منتديات شبوة نت

يعد هذا الموقع أكبر موقع عربي للبرامج و شروحاتها ، وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب ، انضم الآن و احصل على فرصة استخدام و تحميل و تنزيل و تجريب افضل برامج وادوات الكمبيوتر.



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 5 من 5
Like Tree0Likes

الموضوع: كتاب أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجي"...

  1. #1
    قلم الماس الصورة الرمزية وزير الخارجية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    5,785

    كتاب أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجي"...

    كتاب أحمد داوود أوغلو "العمق الاستراتيجي"... التوازن الداخلي العربي: أزمة القومية ومسألة الشرعية (1 من 3)




    تصدر قريباً الترجمة العربية لكتاب وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، «العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية» الذي تنشر «الحياة» على ثلاث حلقات فصولاً منه.

    ويقدم داود أوغلو في الفصل المنشور اليوم تشخيصه لحال العالم العربي والازمات التي يواجهها وإمكانات الخروج منها وموقعه ضمن التغيرات الدولية الكبرى، معتمداً على مراجعة تاريخية عميقة لتاريخ التطور السياسي في الدول العربية الرئيسة.

    ويصدر الكتاب عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» و «مركز الجزيرة للدراسات» بترجمة محمد جابر ثلجي وطارق عبدالجليل ومراجعة بشير نافع وبرهان كوروغلو.

    اندلعت حرب الخليج في منطقة الشرق الأوسط، التي كانت بمثابة إعلان انتهاء الحرب الباردة، وأحدثت تغيرات خطيرة في التوازنات الداخلية، وفي ما تحمله هذه التوازنات من أهمية للحسابات العالمية. أدى اندلاع هذه الحرب، بسبب أزمة بين دولتين عربيتين، إلى خلق أزمة على نطاق واسع داخل العالم العربي. وعلى عكس ما هو متوقع، كان لعملية السلام في الشرق الأوسط، التي أعقبت حرب الخليج، تأثير مضاعف؛ ذلك أن عملية السلام قامت على مناورات تكتيكية قصيرة المدى، بدل أن تقوم على استراتيجية طويلة المدى. ويعود هذا الكابوس الذي ظهر في المنطقة إلى عجز القوة الداخلية عن الارتكاز إلى توازن جديد، تلك القوة التي تبددت بعد انهيار الهيمنة العثمانية، واستندت خلال الحرب الباردة إلى أرضية من التوتر بين حلف الناتو - وحلف وارسو، وبين العرب - وإسرائيل. وتحتاج جميع القوى المهمة في المنطقة الآن إلى تطوير استراتيجية إقليمية جديدة.

    في الفترة التي تلت الحرب الباردة، برز في العالم العربي بعامة وفي الدول المتاخمة لتركيا، مثل سورية والعراق، على وجه الخصوص، نوع من التناقض بين الحقائق المحلية والحقائق الإقليمية لقضايا «الوحدة العربية» و «الدولة القومية»، وهما من الوسائل الأساسية لصوغ الشرعية السياسية الداخلية لهذه الدول وسياستها الخارجية. وقد تسببت هاتان الظاهرتان في حال من التأزم في ميدان التخطيط الاستراتيجي لهذه الدول. فالتناقضات الموجودة بين الماضي الاستعماري الذي أفرز هذه الدول العربية على مسرح التاريخ، وبين أهداف السياسة الخارجية للدولة القومية، تعتبر من أكبر نقاط الضعف في العالم العربي. إذ تعمل كل دولة من الدول العربية تقريباً، لا سيما مصر وسورية والعراق، على تطوير سياسات وحدوية عربية تستمد أسسها من واقعها بصفتها دولاً قومية، وتتخذ منها مرتكزاً أساسياً لشرعيتها السياسية وسياستها الخارجية. هذه الاستراتيجيات المتعددة للوحدة العربية، التي تتعهدها الدول القومية المختلفة، هي استراتيجيات متناقضة بالضرورة، وتدفع بالعالم العربي نحو متاهات مؤكدة، تقضي فيها الصراعات والتوترات الداخلية على مجالات التعاون العقلاني.

