|
قلم دائم التألق..
|
تفسير سورة البقرة ايه 49 و50
الآية : 49
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإِذْ نَجّيْنَاكُم مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلآءٌ مّن رّبّكُمْ عَظِيمٌ }
أما تأويـل قوله: وإذْ نَـجّيْناكُمْ فإنه عطف علـى قوله: يا بَنِـي إسْرَائِيـلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِـيَ فكأنه قال: اذكروا نعمتـي التـي أنعمت علـيكم, واذكروا إنعامنا علـيكم إذ نـجيناكم من آل فرعون بإنـجائنا لكم منهم.
وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه. وأصل «آل» أهل, أبدلت الهاء همزة, كما قالوا ماه, فأبدلوا الهاء همزة, فإذا صغروه قالوا مُوَيه, فردّوا الهاء فـي التصغير وأخرجوه علـى أصله. وكذلك إذا صغروا آل, قالوا: أهيـل. وقد حُكي سماعا من العرب فـي تصغير آل: أويـل. وقد يقال: فلان من آل النساء, يراد به أنه منهن خـلق, ويقال ذلك أيضا بـمعنى أنه يريدهنّ ويهواهن, كما قال الشاعر:
فإنّكَ مِنْ آلِ النّساءِ وَإِنّـمَايَكُنّ لأدْنى لا وِصَالَ لِغَائِبِ
وأحسن أماكن «آل» أن ينطق به مع الأسماء الـمشهورة, مثل قولهم: آل النبـي مـحمد صلى الله عليه وسلم وآل علـيّ, وآل عبـاس, وآل عقـيـل. وغير مستـحسن استعماله مع الـمـجهول, وفـي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك غير حسن عند أهل العلـم بلسان العرب أن يقال: رأيت آل الرجل, ورآنـي آل الـمرأة, ولا رأيت آل البصرة, وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول: رأيت آل مكة وآل الـمدينة, ولـيس ذلك فـي كلامهم بـالـمستعمل الفـاشي. وأما فرعون فإنه يقال: إنه اسم كانت ملوك العمالقة بـمصر تسمّى به, كما كانت ملوك الروم يُسمّي بعضهم قـيصر وبعضهم هرقل, وكما كانت ملوك فـارس تُسمى الأكاسرة واحدهم كسرى, وملوك الـيـمن تسمى التبـابعة واحدهم تبع. وأما فرعون موسى الذي أخبر الله تعالـى عن بنـي إسرائيـل أنه نـجاهم منه فإنه يقال: إن اسمه الولـيد بن مصعب بن الريان, وكذلك ذكر مـحمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.
622ـ حدثنا بذلك مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق: أن اسمه الولـيد بن مصعب بن الريان.
وإنـما جاز أن يقال: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ والـخطاب به لـمن لـم يدرك فرعون ولا الـمنـجين منه, لأن الـمخاطبـين بذلك كانوا أبناء من نـجاهم من فرعون وقومه, فأضاف ما كان من نعمه علـى آبـائهم إلـيهم, وكذلك ما كان من كفران آبـائهم علـى وجه الإضافة, كما يقول القائل لاَخر: فعلنا بكم كذا, وفعلنا بكم كذا, وقتلناكم وسبـيناكم, والـمخبر إما أن يكون يعنـي قومه وعشيرته بذلك أو أهل بلده ووطنه كان الـمقول له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لـم يدركه, كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية:
وَلَقَدْ سَمَا لَكُمْ الهُذَيْـلُ فنالَكُمْبإرَابَ حَيْثُ يُقْسَمّـمُ الأنْفـالا
فـي فَـيْـلَقٍ يَدْعو الأرَاقمَ لـمْ تكُنْفرْسَانُهُ عُزْلاً وَلا أكْفَـالا
ولـم يـلق جرير هذيلاً ولا أدركه, ولا أدرك إراب ولا شهده. ولكنه لـما كان يوما من أيام قوم الأخطل علـى قوم جرير, أضاف الـخطاب إلـيه وإلـى قومه, فكذلك خطاب الله عزّ وجلّ من خاطبه بقوله: وَإِذْ نَـجّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لـما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بـالآية وآبـائهم, أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبـائهم إلـى الـمخاطبـين بـالآية وقومهم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَاب.
