|
مستويات سيولة نقدية تخفف من آثار «التضخم» و«الانكماش»
كتلة النقد الإجمالي تلامس مستوى تريليون ريال حتى نوفمبر 2008
السعودية.. مستويات سيولة نقدية تخفف من آثار «التضخم» و«الانكماش»
تحليل: محمد سمان *
تظل السيولة النقدية واحدة من المؤشرات الهامة التي تعزز الثقة في اقتصاديات الدول، أو بعبارة أخرى هي الترجمة العملية لقوة اقتصاد الدول. وفي شكل عام ومبسط، تعني السيولة أن هناك نقودا متداولة بيد مكونات ذلك الاقتصاد من أفراد وشركات ومؤسسات يتم إنفاقها أو ادخارها محليا، وهو ما يعبر أخيرا عن الثقة في اقتصاد بلادهم فيتجهون إما لإنفاقها في السوق أو ادخارها. وعلى هذه الخلفية تنظر الشركات المحلية والأجنبية بعين الاعتبار لهذه المؤشرات في قياس نمو أسواقها، فإما أن تكون (نشطة) أو أصابها (الركود)، كما تهم هذه الخلفية أيضا المصارف التجارية وشركات التأمين والادخار من خلال تسويق منتجات الصناديق وبرامج الادخار. وحينما نتحدث عن السيولة النقدية للاقتصاد السعودي فإننا نتحدث عن اقتصاد يعتبر الأكبر في المنطقة العربية بناتج إجمالي محلي يقدر بنحو 300 مليار دولار يشكل النفط جزءا كبيرا من مكوناته، وهكذا فإن السيولة النقدية في السعودية هي كشف حساب حقيقي ينتظره الجميع. والمراقبون لتطورات السيولة النقدية في الاقتصاد السعودي يلحظ النمو المتسارع لحجمها خلال الفترة من 2002- نوفمبر (تشرين ثاني) 2008م، من 390.42 مليار ريال إلى 919.32 مليار ريال.
السيولة النقدية
قبل تحليل نمو السيولة النقدية، تنبغي الإشارة أولا إلى أن هناك ثلاثة مصطلحات لها أو ما يسمى بوسائل النقد الثلاث (ن1، ون2، ون3) ينبغي تعريفها.
وتعبر الوسيلة الأولى (ن1) عن النقد المتداول في مكونات الاقتصاد من أفراد وشركات ومؤسسات خاصة وعامة مضافا إليها الودائع الجارية (ودائع تحت الطلب)، وهي الودائع التي لا يحصل أصحابها على الفوائد. أما الوسيلة الثانية (ن2) فهي تمثل الوسيلة الأولى (ن1) مضافا إليها الودائع الادخارية، وهذا المقياس من أهم المقاييس، فهو يدل على كمية النقود التي يتم ضخها في السوق من قبل الدولة والقطاع الخاص، وبالتالي مستويات الإقراض الحكومي. وأخيرا الوسيلة الثالثة (ن3)، وهي تمثل إجمالي الكتلة أو السيولة النقدية مضافا إليها الودائع المصرفية بالعملات الأجنبية والاحتياطيات النظامية للاعتمادات والضمانات المصرفية التي تعرف بـ (أشباه النقود).
النقد المتداول
تكشف أرقام مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) أن النقد المتداول سجل نمواً خلال الفترة من 2002- نوفمبر (تشرين ثاني) 2008 من 52.32 مليار ريال إلى 83.41 مليار ريال، أي بنسبة نمو بلغت نحو 59 في المائة تقريباً.
