|
قلم دائم التألق..
|
تفسير سورة البقرة ايه 51-52-53-54-55
الآية : 51
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ اتّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ }
اختلفت القراء فـي قراءة ذلك, فقرأ بعضهم: وَاعَدْنا بـمعنى أن الله تعالـى واعد موسى ملاقاة الطور لـمناجاته, فكانت الـمواعدة من الله لـموسى, ومن موسى لربه. وكان من حجتهم علـى اختـيارهم قراءة وَاعَدْنا علـى «وعدنا» أن قالوا: كل إيعاد كان بـين اثنـين للالتقاء أو الاجتـماع, فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك, فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ: واعدنا بـالاختـيار علـى قراءة من قرأ «وعدنا».
وقرأ بعضهم: «وعَدْنا» بـمعنى أن الله الواعد موسى, والـمنفرد بـالوعد دونه. وكان من حجتهم فـي اختـيارهم ذلك, أن قالوا: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, فأما الله جل ثناؤه فإنه الـمنفرد بـالوعد والوعيد فـي كل خير وشرّ. قالوا: وبذلك جاء التنزيـل فـي القرآن كله, فقال جل ثناؤه: إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الـحَقّ وقال: وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطّائِفَتَـيْنِ أنها لَكُمْ قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو الـمنفرد بـالوعد فـي قوله: «وإذْ وَعَدْنا مُوسَى».
والصواب عندنا فـي ذلك من القول, أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء, ولـيس فـي القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى, وإن كان فـي إحداهما زيادة معنى علـى الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة الـمفهوم بهما فهما متفقتان, وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بـموضع من الـمواضع, فمعلوم أن الـموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك الـمكان, مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفـاق منهما علـيه. ومعلوم أن موسى صلوات الله علـيه لـم يَعِدْه ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك, إذ كان موسى غير مشكوك فـيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا, وإلـى مـحبته فـيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالـى لـم يعد موسى ذلك إلا وموسى إلـيه مستـجيب. وإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن الله عزّ ذكره قد كان وعد موسى الطور, ووعده موسى اللقاء, وكان الله عزّ ذكره لـموسى واعدا ومواعدا له الـمناجاة علـى الطور, وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأيّ القراءتـين من «وعد» و«واعد» قرأ القارىء, فهو الـحقّ فـي ذلك من جهة التأويـل واللغة, مصيب لـما وصفنا من العلل قبل. ولا معنى لقول القائل: إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر, وأن الله بـالوعد والوعيد منفرد فـي كل خير وشرّ وذلك أن انفراد الله بـالوعد والوعيد فـي الثواب والعقاب والـخير والشرّ والنفع والضرّ الذي هو بـيده وإلـيه دون سائر خـلقه, لا يحيـل الكلام الـجاري بـين الناس فـي استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانـيه. والـجاري بـين الناس من الكلام الـمفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بـين اثنـين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بـينهما, وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد, وأن الوعد الذي يكون به الإنفراد من الواعد دون الـموعود إنـما هو ما كان بـمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: مُوسَى.
وموسى فـيـما بلغنا بـالقبطية كلـمتان, يعنـي بهما: ماء وشجر, فمو: هو الـماء, وسا: هو الشجر. وإنـما سُمي بذلك فـيـما بلغنا, لأن أمه لـما جعلته فـي التابوت حين خافت علـيه من فرعون وألقته فـي الـيـم كما أوحى الله إلـيها وقـيـل: إن الـيـم الذي ألقته فـيه هو النـيـل دفعته أمواج الـيـم, حتـى أدخـلته بـين أشجار عند بـيت فرعون, فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن, فوجدن التابوت, فأخذنه, فسُمي بـاسم الـمكان الذي أصيب فـيه. وكان ذلك الـمكان فـيه ماء وشجر, فقـيـل: موسى ماء وشجر: كذلك:
644ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, عن أسبـاط بن نصر, عن السدي.
وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب إسرائيـل الله بن إسحاق ذبـيح الله ابن إبراهيـم خـلـيـل الله, فـيـما زعم ابن إسحاق.
645ـ حدثنـي بذلك ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل عنه.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً.
ومعنى ذلك وَإذْ وَاعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً بتـمامها, فـالأربعون لـيـلة كلها داخـلة فـي الـميعاد.
وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن معناه: وإذْ واعدنا موسى انقضاء أربعين لـيـلة أي رأس الأربعين, ومثل ذلك بقوله: واسألِ القَرْيَةَ وبقولهم الـيوم أربعون منذ خرج فلان, والـيوم يومان, أي الـيوم تـمام يومين وتـمام أربعين. وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويـل وخلاف ظاهر التلاوة, فأما ظاهر التلاوة, فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين لـيـلة, فلـيس لأحد إحالة ظاهر خبره إلـى بـاطن بغير برهان دالّ علـى صحته. وأما أهل التأويـل فإنهم قالوا فـي ذلك ما أنا ذاكره, وهو ما:
646ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية قوله: وَإذْ وَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَـيْـلَةً قالَ: يعنـي ذا القعدة وعشرا من ذي الـحجة. وذلك حين خـلف موسى أصحابه, واستـخـلف علـيهم هارون, فمكث علـى الطور أربعين لـيـلة, وأنزل علـيه التوراة فـي الألواح, وكانت الألواح من زبرجد. فقرّبه الربّ إلـيه نـجيّا, وكلـمه, وسمع صريف القلـم. وبلغنا أنه لـم يحدث حدثا فـي الأربعين لـيـلة حتـى هبط من الطور.
وحدثت عن عمار بن الـحسن, حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, بنـحوه.
647ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة بن الفضل, عن ابن إسحاق, قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه, ونـجاه وقومه ثلاثـين لـيـلة, ثم أتـمها بعشر, فتـمّ ميقات ربه أربعين لـيـلة, تلقاه ربه فـيها بـما شاء. واستـخـلف موسى هارون علـى بنـي إسرائيـل, وقال: إنـي متعجل إلـى ربـي فـاخـلفنـي فـي قومي ولا تتبع سبـيـل الـمفسدين فخرج موسى إلـى ربه متعجلاً للقائه شوقا إلـيه, وأقام هارون فـي بنـي إسرائيـل ومعه السامريّ يسير بهم علـى أثر موسى لـيـلـحقهم به.
648ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط عن السدي, قال: انطلق موسى واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة وأتـمها الله بعشر.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأنْتُـمْ ظالِـمُونَ.
وتأويـل قوله: ثُمّ اتّـخَذْتُـمُ العجْلَ منْ بَعْدِهِ ثم اتـخذتـم فـي أيام مواعدة موسى العجل إلها من بعد أن فـارقكم موسى متوجها إلـى الـموعد. والهاء فـي قوله «من بعده» عائدة علـى ذكر موسى. فأخبر جل ثناؤه الـمخالفـين نبـينا صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل الـمكذّبـين به الـمخاطبـين بهذه الآية, عن فعل آبـائهم وأسلافهم وتكذيبهم رسلهم وخلافهم أنبـياءهم, مع تتابع نعمه علـيهم وسبوغ آلائه لديهم, معرّفهم بذلك أنهم من خلافهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به وجحودهم لرسالته, مع علـمهم بصدقه علـى مثل منهاج آبـائه وأسلافهم, ومـحذّرهم من نزول سطوته بهم بـمقامهم علـى ذلك من تكذيبهم ما نزل بأوائلهم الـمكذّبـين بـالرسل من الـمسخ واللعن وأنواع النقمات.
وكان سبب اتـخاذهم العجل ما:
649ـ حدثنـي به عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار الرمادي, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: لـما هجم فرعون علـى البحر هو وأصحابه, وكان فرعون علـى فرس أدهم ذنوب حصان فلـما هجم علـى البحر هاب الـحصان أن يقتـحم فـي البحر, فتـمثل له جبريـل علـى فرس أنثى وديق, فلـما رآها الـحصان تقحّم خـلفها. قال: وعرف السامريّ جبريـل لأن أمه حين خافت أن يذبح خـلفته فـي غار وأطبقت علـيه, فكان جبريـل يأتـيه فـيغذوه بأصابعه, فـيجد فـي بعض أصابعه لبنا, وفـي الأخرى عسلاً, وفـي الأخرى سمنا. فلـم يزل يغذوه حتـى نشأ, فلـما عاينه فـي البحر عرفه, فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تـحت الـحافر قبضة. قال سفـيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: «فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول». قال أبو سعيد, قال عكرمة, عن ابن عبـاس: وألقـي فـي رُوع السامري أنك لا تلقـيها علـى شيء فتقول كن كذا وكذا إلا كان. فلـم تزل القبضة معه فـي يده حتـى جاوز البحر. فلـما جاوز موسى وبنو إسرائيـل البحر, وأغرق الله آل فرعون, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ ومضى موسى لـموعد ربه. قال: وكان مع بنـي إسرائيـل حلـيّ من حلـيّ آل فرعون قد تعوّروه, فكأنهم تأثموا منه, فأخرجوه لتنزل النار فتأكله, فلـما جمعوه, قال السامريّ بـالقبضة التـي كانت فـي يده هكذا, فقذفها فـيه وأومأ ابن إسحاق بـيده هكذا وقال: كن عجلاً جسدا له خوار فصار عجلاً جسدا له خوار. وكان يدخـل الريح فـي دبره ويخرج من فـيه يسمع له صوت, فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا علـى العجل يعبدونه, فقال هارون: يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وإنّ رَبّكُمْ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَـيْهِ عاكِفـينَ حتـى يَرْجَعَ إلَـيْنَا مُوسَى.
650ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط بن نصر, عن السدي: لـما أمر الله موسى أن يخرج ببنـي إسرائيـل يعنـي من أرض مصر أمر موسى بنـي إسرائيـل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الـحلـيّ من القبط. فلـما نـجّى الله موسى ومن معه من بنـي إسرائيـل من البحر, وغرق آل فرعون, أتـى جبريـل إلـى موسى يذهب به إلـى الله, فأقبل علـى فرس فرآه السامري, فأنكره, وقال: إنه فرس الـحياة. فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الـحافر حافر الفرس. فـانطلق موسى, واستـخـلف هارون علـى بنـي إسرائيـل, وواعدهم ثلاثـين لـيـلة, وأتـمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إن الغنـيـمة لا تـحل لكم, وإن حلـيّ القبط إنـما هو غنـيـمة, فـاجمعوها جميعا, واحفروا لها حفرة فـادفنوها, فإن جاء موسى فأحلها أخذتـموها, وإلا كان شيئا لـم تأكلوه. فجمعوا ذلك الـحلـيّ فـي تلك الـحفرة, وجاء السامريّ بتلك القبضة, فقذفها, فأخرج الله من الـحلـيّ عجلاً جسدا له خوار. وعدّت بنو إسرائيـل موعد موسى, فعدّوا اللـيـلة يوما والـيوم يوما, فلـما كان تـمام العشرين خرج لهم العجل فلـما رأوه قال لهم السامري: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا علـيه يعبدونه. وكان يخور ويـمشي, فقال لهم هارون: يا بنـي إسرائيـل إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ يقول: إنـما ابتلـيتـم به يقول: بـالعجل وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بنـي إسرائيـل لا يقاتلونهم. وانطلق موسى إلـى إلهه يكلـمه, فلـما كلـمه قال له: وما أعجلَكَ عَنْ قَوْمكَ يا موسَى قالَ هُمْ أُولاءِ علـى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَـيْكَ رَبـي لِتَرْضَى قال فإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ منْ بَعْدِكَ وأضَلّهُمُ السّامِري فأخبره خبرهم. قال موسى: يا ربّ هذا السامري أمرهم أن يتـخذوا العجل, أرأيت الروح من نفخها فـيه؟ قال الرب: أنا. قال: ربّ أنت إذا أضللتهم.
651ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق, قال: كان فـيـما ذكر لـي أن موسى قال لبنـي إسرائيـل فـيـما أمره الله عزّ وجلّ به: استعيروا منهم يعنـي من آل فرعون الأمتعة والـحلـيّ والثـياب, فإنـي منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلـما أذن فرعون فـي الناس, كان مـما يحرّض به علـى بنـي إسرائيـل أن قال: حين سار ولـم يرضوا أن يخرجوا بأنفسهم حتـى ذهبوا بأموالكم معهم.
652ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق, عن حكيـم بن جبـير, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, قال: كان السامري رجلاً من أهل بـاجَرْما, وكان من قوم يعبدون البقر, وكان حبّ عبـادة البقر فـي نفسه, وكان قد أظهر الإسلام فـي بنـي إسرائيـل. فلـما فضل هارون فـي بنـي إسرائيـل وفضل موسى إلـى ربه, قال لهم هارون: أنتـم قد حملتـم أوزارا من زينة القوم آل فرعون وأمتعة وحلـيّا, فتطهروا منها, فإنها نـجس. وأوقد لهم نارا, فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فـيها قالوا: نعم. فجعلوا يأتون بـما كان معهم من تلك الأمتعة وذلك الـحلـيّ, فـيقذفون به فـيها, حتـى إذا تكسر الـحلـيّ فـيها ورأى السامريّ أثر فرس جبريـل أخذ ترابـا من أثر حافره, ثم أقبل إلـى النار فقال لهارون: يا نبـيّ الله ألقـي ما فـي يدي؟ قال: نعم. ولا يظنّ هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الـحلـيّ والأمتعة. فقذفه فـيها فقال: كن عجلاً جسدا له خوار فكان للبلاء والفتنة, فقال: هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فعكفوا علـيه, وأحبوه حبـا لـم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: فَنَسِيَ أي ترك ما كان علـيه من الإسلام, يعنـي السامري, أفَلا يَرَوْنَ أنْ لا يَرْجعُ إلَـيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَـمْلِكُ لَهُمْ ضَرّا وَلا نَفْعا وكان اسم السامري موسى بن ظفر, وقع فـي أرض مصر, فدخـل فـي بنـي إسرائيـل. فلـما رأى هارون ما وقعوا فـيه: قالَ يا قَوْمِ إنّـمَا فُتِنْتُـمْ بِهِ وَإنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فـاتّبِعُونِـي وأطِيعُوا أمْرِي قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَـيْهِ عَاكِفِـينَ حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى فأقام هارون فـيـمن معه من الـمسلـمين مـمن لـم يفتتن, وأقام من يعبد العجل علـى عبـادة العجل. وتـخوّف هارون إن سار بـمن معه من الـمسلـمين أن يقول له موسى: فَرّقْتَ بَـيْنَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَلَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي وكان له هائبـا مطيعا.
653ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما أنـجى الله عز وجل بنـي إسرائيـل من فرعون, وأغرق فرعون ومن معه, قال موسى لأخيه هارون: اخْـلُفْنِـي فِـي قَوْمِي وأصْلِـحْ وَلا تَتّبِعْ سَبِـيـلَ الـمُفْسِدِينَ قال: لـما خرج موسى وأمر هارون بـما أمره به, وخرج موسى متعجلاً مسرورا إلـى الله. قد عرف موسى أن الـمرء إذا نـجح فـي حاجة سيده كان يسرّه أن يتعجل إلـيه. قال: وكان حين خرجوا استعاروا حلـيا وثـيابـا من آل فرعون, فقال لهم هارون: إن هذه الثـياب والـحلـيّ لا تـحلّ لكم, فـاجمعوا نارا, فألقوه فـيها فأحرقوه قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلـى أثر دابة جبريـل, وكان جبريـل علـى فرس أنثى, وكان السامري فـي قوم موسى. قال: فنظر إلـى أثره فقبض منه قبضة, فـيبست علـيها يده فلـما ألقـى قوم موسى الـحلـيّ فـي النار, وألقـى السامري معهم القبضة, صوّر الله جل وعز ذلك لهم عجلاً ذهبـا, فدخـلته الريح, فكان له خوارٌ, فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الـخبـيث: هذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ... الآية, إلـى قوله: حتـى يَرْجِعَ إلَـيْنَا مُوسَى قال: حتـى إذا أتـى موسى الـموعد, قال الله: ما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسَى قالَ هُمْ أُولاَءِ علـى أثَرِي فقرأ حتـى بلغ: أفَطالَ عَلَـيْكُمُ العَهْدُ.
654ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد فـي قوله: ثمّ اتّـخَذْتُـمْ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قال: العجل حَسِيـل البقرة. قال: حلـيّ استعاروه من آل فرعون, فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريـل, فطرحه فـيه فـانسبك, وكان له كالـجوف تهوي فـيه الرياح.
655ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية, قال: إنـما سمي العجل, لأنهم عَجِلُوا فـاتـخذوه قبل أن يأتـيهم موسى.
حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنـي عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد بنـحو حديث القاسم, عن الـحسن.
حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, بنـحوه.
وتأويـل قوله وأنْتُـمْ ظالِـمُونَ يعنـي وأنتـم واضعوا العبـادة فـي غير موضعها لأن العبـادة لا تنبغي إلا لله عز وجل وعبدتـم أنتـم العجل ظلـما منكم ووضعا للعبـادة فـي غير موضعها. وقد دللنا فـي غير هذا الـموضع مـما مضى من كتابنا أن أصل كل ظلـم وضع الشيء فـي غير موضعه, فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.
الآية : 52
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{ثُمّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ }
وتأويـل قوله: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلكَ يقول: تركنا معاجلتكم بـالعقوبة من بعد ذلك, أي من بعد اتـخاذكم العجل إلها. كما:
656ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم العسقلانـي, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: ثُمّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ يعنـي من بعد ما اتـخذتـم العجل.
وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ فإنه يعنـي به: لتشكروا. ومعنى «لعل» فـي هذا الـموضع معنى «كي», وقد بـينت فـيـما مضى قبل أن أحد معانـي «لعل» «كي» بـما فـيه الكفـاية عن إعادته فـي هذا الـموضع. فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتـخاذكم العجل إلها لتشكرونـي علـى عفوي عنكم, إذ كان العفو يوجب الشكر علـى أهل اللبّ والعقل.
الآية : 53
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ }
يعنـي بقوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى الكتاب والفرقان. ويعنـي بـالكتاب: التوراة, وبـالفرقان: الفصل بـين الـحقّ والبـاطل. كما:
657ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا آدم قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, فـي قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ والفُرْقانَ قال: فرق به بـين الـحقّ والبـاطل.
658ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقانَ قال: الكتاب: هو الفرقان, فرقان بـين الـحق والبـاطل.
حدثنـي الـمثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد مثله.
وحدثنـي القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد قوله: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ وَالفُرْقان قال: الكتاب: هو الفرقان, فرق بـين الـحقّ والبـاطل.
659ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, قال: وقال ابن عبـاس: الفرقان: جماع اسم التوراة والإنـجيـل والزبور والفرقان.
وقال ابن زيد فـي ذلك بـما:
660ـ حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألته, يعنـي ابن زيد, عن قول الله عز وجل: وَإذْ آتَـيْنَا مُوسى الكتابَ والفُرْقانَ فقال: أما الفرقان الذي قال الله جل وعز: يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَـى الـجَمْعانِ فذلك يوم بدر, يوم فرق الله بـين الـحق والبـاطل, والقضاءُ الذي فرق به بـين الـحق والبـاطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان, فرق الله بـينهم, وسلـمه الله وأنـجاه فرق بـينهم بـالنصر, فكما جعل الله ذلك بـين مـحمد والـمشركين, فكذلك جعله بـين موسى وفرعون.
قال أبو جعفر: وأولـى هذين التأويـلـين بتأويـل الآية ما رُوي عن ابن عبـاس وأبـي العالـية ومـجاهد, من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى فـي هذا الـموضع هو الكتاب الذي فرق به بـين الـحقّ والبـاطل, وهو نعت للتوراة وصفة لها. فـيكون تأويـل الآية حينئذ: وإذ آتـينا موسى التوراة التـي كتبناها له فـي الألواح, وفرقنا بها بـين الـحقّ والبـاطل. فـيكون الكتاب نعتا للتوراة أقـيـم مقامها استغناءً به عن ذكر التوراة, ثم عطف علـيه بـالفرقان, إذ كان من نعتها. وقد بـينا معنى الكتاب فـيـما مضى من كتابنا هذا, وأنه بـمعنى الـمكتوب. وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالآية وإن كان مـحتـملاً غيره من التأويـل, لأن الذي قبله ذكر الكتاب, وأن معنى الفرقان الفصل, وقد دللنا علـى ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا, فإلـحاقه إذ كان كذلك بصفة ما ولـيه أَوْلـى من إلـحاقه بصفة ما بعد منه.
وأما تأويـل قوله: لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ فنظير تأويـل قوله تعالـى: لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ومعناه لتهتدوا. وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتـينا موسى التوراة التـي تفرق بـين الـحقّ والبـاطل لتهتدوا بها وتتبعوا الـحقّ الذي فـيها لأنـي جعلتها كذلك هدى لـمن اهتدى بها واتبع ما فـيها.
الآية : 54
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوَاْ إِلَىَ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ }
وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بنـي إسرائيـل: يا قوم إنكم ظلـمتـم أنفسكم. وظلـمهم إياها كان فعلهم بها ما لـم يكن لهم أن يفعلوه بها مـما أوجب لهم العقوبة من الله تعالـى, وكذلك كل فـاعل فعلاً يستوجب به العقوبة من الله تعالـى فهو ظالـم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالـى. وكان الفعل الذي فعلوه فظلـموا به أنفسهم, هو ما أخبر الله عنهم من ارتدادهم بـاتـخاذهم العجل ربـا بعد فراق موسى إياهم, ثم أمرهم موسى بـالـمراجعة من ذنبهم والإنابة إلـى الله من ردّتهم بـالتوبة إلـيه, والتسلـيـم لطاعته فـيـما أمرهم به وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معنى التوبة: الأوبة مـما يكرهه الله إلـى ما يرضاه من طاعته. فـاستـجاب القوم لـما أمرهم به موسى من التوبة مـما ركبوا من ذنوبهم إلـى ربهم علـى ما أمرهم به. كما:
661ـ حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبـي إسحاق, عن أبـي عبد الرحمن, أنه قال فـي هذه الآية: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: عمدوا إلـى الـخناجر, فجعل يطعن بعضهم بعضا.
662ـ حدثنـي عبـاس بن مـحمد, قال: حدثنا حجاج بن مـحمد, قال ابن جريج, أخبرنـي القاسم بن أبـي بزة أنه سمع سعيد بن جبـير ومـجاهدا قالا: قام بعضهم إلـى بعض بـالـخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحنّ رجل علـى رجل قريب ولا بعيد, حتـى ألوى موسى بثوبه, فطرحوا ما بأيديهم, فتكشف عن سبعين ألف قتـيـل, وإن الله أوحى إلـى موسى أن حسبـي قد اكتفـيت, فذلك حين ألوى بثوبه.
