|
قصة حزينة تدمي القلب وتشق الفؤاد
تراءت لي من البعيد صورتها الجميلة.. أسير وأسير.. وفجأة تذهب وتختفي.. إلى أين؟ لا أعلم! بقيت على حالتي أياماً وأسابيع وشهوراً لا أدري، يمضي اليوم مثل الذي قبله، لا فرق بينهما كل ما حولي علاه غبار الأيام، وأنا أجلس على هذا السرير الأبيض اكتب لكم قصتي، نعم قصتي التي عشتها في جو أسري بسيط.. ودونما سابق إنذار التمع البرق في السماء وأمطرت بقسوة في شدة الصيف لينقلوا إلي الخبر.. وفاة والدتي...
أساس كل شيء ضياء عتمته الأحزان، منبع التضحية المتدفق، من كانت تملؤني حناناً وطيبة، من كانت شمعة لهذا البيت تنير للآخرين دروب حياتهم وقد أفل شعاعها واحترقت وهي واقفة...
نعم فقدت نبع الحنان الذي لم ينضب قط، بل طود المحبة المعطاء الذي جعل البيت عامراً بالأخوة الصادقة، فقدت أمي الغالية أمي الحبيبة...
قد لا يشعر بالمصيبة إلا من وقع فيها، وهل من مصيبة أعظم من أن يفقد الإنسان من يحب؟ من يشعر نحوه بكل معاني الفضل والوفاء والامتنان؟ بل وهو في أمس الحاجة إليه؟
فما بال القراء لو علموا أني صغرى إخوتي، وأشدهن تعلقاً بوالدتي الفقيدة.. ودَّعتها وأنا لم أبلغ بعد سن الخامسة عشرة.. عمر الورود كما شاع أن يقال، وأينها تلك الورود لتأتي وتعزيني؟؟
عندما وصلت إلى البيت رأيت إحدى أخواتي وعيناها متورمتان من شدة البكاء، أحسست، بل تيقنت في تلك اللحظة بأنني من كثرة الخوف والهلع قد كف قلبي عن الحركة، وأن دمي قد جف في عروقي.
قَدِم أخي إليَّ بوجه شاحب يملؤه البؤس، وأخبرني في البداية أن مصير كل إنسان هو الموت ثم قال إن علينا تقبل الأمر وهو وفاة أمي!!
نزل الخبر المشؤوم على رأسي كالصاعقة، سقطت حقيبتي من كتفي فقد كنت عائدة من المدرسة وفي يدي ورقة الامتحان، أردت أن أُدخل السرور إلى قلبها الكبير، توقف العالم حولي عن الدوران..
ضحكت كثيراً وبكيت أكثر لم أعد أستطيع السيطرة على مشاعري أهي الحقيقة ما يقولون؟ أم أراد أخي أن يمازحني كعادته؟
توقف الدم من السير إلى ساقي فلم تستطيعا حملي فأعلنتا الانهزام وقبول ذاك الواقع المر.. سقطت ضحية لألمي الذي أخذ ينهش بكل جزء من جسمي الذي لم يعرف حزناً كهذا الحزن المفجع من قبل..
فتحت عيني وللوهلة الأولى اعتقدت أنه كابوس مزعج، ولكن كل ما حولي كان أبيض حتى وجهي لم يبق به علامة تدل على الحياة.. إرهاق ملأ كل زوايا جسدي النحيل، إنني اسمع صوتها يدوي كدوي الرعد وهي تناديني، ملأني الحماس، جلست أريد أن أذهب لألبي نداءها.. أوقفتني الأسلاك التي في يدي.. لا لن تمنعني منها، قطعتها بكل قوتي، السرير كان مرتفعاً نوعاً ما، سقطت على الأرض، زاد الألم ألماً، ولكن صوتها بث في نفسي القوة، لن تمنعني آلامي، سأذهب لها، ساقي ثقيلة لم أستطع أن أسير، لن يقف أي شيء حائلا بيني وبينها، بدأت بالحبو كطفل صغير، دخلت الطبيبة، رأتني بهذه الحالة، استدعت الممرضة كي تعيدني إلى السرير الذي هو ليس إلا سجنا مفزعاً بالنسبة لي.. بدأت بالصراخ، اتركوني أريد أمي.. أماه لا تذهبي إنني قادمة سوف أحضر إليك.. لا لا اتركوني.. أحسست بوخزة ثم أظلمت الدنيا وأظلمت وأظلمت، وقد تاهت حروف أمي في فمي الذي أخذ يردد اسمها كصدى بدأ يختفي شيئا فشيئا مع استسلامي للإبرة المهدئة...