    السبب الرئيس خلف هذا الوضع هو التناقض بين خطاب الوحدة العربية وظاهرة الدولة القومية. ترى كل دولة عربية نفسها حبيسة حدود سياسية أضيق مما يجب، وتبني استراتيجياتها الإقليمية على نحو من شأنه تجاوز هذه الحدود. فعلى سبيل المثال، لا تفتأ سورية تكرر وبإصرار أن دورها التاريخي يتجاوز حدودها، بصفتها المركز الذي ولدت فيه فكرة القومية والهوية العربية، وترى في تشكيل الاتحاد السوري شرطاً أساسياً لقيام الوحدة العربية؛ وهي بهذا تربط بين فكرة الوحدة العربية المرحلية ذات المركز السوري وبين المحور الاستراتيجي القومي. وفي إطار هذه الاستراتيجية المرحلية، ترى أن قيام سورية الكبرى شرط أولي وضروري لفكرة الوحدة العربية؛ وتشمل سورية الكبرى في تصورها شرق المتوسط وبلاد الشام، التي تضم لبنان والأردن وفلسطين والإسكندرون، وتعتبر هذه المناطق امتدادات طبيعية انفصلت عنها. ويمكن أن يطلق على هذه الاستراتيجية «استراتيجية شرق المتوسط» (Levant)، من حيث كونها ذات محور شرق متوسطي. وقد زجت هذه الاستراتيجية بسورية إلى ساحة من التوتر المتبادل مع الدول غير العربية في المنطقة، مثل تركيا وإسرائيل، كما وضعتها في مواجهة مع قوى عربية أخرى. وتنطبق هذه الحالة على العراق أيضاً؛ إذ يرى العراق أن في إمكانه تحقيق وحدة عربية في نطاق يتمحور حول البصرة - بغداد، يستند إلى فكرة العراق الكبير، الذي يشمل الكويت وبلاد الرافدين وشط العرب وخوزستان الإيرانية، ما يعد شرطاً أساسياً لتحقيق الاتحاد العربي. وقد وضعت هذه الفكرة العراق في حال مواجهة مع الدول غير العربية في المنطقة، إيران وتركيا، ومع دول عربية أخرى كذلك. وكذلك الحال مع مصر التي تسعى لتحقيق الهدف ذاته في إطار يشمل شمال إفريقيا، ويتخذ من القاهرة مركزاً له.

    وتتمثل المسألة الأكثر تناقضاً في الاختلاف بين استراتيجيات مشروع الوحدة العربية والدولة القومية في انتهاج الدول العربية استراتيجيات توسعية على حساب الدول العربية الأخرى، أكثر مما هي على حساب الدول غير العربية. وتعد السياسات السورية تجاه لبنان، والعراقية تجاه الكويت، أمثلة بارزة على ذلك. كما يعد تمسك مصر بالمنطقة محل النزاع الواقعة في شمال شرقي السودان مثالاً آخر. ولعل جهود الدول القومية لتأسيس وحدة عربية من خلال تشكيل ساحة تأثير خارج حدودها هي السبب الأبرز خلف الأزمة التي يعيشها العالم العربي في فترة ما بعد الحرب الباردة. استهدفت أيديولوجيات الفكر الناصري والفكر البعثي تشكيل وحدة عربية في فترة الحرب الباردة، ترتكز على الإطار الاستراتيجي المرحلي. وأصبحت الوحدة العربية والاشتراكية، وهما الدعامتان الأساسيتان لهذه الأيديولوجيات، مقياسين مهمين، تعنى الدعامة الأولى بالحسابات الإقليمية والأخرى بالحسابات الدولية. وكان من نتاج التقاء هذين المقياسين توقيع معاهدة التحالف الاستراتيجي لمدة عشرين سنة بين سورية والاتحاد السوفياتي، وانتهاج العراق سياسة تسلّحيه مدعومة من موسكو. ولكن انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك البنية ذات الثنائية القطبية أسفرا عن زلزلة مقاييس الوحدة العربية والاشتراكية التي اعتمدت عليها أيديولوجية البعث العلمانية الشمولية، التي كان كل من النظامين السوري والعراقي يستمد منها شرعيته.

    التوازنات التركية - العربية

    ومثلما لم يفلح احتلال العراق للكويت في تحقيق هدف العراق الكبير، ومنه إلى الوحدة العربية، فقد قضى أيضاً على التضامن العربي الذي ظهر في الحرب الإيرانية - العراقية، علاوة على أنه دشن عملية تمزق العراق. كما أن السياسات السورية تجاه لبنان وفلسطين والأردن لم تسفر عن توسيع مجال التأثير السوري، خلافاً لما كان منتظراً منها، بل إنها، وعلى النقيض، أدت إلى احتلال إسرائيل للجنوب اللبناني ووقوع الأردن وفلسطين في عملية السلام تحت وطأة التأثير الإسرائيلي لا السوري. وعلى صعيد آخر، في ظل سياسات التوازن بين النظامين السوري والعراقي، شعرت تركيا بالحاجة إلى تطوير سياستها التوازنية مع إيران والسعودية. وأسفرت هذه الأزمة الاستراتيجية عن نتائج كان منها تشغيل العراق في السبعينات لخط أنابيب كركوك/ يومورتالك، بديلاً من خط الأنابيب الذي كان يمر عبر الأراضي السورية؛ وبذلك ارتبط العراق مع تركيا بعلاقات اقتصادية عقلانية. وفي المقابل، أقامت سورية علاقات استراتيجية وطيدة مع إيران خلال الحرب الإيرانية - العراقية. ولم تكن فكرة الوحدة العربية هي نقطة الصدام بين سياسة سورية الكبرى، وسياسة العراق الكبرى، بل أسست لصراعات ومناورات توازنية داخل المنطقة. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة الى العلاقات المصرية - العراقية، والعلاقات المصرية - السورية.

