'ناصر'
من الفرد للظاهرة للأيديولوجيا
أكثر ما أساء إلي الأمة وتاريخها المعاصر.. هو تساهل الكثير من المثقفين والمفكرين في التحليل أو الايغال في التأويل للحوادث التاريخية الجسام التي مرت علي الأمة العربية.. ويبدو أنه إرث فكري وثقافي ومنهجي جبلنا عليه منذ أمد طويل؟ لكن الذي نريد أن نلفت الانتباه إليه هو إمعان أكثر باحثينا ومفكرينا ومثقفينا علي (عنصر الجرح) في الظاهرة التاريخية وليس علي عنصر أو كم (التعديل) الذي مارسته الشخصية عليها في النجاح في صياغة عباراتها وحبكة رواياتها بالشكل التاريخي الذي كانت جزءا مهما أو فاعلا في صياغة بلاغته، حتي بات حجم ونوع تأثير (الراوي أو الصائغ) يتحكم في شكل الإضافة الباهرة أو الرائعة في هيكلية التعديل لأن حجم ونوع التعديل هو الذي يدلنا علي معيار الصدق أو الكذب في الفعل التاريخي.. ولكي لا نبعد عن الموضوع أقول إن ظهور الزعيم جمال عبد الناصر علي المشهد السياسي في مصر في مطلع خمسينيات القرن المنصرم لم يكن مجرد إزاحة فكرية تراتبية طبيعية في مسار حركة الأمة وتطور نوعي في صيرورة النخب السياسية الوطنية بقدر ما كان إزاحة شعبية وطنية وتاريخية غير طبيعية في حياة الأمة.
لقد أمسك جمال عبد الناصر بمقاليد الحكم في مصر في ظل ظروف دولية وسياسية صعبة، فالثلاثة الكبار كانوا يقفون بصلابة ضد المشروع الثوري العربي الجسور.
ففرنسا كانت تريد إزاحته لوقوفه بجانب ثوار الجزائر، وبريطانيا تتآمر عليه لتأييده حركات التحرر العربي في المشرق العربي ووقوفه أمام محاولة طموحات كل من بريطانيا وأمريكا في إحكام الطوق علي الأمة في سلسلة من المعاهدات والأحلاف الاستعمارية بدأت بالمعاهدة المركزية 1954 وانتهت بحلف بغداد عام 1955، ووقوفه بعد ذلك ضد محاولات الولايات المتحدة الأمريكية في سعيها في تطبيق 'سياسة ملء الفراغ' بعد تقهقر قبضة بريطانيا في الوطن العربي والعالم ووقوفه ضد مشاريع الوحدة الهزيلة التي روج لها رجال التاج البريطاني من أمثال 'نوري السعيد' وهذا الأمر هو الذي جعل الزعيم جمال عبد الناصر يقول: 'الفرق بيننا وبين نوري السعيد أنه عاوز وحدة عربية داخل السجن، ومصر عاوزة وحدة عربية خارج السجن'.
ولقد كان الرجل واعيا لما يفكر فيه الغرب الذي لم يعجبه ظهور هذا القائد العربي وهذا الأمر هو الذي جعل صحف لندن تعترف بحجم الدور الذي لعبه جمال عبد الناصر ضد مخططات الغرب في المنطقة وها هو وزير خارجية بريطانيا 'سلوين لويد' يقول: إن سبب الظلام الذي تعيشه لندن هو تلك السياسة التي يتبعها الرئيس جمال عبد الناصر، وهذا التصريح هو الذي جعل إحدي صحف لندن تقول في أحد مانشيتاتها: 'ظلام في لندن بسبب سياسة النور في القاهرة'.
نعم كان الرجل عارفا بخفايا السياسة الاستعمارية وجريئا ومغامرا إن اقتضي الأمر وهي جرأة البطل المدرك لحجم قراره وأهميته في رسم مستقبل بلاده لا مستقبله الشخصي وهذا الأمر هو الذي جعل صحيفة 'الصنداي تايمز' تصفه إبان العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956 بأنه مغامر ولكنه يتصف بحنكة الواعي.. فالرجل قال إبان اتخاذه قرار تأميم قناة السويس لديفيد مورجان مندوب صحيفة 'الصنداي': كنت أعلم أنني أجازف مجازفة محسوبة.
وهذا الأمر هو الذي جعل الصحفي 'كنث لف' صاحب كتاب حرب السويس يقول: 'لم يكن ناصر محبا للمغامرة ولكنه كان قد حسبها علي كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والقومية'.
ولأننا لسنا في مجال الكتابة في المنجز السياسي لثورة ناصر والنجاحات التي قدمتها ثورته للشعب علي المستويات كافة لكن لا بأس أن نقف عند حجم التعديل الذي برع فيه الزعيم جمال عبد الناصر والذي جعله يخلد في ذاكرة شعبه وأمته فالرجل علي صعيد العمل القومي برع في وضع مصر الشعب والتاريخ والحضارة في المستوي اللائق بين شعوب العالم وجعلها تأخذ بيد أبناء الأمة في مشرق الوطن العربي ومغربه لتتخلص من براثن الاستعمار البغيض كما أن الرجل شرع في الإمساك بتلابيب حلم الوحدة العربية في رسم ملامح الوحدة بين القطرين (المصري والسوري) ومن ثم في التخطيط لحلم الوحدة الثلاثية الكبري (مصر وسوريا والعراق) ورغم استغراقه في التأسيس (للدولة الحلم) لكن هذا الأمر لم يمنعه من التعاطي مع قضية فلسطين وجعلها من أولويات الهم الوطني والقومي ودعم حركة المقاومة المسلحة فيها، وكل هذه المشاكل لم تجعل الرجل يقف عند حدود صياغة المشروع العربي النهضوي القومي فقط بل تعداه بصلابة المناضل يشرع مع نهرو وسوكارنو للتأسيس لمشروع حركة عدم الانحياز والذي تمخض عن حركة قوية في (مؤتمر باندونج عام 1955) هذه الأعمال وغيرها هي التي تجعلنا نلح في القول إن جمال عبد الناصر الزعيم والمناضل من النماذج الثورية والإنسانية التي يحق لنا أن نصفها بأنها من الشخصيات التي انتقلت بالعمل الثوري والوطني والقومي من الفرد إلي الظاهرة وتتحول الظاهرة بعد ذلك إلي أيديولوجيا، مع صفوة النخب التي تحولت إلي أيديولوجيا كما هو حال غاندي، نهرو، جيفارا، سوكارنو، تيتو، مانديلا في حين أن الأيديولوجيا تحولت إلي فردانية وديكتاتورية مقيتة عند كل من ستالين، وجورباتشوف، وشاوشيسكو وغيرهم.
لقد نجح الزعيم جمال عبد الناصر في تأصيل المشروع القومي وحدد بدقة المرجعيات الدينية والفكرية والتاريخية لمفهوم الأمة بعد غموض المفهوم علي يد محمد علي باشا وحركة الإصلاح العربي في مطلع القرن العشرين.
ولقد أثمر هذا المشروع القومي بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر في أن يكون حاضنة شرعية وقومية لحركة التجديد في المشروع العربي القومي النهضوي لتتحول مصر في عهده إلي راعية لهذا المشروع في مواجهة مشروع التغريب الذي أعد الغرب له كل عدته مع الضالعين في الولاء للمشروع الغربي.
بعد الذي قلنا والذي كان سريعا، يحق لنا أن نقول إن الزعيم جمال عبد الناصر كان واحدا في كل وكلا في واحد، واحد صنعه مخاض أمة، وما أحوجنا الآن لأمثاله في هذا الوقت.