|
سلوى والكابوس
فى الماضى البعيد حيث أشجار النيم الحالمة الظليلة والمياه العذبة الصافـية والنسـيم العـليل المتكسر فى صدور الحِـسان وهفهفة نهر ( القاش ) الخليع الذى يُلقى بنفسه بين أحضان السواقى والتلال ولا يبالى بالصقيع وأنات الحمام ، ولهفة الجبل الصريحة للجميع ، وبكاء طنبور ٍ شهيد تمزقت فيه الوعود ، والسحب المبطنة بالعبير وبالبخور تحنو على أرض الجمال البكر والألحان غالية الشعـور ( كسلا ) المتعددة الأعـراق والقبائل والنظرات أيضاً ، ذات التاريخ المتحسر والمستقبل المبهم كمستقبل كل السودان .
هناك رجل ذو هيئة تدل على صفو السريرة تدرك ذلك عندما يرد عليك السلام بكل وقار ويدعم ذلك بآيات من القران الكريم بصوت جهوري عال ، ويحبب لك الوقوف معه لتبادل القفشات والنكات وإبتسامته لا تفارق فمه و ( السَّـفـَّة ) فى شفته العليا ولا أدرى سبباً لذلك فبعض الناس لا تعجبهم ( السَّـفـَّة ) فى الشفة السفلى ربما لأنها موضة قديمة وتظهر الشخص كالأهبل أو العوير أمام النساء والفتيات ، وصاحبنا هذا تراه فى أوقات ٍ أخرى متجهم الوجه والقلب واللسان وعندما يكون فى حالته تلك يسلـّم عليك بعنف ٍ حتى تشعـر أن يدك قد خـُلعـت من قاعدتها الكتفية وعندما يربتْ ( يطبطب ) على ظهرك بيديه الغليظتين تحس أن سياط عُـرس ( جعلي ) قد مزقـت جلدك ونفذت الى الشرايين ، وعندما يتحدث إليك تشعر أن هذا الشخص صغير العقل قليل الأدب وهاتان الصفتان إذا توفرتا فى شخص ٍ واحد ٍ ( أدعوا له بالرحمة ) وإستعيذوا منه ومن الشيطان الرجيم .
قيل أن الحجاج خطب فى قوم ٍ فقال لهم أحمدوا الله ، فمنذ أن أصبحت والياً عليكم أذهب الله عنكم الطاعـون
فرد عليه أحد الجلوس قائلاً :
إن الله أرحم من أن يجمعك أنت والطاعـون علينا .
كنت عندما أرى ذلك الشخص متوقفاً أمام منزله الناصية فى الحى أتحاشى أن أمر بالقرب منه لا كُرهاً فيه ولا خوفاً أو شماته ، إنما رثاءاً عليه فقد كنت أشعر أنه مريض أو بالأحرى ( مجنون ) وكيف لا وهو أحيانا يمسك بحجر ويلقيه على إمرأة ٍ مارة ٍ من أمامه وعندما تلتفت إليه مذعـورة يقول لها :
عفواً ( معليش)
كنت أظنك جارتنا ( خديجة)
فتمضى المرأة فى طريقها محتارة وعندما يراها كذلك يوجه لها سؤالا آخر فيه كثير من التحدى:
( مالِكْ ... ما عاجبـِكْ )
( ليه بتعاينى لى كده ؟ )
فالعاقل فى تلك اللحظة من لا يرد أو يرد فى هدوء ومسكنة بـ :
( لا لا .. خلاص .. معليش يا خوى )
( مافى حاجه )
وإذا كان هذا ردك تجنباً له ولغضبه ، يرد هو فى عـنف ٍ أشد والشرر يتطاير منه :
( معليش شنو ... إنتى قايلانى مجنون ولاشنو .. )
( أنا أنصحْ من أبوكْ )
وهنا فقط يدرك الشخص أن هذا الرجل مجنون بالفعل والقول والعين فيحمد الله على السلامة .
