منقول( الشورى نت)
عبدالفتاح الحكيمي ( 17/09/2006 )
يبدو مشهد الرئيس علي عبد الله صالح في العشرة الأيام السابقة لانتخابات الرئاسة مثل شخص انهار عليه سقف البيت فجأة وتساقطت الجدران طوبة طوبة وحجرا حجرا فوق رأسه الواحد تلو الآخر، وهو يحاول أن يصدها بحركة هنا وأخرى هناك بكل ما أوتي من قوة كي لا يدفن نفسه بين أنقاض المكان والزمان.
علي عبد الله صالح حاول أن يكون شيئا آخر في الأيام الأخيرة للمهرجانات بنظر الناس في مقابل منافسه الرئاسي المهندس فيصل بن شملان، حتى أن من يستمع إليه وهو يعلن توبة نظامه عن الفساد ووعوده بحل مشاكل البطالة والفقر والمظالم التي ألحقها حكمه بالناس، يظن أن شخصا آخر جديدا هو من يخاطبه غير هذا الرجل المستهتر بمقدرات البلاد وناسها طوال 28 عاما وشهرين.
ولكن ما أن يستمع المرء إلى بذاءات واتهامات وتخوين للأخرين المنافسين في اللقاء المشترك وتعود حليمة إلى عادتها القديمة إلا وتكتشف أن الحمل الوديع الذي تخيلته فجأة وكأنه على وشك إعلان توبته للجماهير، هو علي عبد الله صالح الذي يعرفه الناس من لسانه.. فكيف لرجل أ علن توبته أمام الناخبين من فساد حكمه ومظالمه التي ارتكبها أن يصلح الأوضاع أو يعود إلى رشده وهو يلغي مواطنة وكرامة الآخرين ولا يحترمها.
تناثرت حبات السبحة (المسبحة) من أيدي الرئيس الحالي وأًصبح مثل الذي يفتش عن ظله في الظلام الدامس.
(خداع مكشوف)
اعتمد الصالح في خطابه الأخير للجماهير على خدعة (التوبة) من الماضي والتعهد بالقضاء على الفساد وتصحيح السياسات. وأضاف في مهرجان عدن (إصلاح الاختلالات التي رافقت الوحدة) في غزل لأهل الجنوب وتحجيم المتنفذين. وقام بنشر ثلاثة آلاف مخبر (متخصص) في مختلف أسواق اليمن ليشيعوا بين الناس أن الرئيس صادق وجاد في محاربة الفساد، وأنه قطع اليمين على نفسه عند قبائل الجوف والمحويت ومأرب. وتكتشف أن هؤلاء المخبرين يتقاضون عشرة آلاف ريال يوميا لبث هذه الدعاية الانتخابية للرئيس.
قام الرئيس أخيرا بتقمص دور الرجل المخدوع بالمحيطين به، وأنه كان ضحية لهم ولا يعلم بتذمر الناس وسخطهم على حكمه وسياساته الظالمة، إلا عندما ظهر البديل عنه في الحكم فيصل بن شملان الذي التف الناس حول زعامته من صعدة إلى المهرة، وهو نوع من الهروب من المسئولية الشخصية وإلقاء اللوم هذه المرة على المحيطين والمتنفذين كما يتضح من خلال خطاب مهرجان عدن، وذلك ما يجيده الرئيس تماما عندما يضيق الخناق عليه ويجد نفسه في مواجهة الناس، وجها لوجه، وأن عرشه صار قاب قوسين أو أدنى.. حدث ذلك في هروبه من المسؤولية عن جرعات الأسعار 96- 98-2005م، وإلقاء المسؤولية على رؤساء الحكومات: عبد العزيز عبد الغني، الإرياني، باجمال، والآن يواصل مسلسل (الاختباء) وراء سلطة المتنفذين والرجال الذين يخونونه ويديرون البلاد من خلفه طوال 28 عاما، وكأنه لا يعلم كل هذه الفوضى التي حلت بالبلاد والعباد وصادرت حقوق الناس وممتلكاتهم على أيدي معاونيه وأقاربه، وأصبح خوف الناس من المجهول بسبب بقاء الرئيس علي عبد الله صالح وشلته في السلطة وليس بسبب مجيء القادم الجديد رئيس المستقبل والتغيير.
بقدر ما كان الرئيس يستدر عطف الجماهير في جزء من المشهد الانتخابي فإن الفصل الثاني من مسرحيته الدعائية هو اعتماد خطة مدروسة لضرب ومحاولة تفكيك تحالف أحزاب اللقاء المشترك وتشتيت الالتفاف الجماهيري حول مرشحها للرئاسة والدفع بمرشح (مستأجر) من بينها هو أحمد المجيدي الذي حالفه الفشل، مرورا بمغازلة شخصيات قيادية أخرى من الأحزاب الخمسة نفسها، بدءا من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وحتى شخصيات قليلة الأهمية مثل (أحمد بن دغر) إلى أن وصل الحال بالرئيس بعد فشله في الداخل إلى استقدام السيد عبد الرحمن الجفري رئيس حزب الرابطة من الخارج بعد الفشل في ضرب اصطفاف أبناء محافظات الجنوب بترشيح (المجيدي) المطمور، أو حتى محاولة إضعاف الاصطفاف الذي لن يؤثر عليه وجود الجفري في مهرجان الرئيس بعدن، ولن تلقى تزكيته المعلنة لترشيح الرئيس أية استجابة حقيقية، بل أثار الجفري حول نفسه الأقاويل والشكوك بسبب التوقيت المفاجئ لعودته.