663ـ حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيـم بن بشار, قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة, قال: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عبـاس, قال: قال موسى لقومه: تُوبُوا إلـى بـارِئكُمْ فَـاقْتُلُوا أنفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بـارِئِكُمْ فتَابَ علَـيكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عزّ وجلّ أن يقتلوا أنفسهم, قال: فـاختبأ الذين عكفوا علـى العجل فجلسوا, وقام الذين لـم يعكفوا علـى العجل وأخذوا الـخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلـمة شديدة, فجعل يقتل بعضهم بعضا. فـانـجلت الظلـمة عنهم, وقد أجْلَوْا عن سبعين ألف قتـيـل, كل من قتل منهم كانت له توبة, وكل من بقـي كانت له توبة.
664ـ وحدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه قال يا قَوْمِ ألـمْ يَعِدْكُمْ رَبكُمْ وعْدا حَسَنا إلـى قوله: فَكَذَلِكَ ألْقَـى السّامِرِيّ فألْقَـى مُوسَى الألْوَاحَ وأخَذَ برأسِ أخيهِ يَجُرّهُ إلَـيْهِ قالَ يا ابْنَ أُمّ لا تأخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي إنـي خَشِيتُ أنْ تَقُول فَرّقْت بـينَ بَنِـي إسْرائِيـلَ ولَـمْ تَرْقُبْ قَوْلِـي فترك هارون ومال إلـى السامري, فقال ما خَطْبُكَ يا سامِرِيّ إلـى قوله: ثُمّ لَنَنْسِفَنّهُ فـي الـيَـمّ نَسْفـا. ثم أخذه فذبحه, ثم حرّقه بـالـمبرد, ثم ذراه فـي الـيـم, فلـم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فـيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا, فمن كان يحبه خرج علـى شاربـيه الذهب, فذلك حين يقول: واشْرِبُوا فـي قُلُوبِهِمْ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ. فلـما سقط فـي أيدي بنـي إسرائيـل حين جاء موسى, وَرَأوْا أنهُمْ قَدْ ضَلّوا قالُوا لَئِنْ لـمْ يَرْحَمْنا ربّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنّ مِن الـخاسِرِينَ فأبى الله أن يقبل توبة بنـي إسرائيـل إلا بـالـحال التـي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل, فقال لهم موسى: يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فـاقْتُلوا أنْفُسَكُمْ قال: فصفوا صفّـين ثم اجتلدوا بـالسيوف. فـاجتلد الذين عبدوه والذين لـم يعبدوه بـالسيوف, فكان من قتل من الفريقـين شهيدا, حتـى كثر القتل حتـى كادوا أن يهلكوا حتـى قتل بـينهم سبعون ألفـا, وحتـى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيـل, ربنا البقـية البقـية فأمرهم أن يضعوا السلاح, وتاب علـيهم. فكان من قتل شهيدا, ومن بقـي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُو التّوّابُ الرحِيـمُ.
665ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: بـاتّـخَاذِكُمُ العِجْلَ قال: كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضا بـالـخناجر, فجعل الرجل يقتل أبـاه ويقتل ولده, فتاب الله علـيهم.
666ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية فـي قوله: وإذْ قال مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ الآية. قال: فصاروا صفـين, فجعل يقتل بعضهم بعضا, فبلغ القتلـى ما شاء الله, ثم قـيـل لهم: قد تـيب علـى القاتل والـمقتول.
667ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: حدثنـي اللـيث, قال: حدثنـي عقـيـل, عن ابن شهاب, قال: لـما أمرت بنو إسرائيـل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى, فتضاربوا بـالسيوف, وتطاعنوا بـالـخناجر, وموسى رافع يديه. حتـى إذا فتر أتاه بعضهم قالوا: يا نبـيّ الله ادع الله لنا وأخذوا بعضديه يشدّون يديه, فلـم يزل أمرهم علـى ذلك حتـى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض, فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيـل للذي كان من القتل فـيهم, فأوحى الله جل ثناؤه إلـى موسى: لا يحزنك, أما من قتل منكم فحيّ عندي يرزق, وأما من بقـي فقد قبلت توبته. فسرّ بذلك موسى وبنو إسرائيـل.
668ـ حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهري وقتادة فـي قوله: فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ قال: قاموا صفـين فقتل بعضهم بعضا حتـى قـيـل لهم كفوا. قال قتادة: كانت شهادة للـمقتول وتوبة للـحيّ.
669ـ حدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال لـي عطاء: سمعت عبـيد بن عمير يقول: قام بعضهم إلـى بعض يقتل بعضهم بعضا, ما يتوقـى الرجل أخاه ولا أبـاه ولا ابنه ولا أحدا حتـى نزلت التوبة.