    يشبه بناء السياسة الخارجية في العالم العربي صراعاً يستهدف إقامة توازن ما والحفاظ عليه. وكما تسعى الدول في هذا الصراع التوازني إلى الحفاظ على بعضها، تسعى في أحيان أخرى إلى طرد بعض الدول بعيداً من ساحة التوازن. ويتمثل المبدأ الأهم في هذه اللعبة التوازنية بعدم أحقية أية دولة في توجيه ضربة من شأنها تضييق ساحة دولة أخرى أو التصرف على نحو يخالف الروح التوازنية في الصراع. وإلا، فإن الدول الأخرى تعاقب الدولة المذنبة بإقصائها لفترة قصيرة عن الساحة. وهذا ما حدث مع العراق حين احتل الكويت، حيث تم إقصاؤه من المنظومة. أما المبدأ الثاني، فهو عدم إمكانية التحالف مع القوى الخارجية تحالفاً يزعزع تماماً التوازنات الداخلية لساحة الصراع. ولهذا، تم دفع مصر خارج الساحة العربية لفترة قصيرة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد. وترتبط عودة الدولة إلى موقعها القديم بالتوافق والانسجام التام مع التوازنات الداخلية. بين الحين والآخر، تشعر الدول التي تسعى إلى البقاء على قيد الحياة، من خلال التربص المستمر بعضها ببعض، بالحاجة إلى إيجاد عدو مشترك ليحفظ لها تكاملها الداخلي. وكما سنفصل لاحقاً، وجدت تركيا نفسها في وضعية المتلقي لردود الأفعال الموجهة ضد إسرائيل، لأنها لم تتمكن من التعامل مع الأزمة في العالم العربي، ومع المناخ النفسي/السياسي الذي أنتجته هذه الأزمة، بالشكل الصحيح والقدر الكافي. ولذا، عانت تركيا حتى أواخر عقد التسعينات من القرن العشرين تراجعاً واضحاً في مسيرتها داخل المتاهات الديبلوماسية في الشرق الأوسط.

    ظهرت بعد مرور ست سنوات على القمة العربية، التي عقدت في القاهرة عام 1996، نتائج مهمة على صعيد التوجهات السياسية العربية. فقد خرجت هذه القمة ظاهرياً بردود أفعال ضد القوى الإقليمية غير العربية، أي ضد إسرائيل وتركيا وإيران، على الترتيب. وساهم رد الفعل العربي إزاء إسرائيل - بسبب سياستها المتصلبة التي انعكست في برنامج حكومة نتانياهو بعد الانتخابات الإسرائيلية - وإزاء تركيا - بسبب الاتفاق الاستراتيجي الذي وقعته مع إسرائيل - إسهاماً كبيراً في تعزيز الانطباع بأن هذه القمة تمثل رد فعل موجهاً من القوى الخارجية. وإذا نظرنا إلى تلك القمة من زاوية أخرى، نجد أن توقيت عقدها أكسبها أهمية خاصة، كونها استهدفت تجاوز أزمة الشرعية التي شهدها العالم العربي، والفراغ الأيديولوجي الذي شعرت به البنى السياسية للدول العربية.

    أصبحت الحركات القومية المناهضة للدولة العثمانية، والتي دُعمت من الإنكليز في النصف الأول من القرن العشرين، وسائل مهمة لتشكيل جبهة معاداة إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية، وما زالت حتى الآن؛ وحددت هذه الحركات الأطر السياسية العربية في النصف الثاني من ذلك القرن. تعرضت بنية هذين النموذجين السياسيين لأزمة شرعية حادة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بخاصة مع افتقاد النفط أهميته الاستراتيجية في السبعينات والثمانينات. وأسفرت الانقسامات بين دول الوطن العربي، والتفكك داخل دوله الثورية ذات الأجندة السوفياتية، عن زيادة حدة أزمة الشرعية هذه بقدر كبير. وبتحول القومية العربية، المرتكزة إلى خطاب ثوري مناضل ضد القوى الخارجية، إلى نهج تصالحي يتسم بقدر كبير من المرونة تجاه عملية السلام، انتقل محور الخطاب المعادي للغرب ولإسرائيل إلى أيدي الحركات الإسلامية. كما أن الحركة القومية العربية، التي كانت تضم العناصر الثورية والمعادية للمنظومة العالمية خلال الفترة بين بداية الخمسينات وحتى أواخر السبعينات، شرعت بعد الثمانينات في تطوير شخصية تابعة للنظام الدولي بسرعة متزايدة. ولم تكن الخطوات المتناقضة المتباينة التي اتخذتها دولة كمصر، أو شخصية كياسر عرفات، سوى انعكاس لأزمة الشرعية. وقد أدت هذه الأزمة أيضاً إلى تبلور شعور بالغربة لدى الجماهير العربية المسلمة تجاه النخب السياسية، وإلى اكتساب حركة المعارضة المعادية للمنظومة العالمية شخصية ذات محور إسلامي. ونذكر هنا أبرز نماذج هذا المتغير وأكثرها تعبيراً عنه، وهو الخلاف القائم في فلسطين بين ياسر عرفات، الزعيم القومي العربي التصالحي، وبين حماس، حركة المعارضة الإسلامية. وثمة أزمة شرعية قائمة بين القطاعات الجماهيرية، والأنظمة الاستبدادية والنخب السياسية العربية القمعية، التي تحول دون تحقيق المشاركة السياسية في البلاد العربية.