وأحياناً أخرى تراه يملأ سطلاً بالتراب ويسكبه على المياه الراكدة على الطريق فى فصل الخريف ويتحدث مع نفسه بصوت عال :
( بالله شوف ديل كمان ... ما لقيتو ليكم محل ترقدوا فيو إلا قدام بيتى ؟ قوموا من هنا ... يلعن أبوك إنتا وهى )
وخطابه هذا موجه لبعـض من الماعـز والأغنام التى إستظلت أمام منزله ( فيسمعه كل متوقف ٍ أو مار ٍ على الطريق ويخرج بعض الجيران لمشاهدة هذه المعارك الشبه يومية مع المارة والحيوانات ويتوقف بعـض أصحاب السيارات الخاصة والعامة ( للخبرنه )
وفى يوم ٍ آخر تراه صائحاً بصوته الجهوري الأجش بأن هناك ضفادع غير شرعية ( أولاد حرام يعنى ) تزعج كلاب الحى !
ومنها كلبه بالطبع ، ويجب وقفها عند حدها :
( لأنو زى ديل الذوق ما بينفع معاهم )
وعندما لا يجد من يشتمه يقف فى قارعة الطريق ويسأل كل من يمر به فى إستنكار ٍ وتهديد ٍ شديدين :
هل أنا قبيح ( أنا شين ) ؟
وترى الزبد يخرج من فمه ، والنار تفور من عينيه وأنفه ، وأنفاسه المتسارعة تلفح وجهك فتضطر الى أن تجيب بالنفى خوفاً على نفسك من هذا المارد الغاضب .
وفى يوم ما خرج كعادته وسأل ذلك السؤال الذى إرتجف له كثيرون ولسوء حظه ذلك اليوم وجد شخصاً يقف فى ظل الأشجار بالقرب من منزله ، ولم ير صاحبنا غير هذا الشخص ليسأله هذا السؤال الذى لم يجد إجابة له من كل الرجال والنساء سوى بالنفى .
فوجه سؤاله اللعين فى غـضب ٍ رهـيب : ( أنا شين ) ؟
أحس ذلك الرجل أن هذا الشخص تحداه وأهان كرامته وكرامة الرجال قاطبة ، فرد عليه فى سرعة البرق :
( أيوه إنت شين وأبوك كمان شين )
فانتفخ صاحبنا وإربدّ وبدأ يردد ( أنا شين ) ؟
ويسأل الآخرين أو المشاهدين ألا ترون ؟
لقد قال لى هذا الشخص بأنى قبيح ، وفجأة يتحول ملتفتاً للشخص الذى وصفه وأباه بالقبح ويراه مستعداً للقتال بسيفه ورمحه وعصاه ، وساد صمتٌ رهيبْ خشيه الجميع ، وما كان من صاحبنا إلا أن وجه كلاماً هادئاً لشاتمه :
( معليش يا بن العم .. الله يسامحك أمشْ )!!
( كلامك دا ما تقولوا تانى )
( أبوى ذنبو شنو ) ؟
( ارعى بى قيدك ... أحْ حى )
وهو يعض على إصبعه السبابة ولا يجرؤ على الإقتراب من الرجل الذى إستعد تمام الإستعداد للقتال والدفاع عن نفسه .
فأطلق أحد المتفرجين ضحكة شماتة للموقف الذى يدعو للشفقة والرثاء والضحك معاً .
و يغمغم ثان ٍ: ( تجر واطى )
وآخر ( ترخى )
ورابع ( ما قلتو نوبه )
وخامس ( شالو )
وإنفضّ الجميع بتدخل أطراف أخرى وكفى الله المؤمنين القتال .
فى ذاك الحى تسكن ( سلوى ) إبنة الثامنة عشر التى وصفها أحد الشعراء بانها قمة الأنوثة والرقة والعذوبة ، كانت صاخبة الجمال من ذلك النوع الذى يجبرك على النظر أكثر من نظرتين فاحصتين وربما تتعثر وأنت تلهث خلف فتنتها الأخاذة ، وكانت عندما تمشى بقوامها المياس تبدو كأن السماء تخاطبها وترشدها أين تضع الخطوة التالية ، وكان كل شباب الحى والأحياء المجاورة تقريبا يحلمون بالفوز بقلبها ( الحجر ) وقد أطلقوا عليها لقب ( غزلان ) وليس غزالاً واحداً وذلك لما تتمتع به من حيوية ونظرات ٍ ناعسة ٍ قاتلة ، وكان مسكنها يبعد حوالى ثلاثة منازل عن منزل صاحبنا فى الجهة المقابلة ، مما يمكنها من النظر من فتحة بابها لو كان موارباً دون أن يلاحظها أو يشعر بها أحد ، وكانت لا تخرج من منزلها إلى أي مكان ٍ حتى تتأكد تماماً من أن ذلك الشخص غير موجود أمام منزله فى تلك اللحظة لأنه لا بد لها من المرور من أمامه نسبة لموقع منزله الأستراتيجي ( ناصية ) تقاطع عدة شوارع .