وفـي قوله: يَسُومُونَكُمْ وجهان من التأويـل, أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفـا عن فعل فرعون ببنـي إسرائيـل, فـيكون معناه حينئذٍ: واذكروا نعمتـي علـيكم إذ نـجّيتكم من آل فرعون, وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويـله كان موضع «يسومونكم» رفعا. والوجه الثانـي: أن يكون «يسومونكم» حالاً, فـيكون تأويـله حينئذٍ: وإذْ نـجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب, فـيكون حالاً من آل فرعون.
وأما تأويـل قوله: يَسُومُونَكُمْ فإنه يوردونكم, ويذيقونكم, ويُولونكم, يقال منه: سامه خطة ضيـم: إذا أولاه ذلك وأذاقه, كما قال الشاعر:
إنْ سِيـمَ خَسْفـا وَجْهُهُ تَرَبّدَا
فأما تأويـل قوله: سُوءَ العَذَابِ فإنه يعنـي: ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم: أشدّ العذاب ولو كان ذلك معناه لقـيـل: أسوأ العذاب.
فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوءهم؟ قـيـل: هو ما وصفه الله تعالـى فـي كتابه فقال: يُذَبّحُونَ أبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ. وقد قال مـحمد بن إسحاق فـي ذلك ما:
623ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: أخبرنا ابن إسحاق, قال: كان فرعون يعذّب بنـي إسرائيـل فـيجعلهم خدما وخولاً, وصنّفهم فـي أعماله, فصنفٌ يبنون, وصنف يزرعون له, فهم فـي أعماله, ومن لـم يكن منهم فـي صنعة من عمله فعلـيه الـجزية, فسامهم كما قال الله عزّ وجل: سُوءَ العَذَابِ.
وقال السدي: جعلهم فـي الأعمال القذرة, وجعل يقتل أبناءهم, ويستـحيـي نساءهم.
624ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ.
قال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببنـي إسرائيـل من سَوْمهم إياهم سوء العذاب وذبحهم أبناءهم واستـحيائهم نساءهم دون فرعون, وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوّة فرعون وعن أمره, لـمبـاشرتهم ذلك بأنفسهم. فبـين بذلك أن كل مبـاشر قتل نفس أو تعذيب حيّ بنفسه وإن كان عن أمر غيره, ففـاعله الـمتولـي ذلك هو الـمستـحق إضافة ذلك إلـيه, وإن كان الاَمر قاهرا الفـاعل الـمأمور بذلك سلطانا كان الاَمر أو لصّا خاربـا أو متغلبـا ف.اجرا, كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياء نسائهم إلـى آل فرعون دون فرعون, وإن كانوا بقوّة فرعون وأمره إياهم بذلك فعلوا ما فعلوا مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلـما فهو الـمقتول عندنا به قصاصا, وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له علـى قتله.
وأما تأويـل ذبحهم أبناء بنـي إسرائيـل, واستـحيائهم نساءهم, فإنه كان فـيـما ذكر لنا عن ابن عبـاس وغيره كالذي:
625ـ حدثنا به العبـاس بن الولـيد الاَملـي وتـميـم بن الـمنتصر الواسطي, قالا: حدثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: حدثنا القاسم بن أيوب, قال: حدثنا سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيـم خـلـيـله أن يجعل فـي ذرّيته أنبـياء وملوكا وائتـمروا, وأجمعوا أمرهم علـى أن يبعث رجالاً معهم الشّفـارَ, يطوفون فـي بنـي إسرائيـل, فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه, ففعلوا. فلـما رأوا أن الكبـار من بنـي إسرائيـل يـموتون بآجالهم, وأن الصغار يذبحون, قال: توشكون أن تُفنوا بنـي إسرائيـل فتصيروا إلـى أن تبـاشروا من الأعمال والـخدمة ما كانوا يكفونكم, فـاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقلّ أبناؤهم ودعوا عاما. فحملت أمّ موسى بهارون فـي العام الذي لا يذبح فـيه الغلـمان, فولدته علانـية أمه, حتـى إذا كان القابل حملت بـموسى.