وأراها لا تغادر مخيلتي أبداً كما هي دوماً تبتسم أعذب ابتسامة، لم أكن أريد أن أفيق من حلمي الجميل.. لا أعلم كم من الأيام قد مضى علي! ربما الكثير وربما القليل.. استيقظت وعادت الأسلاك إلى يدي.. آه كم أكرها كثيراً هذه الأسلاك شعرت أنني أقوى قليلاً مما كنت عليه، سبحت في صمت مطبق قطعه علي دخول الطبيبة ومعها أبي لتقول له إن حالتي أفضل ويمكنني الخروج..
سرت فوق عتبات المستشفى الذي لا أذكر متى دخلت إليه! ذهبت إلى المنزل ولكن يا إلهي ماذا أرى أهذا منزلنا؟ أناس كثيرون والدموع في أعين الجميع، والألسن تلهج بعبارات التعازي والدعوات، والأعين تحرقني وتلسعني بنظرات الشفقة، والأيدي تمسح ما نزل على الوجنات.. فما كان مني إلا أن رددت، وبأعلى صوتي كي يسمعني الجميع بعض أبيات كنت احفظها..
هــم وغــم حــيرة وتــوجع ------------ في دارنا ومــصائب تـتدافع
هي دارنا دار الرحيل وكلنا ------------يوماً إلى دار البقاء سنجمع
وألتفتُ إلى إخوتي وأقول..
مالي أرى هذي الوجوه حزينة---------- مالي أراها بالـسواد تلفَّع
ما للــعيون بدمعــها رقــراقـة---------- ما للقلوب بأصلها تتقطع
فخاطبتني كبرى أخواتي بقولها..
قالوا ترحل في المساء حـبيبنا --------- فقـدت بـلابـلنا هـنـا لا تـسمـع
مات الجواد من الخليقة لم يعد ------- يجدي الكلام ولا النياحة تـنفع
تلك الشمائل لا تسل عن حسنها -------ورد وعــطر فــائــح يتــضوع
ربـــاه ألهمــنا اصــطــباراً إنــنا -------بــعد الـــفراق بــأمنـا نــتفجع
والآن أكتب لأمي الغالية أقصر رسالة دوَّنها التاريخ، وهي أمي الغالية أحبك، نعم أمي الغالية هنيئاً هنيئاً لك بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين بإذن الله.. أماه إن كانت روحك وجسدك قد ذهبا فسيرتك العطرة وتضحياتك الكبيرة لرسم بسمة على شفاهنا ستبقى في قلوبنا وأفكارنا دوماً.. أمي العزيزة سوف ألاقيك في الجنة بإذن الله وبرحمته تعالى فمتى سيكون اللقاء؟ أماه لك مني الدعاء الدائم بأن يسكنك الله في الفردوس الأعلى ـ إن شاء الله ـ وإنني ابنتك التي ستظل تحبك مادام هناك هواء يدخل جوفي، وإن كانت مشيئة الله قد أرادت أن تتركيني وأنا في أمس الحاجة إليك فقد تركتِ لي بعد ذهابك أباً وأخوة هم أغلى الناس عندي بعد الله ورسوله ثم أنت " إنا لله وإنا إليه راجعون"
|