    من هذا المنظور، نجد أن القمة العربية في القاهرة عام 1996، التي عرفت بقمة ردود الأفعال، استهدفت إطلاق موجة جديدة من القومية العربية. وتدرك الولايات المتحدة أن مثل هذه الموجة ستساهم في تجاوز النخبة السياسية العربية لأزمة الشرعية؛ ومن ثم، فإن الولايات المتحدة تدعم هذه الموجة القومية الجديدة، طالما أنها لم تطور توجهاً معادياً للنظام العالمي. وتحمل الاتفاقية التي وقعتها تركيا مع إسرائيل أهمية كبرى من هذه الناحية، ومن حيث التوقيت أيضاً؛ فموجة العداء لإسرائيل لم تعد كافية من أجل فكرة القومية العربية، لأن المعارضة الإسلامية المعادية للغرب تتبنى هي أيضاً موقف العداء لإسرائيل. ولذا، فإن السلوك المعادي لإسرائيل يعني إشهار إفلاس سياسات النظم العربية، التي هي بمثابة المهندس لعملية السلام المتواصلة، كما سيكون إقراراً بصحة موقف حركات المعارضة الإسلامية المعادية لإسرائيل. وهكذا، نلاحظ أن الأنظمة العربية القومية استغلت التطور السريع للعلاقات التركية - الإسرائيلية على الصعيد الاستراتيجي استغلالاً يعزز من شرعيتها. وعمدت النخبة السياسية العربية، التي تفتقر إلى الدعم الشعبي لشرعيتها، إلى اعتماد الاتفاقية التركية الإسرائيلية مرتكزاً أساسياً لموجة القومية العربية المتسقة مع النظام العالمي.

    أميركا والقومية العربية

    ومن المدهش أن موجة القومية العربية باتت اليوم ظاهرة مرغوباً فيها من الولايات المتحدة بخاصة. فأميركا هي التي جذبت هذه الموجة إلى داخل النظام العالمي من خلال اتفاقية كامب ديفيد، ومن خلال موقفها المعادي للحركة القومية العربية المعادية للنظام العالمي والتي تزعمها عبدالناصر في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ولذا، فهي اليوم تدعم موجة القومية العربية المتسقة مع النظام العالمي ضد المعارضة الإسلامية المتنامية والمعادية لهذا النظام. ونشير هنا إلى أن تصدي مصر لزعامة هذه الموجة الجديدة هو أمر له دلالته ومغزاه لأنه يصدر عن دولة تعد من أبرز متلقي المساعدات الأميركية. أما تركيا، فقد تعرضت لضعف واضح من حيث مرونة التحرك في السياسات الإقليمية، بعد أن حولت اتفاقية - قيل انها اتفاقية ذات أغراض تقنية - إلى خطوة استراتيجية. ويحمل الوضع، الذي سينتج من تصاعد تيار القومية العربية المدعوم من القوى المركزية في النظام العالمي، في داخله مخاطر بالغة الأهمية بالنسبة الى سياسات تركيا الإقليمية. وعلينا ألا ننسى النتائج التي أدت إليها القومية العربية ذات الدعم البريطاني في بداية القرن العشرين، وتأثيرات سياسات الاتحاد والترقي المتشددة التي مهدت لهذه النتائج.

    كما تؤثر أزمة الشرعية السياسية في العالم العربي، والتحول الذي تمر به القومية العربية، أيضاً في بنية الزعامة السياسية داخل الدول العربية. وقد ظهر في وجه عام نموذجان للزعامة في الأنظمة السياسية التي نشأت في البلاد العربية بعد تحررها من الإدارات الاستعمارية، ومارست دوراً مؤثراً في السياسة الإقليمية خلال مرحلة الحرب الباردة: أنظمة السلطة البيروقراطية التي عملت على استغلال أطر أيديولوجية معاصرة بهدف اكتساب شرعية سياسية حديثة، والأنظمة الملكية التي عمدت إلى الاستفادة من قوالب الشرعية التقليدية. ظهر أبرز نماذج الزعامة البيروقراطية في دول مثل مصر وسورية والعراق والجزائر وليبيا وتونس، وهي دول كانت ولا تزال تدار من جانب زعماء وأحزاب ترنو إلى إعادة تشكيل المجتمع العربي كلية وفق مبادئ العلمانية والقومية والاشتراكية. أما نمط الزعامة المستند إلى قوالب الشرعية التقليدية، فبرز رواده الأوائل في المملكة العربية السعودية والمغرب والأردن ودول الخليج العربي.