ويمكن تفسير هذا التذبذب بأنه يعود لانتشار الوعي المصرفي خصوصا بين السعوديين وتفضيلهم بقاء أرصدتهم في حسابات لدى المصارف، فعلى رغم النمو الذي سجله النقد المتداول، إلا أن مشاركته في إجمالي كتلة النقد قد انخفض خلال نفس الفترة، ففي العام 2002 كانت نسبة مشاركة النقد المتداول 13,40 في المائة من إجمالي كتلة النقد، فيما سجلت نسبة المشاركة في نوفمبر (تشرين ثاني) ما يزيد عن 9 في المائة، وهو الأمر الذي انعكس أخيرا على ارتفاع حجم الحسابات الجارية (الودائع تحت الطلب) والتي سيتم رصدها لاحقا.
الحسابات الجارية
وبالانتقال إلى الحسابات الجارية أو (الودائع تحت الطلب) خلال الفترة من 2002- نوفمبر (تشرين ثاني) 2008م، نجد أنها سجلت نموا قدره 128 في المائة من 150,01 مليار ريال إلى 343.2 مليار ريال, وكانت قوة الحسابات الجارية بيد الشركات والأفراد، حيث بلغت قيمتها 147,02 مليار ريال في العام 2002 وبقيمة 321,9 مليار ريال في نوفمبر 2008م.
ورغم ذلك النمو سجلت ـ أي الحسابات الجارية ـ انخفاضا نسبتها في إجمالي الكتلة النقدية خلال نفس الفترة، حيث انخفضت من 38 في المائة إلى 37 في المائة، وهذا النمو يمكن إرجاعه إلى جهود المصارف التسويقية في جذب الودائع من خلال إغراء العملاء بفتح الحسابات والحصول على بطاقات الصراف المجانية وغيرها من الخدمات.
وتبعا لذلك كله، فإن المقياس الأول أو عرض النقود (ن1) حقق نسبة نمو مقدارها 49,3 في المائة في الفترة خلال الفترة السابقة من 202,33 مليار ريال إلى 426,6 مليار ريال. في حين تكشف الأرقام أن نسبة النمو في هذا البند منذ يناير (كانون ثاني) إلى نوفمبر (تشرين ثاني) 2008 بنسبة 38,3 في المائة.
وتبعاً لذلك، حقق (ن1) نسبة انخفاض في نسبة مشاركته في إجمالي كتلة النقد من 51,83 في المائة إلى 49, 43 في المائة.
الودائع الادخارية
كما سبق الإشارة إذا ما أضفنا المقياس الأول (ن1) إلى الودائع الزمنية والادخارية والتي يحصل أفرادها على فوائد يمكن الحصول على الوسيلة الثانية وهي (ن2).
وهنا تشير إحصاءات (ساما) إلى أن الودائع الادخارية خلال الفترة من 2002- نوفمبر (تشرين ثاني) 2008م، صعدت بشكل قياسي كبير من 108,02 مليار ريال إلى 345,6 مليار ريال، وانعكست تلك النتائج على نسبة مشاركة الودائع الادخارية في إجمالي كتلة النقد من 27,7 في المائة إلى 37,7 في المائة خلال الفترة السابقة.
وهذا النمو يشير إلى استمرار تغير تركيبة الودائع داخل الجهاز المصرفي السعودي لصالح الودائع المكلفة عوضا عن المجانية (الحسابات الجارية)، أو بمعنى آخر ارتفاع كلفة استقطاب النقد، وهذا التغير يعني أن المصارف السعودية ستواجه مزيدا من التحدي في ارتفاع أكلاف إيراداتها، إذ لوحظ أن نمو الودائع الادخارية بدأ منذ مطلع التسعينيات ففي العام 1992 بلغت 42.9 مليار ريال وتوالى نموها حتى بلغ في العام 2002 رصيدها 108,02 مليارات ريال، ثم 113,4 مليار ريال في العام 2003، و165,3مليار في العام 2005، و226 مليار ريال في العام 2006، و283 مليار ريال في العام 2007.
يأتي ذلك الانخفاض في معدلات أسعار الفائدة على الريال نتيجة الانخفاض في أسعار فائدة الدولار.
