الغدير: العيد الأكبر
قال الله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين)(سورة المائدة: 67).
ذكر المفسرون والمؤرخون والمحدثون في تفسير هذه الآية: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرر الذهاب إلى الحج في السنة الأخيرة من حياته ـ والتي عرفت فيما بعد بحجة الوداع ـ فانتشر نبأ سفره، وتوافد الناس إلى المدينة المنورة، وانضموا الى موكب الرسول، حتى بلغ عدد الذين خرجوا معه 120 ألفاً عدا الذين أنضموا إليه في الطريق والتحقوا به من اليمن وفي مكة.
ولما أدى (صلى الله عليه وآله وسلم) مناسك الحج انصرف راجعاً الى المدينة حتى وصل الى وادي الجحفة بأرض غدير خم، وهي المنطقة التي تتشعب منها الطرق الى المدينة والعراق ومصر واليمن، وكان وصوله في يوم الخميس، الثامن عشر من شهر ذي الحجة وقت الضحى.
وبينما المسيرة العظيمة تواصل السير إذ هبط الأمين جبرئيل من عند الله تعالى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاتفاً بالآية الكريمة: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين). وأبلغه أن الله تعالى يأمره بأن يقيم علي بن أبي طالب إماماً على الناس وخليفة من بعده ووصياً له، وأن يبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد..
فانطلق ابو بكر وعمر الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالا له: هذا أمر منك أم من الله؟
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وهل يكون هذا عن غير أمر الله! نعم أمر من الله ورسوله.
فقاما وتقدما الى علي (عليه السلام) وبايعاه بالإمامة والخلافة.
وقال عمر ـ وهو يبايع علياً : بخَ بخَ لك يا بن أبي طالب ـ وفي خبر: هنيئاً لك ـ أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة
ولما انتهت البيعة للإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وقبل ان يتفرق الناس، هبط جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الآية: (اليوم أكملت لكم دينكم، واتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا)(سورة المائدة: 3).
فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي بعدي).
وقد روى حديث الغدير عن النبي (صلى الله عليه وآله) نحو المائة وعشرين من الصحابة، ولا أظنك تجد في السنة النبوية كلها حديثاً آخر روته هذه الكثرة من الصحابة بل ولا نصف هذا العدد. فحديث الغدير رواته كثيرون للغاية.
ومن جانب آخر نرى إن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقل ذلك في بيته ولا في مسجده ولا في قلة من أصحابه بل أعلنها صرخة مدوية في جمع لم تسعهم المدينة كلها في جميع ملئوا البيداء المترامية الأطراف في أكبر تجمع اسلامي شهده التاريخ على عهد النبوة.
قال ابن سعد في الطبقات: فأجمع (صلى الله عليه وآله) الخروج إلى الحج وآذن الناس بذلك فقدم المدينة بشر كثير يأتمون برسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجته..
وذكر نحو ذلك ابن حبّان في الجزء الثاني من كتاب الثقات.
وهذا مأخوذ من حديث لجابر فيما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف قال جابر فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله (صلى الله عليه وآله) ويعمل مثل عمله.
وفي حديث آخر لجابر أخرجه أبو يعلى في مسنده مرتين في الجزء الرابع والجزء الثاني عشر قال جابر: فنظرت بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي مدّ بصري والناس مشاة وركبان..
وقال ابن شاكر في الجزء الأول من عيون التواريخ: وحج معه (صلى الله عليه وآله) من الصحابة مائة ألف ويزيدون حتى حج معه من لم يره قبلها ولا بعدها ونالوا بذلك نصيباً من الصحبة..
وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة في كلامه على حديث الغدير: (وكان معه صلى الله عليه وسلم من الصحابة ومن الأعراب ممن يسكن حول مكة والمدينة مائة وعشرون ألفاً وهم الذين شهدوا معه حجة الوداع وسمعوا منه هذه المقالة..).
ثم قال: (ان الله مولاي، وأنا ولي كل مؤمن) ثم أخذ بيد علي فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) رواه أحمد والحاكم.
فقــوله: (صلى الله عليه وآله): (من كنت مولاه فعلي مولاه) بعد قوله (كأني قد دعيت فأجبت) تعريف واضح بين وارشاد المؤمنين بأن الأمر بعده للإمام علي عليه السلام، وانه وصيه على أمته المؤمنة الصادقة في ايمانها، الأمين في تبليغ رسالته.
ولذلك قال له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) فكما كان هارون خليفة موسى في أمته وتبليغ شريعته كذلك أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن علي عليه السلام بأنه منه بهذه المنزلة وكفى هذا بياناً.
وان من انكر هذه الوصية من ابتعد عن التحقيق وجرفه سيل النواصب المنافقين!! مع ثبوت ذلك في غير حديث صحيح مما يدل على إن الولاية الشرعية المهدية الهادية للحق هي للإمام عليه السلام وحزبه وأنصاره.
وقد بين صلوات الله عليه وآله وسلم فضل امامته على غيره بقوله: (ان تولوها علياً تجدوه هادياً مهدياً).
تحــــــــــــــــــــــــــياتي صقر الوادي