حارة نجيب محفوظ.. لحم ودم!!

علي مدي رحلة حياته استطاع نجيب محفوظ أن يستوطن القاهرة بشوارعها وحواريها و أزقتها التي عاش فيها و تعايش معها و كأنه جزء منها، أو كأنها هي جزء منه، وإذا كانت القاهرة تعد بالفعل إحدي أشهر المدن العربية بتاريخها الثري، فقد زادها تجسيد نجيب محفوظ للناس والأماكن في رواياته ثراء، صحيح أن الزمن سوف يحمل لحظة تختفي فيها البيوت والآثار والأماكن التي اختارها نجيب محفوظ لتتضمنها أعماله، ولكن هذه اللحظة لن تستطيع، بحال من الأحوال، التسلل إلي صفحات رواياته ولعل الحظ كان كريما حين احتفظ لنا ببعض تلك الأماكن حتي نستطيع أن نراها كما رآها نجيب محفوظ. فلقد استطاع نجيب محفوظ الذي ولد في عائلة بسيطة تنتمي إلي الطبقة المتوسطة في أحد أقدم أحياء القاهرة، أن يجسد الحي الذي نشأ فيه في صورة مؤثرة تفيض بالحياة في روايات مختلفة أشكالها، تنوعت بين الطويلة والقصيرة، ويظهر حسه بالمكان في أوج قوته في المرحلة الطبيعية الواقعية من حياته الأدبية علي وجه الخصوص، ففي الثلاثية الشهيرة، يزرع جذور ملحمته التي تصور حياة ثلاثة أجيال لأسرة مصرية في أزقة وشوارع منطقة الجمالية وخان الخليلي، مستخدما إياها كمكان واقعي للأحداث، وأيضا كمجاز أدبي للتعبير عن آمال و إحباطات شعب يحاول الخروج من اختناقات الماضي إلي آفاق عالم الحاضر المتغير الأكثر رحابة. .ففي تلك الأعمال يصور نجيب محفوظ حواري الجمالية وخان الخليلي كعالم بذاته، تتداخل فيه التجارة بالأشغال الحكومية، المساجد بالمواخير، المدارس بالمقاهي، سكان المدينة بجنود الاحتلال، الرجال بالنساء، الأبناء بالآباء، الحلم بالحقيقة، الشباب بالعجائز، يقوم كل من الشخصيات الرئيسية في الثلاثية برحلة في حدود عالمه الخاص، وتكون كل خطوة بمثابة طقس من طقوس الانتقال إلي المرحلة التالية. ففي 'السكرية' يصف نجيب محفوظ كيف كان علي كمال أن يحمل السيد أحمد، الهرم الضعيف عندئذ إلي هناك للاختباء من القنابل والطائرات الحربية.. كما يصور نزول أمينة من عالمها المغلق، بيت الزوجية لتقوم برحلة إلي مسجد الحسين بمساعدة أبنائها في ثورة علي رغبة زوجها الغائب. كان الطريق الذي سلكته أمينة معروفا لنجيب محفوظ نفسه، إنه نفس الطريق الذي اعتاد الأديب الكبير أن يسلكه عندما كان طفلا، حيث يقف البيت الذي عاش فيه وهو صبي في مواجهة نقطة شرطة الجمالية., أما الرجال الذين كانوا في حياة أمينة، نفس الروح تجدها في الرحلة اليومية التي كان يقوم بها السيد احمد عبد الجواد كان يقوم بالذهاب يوميا إلي محله الواقع أمام مسجد برقوق في شارع النحاسين، و كذلك رحلته إلي مقاهي المنطقة، و في الجزء الثاني من الثلاثية، يتم إقناع السيد احمد بتغيير المقر إلي مكان خارج المنطقة، فتطلب منه عشيقته زنوبة أن يجعلها تقيم في عوامة راسية علي ضفاف النيل تحت كوبري الزمالك وقد كانت مثل هذه العوامات