تمخّض الجبل فولد فأرا
تمخّض الجبل فولد فأرا
أيّ معنى لتشكيل حكومة عراقية ؟
بعد أربعة أشهر من الإعلان عن نتائج الإنتخابات وفوز كتلة الحكيم – الجعفري – الصدر بأغلبية المقاعد النيابية في البرلمان العراقي المزعوم ؛ وبعد مفاوضات مضنية ومساومات وضغوطات وتدخلات إستطاع الإخوة الأعداء أخيرا إختيار رئيس للوزراء بدلا من العميل المنتهية ولايته إبراهيم الجعفري.
وقد حاولت وسائل الإعلام وأبواق الدعاية تضخيم المسألة وتهويلها بل وربط مصير العراق بحسم الخلاف في شأن تركيبة الحكومة المقبلة وكأن الأمر بسيط الى هذا الحدّ أو أن الحكومة المرتقبة بإمكانها أن تحلّ المعضلات الجسام التي عجزت الحكومة السابقة عن حلّها أو حتى الحدّ منها والتقليص من تأثيراتها على المستويين الأمني والسياسي.
وكالعادة لم يستطع الإخوة العملاء أن يتخذوا قرارا ويتفقوا عليه إلاّ بعد تدخّل مباشر من أسيادهم في البيت الأسود الأمريكي وإشراف رسمي على توقيع الإتفاق من كوندوليزا رايس ورامسفيلد الذين فرضا على الجميع عميلا قديما متجددا أكثر ولاءا للإدارة الأمريكية من سابقه فأطلّ علينا المسمى نوري المالكي أو جواد المالكي أو نوري العلي أو قل ما شئت على إعتبار تعدد الأسماء والمسمى واحد في العمالة والخيانة والرجعية.
وقد بادر العميل الديمقراطي الجديد في أولى خطواته الى تقديم الولاء الى المرجعية الدينية في النجف تعبيرا منه عن إلتزامه بخط الإستسلام والهدنة والتآمر والتعصّب الطائفي الذي إنتهجته المرجعية السيستانية منذ إحتلال بغداد والى يومنا هذا وكانت تلك الخطوة أوّل وأفدح الأخطاء التي إرتكبها رئيس العملاء الجديد نوري المالكي على إعتبار أنه عبّر صراحة عن طائفيته المقيتة وتعصّبه المكشوف وكأن المرجعية الدينية في النجف هي المعبّر أو الممثل الأول والأخير والوحيد لأبناء شعبنا في العراق الجريح أو أن العراقيين جميعهم ينتمون الى مذهب آل البيت ويدينون بالولاء لمرجعية واحدة ووحيدة هي مرجعية السيد علي السيستاني.
وفي واقع الأمر فإن الخطوة التي خطاها العميل الديمقراطي الجديد تعتبر حلقة في سلسلة واحدة من صنع الغزاة الأمريكيين الذين أذكوا التوجه الطائفي وغذّوه وشجعوه بداية من مؤتمر لندن مرورا بمؤتمر صلاح الدين وصولا الى تشكيل الحكومة الحالية القائمة أساسا على المحاصصة الطائفية وإقتسام الكعكة العراقية على خلفية مذهبية لا غبار عليها وهي مقدمة حتمية لتنفيذ مشروع التفتيت والتقسيم الطائفي في العراق .
ولا شكّ أن مشكلة العراق اليوم لا يمكن أن تتلخّص في إختيار رئيس للوزراء أو تشكيل حكومة إذ ليس بوسع أية حكومة منصبة عميلة تتلقى أوامرها من المحثلّ أن تنجح في فضّ المشكلات العملية التي يواجهها الشعب العربي في بلاد الرافدين إضافة الى أن المتتبع والمراقب للوضع السياسي والأمني في العراق سوف يلاحظ من الوهلة الأولى ودون بذل أي جهد يذكر أن هناك حكومات عراقية متعددة ودويلات داخل الدولة ومؤسسات أمنية وسياسية تعمل بإستقلالية عن أجهزة الحكومة وبالتوازي معها وميليشيات مسلحة تتحكم برقاب البلاد والعباد ومعتقلات خاصة وسرية تحت سلطة وإشراف الأحزاب السياسية العميلة للمحتل كمنظمة بدر والبيشماركه وفلول حزب الدعوة وجيش المهدي وغيرهم كلّ ذلك في غياب تام ومطلق لمؤسسات الدولة التي ذابت في مستنقع الأحزاب وأصبحت تنسب لها وترجع إليها وتأتمر بإمرتها وتخضع لمشيئتها حتى أصبح يشار الى الوزارات بإعتبارها فرعا من فروع هذا الحزب أو ذاك وليس بخاف على المتابع للوضع العراقي أن وزارة الداخلية مثلا أضحت تحت السيطرة المطلقة لما يسمى بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وأن وزارة النفط باتت حكرا على حزب الفضيلة الشيعي وأن وزارة الخارجية أصبحت ملكا من الأملاك الخاصة للتنظيمات الكردية وكذلك هو الشأن بالنسبة لباقي الوزارات المهزلة في جنّة الديموقراطية الموعودة من طرف الغزاة الأمريكيين .
هذا هو إذن الواقع المرير الذي يعيشه عراق اليوم في ظلّ الإحتلال فوضى منهجية ؛ منظمة ومخطط لها مسبقا مع مساهمة في تطويرها من طرف مجموعة من البيادق العملاء الخونة الذين عاثوا في البلاد فسادا وتخريبا وتقتيلا ونهبا وترويعا بواسطة عصابات مسلحة ترتدي زي وزارة الداخلية وتدين بولائها الى التنظيمات الإجرامية المنتشرة في كافة أرجاء البلد كمنظمة الغدر والخيانة لحكيم زمانه المسمى عبد العزيز وكما قال مات شيرمان الباحث في المركز الدولي لدراسات الغرب وأمريكا والذي أمضى عامين في العراق بصفته مستشارا لشؤون المواقف الأمريكية في وزارة الداخلية العراقية فإنه : (( منذ إستلام الحكومة التي يقودها الشيعة لمقاليد الحكم حدث أمر خطير هو إلتحاق أفراد الميليشيات بأعداد كبيرة بقوات الجيش والشرطة ويكمن الخطر في أن الكثير من هؤلاء يحمل ولاء لمذهبه الديني أو للميليشيا التي ينتمي إليها أكبر من ولائه للدولة ...)).
ومن هذا المنطلق فإن الوضع السياسي والأمني في العراق اليوم لا يمكن إختزاله في تشكيل حكومة مسخ أو إختيار رئيس وزراء مغلوب على أمره لا سيما وأن الزمرة السياسية المجسدة في الأحزاب العاملة على الساحة العراقية تشترك جميعها في العمالة للمحتلّ يجمهعا الطبل وتفرّقها العصى كما يقول إبن خلدون فلا معنى والحالة تلك لتشكيل حكومة هجينة في ظلّ الإحتلال إذ أن مشكلة العراق هي بالأساس مشكلة إحتلال وإستعمار مباشر ولن تنجح أية حكومة مهما كانت قوّتها وإنسجامها في إخماد الصوت الوحيد المدوّي في بلاد الرافدين من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها صوت المقاومة الوطنية مجسّدة في المجاهدين النشامى من أبناء شعبنا العربي في العراق العظيم.
عزالدين بن حسين القوطالي
تونس في: 12/05/2006
|