ومع ذلك فإن ازدهار النشاط الاقتصادي المتوقع في العديد من القطاعات مثل الأسهم ساهم في زيادة الأرصدة النقدية الحرة، والاعتقاد السائد أن استمرار انخفاض أسعار الفائدة سيعيد ضخ بعض الأموال داخل السوق باتجاه أسواق العقارات والأسهم.
وتبعا لذلك كله، فإن (ن2) سجل نموا 150 في المائة، من 310,4 مليارات ريال إلى 777,6 مليار ريال، مشكلا ما نسبته 84 في المائة من إجمالي الكتلة النقدية.
أشباه النقود
عند إضافة الوسيلة الثانية (ن2) إلى مجموعة أشباه النقود والودائع الأخرى وهي مجموعة تشمل ودائع بالعملات الأجنبية، وودائع الاعتمادات المستندية، وودائع خطابات الضمان، والتحويلات يتم التوصل إلى إجمالي الكتلة النقدية (ن3).
وتظهر الأرقام أن أشباه النقود والودائع الأخرى خلال الفترة من 2002- نوفمبر (تشرين ثاني) 2008م، سجلت نسبة نمو من 80 مليار ريال إلى 146,8 مليار ريال، لكن مشاركتها في إجمالي كتلة النقد انخفضت خلال نفس الفترة من 20,5 في المائة إلى 15,9 في المائة.
الكتلة النقدية
تكشف نتائج الأرقام السابقة أن إجمالي كتلة النقد (ن3) نمت بشكل كبير وواضح خلال السبعة الأعوام الماضية أو خلال الفترة من 2002- إلى نوفمبر (تشرين ثاني) 2008م من 390,4 مليار ريال إلى 919,32 مليار ريال، والغريب أنه في الوقت الذي سجلت فيه الكتلة النقـــدية نموا بتلك النسبة السابقة، فإن السوق الســـعودية سادها ما يشبه (ضعفا في الثقة) فالتجار يشتكون من وجود نوع من الركود يضرب الأسواق بين شهر وآخر. لكن مستويات الكتلة النقدية تبدد المخاوف التي قد يراها البعض، فأرقام الكتــــلة النقدية تحــسم الخلاف هنا، فحركة السيولة النقدية المتداولة تدل على ارتفاع مستويات الإنفاق، وحركة الحسابات الجارية في نمو مستمر، وحجم الودائع الادخارية أيضا ينمو بشكل مستمر بين قطاع الأعمال والأفراد، كما أن أرقام الكتلة النقـــدية تثـــبت أن الإيرادات الحكومية والخاصة يتم ضخها في السوق مباشرة، فالنمو الذي سجله (ن2) خلال الأعوام السبعة الماضية تدل على انخفاض مستويات الإقراض الحكومي، وبالتالي تبديد مخاوف التعرض لضغوط تضخمية كبرى.
وهنا يفسر بعض الاقتصاديين أن ركود الأسواق الذي يتحدث عنه التجار سببه الرئيسي مستويات العرض والطلب، خاصة أن هناك تغيرا ديموغرافيا تشهده السوق السعودية والمتمثلة في تركيبة النمو السكاني.
وفي مقابل ذلك أيضا فإن مستويات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة تتطابق أيضا مع توقعات سبق لمؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) أن أعلنتها منذ بدء العام، أوضحت فيها أن الاقتصاد الوطني لن يعاني من ضغوط تضخمية كبرى، نتيجة عدة عوامل، في مقدمتها: استمرار النمو الاقتصادي وتراجع متوسطات الرقم القياسي العام، وهما عاملان مؤثران في لجم ارتفاع معدلات التضخم.
