|
الجنون والإبداع..زواج كاثوليكي
(( ناقل الكفر ليس بكافر ))
الجنون والإبداع..زواج كاثوليكي
إذا كنت مبدعاً فأنت مجنون أيضاً ، لاتسألني لماذا، فمثل هذه البديهات لاتحتاج إلى دليل إلا بمقدار حاجتك إلى مزيد من الجنون.. وكأس واحدة من الإبداع قادرة على أن تخلق فيك وطناً من الجنون ومالم تكن مجنوناً فأنت لست مبدعاً بقدر ماأنت دخيل على هذه المهنة، أوجاسوس على أصحابها..
« دعونا من الجواسيس، فهذه الكلمة تثير وساوس الكثير من المبدعين، فقد يتخيل أحدهم أن قلمه يشتغل لصالح الامبريالية أو القطبية الأحادية في حال ما إذا تعثر أو جف مداده أو جرى له عسر في الهضم، أو شرق في الحلق ».
المهم أن الإبداع صفة جنونية، بل هو أرقى أنواع الجنون، لأن « الجنون فنون »، وبابه ليس مفتوحاً لمن هب ودب، وإنما لمن قرح وكتب «طبعاً قرح فيوزاً، وليس رصاصاً، لأن المبدع بطبعه يخاف من طماشه».
همنجواي أحد أهم كتاب القرن العشرين يقتل نفسه، والرسام الهولندي الشهير فان كوخ تعتريه حالة شوق عارمة لحبيبته فيقطع أذنه ويرسل بها تذكاراً إلى هذه الحبيبة، وأبو حيان التوحيدي يقضي عمره في التأليف ثم يأمر بدفن كتبه معه عندما يموت.
ألم أقل لكم إنهم مجانين!؟ أما مجانين الشوارع فهؤلاء «مساكين يرحمو» وليس لهم من المجنانة إلا الاسم، وأنا أقترح لكي يستفيد الوطن منهم باعتبارهم ثروة قومية غير عادية، أن يؤخذوا ويتم إعادة تأهيلهم على يد عتاولة المجانين في بلادنا أمثال ....و....و... وأنا متأكد من أنهم سيحولونهم إلى أدباء من الطراز الأول، وسنكون منهم أول منتخب قومي للجنون في العالم، وبهم سنحصد كأس العالم في هذا المجال لدورات عدة قادمة، وأعتقد أن هذا أخرج لنا من منتخب كرة الألم/ أو القدم الذي انتهت وحداته وتحول إلى استقبال فقط.
على العموم لن ننسى كبار المبدعين في اليمن، فهؤلاء سيستوعبهم الجهاز الفني للمنتخب، وبعضهم سيمثلون هيئة استشارية للجنان والمجنانة وقلة الحياء والطلابة، وسينعقد أول معسكر تدريبي للمنتخب تحت شعار «جنان يخارجك ولاعقل يحنبك» وبرعاية كريمة «أو لئيمة» من أم الصبيان ولعينة اللعائن.
مرة أخرى أؤكد أن اليمن زاخرة بالمجانين وهذا مايرفد الجانب الإبداعي بالعديد من المواهب الشابة، الشابة عن الطوق وعن العقل وعن القيم، وعن الآدمية أحياناً.
وقد كشف الملتقى الأخير للشعراء الشباب العرب عن حشد جنوني عربي كبير يستطيع أن يقيم أكبر دورة للجنون الأولمبي على مستوى العالم، والفضل في ذلك يعود إلى الهيئة الجنونية المنظمة،وكبار المرابيش العرب الذين حضروا إلى صنعاء لمؤازرة الهبلان الجدد والأخذ بأيديهم إلى شواطئ الهلاك الحقيقي.
هذا وكان رئيس منظمة «اوبه على نفسك» للطيش والجنون قد صرح بوجود اكتشافات جنونية هائلة في مناطق الربع الخالي والربع المليان والربع المحتل، وقال إن الربع الأخير سيتم فيه بناء مدن مثالية للمجانين يكتبون فيها قصائدهم ورواياتهم بالفقر والجوع والمرض وكل آفات الدنيا السبع.
