السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت لك
(استجواب عمر)
عزيزة المفرج
تعرض سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه لجلسة استجواب علنية بسبب طول ثوبه،
الذي كان يتناسب مع ضخامة جسده، رغم أن نصيبه الحقيقي من القماش لا يمنحه الا ثوبا قصيرا لا يكاد يصل الى ركبتيه.
الخليفة العادل وضّح أمام الملأ بأن طول ثوبه يرجع لتبرع ابنه له بحصته من القماش،
فاقتنع السائل بهذا الكلام، ولم ير حاجة للجوء الى اجراءات أخرى مثل طرح الثقة فيه أو التحويل لمحكمة الخلفاء مثلا،
حيث جلس يستمع لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد أن اطمأن للجواب، وهدأت الشكوك في نفسه.
هذا الخليفة العادل حكم دولة شاسعة تغطي الشام ومصر والعراق وجزيرة العرب وبلاد فارس ومع ذلك لم يكن ظالما،
وكلنا يردد عبارته الخالدة عن البغلة التي لو عثرت في أرض العراق لسئل عنها أمام الله.
هذه الدولة الشاسعة لو كانت لا تزال موجودة حتى يومنا هذا،
ويحكمها أحد حكام هذا الزمان، وأحب أن يقلد سيدنا عمر،
فالمرجح أن يكرر نفس عبارته حول بغلة العراق،
والسؤال لماذا العراق بالذات.
تلك البغلة لو عثرت في بلاد فارس وماتت،
لأقام لها نواب الخليفة أو الحاكم هناك حفل تأبين يتحدثون فيه عن مناقبها، وقدرتها على تحمل الأحمال الثقيلة بصبر وهدوء شديدين،
وسيذرفون ما لزم من دموع، وسيكثرون البكاء واللطم،
ثم يعودون لبيوتهم مرتاحي الأنفس، مستقري العواطف،
فقد عملوا الواجب، وانتهي الموضوع.
لو عثرت تلك البغلة في الشام،
لأنهى الوالي المشكلة بأسرع من لمح البصر،
حيث سيسارع العسس والعيون المنتمية لأجهزة المخابرات الى التصرف بسحبها من أذنيها، ورقبتها،
ومن ثم رميها في أقرب معتقل تحت الأرض، ولن يظهر لها أثر بعد ذلك الى أبد الآبدين.
لو عثرت البغلة ووقعت في حفرة بمصر،
فسوف يعفط لها الوالي، مع بعض رجاله، ويستهزئ بكونها حمارة بنت حمار،
مش عارفة تلبس جزمة والا تمشي بيها كويس.
لو عثرت في جزيرة العرب فسوف يضعها الوالي على طيارة طبية مجهزة،
ويرسلها لمستشفى مايو كلينك في بلاد الفرنجة، للعلاج على حساب الدولة،
وسوف تنقل الفضائيات صورها وهي تستلقي على سرير المرض،
وبوكيه ورد راقد في حضنها تأكل منه باستمتاع.
في العراق، الموضوع يختلف.
تلك العثرة لتلك البغلة ستؤدي الى انقلاب دموي يقوده وال يطمع بالمركز،
وربما يقوده خليفة يطمع بالخلافة، ويؤدي ذلك الى انقسام الشعب الى ثلاثة أجزاء،
جزء مع القديم والآخر مع الجديد، والجزء الثالث لا له ولا عليه، يتفرج،
وتنشب حرب أهليه، ويلقى المعارضون في السجون، أو يعلقون على حبال المشانق.
باختصار، اذا عثرت بغلة في العراق تنعفس الدنيا،
لهذا السبب لابد من التأكيد أمام الشعب بأن الخليفة لا يقبل بأن تعثر بغلة في تلك البلد،
ورأسه يشم الهواء، ولا يلام، فهو في غنى عن المشاكل.
وان كانت سالفة البغلة مقدور عليها،
فالسالفة الأخرى للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تتطلب زهدا كالذي كان عنده،
وهو شيء صعب لا يتوافر عند الجميع.
لقد قيل لعمر لقد عففت فعف شعبك، ولو رثعت لرثعوا.
لهذا السبب أسند الرجل رأسه على ذراعه ونام مطمئنا تحت ظل شجرة،
على عكس سيارات الحماية والمصفحات،
التي لا يجرؤ قادة هذا الزمان على السير بدونها.
قادة هذا الزمان من الفاسدين رثعوا بخيرات بلادهم ففعلت شعوبهم مثلهم،
ولهذا كثر الفساد والمفسدين،
وأبدا لن يتغير شيء، ما لم يتغير هؤلاء.