626ـ وقد حدثنا عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد فـي هذه العام مولود يذهب بـملكك. قال: فجعل فرعون علـى كل ألف امرأة مائة رجل, وعلـى كل مائة عشرة, وعلـى كل عشرة رجلاً فقال: انظروا كل امرأة حامل فـي الـمدينة, فإذا وضعت حملها فـانظروا إلـيه, فإن كان ذكرا فـاذبحوه, وإن كان أنثى فخـلّوا عنها. وذلك قوله: يُذَبّحُونَ أبْناءَكُمْ وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ.
627ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونُكُمْ سُوءَ العَذَابِ قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بـمصر غلام يكون هلاكك علـى يديه. فبعث فـي أهل مصر نساء قوابل, فإذا ولدت امرأة غلاما أتـى به فرعون فقتله ويستـحيـي الـجواري.
628ـ وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحق بن الـحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس فـي قوله: وَإِذْ نَـجّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية, قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, وإنه أتاه آت, فقال: إنه سينشأ فـي مصر غلام من بنـي إسرائيـل فـيظهر علـيك ويكون هلاكك علـى يديه. فبعث فـي مصر نساء. فذكر نـحو حديث آدم.
629ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر عن السدي, قال: كان من شأن فرعون أنه رأى فـي منامه أن نارا أقبلت من بـيت الـمقدس حتـى اشتـملت علـى بـيوت مصر, فأحرقت القبط وتركت بنـي إسرائيـل وأخربت بـيوت مصر, فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والـحازَة, فسألهم عن رؤياه, فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيـل منه يعنون بـيت الـمقدس رجل يكون علـى وجهه هلاك مصر. فأمر ببنـي إسرائيـل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مـملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخـلوهم, واجعلوا بنـي إسرائيـل يـلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بنـي إسرائيـل فـي أعمال غلـمانهم, وأدخـلوا غلـمانهم فذلك حين يقول الله تبـارك وتعالـى: إِنّ فِرْعَوْنَ عَلا فِـي الأرْضِ يقول: تـجبر فـي الأرض: وجعل أهلها شِيَعا, يعنـي بنـي إسرائيـل, حين جعلهم فـي الأعمال القذرة, يستضعفُ طائِفَةً منهم يُذَبّحُ أبْنَاءَهُمْ. فجعل لا يولد لبنـي إسرائيـل مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير. وقذف الله فـي مشيخة بنـي إسرائيـل الـموت, فأسرع فـيهم. فدخـل رءوس القبط علـى فرعون, فكلـموه, فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فـيهم الـموت, فـيوشك أن يقع العمل علـى غلـماننا بذبح أبنائهم فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبـار, فلو أنك كنت تبقـي من أولادهم فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلـما كان فـي السنة التـي لا يذبحون فـيها ولد هارون, فترك فلـما كان فـي السنة التـي يذبحون فـيها حملت بـموسى.
630ـ حدثنا مـحمد بن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: ذكر لـي أنه لـما تقارب زمان موسى أتـى منـجمو فرعون وحُزَاتُه إلـيه, فقالوا له: تعلّـم أنا نـجد فـي علـمنا أن مولودا من بنـي إسرائيـل قد أظلك زمانه الذي يولد فـيه, يسلبك ملكك ويغلبك علـى سلطانك, ويخرجك من أرضك, ويبدّل دينك. فلـما قالوا له ذلك, أمر بقتل كل مولود يولد من بنـي إسرائيـل من الغلـمان, وأمر بـالنساء يستـحيـين. فجمع القوابل من نساء مـملكته, فقال لهن: لا يسقطن علـى أيديكن غلام من بنـي إسرائيـل إلا قتلتُنّه. فكنّ يفعلن ذلك, وكان يذبح من فوق ذلك من الغلـمان, ويأمر بـالـحبـالـى فـيعذّبن حتـى يطرحن ما فـي بطونهن.
631ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن مـحمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قال: لقد ذكر أنه كان لـيأمر بـالقصب فـيشقّ حتـى يجعل أمثال الشّفـار, ثم يصف بعضه إلـى بعض, ثم يؤتـي بـالـحبـالـى من بنـي إسرائيـل, فـيوقـفن علـيه فـيحزّ أقدامهن, حتـى إن الـمرأة منهن لتـمصَعُ بولدها فـيقع من بـين رجلـيها, فتظلّ تطؤه تتقـي به حدّ القصب عن رجلها لـما بلغ من جهدها. حتـى أسرف فـي ذلك وكاد يفنـيهم, فقـيـل له: أفنـيت الناس وقطعت النسل, وإنهم خَوَلُك وعمالك. فأمر أن يقتل الغلـمان عاما ويستـحيوا عاما. فولد هارون فـي السنة التـي يستـحيا فـيها الغلـمان, وولد موسى فـي السنة التـي فـيها يقتلون.
قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلـم كان ذبح آل فرعون أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياؤهم نساءهم, فتأويـل قوله إذا علـى ما تأوّله الذين ذكرنا قولهم: ويستـحيون نساءكم: يستبقونهن فلا يقتلونهن.
وقد يجب علـى تأويـل من قال بـالقول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس وأبـي العالـية والربـيع بن أنس والسدي فـي تأويـل قوله: ويَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ: أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن أن يكون جائزا أن تسمى الطفلة من الإناث فـي حال صبـاها وبعد ولادها امرأة, والصبـايا الصغار وهن أطفـال: نساء, لأنهم تأوّلوا قول الله جل وعزّ: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ: يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.
وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج, فقال بـما:
632ـ حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قال: يسترقّون نساءكم.
فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله فـي قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إنه استـحياء الصبـايا الأطفـال, قال: إذ لـم نـجدهن يـلزمهن اسم نساء. ثم دخـل فـيـما هو أعظم مـما أنكر بتأويـله «ويستـحيون» يسترقّون, وذلك تأويـل غير موجود فـي لغة عربـية ولا عجمية, وذلك أن الاستـحياء إنـما هو استفعالٌ من الـحياة نظير الاستبقاء من البقاء والاستسقاء من السقـي, وهو معنى من الاسترقاق بـمعزل.
وقد قال آخرون: قوله يُذَبّحونَ أبْناءَكُمْ بـمعنى يذبحون رجالكم آبـاء أبنائكم. وأنكروا أن يكون الـمذبوحون الأطفـال, وقد قرن بهم النساء. فقالوا: فـي إخبـار الله جل ثناؤه إن الـمستـحين هم النساء الدلالة الواضحة علـى أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبـيان, لأن الـمذبحين لو كانوا هم الأطفـال لوجب أن يكون الـمستـحيون هم الصبـايا. قالوا: وفـي إخبـار الله عزّ وجل أنهم النساء ما يبـين أن الـمذبحين هم الرجال. وقد أغفل قائلوا هذه الـمقالة مع خروجهم من تأويـل أهل التأويـل من الصحابة والتابعين موضع الصواب, وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلـى أمّ موسى أنه أمرها أن ترضع موسى, فإذا خافت علـيه أن تلقـيه فـي التابوت ثم تلقـيه فـي الـيـم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنـما يقتلون الرجال ويتركون النساء لـم يكن بأمّ موسى حاجة إلـى إلقاء موسى فـي الـيـمّ, أو لو أن موسى كان رجلاً لـم تـجعله أمه فـي التابوت ولكن ذلك عندنا علـى ما تأوّله ابن عبـاس ومن حكينا قوله قبل من ذبح آل فرعون الصبـيان وتركهم من القتل الصبـايا.
وإنـما قـيـل: وَيَسْتَـحْيُونَ نِسَاءَكُمْ إذ كان الصبـايا داخلات مع أمهاتهن, وأمهاتهن لا شك نساء فـي الاستـحياء, لأنهم لـم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبـارهن, فقـيـل: وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ يعنـي بذلك الوالدات والـمولودات كما يقال: قد أقبل الرجال وإن كان فـيهم صبـيان, فكذلك قوله: وَيَسْتَـحْيُونَ نِساءَكُمْ. وأما من الذكور فإنه لـما لـم يكن يذبح إلا الـمولودون قـيـل: يذبحون أبناءكم, ولـم يقل يذبحون رجالكم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ منْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ.