    ومن الصعب سبر أغوار سياسة الشرق الأوسط من دون فهم جذور البناء السلطوي للزعامة، الذي نشاهده في الأنظمة العربية في الشرق الأوسط باعتباره سمة مشتركة، والذي اكتسب شرعيته من طريق انتهاج خطاب تقليدي في بعض الدول وخطاب ثوري في دول أخرى. وهناك ثلاثة أسباب مهمة خلف ظهور هذه النماذج من الزعامة: يتعلق أولها بالبنى الداخلية لهذه البلاد، ويتعلق الثاني بسياستها الإقليمية، ويتعلق الثالث بالنظام العالمي. فأما السبب المتعلق بالبناء السياسي الداخلي فيرجع إلى كون هذه الأبنية السياسية إرثاً خلفته الحقبة الاستعمارية في هذه البلاد؛ وكان أبرز نتائج هذه الحقبة تشكل لدول من دون أن يكون لها بناء ثقافي سياسي سليم ومؤسسات سياسية. وهو ما أسفر عن أزمة شرعية سياسية من الصعب تجاوزها؛ فقد رسمت القوى الاستعمارية خرائط هذه الدول، ولكنها لم تسمح لها باستكمال أبنيتها السياسية على نحو مستقل. وهكذا، لم يكن من سبيل سوى أن تقفز تلك الزعامات أو العائلات القوية لملء الفراغ الموجود أو المصطنع، على اعتبار أن هذه الزعامات والعائلات هي المسوغ الوحيد لتشكيل دول مجزأة ومختلفة من المجتمعات المشتركة في الدين والعرق واللغة؛ أي أن الزعامة السياسية هي من أقام البناء السياسي لهذه الدول؛ ففي خمسينات القرن العشرين، كان الارتباط بعبدالناصر يسبق الارتباط بمصر في الأهمية لدى الشعب المصري؛ إذ كان عبدالناصر رمزاً للمثل العربية كلها فضلاً عن المصرية. بذلك، ملأت الشخصيات الكاريزمية الفراغات الموجودة في الأبنية السياسية، بل أصبح في مقدور هذه الشخصيات تحريك شعوب الدول العربية الصغيرة نحو مثل عليا. وعلى هذا النحو، تنتفي على سبيل المثال ثنائية أن تكون عراقياً أو عربياً. أما الدول الصغيرة، المحرومة من تحقيق المثل العليا، فتنشد تعزيز شرعيتها الثقافية من خلال إبراز أبطالها المحليين. وباختصار، يمكن القول إن بعض المشكلات الموجودة داخل البناء السياسي توفر أرضية خصبة لمصلحة نموذج الزعيم الكاريزمي.

    أما السبب الثاني المتعلق بسياسة المنطقة، فهو الكيان الإسرائيلي، الذي يمثل عنصر التهديد الدائم في المنطقة، والذي يحمل أهدافاً توسعية على حساب الدول العربية. وقد تم إقناع العرب الذين لم يحرزوا نجاحاً في حروبهم مع إسرائيل بضرورة وجود الزعامات العسكرية والسياسية القوية في مواجهة ذلك التهديد.

    وأما السبب المتعلق بالنظام الدولي، فلا يخص الدول العربية وشعوبها وحدهم، بل تعنى به أيضاً كل الدول الإسلامية ومجتمعاتها. فبعد الكثير من التجارب المؤلمة، فقدت هذه المجتمعات الثقة في وجود آلية موضوعية عادلة للنظام الدولي. وثمة ظواهر دفعت إلى استغلال حالة عدم الثقة هذه من أجل استمرار الزعامة الاستبدادية. بين تلك الظواهر، عدم تطبيق القرارات الخاصة بفلسطين الصادرة عن الأمم المتحدة، والصمت إزاء احتلال إسرائيل لجنوب لبنان، ووقوف النظام الدولي موقف المتفرج لفترة طويلة أمام محاولة الإبادة في البوسنة. وقد مهدت حالة عدم الثقة، التي هيمنت على المجتمعات المسلمة، لميلاد مناخ نفسي/ثقافي يرنو إلى توفير الأمن، تحت مظلة الاستقرار الذي توفره الزعامات الكاريزمية. ويشكل الشرق الأوسط مشهداً للاستقرار الخطر بسبب البنية الزعامية في الدول العربية؛ حيث لا يبرح أولئك الذين يمسكون بمقاليد القوة السياسية مناصبهم ما لم تقع ضرورة قاهرة، مثل الوفاة أو الإصابة بداء عضال أو الاغتيال؛ ويتمتع هؤلاء بسجل من الزعامة لا يقل عن خمس عشرة سنة. وتدل هذه الصورة على فقدان العلاقة المباشرة بين الاستقرار السياسي والشرعية. ومن ثم، فإن الاستقرار في العالم العربي لا يمكن أن يحقق للمجتمع الأمن السياسي والاجتماعي، أو النهوض الاقتصادي.

    ومع اكتمال العمر البيولوجي للزعماء، بدأت تتغير الزعامات السياسية في البلاد العربية؛ وقد ظهر أول نماذج ذلك التغيير في زعامتين سياسيتين رئيسيتين في الشرق الأوسط، إحداهما تمثل أنظمة السلطة البيروقراطية، والأخرى تمثل الأنظمة الملكية التقليدية. كانت الأولى في وفاة الملك فيصل، ملك السعودية، نتيجة عملية اغتيال، باعتباره الشخصية الرمزية التي تمثل النمط الثاني السابق الذكر؛ ثم وفاة الملك حسين، الذي مثل أبرز شخصيات هذا النمط من حيث الكاريزما؛ وانتقال الحكم من الملك فهد إلى أخيه الأمير عبدالله انتقالاً فعلياً بسبب تدهور حالته الصحية. ولم تؤد هذه التطورات إلى أزمات سياسية جادة على نحو يمكن ملاحظته. بيد أن اختفاء هذه الشخصيات الرمزية يمكن أن يرافق نقاشات حول الشرعية الخاصة بالزعامة التقليدية. وإذا لم تتم الاستجابة لمطالب الجيل الجديد، الذي تلقى معظمه التعليم في الغرب، بالمشاركة السياسية، وإذا لم تتحقق عملية تحول وبناء مؤسسي سليم، فستشهد تلك الدول تدهوراً خطيراً على المدى المتوسط. وبوفاة حافظ الأسد، وهو من أطول الزعماء الكاريزميين عمراً، ظهرت أولى تجارب الانتقال الجاد في ما يتعلق بهذا النمط. وهناك شخصية أخرى مهمة، وهي شخصية بورقيبة في تونس.