قال ابن جريج, وقال ابن عبـاس: بلغ قتلاهم سبعين ألفـا, ثم رفع الله عزّ وجل عنهم القتل, وتاب علـيهم. قال ابن جريج: قاموا صفـين, فـاقتتلوا بـينهم, فجعل الله القتل لـمن قتل منهم شهادة, وكانت توبة لـمن بقـي. وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علـم أن ناسا منهم علـموا أن العجل بـاطل فلـم يـمنعهم أن ينكروا علـيهم إلا مخافة القتال, فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا.
670ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: لـما رجع موسى إلـى قومه, وأحرق العجل وذراه فـي الـيـم خرج إلـى ربه بـمن اختار من قومه, فأخذتهم الصاعقة, ثم بعثوا. سأل موسى ربه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل, فقال: لا, إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغنـي أنهم قالوا لـموسى: نصبر لأمر الله, فأمر موسى من لـم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده, فجلسوا بـالأفنـية وأصلت علـيهم القوم السيوف, فجعلوا يقتلونهم, وبكى موسى وبَهَش إلـيه النساء والصبـيان يطلبون العفو عنهم, فتاب علـيهم وعفـا عنهم, وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
671ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: لـما رجع موسى إلـى قومه, وكانوا سبعون رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لـم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلـى موعد ربكم, فقالوا: يا موسى أما من توبة؟ قال: بلـى فـاقْتُلُوا أنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ حَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فَتابَ عَلَـيْكُمْ الآية.... فـاخترطوا السيوف والـجِرَزة والـخناجر والسكاكين. قال: وبعث علـيهم ضبـابة, قال: فجعلوا يتلامسون بـالأيدي, ويقتل بعضهم بعضا. قال: ويـلقـى الرجل أبـاه وأخاه فـيقتله ولا يدري, ويتنادون فـيها: رحم الله عبدا صبر حتـى يبلغ الله رضاه. وقرأ قول الله جل ثناؤه: وآتَـيْناهُمْ مِنَ الاَياتِ ما فِـيهِ بَلاءٌ مُبِـينٌ. قال: فقتلاهم شهداء, وتـيب علـى أحيائهم. وقرأ: فَتابَ عَلَـيْكُمْ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـم.
فـالذي ذكرنا عمن روينا عنه الأخبـار التـي رويناها كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فـيـما بـينهم وبـين ربهم بعبـادتهم العجل مع ندمهم علـى ما سلف منهم من ذلك.
وأما معنى قوله: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي به: ارجعوا إلـى طاعة خالقكم وإلـى ما يرضيه عنكم. كما:
672ـ حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربـيع, عن أبـي العالـية: فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ أي إلـى خالقكم. وهو من برأ الله الـخـلق يبرؤه فهو بـارىء. والبريّة: الـخـلق, وهي فعيـلة بـمعنى مفعولة, غير أنها لا تهمز كما لا يهمز ملك, وهو من «لأك», لكنه جرى بترك الهمزة, كذلك قال نابغة بنـي ذبـيان:
إلاّ سُلَـيْـمانَ إذْ قالَ الـمَلِـيكُ لَهُقُمْ فـي البَرِيّةِ فـاحْدُدْها عَنِ الفَندِ
وقد قـيـل: إن البرية إنـما لـم تهمز لأنها فعيـلة من البَرَى, والبَرَى: التراب. فكأن تأويـله علـى قول من تأوله كذلك أنه مخـلوق من التراب. وقال بعضهم: إنـما أخذت البرية من قولك بريت العود, فلذلك لـم يهمز.
قال أبو جعفر: وترك الهمز من بـارئكم جائز, والإبدال منها جائز, فإذ كان ذلك جائزا فـي بـاريكم فغير مستنكر أن تكون البرية من برى الله الـخـلق بترك الهمزة.
وأما قوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بـارِئِكُمْ فإنه يعنـي بذلك توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم خير لكم عند بـارئكم لأنكم تنـجون بذلك من عقاب الله فـي الاَخرة علـى ذنبكم, وتستوجبون به الثواب منه. وقوله: فتَاب عَلَـيْكُمْ أي بـما فعلتـم مـما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من الـمـحذوف الذي استغنـي بـالظاهر منه عن الـمتروك, لأن معنى الكلام: فتوبوا إلـى بـارئكم, فـاقتلوا أنفسكم, ذلكم خير لكم عند بـارئكم, فتبتـم فتاب علـيكم. فترك ذكر قوله «فتبتـم» إذْ كان فـي قوله: فتَابَ عَلَـيْكُمْ دلالة بـينة علـى اقتضاء الكلام فتبتـم. ويعنـي بقوله: فَتابَ عَلَـيْكُمْ رجع لكم ربكم إلـى ما أحببتـم من العفو عن ذنوبكم, وعظيـم ما ركبتـم, والصفح عن جرمكم إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيـمُ يعنـي الراجع لـمن أناب إلـيه بطاعته إلـى ما يحبّ من العفو عنه. ويعنـي بـالرحيـم: العائد إلـيه برحمته الـمنـجية من عقوبته.