وما يقال عن اصطفاف الجنوب هو تعبير مجازي عن رفض الناس لأسلوب إدارة السلطة الحالية، فالشمال أكثر اصطفافا أيضا ضد الرئيس من الجنوب، وقبيلة الرئيس كانت الأكثر تحشيدا واحتفالا من الجنوب بمقدم رئيس التغيير فيصل بن شملان، واحتشاد محافظة عمران للرجل هو الأكبر في تاريخ اليمن، ولم يحدث مثله لأي شخصية وطنية لا في محافظات الجنوب ولا الشمال، وطبيعة الظلم في الرئيس علي عبد الله صالح لم تفرق بين قريب أو بعيد، والمستبد لا يرى الا نفسه فقط لا غير.
عقلية الرئيس الحالي لم ولن تتغير أبدا في تصنيف الناس وتقسيمهم إلى (معنا وضدنا)، إذ لو كانت عودة عبد الرحمن الجفري من باب التسامح وحقوق المواطنة وطي صفحات الماضي كما يقول كان الرئيس سوف يستدعي المهندس حيدر العطاس للعودة إلى وطنه بعد 12 عاما من المنفى القهري، لكن الرئيس يعلم أن العطاس بمواقفه المعلنة مع مرشح اللقاء المشترك لن يطنب في الدعاية الانتخابية لصالحه، ولن يزكيه للحكم ولاية ثالثة. ونحن الذين نحترم السيد عبد الرحمن الجفري لا نعتقده يجهل مثل هذه الملابسات.
(عكاكيز)
العكاكيز التي حاول الصالح الاستقواء بها والمشي عليها كثيرة في دعايته الانتخابية، فكونه (أولا) أراد تقديم نفسه للناس بصورة مختلفة وأخفق، و(ثانيا) فشل في إحاطة نفسه بالتحالفات السياسية أو إجماع الوجاهات والشخصيات الوطنية ووجد نفسه معزولا فجأة.
طعنة غائرة دفعت الرئيس وإدارة حملته الدعائية (ثالثا) إلى إرغام طلاب المدارس والموظفين والعسكريين (بملابس مدنية) لحضور مهرجاناته قسرا للتغطية على شعبية ضائعة تحت طائلة التهديد بالخصم من الراتب الضئيل على الموظفين والجنود، واحتساب 3 أيام غياباً على طلاب المدارس الثانوية.
النتيجة عشرات القتلى والمصابين في مهرجان محافظة إب غالبيتهم من التلامذة، فضاعت الهالة المصطنعة التي كان يرجوها الرئيس لنفسه في مقابل منافسه فيصل بن شملان الذي احتشدت له الجماهير طوعا وحبا لا خوفا من تهديد أو عقوبة منتظرة.
تحول الرجل الذي أظهرته صور الدعاية وهو يمسح دموع اليتامى إلى مجرد متهم بقتل عشرات الأبرياء بسبب مرض حب الظهور وجنون العظمة، في حين يحاول انتزاع صورة تلفزيونية في إب يظهر الرئيس من خلالها قديس العصر ومعشوق الجماهير في مهرجان زائف لا يمثل رغبة الناس في انتخابه ولا شعبيته.
لا ندري هل يعلم السيد عبد الرحمن الجفري، داعية حقوق الإنسان والتحرر من الاستبداد، أن الرئيس وإدارته الانتخابية ساقوا أهله وأقاربه وأصهاره في عدن ولحج قسرا للمهرجانات تحت التهديد، فالجفري يعرف أن هذه هي عقلية الحاكم التي قال عنها في مهرجان عدن أن اليمن تحتاج إلى قيادته في هذه المرحلة، فاليمن ياسيدي عبد الرحمن أكثر سوءا مما تركتها أنت عليه قبل 12 عاما وسوف تزداد سوءا حين يقف أمثال شخصكم الكريم في مؤازرة الظلم وتأصيله، بغض النظر عن حسن النوايا المعروفة عنكم.
* أثناء وضع اللمسات الأخيرة على هذا المقال أصدر الرئيس علي عبد الله صالح توجيهات إلى وزير المالية بصرف راتب شهر للموظفين المدنيين والعسكريين دون مناسبة إلا أن الرئيس أراد تأكيد نهج ابتزاز أصوات الناخبين لحسابه من المال العام وتسخير خزينة الدولة لصالح حملته الانتخابية.
سيدي الرئيس الشعب أكثر وعيا أنكم تحاولون شراء أصواته بأمواله قبل أيام من انتخابات الرئاسة والمحليات، ولم يصدر مثل هذا الكرم منكم في انتخابات 99م الرئاسية. أما في ظل وجود منافس كبير بحجم المهندس فيصل بن شملان فليس غريبا ظهوركم وتشبهكم بملائكة الرحمة، لكنه طوفان الانتخابات سيدي.