    ويمكن تفكك الأبنية السلطوية أن يؤدي إلى توليد دينامية خاصة تشبه الدينامية السياسية التي شهدها العالم العربي في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ومن هنا، فإن من الضروري أن يوضع في الاعتبار إيقاع هذا التغيير ومقاييسه الاجتماعية الثقافية عند إجراء التحليلات الاستراتيجية والتكتيكية في الشرق الأوسط؛ كما عند قيام الدول بوضع خططها المستقبلية.





    الحرية لشيخنا الجليل (يوسف الاحمد)


  2. #2
    قلم الماس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2009
    المشاركات
    6,817

    بالطبع هو ينظر من منظورة للامور السياسية ....
    وليس بالطبع تكون صحيحة بل تحتاج الى دراسة ...........
    شكرا يابن عمى وكل عام وانت بخير









  3. #3


  4. #4
    قلم الماس الصورة الرمزية وزير الخارجية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    5,785

    نقول على مشاهدناه من كتاب (كسينجر الشرق الاوسط) احمد داود اوغلو ....انه برأ ساحة تركيا

    وانها الان قامت بسد الفراغ الذي يقوله وانها هي القادمة لملء الفراغ ...وحمل سوريا والعراق ومصر

    رغم انه اثبت للعراق وسوريا اطماع (بحسب رؤيته) وان لمصر اطماع الزعامه والقيادة والغريبة

    ان حددها بشمال افريقيا ......والى الان ننتظر راية بشأن دخول تركيا رغم انه مبرر لماسبق

    وارى انه رؤية الفيصل عندما دائما يطالب (بالعمل العربي المشترك) رؤية في محلها خاصة في هذه

    الفترة لمواجهة هذه الافكار التي تتعذر بدخول المنطقة العربية لملء الفراغ

    وننتظر باقي الفصول ...في حفظ الله




  5. #5
    قلم الماس الصورة الرمزية وزير الخارجية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    المشاركات
    5,785

    العمق الاستراتيجي: السياسة التركية في إطار العلاقات مع العالم العربي(2)




    ينبغي حتى يتسنى لنا تحليل مسار العلاقات ذات العمق التاريخي المتعدد الجذور في التوازنات الاستراتيجية اليومية للعلاقات التركية - العربية، ألا نتناول المقاييس السياسية القائمة فقط، بل دراسة الأرضية التي ظهرت فيها هذه المقاييس السياسية بجوانبها المتعددة أيضاً. إن أي تحديد لا يضع في اعتباره العناصر التاريخية والسيكولوجية والاجتماعية - الثقافية، التي تحدد الذهنية الإستراتيجية بخاصة، هو تحليل آلي ميكانيكي. لقد اتبعت العلاقات التركية - العربية، بخلفيتها التاريخية، السلبية والإيجابية، مساراً حيوياً نادراً من حيث تأثيراتها الثقافية - السياسية المتبادلة. ويمكننا أن نشير إلى حالة مشابهة في العلاقات الجرمانية - الرومانية في أوروبا، والعلاقات اليابانية - الصينية في آسيا؛ فكما أن الجرمان، الذين شكلوا مجتمعات أكثر دينامية من حيث البناء السياسي، تقبلوا مسيحية روما، واعتنق اليابانيون بوذية الصين وشكلوا ثقافة عالمية، فإن الأتراك الذين جاءوا كجماعات سياسية دينامية من آسيا الوسطى إلى المناطق الخاضعة للسيطرة العربية، دخلوا في الإسلام وانخرطوا في عملية تحول حضاري متعددة الجوانب. وكما حولت المسيحية والبوذية الهوية التاريخية للجرماني والياباني إلى إدراك حضاري، كذلك وفر الإسلام الأساس الحضاري للأبنية السياسية الضخمة، التي أقامها الأتراك في ما بعد، وتمثلت في الدولة السلجوقية ودولة بابر والدولة العثمانية.