أما قوله: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ فإنه يعنـي: وفـي الذي فعلنا بكم من إنـجائنا إياكم مـما كنتـم فـيه من عذاب آل فرعون إياكم علـى ما وصفت بلاء لكم من ربكم عظيـم. ويعنـي بقوله بلاء: نعمة. كما:
633ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة.
634ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي قوله: وفـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ أما البلاء: فـالنعمة.
635ـ وحدثنا سفـيان, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد: وفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة من ربكم عظيـمة.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثل حديث سفـيان.
636ـ حدثنـي القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاح, عن ابن جريج: وَفِـي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبّكُمْ عَظِيـمٌ قال: نعمة عظيـمة.
وأصل البلاء فـي كلام العرب: الاختبـار والامتـحان, ثم يستعمل فـي الـخير والشرّ, لأن الامتـحان والاختبـار قد يكون بـالـخير كما يكون بـالشرّ, كما قال الله جل ثناؤه: وَبَلَوْناهُمْ بـالـحَسَناتِ وَالسّيّئات لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ يقول: اختبرناهم, وكما قال جل ذكره: وَنَبْلُوكُمْ بـالشّرّ والـخَيْرِ فِتْنَةً. ثم تسمي العرب الـخير بلاء والشرّ بلاء, غير أن الأكثر فـي الشرّ أن يقال: بلوته أبلوه بلاء, وفـي الـخير: أبلـيته أبلـيه إبلاءً وبلاءً ومن ذلك قول زهير بن أبـي سلـمى:
جَزَى اللّهُ بـالإحْسانِ ما فَعَلا بكُمْوأبلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الّذِي يَبْلُو
فجمع بـين اللغتـين لأنه أراد: فأنعم الله علـيهما خير النعم التـي يختبر بها عبـاده.
الآية : 50
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }
أما تأويـل قوله: وَإذْ فَرَقْنا بكُمُ فإنه عطف علـى: وَإذْ نَـجّيْناكُمْ بـمعنى: واذكروا نعمتـي التـي أنعمت علـيكم, واذكروا إذ نـجيناكم من آل فرعون, وإذ فرقنا بكم البحر. ومعنى قوله: فَرَقْنا بِكُمْ: فصلنا بكم البحر, لأنهم كانوا اثنـي عشر سبطا, ففرق البحر اثنـي عشر طريقا, فسلك كل سبط منهم طريقا منها. فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر, وفصله بهم بتفريقهم فـي طريق الاثنـي عشر. كما:
637ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما أتـى موسى البحر كناه أبـا خالد, وضربه فـانفلق فكان كل فرق كالطود العظيـم, فدخـلت بنو إسرائيـل, وكان فـي البحر اثنا عشر طريقا فـي كل طريق سبط.
وقد قال بعض نـحويـي البصرة: معنى قوله: وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فرقنا بـينكم وبـين الـماء: يريد بذلك: فصلنا بـينكم وبـينه وحجزناه حيث مررتـم به. وذلك خلاف ما فـي ظاهر التلاوة لأن الله جل ثناؤه إنـما أخبر أنه فرق البحر بـالقوم, ولـم يخبر أنه فرق بـين القوم وبـين البحر, فـيكون التأويـل ما قاله قائلوا هذه الـمقالة, وفرقه البحر بـالقوم, إنـما هو تفريقه البحر بهم علـى ما وصفنا من افتراق سبـيـله بهم علـى ما جاءت به الاَثار.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأنْـجَيْناكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ.
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون, ونَـجّى بنـي إسرائيـل؟ قـيـل له: كما:
638ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد, قال: لقد ذكر لـي أنه خرج فرعون فـي طلب موسى علـى سبعين ألفـا من دُهْم الـخيـل سوى ما فـي جنده من شُهْبِ الـخيـل وخرج موسى, حتـى إذا قابله البحر ولـم يكن له عنه منصرف, طلع فرعون فـي جنده من خـلفهم, فلـما تراءى الـجمعان قال أصحاب موسى إنّا لَـمُدْرَكُونَ قال موسى: كَلاّ إنّ مَعِي رَبـي سَيَهْدِينِ أي للنـجاة, وقد وعدنـي ذلك ولا خـلف لوعده.
639ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي ابن إسحاق, قال: أوحى الله إلـى البحر فـيـما ذكر إذا ضربك موسى بعصاه فـانفلقْ له, قال: فبـات البحر يضرب بعضه بعضا فَرَقا من الله وانتظار أمره, فأوحى الله جل وعزّ إلـى موسى: أنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فضربه بها وفـيها سلطان الله الذي أعطاه, فـانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـمِ أي كالـجبل علـى يبس من الأرض. يقول الله لـموسى: اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا فـي البَحْرِ يَبَسا لاَ تَـخافُ دَرَكا وَلا تَـخْشَى فلـما استقرّ له البحر علـى طريق قائمة يَبَسٍ سلك فـيه موسى ببنـي إسرائيـل, وأتبعه فرعون بجنوده.
762وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, عن مـحمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد اللـيثـي, قال: حدثت أنه لـما دخـل بنو إسرائيـل البحر, فلـم يبق منهم أحد, أقبل فرعون وهو علـى حصان له من الـخيـل حتـى وقـف علـى شفـير البحر, وهو قائم علـى حاله, فهاب الـحصان أن ينفذه فعرض له جبريـل علـى فرس أنثى وَدِيق, فقرّبها منه فشمها الفحل, فلـما شمها قدّمها, فتقدم معها الـحصان علـيه فرعون, فلـما رأى جند فرعون فرعونَ قد دخـل دخـلوا معه وجبريـل أمامه, وهم يتبعون فرعون وميكائيـل علـى فرس من خـلف القوم يسوقهم, يقول: الـحقوا بصاحبكم. حتـى إذا فصل جبريـل من البحر لـيس أمامه أحد, ووقـف ميكائيـل علـى ناحيته الأخرى ولـيس خـلفه أحد, طبق علـيهم البحر, ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله عزّ وجلّ وقدرته ما رأى وعرف ذلته وخذلته نفسه: آمَنْتُ أنّهُ لاَ إلَهَ إِلاّ الّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيـلَ وأنا مِنَ الـمُسْلِـمِينَ.
640ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن أبـي إسحاق الهمدانـي, عن عمرو بن ميـمون الأودي فـي قوله: وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْـجَيْنَاكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ قال: لـما خرج موسى ببنـي إسرائيـل بلغ ذلك فرعون, فقال: لا تتبعوهم حتـى يصيح الديك. قال: فوالله ما صاح لـيـلتئذ ديك حتـى أصبحوا فدعا بشاة فذبحت, ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتـى يجتـمع إلـيّ ستـمائة ألف من القبط. فلـم يفرغ من كبدها حتـى اجتـمع إلـيه ستـمائة ألف من القبط. ثم سار, فلـما أتـى موسى البحر, قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟ قال: أمامك يشير إلـى البحر. فأقحم يوشك فرسه فـي البحر حتـى بلغ الغمر, فذهب به ثم رجع, فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت ففعل ذلك ثلاث مرات, ثم أوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى: أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْر فـانْفَلَقَ فَكانَ كُل فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـم يقول: مثل جبل. قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون فـي طريقهم, حتـى إذا تتاموا فـيه أطبقه الله علـيهم, فلذلك قال: وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ قال معمر: قال قتادة: كان مع موسى ستـمائة ألف, وأتبعه فرعون علـى ألف ألف ومائة ألف حصان.