في فترة ما قبل الثورة أماكن يلهو فيها الأغنياء والمشاهير، فكانت المئات منها تصطف علي ضفاف النهر في أرقي مناطق القاهرة مثل العجوزة والروضة والزمالك، ومثل غيره من أغنياء العصر، في هذا الجزء نري كيف دأب السيد أحمد علي القيام برحلات متكررة إلي العوامة الخاصة للقاء معشوقته الشابة، أما أبناء السيد احمد، فأحبوا دائما أن يظلوا بعيدين عن أبيهم القوي سواء كانوا داخل أو خارج المنطقة، فنجد كيف أن ياسين ابن السيد احمد من زوجته الأولي اختار أن يسير في تلك المناطق التي يمكنه فيها رؤية النساء من اقرب زاوية ممكنة، حيث نبع استحواذ النساء علي تفكيره من طفولته التعيسة التي عاشها مع أمه في حارة قصر الشوق، لذلك أحب حارة الطربي التي تزخر بالمحلات الصغيرة علي الجانبين مثل خلايا النحل، أما فهمي* الابن الثاني للسيد أحمد عبد الجواد* فقد أخرجته مرحلة الانتقال من الطفولة إلي الرجولة من دائرة القاهرة القديمة، حيث اختار أو اختارت له الظروف ميدان رمسيس المواجه لمحطة السكة الحديد الرئيسية كمقصد يصل إليه بينما يشارك في مظاهرات الطلاب ضد الاحتلال البريطاني، و في رحلة رائعة يأخذنا محفوظ إلي معايشة كيف دأب المتظاهرون علي أن يسلكوا طريق الأوبرا، والازبكية أثناء رحلة مظاهراتهم، وكلها حواري نجح محفوظ في تصويرها و كأنه يرسم لوحة رائعة لحواري القاهرة، كما رأي نجيب محفوظ في شوارع المنطقة القديمة بقصورها وضيقها طرقا مسدودة تقف المرأة عاجزة عن اجتيازها، وهي الفكرة التي تناولها علي نحو أكثر تفصيلا في زقاق المدق، التي صدرت للمرة الأولي عام 1947، ولو أن الثلاثية تميزت باتساع مكان وزمان الأحداث، فقد تقلص مكان الأحداث في هذه الرواية علي زقاق بعينه من أزقة المنطقة، ليتقرب نجيب محفوظ إلي حد الالتصاق من أسلوب الحياة هناك في عبقرية نادرة، عرف زقاق المدق بهذا الاسم حيث كانت تطحن فيه التوابل قبل نقلها إلي سوريا، وفي القرن الثامن عشر كان الزقاق، بالإضافة إلي ذلك سوقا لبيع الرقيق، و هي نفس الأحداث التي استقي منها محفوظ* تقريبا* قصة روايته، ففي رواية نجيب محفوظ تثور البطلة علي عيش حياة لا تكاد تختلف في قيودها عن حياة الرقيق، وفي 'اللص والكلاب' يعود البطل بعد الخروج من السجن إلي بيته في منطقة الدراسة التي تطوقها سلاسل مرتفعات المقطم، ليجد سعيد بيته تماما كما تركه، لم يكد يتغير عن بيوت أيام آدم، يؤجر البطل مسكنا فوق محل في شارع نجم الدين وراء مدافن باب النصر، وتنتقل الأحداث بين هذه المنطقة القديمة من مناطق القاهرة والفيلا الأنيقة المملوكة لرؤوف علوان، صديق سعيد الخائن، والتي تقع علي شارع النيل، كما يصف نجيب محفوظ اللحظة الأخيرة لوقوع سعيد في أيدي رجال الشرطة بمساعدة الكلاب البوليسية وسط زحام المدافن في مدينة الموت في صورة حية رائعة وكأن شخصيات محفوظ قد امتزجت بروح الأماكن فحولتها لكتلة من لحم و دم!!