    وإذا كانت التراكمات الثقافية التي وضعها العرب خلال العهدين الأموي والعباسي قد انتقلت إلى بنية هذه الحضارة، فإن دينامية الأتراك السياسية - العسكرية، ومهاراتهم التنظيمية ذات العمق الآسيوي، أثرت في الجغرافيا العربية كلها. وقد رفد ذلك التأثير المتبادل، الذي حمل موروثات التراكم الإيراني المتجذر، النسيج الثقافي السياسي للدولة العثمانية. وها هي عواصم الجغرافيا العربية اليوم، مثل القاهرة ودمشق وبغداد، لا تزال تضم الآثار العثمانية التركية. وفي المقابل، نجد أن فن الخط الذي بلغ قمته في إسطنبول هو شكل أنيق لفن الخط العربـي. كما أن مدن تركيا التقليدية، مثل أورفة وقونية وبورصة، ظلت تعبر عن الوحدة والتكامل في النسيج الثقافي مع المدن المشابهة لها في الجغرافيا العربية. دب الضعف في ذلك التأثير المتبادل والمشترك بفعل ما قامت به التيارات القومية التي ظهرت مع الثورة الفرنسية من تمزيق لذلك الإدراك داخل الجغرافيا الثقافية - السياسية العثمانية. وكان من نتائج بروز الهوية القومية والحاجة إلى بناء سياسي جديد في سياق تشكل الدولة القومية، تحول هذا التمزق إلى رد فعل سيكولوجي، صنع أرضية لميلاد نوع من الإدراك «للآخر». كما أن تأثيرات القوى الاستعمارية والتطورات التي حدثت في الحرب العالمية الأولى كانت من العوامل المحرضة على ظهور هذا الإدراك. فمنذ تلك الفترة، رأى القوميون الأتراك في التخلص من التأثير العربـي شرطاً ضرورياً للتمكن من تشكيل ثقافة تركية مستقلة؛ كما تبنى القوميون العرب فكرة أن السبيل الوحيد لعودة العرب إلى الظهور على الساحة السياسية يكمن في التحرر من تأثير السياسة التركية.

    تسببت ردتا الفعل اللتان دفعتا بالعهدين السلجوقي والعثماني - اللذان استمرا نحو تسعة قرون- إلى خارج الإدراك التاريخي، في وجود نوع من «عدم التدوين التاريخي». وقد تحولت هذه الأنماط من المعالجة، إلى ردود أفعال نتيجة عدم التحلي بالقدر الكافي من القدرة على متابعة تجربة بناء الدولة القومية لدى الغرب. فعلى النقيض من تلك المعالجة، نجد أن ايطاليا التي تضم روما والفاتيكان، قد تحولت إلى دولة قومية؛ كما نجد ألمانيا التي تضم العناصر الجرمانية قد تحولت أيضاً إلى دولة قومية. استطاعت هاتان الدولتان القيام بهذا التحول ليس من خلال رفض موروثات التجربة التاريخية المقدسة المشتركة لدى الرومان والجرمان، وإنما بالاستفادة من موروثات هذه التجربة التاريخية على المستويين الثقافي والمؤسسي على حد سواء. في حين أن ردتي الفعل اللتين اتفقتا حول أن موروثات العهدين السلجوقي والعثماني تشكل عائقاً أمام التحديث، نظرت إلى تأثير كل منهما باعتباره عائقاً أمام التحديث. مثلت التراكمات الثقافية للتأثير العربـي بالنسبة للنخب التركية قوة تعطيل، ورأت تلك النخب استحالة القيام بالتحديث ما لم يتم تخليص تلك التراكمات الثقافية من تأثير الجغرافيا التي ولدتها. ولذا، أصبحت صورة الشرق الأوسط لدى النخب التركية مرادفاً للتخلف الواجب التحرر منه ثقافياً، وساحة مخاطر عسكرية - سياسية يتحتم الابتعاد عنها قدر الإمكان. ولقد تأثر الدبلوماسيون والباحثون وصانعو السياسة الأتراك بهذا النسق الإدراكي، الذي تم التعبير عنه في صيغة أدبية في رواية «جبل الزيتون» لفالح رفقي، وفي صيغة المثل الشعبـي «لا ترني وجه العربـي، ولا حلوى الشام». وقد استمدت التحليلات المعنية بهذا الشأن من مصادر خارجية. وأصبحت تركيا بالتالي غريبة عن ثقافة المنطقة وسياستها وتوازناتها الداخلية، بل وانسلخت عنها. وقد أدى هذا الأمر بتركيا إلى فقدان القدرة على التقاط إيقاع المتغيرات الجارية في المنطقة؛ واستقرت الرؤية العامة التي تكونت وفقاً للصورة المرسومة للعرب داخل مركز صناعة السياسة الخارجية التركية.

