التصريحات الأخيرة التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو خلال لقائه مع جورج ميتشيل مبعوث الإدارة الأمريكية إلى الشرق الأوسط , تدق نواقيس الخطر حول عملية السلام.............
تحدث نيتانياهو .............
عن ما اسماه يهودية الدولة العبرية,..... وربط إقامة الدولة الفلسطينية بضرورة اعتراف العرب بيهودية إسرائيل.......
وهذا تطورخطير ويحمل في ثناياه حالة تكريس للهجة اليمين الإسرائيلي المتطرف المتشددة التي ترفض السلام ..... بل وترفض وجود الفلسطينيين أساساً.
وهذا التصريح لنتانياهو وما سبقه قبل شهور من تصريحات ليفني كرسته الحكومة الإسرائيلية الحالية كأحد الخطوط العريضة لسياستها العامة .....
البند السادس من اتفاقية الائتلاف للحكومة الحالية تنص على "إن الحكومة ستعمل على صيانة الطابع اليهودي للدولة وتراث الشعب اليهودي"، ولكن الجديد في هذا الأمر هو تحديد موضوع يهودية الدولة كشرط للتفاوض مع الفلسطينيين.
إن أخطر ما ينطوي عليه تصريح نيتنياهو باشتراط يهودية إسرائيل هو أنه يرفض حق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم ..... وهو حق أصيل لهم أقرته جميع القرارات والوثائق الدولية, خاصة القرار رقم194 لسنة1949 الصادر عن مجلس الأمن .....
وبهذا فإن نيتنياهو وكأنه يصرخ في وجه الفلسطينيين: ..... اذهبوا فلا مكان لكم هنا في فلسطين, وبالتالي فأنتم شعب بلا أرض ونحن (اليهود) وحدنا الذين نستحق هذه الأرض ......
نذكر في هذا المقام أيضاً أن أولمرت كان قد طرح شرط اعتراف الفلسطينيين بـ "يهودية الدولة" قبل أي تقدم قد يحرزه الاجتماع الدولي في مؤتمر أنابوليس، وقبل صوغ أي وثيقة تعرض على الاجتماع ليجري على اساسها التفاوض، مع العلم أن "يهودية الدولة" وبتقدير مراقبين ما هو إلا شرط فارغ من مضمونه لكنه خطر في منظومة العمل لعقد الاجتماع وفي اي مفاوضات فلسطينية - إسرائيلية تليه؛ ذلك ان قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة عام 1947 يقول بتقسيم فلسطين دولتين واحدة لليهود واخرى للعرب. وقتذاك كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وكانت غالبية سكانها من الفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين ودروز ويهود) واقلية من المهاجرين اليهود. وجاء تعبير يهودية الدولة تأكيداً لقرار التقسيم وترجمة لوعد وزير خارجية بريطانيا آنئذ ارثر جيمس بلفور عام 1917 الذي منح اليهود حق "اقامة وطن قومي" لهم في فلسطين في صك الانتداب.
بالتالي؛ كانت أمريكا تدرك منذ اللحظة الأولى أن إسرائيل ليست إلا دولة يهودية، وجاء ذلك متسقاً مع إعلان تأسيس دولة إسرائيل، والموقَّع في 14 مايو 1948، حيث عرّف قادة الصهيونية الأوائل إسرائيل بوضوح كدولة يهودية. وشددت الوثيقة على أن السلطة والسيادة في إسرائيل هي للشعب اليهودي. ومما جاء في هذا الإعلان: "إن هذا الحق هو الحق الطبيعي للشعب اليهودي لكي يكون سيد مصيره، شأنه في ذلك شأن كل الأمم في سيادة دولهم"، وتواترت في الإعلان عبارات تؤكد هذه النقطة؛ كمقولات: "الشعب اليهودي.. في بلاده الخاصة به"، "الشعب اليهودي يبني وطنه القومي"، "الدولة اليهودية"، "حق الشعب اليهودي في تأسيس دولته"، "الشعب اليهودي في إقامة دولته"، "شعب يهودي سيد".
وبناء على ذلك؛ يمكن القول: أن الإيمان بيهودية إسرائيل أمراً كان واضحاً لدى أمريكا ومؤسسي الكيان الصهيوني منذ اللحظة الأولى، غير أن اعتراف الفلسطينيين ومن ورائهم الدول العربية بذلك له تداعيات كثيرة، جعلت إسرائيل تنتظر اللحظة المناسبة لطرح هذا الأمر عليهم، وتتمثل تلك التداعيات بـ إسقاط حق العودة، والتضييق على عرب 48 ومن ثم ترحيلهم.ومن أجل ذلك؛ كانت فكرة "حل الدولتين" دولة يهودية، وأخرى فلسطينية؛ فالهدف من وراء ذلك الحل هو تأكيد يهودية دولة إسرائيل، وتأكيد الانفصال عن الفلسطينيين لقطع الطريق على العالم حتى لا يفرض على الإسرائيليين مستقبلاً خيار الدولة الواحدة، في وقت يكون فيه الميزان الديموغرافي في فلسطين لصالح الشعب الفلسطيني.
فهاجس يهودية الدولة يتزايد الترويج له وبقوة داخل النخب الحاكمة والمسيطرة داخل اسرائيل ويبدو أن تراجع طموحات المشروع الصهيوني الاول و"الرواد الأوائل" الذين أكدوا على يهودية الدولة العبرية ، والذين لم يترددوا في إطاحة شعارات التحرر القومي وبناء الدولة الديمقراطية على مذبح التمسك بالهوية اليهودية للدولة،باتت تجد صداها اليوم عند الاحزاب السياسية الاسرائيلية بمختلف تلاوينها وكذلك قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية والعسكرية وحتى الأكاديمية الإسرائيلية. ويبدو الهدف من طرح هذه الفكرة اليوم هو تكريس وترسيخ "يهودية دولة إسرائيل"، أي أنها دولة لليهود وليس لمواطنيها بما يكرس في الواقع تعريفها العنصري.
لذا لا بد من الانتباه بأنه لا مجال لحل تفاوضي مع حكومة ليكودية متطرفة من أجل حل سياسي على مقاس نيتنياهو صاحب "الأمن أولا" و"السلام الاقتصادي" ، والذي لن يمانع أبداً ، في قيام دولة فلسطينية على وفقا لحساباته ومعاييره ، على جزء من الضفة الغربية بما يزيد أو يتقلص وفقا لموازين اللحظة وحساباتها إلا أن ذلك لن يتم الا مقابل أثمان باهظة يدفعها الفلسطينييون من كيس "حقوق اللاجئين وخط الرابع من حزيران ، والقدس والمياه والسيادة.