عشر سنوات لحضور عمليه دفن قريب لزوجها. حيث بقي- بحسب رواية الأم- يبكي طوال اليوم، وهو يردد أنه شاهد ميتا دفن بالتراب.
إلى ذلك حذرت الأخصائية الاجتماعية بمستشفى الطب النفسي بالمدينة المنورة بارعة هاشم الآباء من اصطحاب صغارهم خاصة من هم أٌقل من 12 سنة من حضور دفن الميت بالمقابر. حيث إن ذلك يؤثر على نفسياتهم في المستقبل، وربما تمت إصابتهم بعدد من الأمراض، من بينها التبول اللا إرادي، كما أن الأطفال قد يقلدون ما شاهدوه من دفن الميت، وربما يروح ضحية ذلك أحد أفراد الأسرة، حين يقوم برمي التراب على أحد إخوته ودفنه إن كان في منطقة ترابية.
وتساءلت الأخصائية النفسية أمل كفراوي بمستشفى الطب النفسي بالمدينة المنورة عن الجدوى التي يجنيها طفل صغير من مشاهدة تشييع ميت ودفنه، وكذلك مشاهدة الكثير من المشيعين، مؤكدة أن رؤية الأطفال لتلك المشاهد يعرضهم لكثرة التفكير المستمر لمحاولة تفسير طبيعة ما شاهدوه، مما يبقيه تحت دوامة الأسئلة الحائرة التي تضره أكثر من نفعه.
وقال المشرف التربوي بوزارة التربية والتعليم والداعية الدكتور خالد عبدالرحمن الشائع أن الشريعة الإسلامية حمت الأطفال، وأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يلاطف الأطفال بما تدركه عقولهم. كما أن المختصين بعلم النفس يؤكدون على عدم أهمية مشاهدة الأطفال للحوادث وعمليات دفن الأموات. خوفا من أن يؤثر ذلك سلبا على عقولهم، وكذلك بسبب عدم إدراكهم لما شاهدوه بحكم صغر سنهم، مضيفا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الأطفال بحسب مداركهم.
وطالب الشائع عدم اصطحاب صغار السن من هم دون الـ12 ، وتجنيبهم مواقف ليس في حاجة لها في هذه السن.