ففى ذلك اليوم لم تره فخرجت مسرعة حتى كادت تتعثر بثوبها الملفوف بعناية فائقة حول خصرها النحيل .
وعندما أصبحت بمحاذاة بابه خرج فجأة وكأنه كان يترصدها خلف الباب فتسمرت فى مكانها كالفأر عندما يرى قطاً ليس له ضمير ، فلم تستطع حراكاً أو أن تنظر إليه ، فنظر إليها فى ود ٍ غير مألوف وقال لها فى صوت أبوي هادىء :
( سلوى ) كيف أنت ؟
وكيف حال أهلك ؟
( إن شاء الله كويسين )
لم أرك منذ شهرين هل سافرت إلى خالاتك فى الخرطوم ؟
وكانت سلوى فى حالة يرثى لها من الخوف ورجلاها ترتجفان ولا تكادان تحملانها ولم تصدق أن الذى يخاطبها هو ذلك الشخص ، وسألها ثانية : لِـمَ توقفتِ ؟
وكان سؤالاً وجيهاً ، فقد توقفت إتقاءاً لشره وشر لسانه فردت بسرعة حتى لا يعتقد أنها تستهزأ به :
لقد نسيت شيئاً ويجب عليّ العودة للمنزل ، ولكنه إستحلفها بالله أن تدخل وتسلم على زوجته وإبنه اليافع وتنحّى عن الباب فى أدب ٍ جَمْ وكانت سلوى تتصبب عرقاً بل قل رعباً وكوابيسْ ، وحاولت الإعتذار لأنها فى عجلة ٍ من أمرها ولكنه أصر عليها فى حزم قائلاً :
( إتفضلى )
فتوكلت على الحى القيوم ، قدوس السماوات والأرض وهى تقرأ سراً كل آيات القران والأدعية المأثورة التى تحمى وتبعد السوء وشياطين الإنس والجن عنها .
ودخلت إلى منزله وهى لا تصدق أنها لا زالت على قيد الحياة ، وسلمت على زوجته التى ربما لاحظت إرتجافها وألقت السلام على إبنه ، وكان هو كالمرشد السياحى يُعرّفها بهم وكأنها المرة الأولى التى تراهم فيها ووصفها أمامهما بأنها مهذبة ومؤدبة ( وبت ناس كويسين )!!
وكأنها لم تكن هي التى شتمها أمام الجميع قبل عدة أشهر بصوته الجهوري الأجش ووصفها بالذئبة التى لا يأمنها أحد على فتيان الحى أو رجاله ( العيونم طايره ديل ) وأنها تستغل جمالها للعب بعواطف الآخرين وأنها آثمة وشريرة وأن الشياطين يتراقصون من حولها عندما تمشى ، وأن والديها وإخوتها أيضاً لهم إثمٌ أكبر إن لم يخرجوها من المدرسة الثانوية الآن ويزوجوها لأقرب ( راجل ) وو ..
سبحان الله ...
وعندما خرجت منهم فى هذه الرحلة التى لم تستغرق خمس دقائق وكأنها ألف عام عادت تواً لمنزلها لتستجمع ما تبقى لها من روح .
وبمرور الوقـت بدأ الناس يفهمون حالة الرجل وما به من وسواس ووساوس وتخبط فبدأ الناس فى تفاديه فى أي مكان يرونه فيه وأصبحوا لا يأبهون لصراخه وشتائمه حتى أصبح وحيداً إلا من زوجته وإبنه اليافع فهما الوحيدان اللذان ما لهما بد من الصبر عليه فهو رب منزلهما وحالته النفسية التى أكدها الأطباء النفسيون لدليل قاطع على عدم إتزانه عقلياً .
وإستمر به الحال هكذا إلى أن وافته المنية فخرج أهل الحى عن بكرة أبيهم وشيعوه إلى مثواه الأخير سائلين الله له الرحمة والمغفرة
|