|
نماذج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الجزء الثالث)
تضمن ما سبق الحديث عن بعض نماذج حية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الجزء الأول)و(الجزء الثاني)،وهذا الجزء الثالث (بعون الله ونوفيقه) لعلنا نعي موطن القدوة والعبرة منها:
الخليفة الناصر والمنذر بن سعيد البلوطي
المنذر بن سعيد البلوطي (سلطان الأندلس)، وله مواقف عجيبة، منها الموقف التالي:
كان الخليفة عبد الرحمن الناصر كلف بالعمارة، وإقامة المعالم، وتشييد الدور، ومن ذلك أنه بنى مدينة الزهراء، واستفرغ جهده في تنميقها، وإتقان قصورها، وزخرفة مصانعها، حتى لقد ترتب على اهتمامه بذلك الأمر وإشرافه عليه بنفسه أن تأخر عن صلاة الجمعة ثلاثة أسابيع متوالية، فلم يصلها مع المنذر بن سعيد-وكان يتولى الخطابة والقضاء-فأراد المنذر أن يعظ الخليفة، ويكسر من غروره، ويحاسبه على إنفاقه الأموال الطائلة في التشييد والعمارة، وعلى انشغاله بذلك عن الإقبال على الله.
فلما كان يوم الجمعة، وحضر الخليفة، صعد المنذر المنبر، فبدأ الخطبة بقول الله تعالى: { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [الشعراء128-135].
واسترسل يقول: ولا تقولوا: { سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } [الشعراء: 136-138].
{ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً }[النساء: 77]
ومضى يذم الإسراف في تشديد البناء، والعناية بالزخرف، بلهجة شديدة، ثم تلى قول الله عزوجل: { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 109-110]
وأتى بما يشاكل هذا المعنى، من التخويف بالموت وفجاءته، والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، وأسهب في ذلك، وأضاف إليه ما حضره من الآيات القرآنية، والأحاديث، وآثار السلف، وأقوال الحكماء والشعراء وغير ذلك، حتى بلغ التأثر بالناس مبلغه، وضجوا بالبكاء، وكان للخليفة من ذلك نصيب كبير. إلا أنه وجد في نفسه على المنذر، وشكا إلى ولده الحكم ما لقية من الشيخ، وقال: والله لقد تعمدني بالكلام، وقد أسرف علي، وبالغ في تقريعي. وأقسم ألا يصلي وراءه مرة أخرى، وصار يصلي وراء أحمد بن مطرف خطيب جامع قرطبة.
هذه هي أقصى عقوبة كان بإمكانه أن ينزلها بالمنذرين سعيد، لأنه يعرف له مكانته وقدره.
فرحم الله أولئك العلماء العاملين، الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، غير خائفين في الله لومة لائم، أو جبروت حاكم.
إنهم قوم شعروا بثقل الأمانة الملقاة على عواتقهم، فشمروا لحملها.
وأيقنوا بحفظ الله لهم وتأييده إياهم، فيذلوا في سبيل إظهار دينه كل ما يملكون، ونصحوا للأمة حق النصح، فلا عدمت أمثالهم الأمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
م
ن
ق
و
ل
وننتظر الردود
|