وعوداً على غير بدء، يؤكد الدارسون وعلماء النفس «وهم مجانين ايضاً!» أن 90% من المبدعين مصابون باضطرابات نفسية وعقلية متنوعة، كالحزن والاكتئاب والخوف والقلق والشيزوفرينيا وجنون العظمة والوسواس القهري، وسوى ذلك من البلاوي الإبداعية..كما يقولون إنه من النادر أن تجد مبدعاً يتمتع بصحة نفسية أو عقلية كاملة، وبالتالي فإن المبدعين يتفاوتون في إبداعهم بمقدار مايملكون من صحة نفسية وعقلية، فكلما زاد الأول نقص الثاني والعكس صحيح.
لاتخافوا من المبدعين،فجنونهم قادر على سبر أغوار الحياة وفهم الماوراء والتوغل في العميق والمخبوء من المعاني، المبدع قادر على حل كل مشاكل الدنيا إلا مشاكل نفسه ،المبدع مثل مالك الحزين يرى الرأي لغيره ولايراه لنفسه ،المبدع تنطبق عليه تلك الحكمة الساذجة التي تقول عن الشمعة «إنها تحترق لتضيء الآخرين»، في حين أنها تحترق لتعانق الأرض، وتعود إلى حالتها الطبيعية ،الشمعة مجنونة عندما تكون واقفة، وبالتالي فهي تحاول أن تعود إلى طبيعتها في الاستلقاء على الأرض، بصفتها أنثى «على حد قول العقاد، وليس أنا، وناقل الكفر ليس بكافر» أما الذين يتبعون الشعراء فهم الغاوون لاشك، والغواية هي نوع من الجنون اللذيذ الذي يساعد على التمتع بإضاعة الوقت ومطاردة الوهم.
وإذا كان الغاوون هم الذين يتبعون الشعراء،فكيف يكون الشعراء أنفسهم، «أفتونا جزاكم الله خيراً ـ وخلوا الفتوى عندكم!».
أما الفتوى الكلاسيكية القائلة بأن هناك شعرة تفصل بين الجنون والإبداع، فهي فتوى باطلة، لأنها لم تستند إلى الواقع، ولم تراع مصالح الناس من مرابيش ومراجيج ومطششين ومقرحين ومولعين،ومجانين وفق أي مستوى إضافة إلى أن العالم كله قد سمع بأن تلك الشعرة قد قطعها أحد الشعراء الحداثيين «أو المتحادثين بالأحرى» أو قل دهسها وهو واقف على منصة المركز الثقافي في صنعاء حينما حاول أن يركب على تلك الشعرة ويسافر إلى حبيبته التي تقع في الطرف المقابل من قلة عقله، ففقد الشعرة، وفقد حبيبته التي ماتت من الضحك عليه.
وأثر هذا الحدث الخطير الذي فتح الشهية للانسجام بين شعبي الجنون والإبداع، فقد بادر زعماء الدولتين إلى إجراء مباحثات عاجلة وهامة، توصلا في نهايتها إلى إعلان الوحدة بين الشعبين الشقيين «عفواً الشقيقين»، وتسمية الدولة الجديدة بـ جمهورية الجنون الإبداعية، أو جمهورية الإبداع الجنونية، لم أعد أتذكر بالضبط.
وقد اختلف العلماء في الشعرة التي كانت تفصل بين الطرفين، فبعضهم يرى أنها شعرة معاوية، والبعض يقول شعرة أودنيس، والأرجح أنها شعرة إبليس!!
واتفق الجانبان بعد ذلك على أن يحكمهما نظام التعددية الجنونية والتداول السلمي للهبالة، وبحيث يتسع المجال لكافة أشكال الإبداع ومذاهبه الكلاسيكية والواقعية والسريالية وحتى التي بدون سروال على حد تعبير الرئيس الشرعي لنقابة المجانين الشاعر عبدالكريم الرازحي صاحب البقرة البيضاء الشهيرة التي أوصلته إلى قمة الهرم الإبداعي، ثم نطحته وأوقعته في حفرة عميقة من الحزن والاكتئاب.
ولذلك فمن حق المبدع/المجنون أن ينتمي إلى الحزب الذي يريد، وفي الوقت الذي يريد، وعند التصنيفة التي تحل به، ووفق القات الذي يُخزَّن به، أو يُخزَّن به «لأن هناك قاتاً تُخّزن به، وقاتاً يخزن بك، حسب آخر نظريات المقُوّتة الشهيرة قرطلة
قاصد الكحلاني
|