641ـ وحدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: أوحى الله جل وعز إلـى موسى أنْ أسْرِ بعِبـادِي لَـيْلاً إنّكُمْ مُتّبَعُونَ قال: فسرى موسى ببنـي إسرائيـل لـيلاً, فأتبعهم فرعون فـي ألف ألف حصان سوى الإناث وكان موسى فـي ستـمائة ألف, فلـما عاينهم فرعون قال: إنّ هؤلاءِ لِشَرْذِمَةٌ قَلِـيـلُونَ وإنّهُمْ لَنا لَغَائِظُونَ وإنّا لَـجَمِيعٌ حَذِرُونَ. فسرى موسى ببنـي إسرائيـل حتـى هجموا علـى البحر, فـالتفتوا فإذا هم برَهْج دوابّ فرعون فقالوا: يا موسى أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أنْ تأتِـيَنَا ومِن بعدِ ما جِئْتَنا هذا البحر أمامنا, وهذا فرعون قد رهقنا بـمن معه. قال عَسَى رَبّكُمْ أنْ يُهْلِكَ عَدُوّكُمْ وَيَسْتَـخْـلِفَكم فِـي الأرْضِ فَـيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البحر وأوحى إلـى البحر: أن اسمع لـموسى وأطع إذا ضربك. قال: فبـات البحر له أفكل يعنـي له رعدة لا يدرى من أيّ جوانبه يضربه, قال: فقال يوشع لـموسى: بـماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر. قال: فـاضربه قال: فضرب موسى البحر بعصاه, فـانفلق, فكان فـيه اثنا عشر طريقا, كل طريق كالطود العظيـم, فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فـيه. فلـما أخذوا فـي الطريق, قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لـموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم علـى طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتـى نراهم قال سفـيان, قال عمار الدهنـي: قال موسى: اللهمّ أعنـي علـى أخلاقهم السيئة. قال: فأوحى الله إلـيه: أن قل بعصاك هكذا وأومأ إبراهيـم بـيده يديرها علـى البحر قال موسى بعصاه علـى الـحيطان هكذا, فصار فـيها كُوًى ينظر بعضهم إلـى بعض, قال سفـيان: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس: فساروا حتـى خرجوا من البحر, فلـما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه, وكان فرعون علـى فرس أدهم ذَنُوب حصان. فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر, فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وَدِيق. فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها, وقـيـل لـموسى: اترك البحر رَهْوا قال: طرقا علـى حاله قال: ودخـل فرعون وقومه فـي البحر, فلـما دخـل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر علـى فرعون وقومه فأغرقوا.
642ـ حدثنا موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: أن الله أمر موسى أن يخرج ببنـي إسرائيـل, فقال: أسْرِ بِعِبَـادِي لَـيْلاً إنّكُمْ مُتَبّعُونَ فخرج موسى وهارون فـي قومهما, وأُلقـي علـى القبط الـموت فمات كل بكر رجل. فأصبحوا يدفنونهم, فشغلوا عن طلبهم حتـى طلعت الشمس, فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فأتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِـينَ فكان موسى علـى ساقة بنـي إسرائيـل, وكان هارون أمامهم يقدُمُهم. فقال الـمؤمن لـموسى: يا نبـيّ الله, أين أمرت؟ قال: البحر. فأراد أن يقتـحم, فمنعه موسى. وخرج موسى فـي ستـمائة ألف وعشرين ألف مقاتل, لا يعدّون ابنَ العشرين لصغره ولا ابن الستـين لكبره, وإنـما عدوّا ما بـين ذلك سوى الذرية. وتبعهم فرعون وعلـى مقدمته هامان فـي ألف ألف وسبعمائة ألف حصان لـيس فـيها ما ذبـانه, يعنـي الأنثى وذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فأرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ إنّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِـيـلُونَ يعنـي بنـي إسرائيـل. فتقدم هارون, فضرب البحر, فأبى البحر أن ينفتـح, وقال: من هذا الـجبـار الذي يضربنـي؟ حتـى أتاه موسى, فكناه أبـا خالد وضربه فـانفلق فكانَ كلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيـم يقول: كالـجبل العظيـم. فدخـلت بنو إسرائيـل. وكان فـي البحر اثنا عشر طريقا, فـي كل طريق سبط, وكانت الطرق انفلقت بجدران, فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا: فلـما رأى ذلك موسى, دعا الله, فجعلها لهم قناطر كهيئة الطّيقان. فنظر آخرهم إلـى أولهم, حتـى خرجوا جميعا. ثم دنا فرعون وأصحابه, فلـما نظر فرعون إلـى البحر منفلقا, قال: ألا ترون البحر فرق منـي قد انفتـح لـي حتـى أدرك أعدائي فأقتلهم؟ فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وأزْلَفْنا ثَمّ الاَخرِينَ يقول: قرّبنا ثم الاَخرين يعنـي آل فرعون. فلـما قام فرعون علـى أفواه الطرق أبت خيـله أن تقتـحم, فنزل جبريـل علـى ماذبـانه, فشامّ الـحصان ريح الـماذبـانه, فـاقتـحم فـي أثرها, حتـى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخـل آخرهم, أمر البحر أن يأخذهم, فـالتطم علـيهم.
643ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما أخذ علـيهم فرعون الأرض إلـى البحر قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخـلون البحر إن كانوا صادقـين. فلـما رآهم أصحاب موسى, قالوا: إنّا لَـمُدْرَكُونَ قال كَلاّ إنّ مَعِي رَبـي سَيَهْدِينِ فقال موسى للبحر: ألست تعلـم أنـي رسول الله؟ قال: بلـى. قال: وتعلـم أن هؤلاء عبـاد من عبـاد الله أمرنـي أن آتـي بهم؟ قال: بلـى. قال: أتعلـم أن هذا عدوّ الله؟ قال: بلـى. قال: فـانفرقْ لـي طريقا ولـمن معي. قال: يا موسى, إنـما أنا عبد مـملوك لـيس لـي أمر إلا أن يأمرنـي الله تعالـى. فأوحى الله عزّ وجل إلـى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فـانفرق, وأوحى إلـى موسى أن يضرب البحر, وقرأ قول الله تعالـى: فـاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا فـي البَحْرِ يَبَسا لاَ تَـخافُ دَرَكا وَلا تَـخْشَى وقرأ قوله: وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوا سَهَلاً لـيس فـيه تعدّ. فـانفرق اثنتـي عشرة فرقة, فسلك كل سبط فـي طريق. قال: فقالوا لفرعون: إنهم قد دخـلوا البحر. قال: ادخـلوا علـيهم, قال: وجبريـل فـي آخر بنـي إسرائيـل يقول لهم: لـيـلـحق آخركم أولكم. وفـي أول آل فرعون, يقول لهم: رويدا يـلـحق آخركم أولكم. فجعل كل سبط فـي البحر يقولون للسبط الذين دخـلوا قبلهم: قد هلكوا. فلـما دخـل ذلك قلوبهم, أوحى الله جلّ وعزّ إلـى البحر, فجعل لهم قناطر ينظر هؤلاء إلـى هؤلاء, حتـى إذا خرج آخر هؤلاء ودخـل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق علـى هؤلاء.
ويعنـي بقوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ أي تنظرون إلـى فَرْقِ الله لكم البحر وإهلاكه آل فرعون فـي الـموضع الذي نـجاكم فـيه, وإلـى عظيـم سلطانه فـي الذي أراكم من طاعة البحر إياه من مصيره رُكاما فَلِقا كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حدّه, انقـيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته, وهو سائل ذائب قبل ذلك. يوقـفهم بذلك جل ذكره علـى موضع حججه علـيهم, ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم, ويحذرهم فـي تكذيبهم نبـينا مـحمدا صلى الله عليه وسلم أن يحلّ بهم ما حلّ بفرعون وآله فـي تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.
وقد زعم بعض أهل العربـية أن معنى قوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ كمعنى قول القائل: «ضُربت وأهلك ينظرون, فما أتوك ولا أعانوك» بـمعنى: وهم قريب بـمرأى ومسمع, وكقول الله تعالـى: ألَـمْ تَرَ إلـى رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظّلّ ولـيس هناك رؤية, إنـما هو علـم. والذي دعاه إلـى هذا التأويـل أنه وجه قوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ: أي وأنتـم تنظرون إلـى غرق فرعون. فقال: قد كانوا فـي شغل من أن ينظروا مـما اكتنفهم من البحر إلـى فرعون وغرقه. ولـيس التأويـل الذي تأوله تأويـل الكلام, إنـما التأويـل: وأنتـم تنظرون إلـى فرق الله البحر لكم علـى ما قد وصفنا آنفـا, والتطام أمواج البحر بآل فرعون فـي الـموضع الذي صير لكم فـي البحر طريقا يبسا, وذلك كان لا شك نظر عيان لا نظر علـم كما ظنه قائل هذا القول الذي حكينا قوله.
|