أرهقوا الجبهة الداخلية وساهموا في استهداف الأنفاق
«العرب» تفتح ملف العملاء في الحرب على غزة
2009-02-07
غزة - أبوطالب شبّوب
كشفت الحرب الأخيرة على غزة عمق معضلة العملاء، وإذا كانت فصائل المقاومة الفلسطينية قد أغلقت الحديث تماما حول أي اختراق أمني في صفوفها، فإن مواطني القطاع قد رووا لـ «العرب» كثيرا من التفاصيل حول الموضوع الشائك الذي أرهق الجبهة الداخلية كثيراً.
تلقت فصائل المقاومة الفلسطينية في الحرب الأخيرة على غزة ضربة قوية في بعض مناطق القطاع، ولم تتمثل تلك الضربة باغتيال قيادات المقاومة، بل بالكشف عن كثير من الأنفاق التي كانت مجهزة شمال القطاع وشرقه، وقد حدثت هذه الضربة بعد قيام أحد العملاء بسرقة سيارة أحد قياديي المقاومة، وعبر الملفات التي كانت موجودة على جهازه المحمول، تمكنت القوات الإسرائيلية من الحصول على خارطة لكثير من الأنفاق، وقد أورد بعض المواطنين رواية أخرى تقول إن الشخص الذي وضع الخرائط في حوزة إسرائيل هو سائق أحد القيادات السياسية البارزة للمقاومة، والذي التجأ لاحقا للحدود الإسرائيلية، وهي رواية لم يكن ممكنا التحقق من دقتها، وإن كان من الثابت أن إسرائيل حصلت على خارطة جزئية للأنفاق، وقد نشرها موقع «جيش الدفاع الإسرائيلي» يوم 19/1/2009، بعد فترة طويلة على تحصيلها كما هو مفترض منطقيا، وقد قال أحد المقاومين إن الخريطة صحيحة إلى حدٍّ بعيد، وفي ذات السياق روى مواطنون لـ «العرب» أن الجيش الإسرائيلي كان يرسل بعض آلياته لمناطق تبدو عادية ثم يقوم بتفجير مناطق معينة يتضح لاحقا أنها مداخل خاصة بالأنفاق، ما يعني أن الجيش عرف فعليا ببعض مناطق الأنفاق.
«القسام» يستلم زمام القطاع
من ناحية أخرى، رصدت أجهزة الأمن الداخلية لحكومة إسماعيل هنية نشاطا واضحا للعملاء خلال مرحلة الحرب، عبر وسائل عدة، تمثل بعضها في رصد حركات قيادات المقاومة، أو الإبلاغ عن أماكن سكنهم، ويبدو أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» قد تحسبت لهذا الموضوع بشكل جادٍّ للغاية، حيث تولى الجناح العسكري لها «كتائب الشهيد عزالدين القسام» موضوع الحفاظ على أمن القادة، ولم يكن ممكنا لأي من المسؤولين الكبار في حكومة هنية معرفة مكان رئيس الوزراء أو الدكتور محمود الزهار، وقد كانت «العرب» شاهدة على حادثة توضّح مدى السرية البالغة للرجلين، فقد نشرت وسائل الإعلام خبرا عن رسالة مفتوحة موجهة من إسماعيل هنية إلى الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، ومما أثار الاستغراب أن الأسلوب المستعمل فيها لم يكن ذلك الذي اعتاده متابعو رسائل هنية، وقد سألت «العرب» الناطق الرسمي باسم الحكومة المقالة طاهر النونو عن مدى صحتها فقال: «لا أدري عنها شيئا، فقد قرأتها مثلكم واستغربت لها مثلكم»، سألناه عن إمكان الاتصال بهنية لتأكيد أو نفي الرسالة فقال إنه لا يستطيع قائلا إن أي «مرسال» قد يرسله هنية إليه أو يستقبله منه سيكون هدفا سهلا للرصد الإسرائيلي، وبالتالي فلا مجال لتأكيد الخبر أو نفيه! أكثر من هذا قال المسؤول الحكومي إنهم تلقوا أوامر واضحة بعدم محاولة الاتصال حتى بالزهار أو هنية! والذي استنتجناه من كلامه أن كلا الرجلين لا يرى إلا من يرغب هو شخصيا في رؤيته، وأن اللقاءين الصحافيين النادرين الذين أجراهما إسماعيل هنية قد جرى تنسيقهما من طرف الأمن الخاص في «القسام» ولم يمرا عبر المسار العادي لحركة «حماس» أو الحكومة.
وسائل كثيرة للرصد الإسرائيلي
اختلفت وسائل رصد إسرائيل لقطاع غزة بين الرصد الجوي والعمالة الميدانية، كما قامت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالاعتماد على وسائل غير متوقعة لمعرفة أماكن تواجد الأنفاق مثلا، وفي هذا الإطار روى خبير أمني لـ «العرب» أن شبكة إمدادات الكهرباء كانت مجالا للبحث الإسرائيلي، فعندما تقوم سلطة الكهرباء الفلسطينية بتمديد شبكاتها في مناطق غير مأهولة بالسكان، فإن الإسرائيليين سيلاحظون الموضوع وستذهب استنتاجاتهم بشكل رأسي إلى احتمال أن تكون هذه التمديدات ستخدم «سكان الأنفاق» لا المواطنين العاديين الذين لا يتواجدون عمليا في تلك المناطق.