معلوم هنا أن الرقم القياسي لتكاليف المعيشة يعبر عن نسبة ارتفاع أو هبوط المستوى العام للأسعار في الدول، وهو يستخدم على نطاق واسع لقياس التضخم في البلاد، ويحتسب طبقا لتكاليف سلة من السلع والخدمات يتم شراؤها من قبل الأسر متوسطة الدخول شهريا، ويعتمد اختيار السلع والخدمات في تلك السلة على العادات الاستهلاكية الشائعة وأحيانا على مسوح إحصائية، وتعتبر تلك السلة ومكوناتها وأوزانها ثابتة في البلاد منذ عام 1988 وعلى افتراض أن المؤشر يبلغ فيه 100 نقطة، وقد تجري الحكومة تعديلات عليها في فترات زمنية تتراوح بين 5 إلى 10 أعوام.
دور ومسؤولية
تمت الإشارة سابقا، إلى أن الودائع الادخارية بدأت تنخفض مساهمتها في إجمالي الكتلة النقدية وهو ما سينعكس على الجهاز المصرفي، فالمجتمع السعودي خصوصا قطاع الأعمال والأفراد بدأ يشهد تغيرا في فلسفته ونظرته للتعامل مع القطاع المصرفي، وهي فلسفة مردها أن ذلك المجتمع تلقى خبرات واسعة من خلال التعليم في الخارج والسفر. ويعني ذلك أن المصارف ستواجه تحديا يتمثل في انخفاض إيراداتها من الخدمات المصرفية التقليدية، وهو الأمر الذي يقودنا إلى توقع حدوث طفرة مستقبلية في اتجاه المصارف المحلية نحو المنتجات الاستثمارية لمواكبة التغيرات في المجتمع، خصوصا أن المصارف السعودية تعد مصارف تجارية بحتة، فهي تقوم بعملية استقبال الودائع وإقراضها.
وبذلك ستكون مهمة المصارف في الفترة المقبلة هي التوسع الإجباري في نشاط سوق إقراض التجزئة وفق قواعد نظامية، وبالتالي دفع مستويات الكتلة النقدية إلى الأعلى أو ما يعرف بعملية تكوين النقد داخل السوق، خصوصا أن مستويات السيولة الحالية تمثل وجها آخر يتمثل في انخفاض فرص الإقراض المصرفي الكبرى لأغراض زيادة رساميل الشركات السعودية والتوسعات.
وقد شاهد الجميع أن المصارف شهدت توسعا في قطاع (القروض الشخصية) في محاولة منها لتعويض هوامش إيراداتها من الإقراض التمويلي الكبير خصوصاً مع توقعات باستمرار تحسن مستويات السيولة خلال الفترة المقبلة مع استمرار تحسن أسعار النفط وبالتالي إيراداته.
على أن المصارف يجب أن لا تبقى مكتوفة الأيدي هنا، فتراجع الدور الحكومي في مشاريع التمويل لمنشآت البنية التحتية والعمرانية والخدمية أيضا، سيتيح لها مجالا كبيرا للاندفاع فيه، إذ لا تزال المصارف السعودية ضعيفة في خدمات التمويل الاستهلاكي للأفراد، وقروض الإسكان الطويلة الأجل، ومنتجات التأمين المختلفة.
وتتعذر المصــــارف هنا بأن هناك ثغرات في البيئة القانونية في هذه الأنواع من النشاطات، وهنا يطرح البعض من المصرفيين رأيا بأن قرار الولوج في هذه الخـــدمات سيعتمد إلى حد كبير على تعزيز حماية المصارف من تبعات التقاعس في التسديد خــــصوصا بعد التجربة التي عاشها البعض منهم في الأعــــوام الماضـــــية في مجـــال تســهيلات بطاقات الائتمان وتقـــسيط السيارات.
لكن هذا القول مردود عليه، فانضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية سيتيح للمصارف العالمية بخبراتها وتقنياتها في الخدمات والمنتجات وتسويقها، أن تتلقف السوق السعودية (العطشة) لتلك المنتجات، ولن يبقى فرس الرهان وهو (ولاء العميل) الذي تدعيه المصارف السعودية أمام منافستها العالمية القادمة.
|