|
المغتربون 00 شكرا لكم
في ظل حقائق تشير إلى أن اليمن دولة من العشر دول (الأشد فقراً) في العالم وأنها مصنفة ضمن ثلاث دول عربية هي اليمن، وموريتانيا ، وجيبوتي في خانة الدول (الأقل ملائمة للعيش) وأن إستهلاك الفرد اليمني من اللحوم الحمراء لا يتعدى الثلاثة كيلوجرامات في (العام). ووأنها أيضاً تقع بين أربع دول عربية يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 1000 دولار سنوياً بينما يقبع ما يقارب ثلثي السكان تحت خط الفقر. وزاد الطين روعة فوق روعته إعلان البنك الدولي خفضه لمعوناته المقدمة لليمن بنسبة 34% من 420 مليون دولار في العا م إلى 280 مليون دولار بسبب الفساد الذي يصر الإعلام الرسمي أنه (كلام جرائد) وهو غير كلام (نواعم) طبعاً.
في ظل أرقام بائسة كثيرة على هذا الوزن .. أرقام لكناها نحن البسطاء ولاكها الخبراء الأجانب والمحليون حتى بان العظم .. يتسائل الواحد منا .. كيف يعيش اليمني .. كيف أستطاع هذا الكائن الخرافي .. المسمى اليمني .. إمتلاك قدرات خارقة مكنته من العيش بين أرقام لا ترحم .. تحبس عنه حتى الماء الملوث والكهرباء الضعيفة المتقطعة .. أرقام كتلك التي ترد في(أي) تقرير دولي عن (أي) شيء (سيء) في العالم .. إبتداءاً بالكهرباء وإنتهائاً بكرة القدم .. تقارير لا بد وأن نجد وطننا فيها يزاحم الاصفار .. بكل فخر وسرور.
هل يعيش اليمني على النفط .. الذي يشكل 75% من الدخل القومي لليمن .. ولا نعلم أو ربما نحن نعلم إلى أين يذهب .. ذلك السائل اللعين .. الذي يرتفع سعره عالمياً .. كل يوم .. ويزداد فقرنا مع كل إرتفاع .. في أحجية عجيبة .. لا تجد مثلها سوى في اليمن .. هل يعيش من تصدير المنتجات الثقيلة .. التي تنتجها مصانعنا بعد ما يقارب الأربعين سنة من الإستقلال والثورة .. تلك المصانع التي نشكو من إزعاج مكائنها التي لا تتوقف عن العمل.. هل يعيش من دخل المنطقة الحرة التي لم نراها بعد رغم مرور أكثر من عقد ونصف على( إفتتاحاتها) المتتالية؟
تقول الكاتبة والمحللة السياسية الأميركية جين نوفاك لتي وُصِفت بأنها من أشهر المحللين الدوليين والمعلقين السياسيين في (المؤتمر نت) في ديسمبر-2004.. ثم أصبحت .. وفي يوم وليلة .. (العاطلة) و(الأجيرةلأنها تُحدث موقعها الالكتروني في (وقت متأخر من الليل)... إضافة لكونها (لا تتحدث العربية) .. هكذا فقط .. في يوم وليلة .. تقول هذه (العاطلة والأجيرة) .. في مقالها .. اليمن .. الفشل أو الديمقراطية .. (اليمنيون أناس أقوياء ورحماء ويَهتمّونَ بجيرانِهم، وهذا هو الحصن الأعظم الذي يميزهم ويجعلهم يتحملون الفوضى في البلاد).
هذه القوة وهذه الرحمة والإهتمام بالجيران وبالفقراء يشكلون القدرات الخارقة التي مكنت لحسن الحظ ,, أو ربما لسوءه .. لا ندري .. مكنت الأوضاع من الإستمرار دون إنهيار فوضوي قد يدمر كل ما تبقى من ملامح إستقرار سياسي وإجتماعي في البلد .. فوضى ستدفع بما تبقى من البلد نحو بلقنة .. بحت الأصوات من كثرة التحذير منها .. كان آخرها (عاطل) و (أجير) آخر هو الأكاديمي الامريكي روبرت بوروز الذي ينتظر الآن نصيبه من (الردح) الإعلامي الرسمي الذي لا يقتنع به سوى كاتبه فقط.
أسباب (التراحم) الإجتماعي بين اليمنيين تعود إلى تنشئة دينية تغلب على كل مناطق اليمن بالإضافة إلى نظام إجتماعي تقليدي يشجع على التكاتف والتلاحم .. إذ يقال .. كمثال فقط ..أن 70% من اليمنيين يتزوجون من داخل الأسرة .. بما يدل على أن تمسك اليمني بهذا الوحدة الإجتماعية (الأسرة) كبير جداً وأساسي في تكوين هوية اليمني وإهتماماته .. يُضاف إلى هذه الاسباب من وجهة نظري .. غياب مزمن للدولة .. التي تلعب دور دولة (الجباية) فقط .. مع غياب شبه كامل لدولة (الخدمات) .. هذا الغياب أدى باليمني إلى التعامل معه عن طريق الإنكماش على الوحدة الإجتماعية الأصغر ,, القبيلة .. الأسرة .. أو حتى المحيط المهني.