ومن الوسائل الأخرى التي لم يكشف عنها النقاب، ما يتعلق بحركة العملاء الميدانيين، حيث كان عناصر المقاومة يشتغلون في غالب الأحيان ليلا، بينما كان كثير من العملاء يقومون بجولات رصد في ذات التوقيت، وللتصدي لهذه الظاهرة فقد اتخذت حكومة «حماس» قرارا لم يتعرض له الإعلام، بمنع أي تنقل للأفراد ليلا خلال مرحلة الحرب على غزة عدا الحالات الطارئة والإنسانية، ومما يثبت وجود هذا القرار أن البث الفضائي للحرب خلال الفترة الليلية قد كان يتم من مناطق ثابتة، أبراج «الشروق» و»الجوهرة» و»شوا وحُصري» تحديدا، ولم نشاهد خلال الحرب أي بث متحرك أو ميداني، وقد أكّد المصور أحمد الراس العامل مع وكالة «راماتان» أنهم تلقوا بالفعل أوامر مكتوبة تمنعهم من الحركة ليلا، ذلك أن عناصر الأمن الداخلي لحكومة هنية قد قاموا مرارا باعتقال المتنقلين في الشارع ليلا بغرض غير إنساني بعد أن ثبُتَ لديهم بالدليل الملموس أنهم عملاء.
كما كانت بعض محلات الاتصالات مجالا آخر لاختراق المقاومة، حيث إن كثيرا من باعة أجهزة الاتصال اللاسلكي في قطاع غزة أصبحوا بفعل التعامل المستمر مع بعض أجنحة المقاومة على دراية جيدة بموجات البث اللاسلكي التي تستعملها هذه الأجنحة، وبإمكانهم التقاطها، بل إن بعضهم ممن تحدثت «العرب» إليهم قد أجرى تجربة عملية أمكنه من خلالها الاستماع لما تناقله مقاتلو فصيل مقاوم، فإذا كان صاحب محل اتصالات قادرا على اختراق بث المقاومة، فكيف يكون الحال مع الجيش الإسرائيلي بقدراته التقنية العالية، ناهيك عن أن رسم خارطة لمشتري هذه النوعية من الأجهزة ستكون بداية لمعرفة الأشخاص ذوي العلاقة مع المقاومة ورصدهم ثم اغتيالهم.
المقاومة تواجه التحدي الأصعب
يمكن للمعلومات السابقة أن ترسم صورة وافية عن المواجهة الصعبة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ولعل انكشاف المخطط الأولي لبعض دفاعاتها قد كان كفيلا، نظريا، بإصابتها بإحباط كبير، لكن الذي حدث كان معاكسا للافتراض المنطقي، فقد واصلت المقاومة عملها العسكري وإن أرغمت على اتخاذ تدابير قاسية في بعض الأحيان.
وقال أحد مقاتلي «القسام» إن كشف الأنفاق لم يحبط عملية إطلاق الصواريخ، باعتبار أن الأنفاق هي وسيلة نقل واحتماء، والعاملون فيها لا يملكون علاقة مباشرة بفريق إطلاق الصواريخ، وبالتالي فقد ظلت منصات الإطلاق سليمة، وإن كانت المقاومة قد خسرت بالفعل بعض الأنفاق، فإن عناصرها قد فخخوا كل نفق يشكون بأنه مرصود، وفجروه لدى أية بادرة تدخل إسرائيلي، وهو ما حقق نتائج جيدة كما حدث في الشجاعية وفق ما رواه «أبو مجاهد»، الناطق العسكري لـ «لجان المقاومة الشعبية»، حيث فجرت المقاومة إحدى آليات الاحتلال ثم انسحب المقاومون تاركين الجيش الإسرائيلي لمحاولة تتبع النفق المستعمل في العملية، ولدى دخول الجنود له جرى تفجيره فقتل العديد منهم.
كما روى أحد مقاتلي «سرايا القدس» أن خطورة الرصد اللاسلكي كانت واردة فعليا لا في هذه الحرب فقط بل في كل حالات المواجهة السابقة مع إسرائيل، لكن بعض أجنحة المقاومة قد تدبرت أمرها عبر تجهيز مقاتليها ببنية تحتية جيدة –أنفاق- تتضمن ما يمكن اعتباره تجاوزا «شبكة اتصالات» خاصة بالمقاومة، وعبر هذه الشبكة أمكن تفادي الرصد الإسرائيلي، كما أمكن لبعض أجنحة المقاومة التواصل مع قيادييها السياسيين.
أما لناحية الأمن الميداني فإن قيادات المقاومة كانت حريصة على اختيار أماكن غير مشكوك فيها لتأمين حياة قيادييها، وقد عاشت «العرب» تجربة عملية أثناء محاولة اللقاء مع الناطق العسكري باسم «سرايا القدس» حيث كان المكان الذي عقد فيه اللقاء لا يحمل أية علامة مميزة، ولا يمكن لأي مواطن مار أن يلاحظ أن ذلك المكان العادي جدا جزء من قيادة حركة عسكرية مقاومة.
وختاما، روى أحد المواطنين الفلسطينيين الذين تعودوا الدخول لإسرائيل لأغراض إنسانية -بحكم منصبه- أن جنديا إسرائيليا قال له في ثقة تفاخرية: «في كل أسرة فلسطينية شخص من «حماس» وآخر من «فتح» وثالث ينسق معنا لإبلاغنا بما يفعل أخواه!»، لكن الجواب الذي قدمه هذا المواطن الشهم هو ذاته الذي قدمته المقاومة على الأرض «كان يجدر بكم -والحال هذه- أن تسوقوا الزهار وهنية والجعبري عراة إلى سجن نفحة الصحراوي.. أو تعثروا على جلعاد شاليط على الأقل»!