الآية : 55
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىَ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّىَ نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }
وتأويـل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتـم: يا موسى لن نصدّقك ولن نقرّ بـما جئتنا به حتـى نرى الله جهرة عيانا, برفع الساتر بـيننا وبـينه, وكشف الغطاء دوننا ودونه حتـى ننظر إلـيه بأبصارنا, كما تُـجهر الركِيّة, وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين, فنفـى ما قد غطاه حتـى ظهر الـماء وصَفَـا, يقال منه: قد جهرت الركية أجهرها جهرا وجهرة ولذلك قـيـل: قد جهر فلان بهذا الأمر مـجاهرة وجهارا: إذا أظهره لرأي العين وأعلنه, كما قال الفرزدق بن غالب:
من اللاّئي يَضِلّ الألفُ منْهُمِسَحّا مِنْ مَخافَتِهِ جِهارا
673ـ وكما حدثنا به القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنـي حجاج, عن ابن جريج, قال: قال ابن عبـاس: حتـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً قال: علانـية.
674ـ وحدثت, عن عمارة بن الـحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه عن الربـيع: حتّـى نَرى اللّهَ جَهْرَةً يقول: عيانا.
675ـ وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: حتـى يطلع إلـينا.
676ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: حتّـى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً: أي عيانا.
فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبـائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبـيائهم, مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعزّ وعِبَره ما تثلـج بأقلها الصدور, وتطمئنّ بـالتصديق معها النفوس وذلك مع تتابع الـحجج علـيه, وسبوغ النعم من الله لديهم. وهم مع ذلك مرّة يسألون نبـيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله, ومرة يقولون لا نصدقك حتـى نرى الله جهرة, وأخرى يقولون له إذا دعوا إلـى القتال: فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ ومرة يقال لهم: قُولُوا حِطّة وادْخُـلُوا البـابَ سُجّدا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَاياكُمْ فـيقولون: حنطة فـي شعيرة, ويدخـلون البـاب من قبل أستاههم, مع غير ذلك من أفعالهم التـي آذوا بها نبـيهم علـيه السلام التـي يكثر إحصاؤها. فأعلـم ربنا تبـارك وتعالـى ذكره الذين خاطبهم بهذه الاَيات من يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمدا صلى الله عليه وسلم, وجحودهم نبوّته, وتركهم الإقرار به وبـما جاء به, مع علـمهم به ومعرفتهم بحقـيقة أمره كأسلافهم وآبـائهم الذين فصل علـيهم قصصهم فـي ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى, وتوثبهم علـى نبـيهم موسى صلوات الله وسلامه علـيه تارة بعد أخرى, مع عظيـم بلاء الله جل وعزّ عندهم وسبوغ آلائه علـيهم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ.
اختلف أهل التأويـل فـي صفة الصاعقة التـي أخذتهم. فقال بعضهم بـما:
677ـ حدثنا به الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: ماتوا.
678ـ وحدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ قال: سمعوا صوتا فصعقوا. يقول: فماتوا. وقال آخرون: بـما:
679ـ حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: فأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ والصاعقة: نار.
وقال آخرون بـما:
680ـ حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, قال: أخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعا. وأصل الصاعقة: كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه حتـى يصير من هوله وعظيـم شأنه إلـى هلاك وعطب, وإلـى ذهاب عقل وغُمور فهم, أو فقد بعض آلات الـجسم, صوتا كان ذلك, أو نارا, أو زلزلة, أو رَجْفـا. ومـما يدل علـى أنه قد يكون مصعوقا وهو حيّ غير ميت, قول الله عزّ وجل: وَخَرّ مُوسَى صَعِقا يعنـي مغشيّا علـيه. ومنه قول جرير بن عطية:
وهَلْ كان الفَرَزْذَقُ غَيْرَ قِرْدٍأصَابَتْهُ الصّواعِقُ فـاسْتَدَارَا
فقد علـم أن موسى لـم يكن حين غشي علـيه وصعق ميتا لأن الله جل وعزّ أخبر عنه أنه لـما أفـاق قال: تُبْتُ إلـيك ولا شبه جرير الفرزدق وهو حيّ بـالقرد ميتا, ولكن معنى ذلك ما وصفنا.
ويعنـي بقوله: وأنْتُـمْ تَنْظُرُونَ: وأنتـم تنظرون إلـى الصاعقة التـي أصابتكم, يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتـم تنظرون إلـيها.
|