يعتمد اليمنيون .. أو معظمهم .. على شخص ما .. من الأسرة .. يكون في الغالب مغترب .. يقوم بدعم الأسرة مالياً .. بما يسمح للأسرة بالإستمرار في (الحياة) .. عن طريق نظام إقتصادي تقليدي يعتمد على (الحوالات) .. زاد الناس في عدن على سبيل المثال على (معايدة) العيد التقليدية هناك .. مصطلح (خرجة من البلد) .. فأصبحت المعايدة .. (فائز .. عروس .. حاج .. وخرجة من البلد) .. وكل سنة وأنتم طيبين... كما أن أغنية من نوع (غربة غربة ولو تهريب) تجد بين اليمنيين قبولاً كبيراً ينافس قبولهم لكاظم الساهر .. أصبحت الهجرة والحوالة .. ثقافة عامة . وأصبح معظم الشباب .. العشرة ملايين .. في إنتظار فيزا .. إلى أي مكان.
إعتماد اليمنيين على المغترب كبير ... تجلى هذا الإعتماد ... بعد عودة مغتربينا من السعودية والكويت في 1990 بسبب موقف اليمن من اللجوء للحل العسكري الغربي لتحرير الكويت .. شاهدنا كيف تدهورت الأوضاع الإقتصادية بسرعة كبيرة.. كيف عاد عشرات الآلاف إن لم يكن أكثر من المغتربين بأسرهم التي إعتادت على مستوى إقتصادي وإجتماعي معين إلى (الصنادق) وبيوت الصفيح وإلى مياة ملوثة وكهرباء متقطعة وبيارات متفجرة .. مؤثرة مباشرة على أوضاعها وأوضاع الأفواه التي كانت تعتمد على حوالاتها في الداخل إذ كانت الحوالات وما زالت تشكل نظام إقتصادي موازي في اليمن.
تأثير عودة المغتربين لم يكن على الأسر فقط .. وإن كان تاثيره عليها مباشر .. بل وعلى الإقتصاد اليمني ككل .. تأثيراً من الواضح أنه لم يكن في حسابات صنعاء عندما أعلنت عن رأيها فيما يخص العراق والكويت .. فحسب المركز الوطني للمعلومات تراوح حجم تحويلات المغتربين منذ أواخر السبعينات ونهاية الثمانينات من القرن الماضي قرابة (2) مليار دولار سنوياً في المتوسط وظلت خلال تلك الفترة تحتل النسبة الأعلى في مكونات مصادر النقد الأجنبي التي ترفد اقتصاد الوطن ، أما متوسط تحويلات المغتربين خلال الفترة 89-2000 م فقد بلغت ما يوازي واحد مليار دولار سنوياً حيث مثلت ثاني أهم مصدر للنقد الأجنبي للوطن بعد عائدات النفط خلال نفس الفترة .. أي أن إنخفاضاً بنسبة 50% طرأ على حوالات المغتربين بعد حرب الخليج.
في المقابل أرتفع إنتاج اليمن من النفط .. وأرتفعت أسعاره عالمياً .. لكنها إرتفاعات لا يستفيد المواطن اليمني منها .. ولا يهتم بها أيضاً .. لأنه لا يراها .. لا يلمس تأثيرها على حياته .. فالأرقام التنموية تمشي بإتجاه معاكس تماماً مع أرقام النفط .. بينما .. إنخفاض الحوالات وتوقفها بالنسبة لآلاف الأسر قد أثر عليها مباشرة .. داخل كل بيت وعلى كل فرد .. لأنها .. الحوالات .. لم تكن تُنهب ويلتهمها الفساد .. إذ توصل إلى جيوب أصحابها مباشرة دافعة في تحسين أوضاعهم والدفع بعجلاتهم الإقتصادية الصغيرة .. فتُزوج هذا وتُعلم ذاك وتبني للآخر غرفة على السطح.
الآن .. يتجه العالم كله .. وليست دول الخليج فقط .. إلى (التوطين) .. بمختلف تسمياته .. بما سوف يؤدي إلى عودة المزيد والمزيد من المغتربين إلى الوطن مع توقف حوالاتهم طبعاً .. مضيفاً عبئاً فوق أعباء المواطن اليمني البائس الذي ما زال فمه مفتوحاً على الخارج بعد أربعة عقود من الثورة والإستقلال .. فهو .. مواطن الداخل .. كان وما زال المستفيد الأول من حالة الإغتراب التي صاحبت اليمني منذ أن نخرت الفيران في عماد الإقتصاد اليمني.. ولكن .. ماذا أستفادت (الدولة) من هؤلاء المغتربين طيلة هذه المدة غير أنهم كفوها عناء الإهتمام بمواطنيها ؟؟ وماذا أعدت للإستفادة منهم لهم في حالة رجوعهم مرغمين أو مخيرين إلى الوطن؟؟
تشكل حوالات المغتربين ما يقارب 25% من دخل البلد من العملة الصعبة .. تتفوق في (تأثيرها) على ال 75% القادمة من النفط .. لأنها .. ال25% أعني تذهب مباشرة إلى جيب المواطن البسيط . ولا يلتهمها الفساد .. كما يقدر حجم رأس المال المملوك للمغتربين اليمنيين في مختلف بلدان الاغتراب بـ(30) مليار دولار وفقا لما ورد في "وثيقة رؤية اليمن الاستراتيجية" كما يقدرها آخرون بـ(60) مليار دولار حسب المجلس الوطني للمعلومات .. فماذا أعدت الدولة لتجاوز الإستفادة من نظام الحوالات إلى الإستفادة من رؤوس الأموال الضخمة هذه وما صاحبها من سمعة وخبرة ممتازة للمغترب اليمني في الخارج وماذا عملت لإمتصاص صدمة أخرى مثل صدمة 1990؟
منقووووووووووووووووووووووووول
|