    أما بالنسبة للنخب العربية، فقد صور الجدار التركي باعتباره ستاراً بين العرب والغرب، وسبباً في تخلف العرب عن اللحاق بركب الحداثة؛ وأصبح الانسلاخ عن التأثير التركي نوعاً من التوكيد على الصدقية الذاتية. وعندما نجمع بين هذا النمط من المعالجة، الذي يرهن ظهور العرب على مسرح التاريخ بالانسلاخ عن التأثير التركي، وبين الدافع الضمني لإثبات الذات، نجد أنهما أوجدا انسلاخاً مضاداً. ويمكن من منظور سيكولوجية الانسلاخ المتبادل، إدراك ذلك القدر من التباعد الدبلوماسي والسياسي بين النظامين السوري والتركي، على رغم مما بينهما من تقارب شديد جغرافياً وثقافياً؛ إذ تضع الشخصية النفسية والحسية لدى الإنسان في هذه المنطقة، الدبلوماسية العقلانية تحت ضغط سيكولوجية الانسلاخ المتبادل هذه، وتجعل مناقشة المصالح المتبادلة والعناصر المشتركة، التي قد تصل إلى الحد الأقصى، أمراً لا يمكن إدراجه في مفاوضات عقلانية. والعقبات السيكولوجية التي شكلت هذه الأنماط الإدراكية المتبادلة، والتي ترسبت في لاوعي النخب، هي عقبات تؤثر تأثيراً سلبياً في مسار العلاقات التركية - العربية على المستوى الدبلوماسي، وفي إسهاماتها المحتملة عالمياً وإقليمياً. ومن الصعوبة بمكان بلوغ العلاقات التركية - العربية مستوى صحياً دون تطوير علاقة عقلانية. وحتى وقت قريب جداً، كان من الممكن التماس العذر للسلوكيات النابعة من ردود الأفعال السيكولوجية هذه لدى بعض الدول التي لا تمتلك رصيداً من التجربة والخبرة، بيد أن دولة مثل تركيا، ذات ميراث تاريخي أقام هيمنة مطلقة في المنطقة دامت لمدة تقترب من الأربعة قرون، يتعين عليها تجاوز هذه العقبات السيكولوجية، وتطوير نمط معالجة استراتيجية تُمكنها من فهم المنطقة بكامل عناصرها، وتحليلها وتوجيهها والإحاطة الشاملة بمفرداتها.

    توازنات الشرق الأوسط والعلاقات التركية - العربية

    عندما نجمع بين التجارب السلبية التي عاشتها المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى تحت التأثير البريطاني، وبين هذا الفهم للتاريخ، نجد أن سيكولوجية الانسلاخ التي تكونت في العلاقات بين تركيا والعنصر العربـي في الشرق الأوسط قد تراكمت وازدادت وتعمقت في فترة ما بين الحربين العالميتين. وقد أسفر النظام العالمي الثنائي القطبية، الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، عن نتائج غذت التناقضات التي أخذت في التبلور في السياسات الإقليمية. أدت سيكولوجية الانسلاخ إلى انضمام كل من تركيا، والدول العربية التي حصلت على استقلالها في الثورات ضد الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، إلى معسكري القطبية الثنائية، في مواقع متعاكسة (تركيا في طرف والدول العربية في طرف آخر)، وإلى فقدان هذه الدول الاستعداد لبناء سياسات إقليمية.

    شعرت تركيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية بضغط التهديد السوفياتي القادم من الشمال، فانتقلت إلى المعسكر الغربـي، وواجهت مشكلة لم تحسب لها حساباتها السيكولوجية والدبلوماسية والتكتيكية تمثلت في أن كل دولة جديدة تظهر في الشرق الأوسط يمكن أن تكون حليفاً محتملاً للاتحاد السوفياتي. وكان من نتائج التمحور حول المعسكر الغربـي - أكثر من كونها تخطيطاً إقليمياً ذا طبيعة استراتيجية - أن أصبحت تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، واتخذت موقفاً سلبياً إزاء أزمة السويس، وشاركت في تأسيس حلف بغداد، وصعّدت حدة التوتر مع سورية إلى حافة الحرب، بانية على التراكم السيكولوجي السلبـي إدراكاً لقطب آخر مخالف. كان الرأي العام العربـي في تلك المرحلة يطور خطابه وصراعه السياسي المعادي للاستعمار إلى توجه مناهض للدول الغربية، وبدأ ينظر إلى تركيا هذه المرة باعتبارها شريكاً استراتيجياً للدول الاستعمارية؛ بينما كانت تركيا تتطور سياستها الإقليمية على نحو يتفق مع الخيارات العامة للمعسكر الغربـي الذي تنتسب إليه. ولم تسفر هذه السياسة الإقليمية عن نتائج تتعلق بالمنطقة وحدها، بل وأدت إلى فقدان تركيا للكثير من اعتبارها وقيمتها لدى معسكر عدم الانحياز، الذي تألف من الدول التي ولد معظمها في خضم ثورات ضد الاستعمار، ووضعها الموقف المعادي للاستعمار في مركز المعسكر السياسي الدولي البديل. تسببت هذه السياسة في وقوع تركيا في حالة من العزلة الدولية، على رغم أنها الدولة التي حازت السبق في القيام بأول حرب استقلالية في الشرق.

    بيد أن التطورات التي شهدتها تركيا في عقد الستينات من القرن العشرين على محور قبرص، والتي شهدتها الدول العربية على محور فلسطين، أسفرت عن نتائج من شأنها التحرر من سياسات المعسكرين العالمية؛ فبينما أدى كل من التوتر الذي عاشته تركيا مع الولايات المتحدة، وخطاب جونسون خلال أزمة قبرص عام 1964، إلى حدوث تغير جاد في بنية السياسة الخارجية التركية ذات الوجهة الواحدة والمعسكر الواحد، أدت هزيمة الحركة القومية العربية بزعامة عبد الناصر في 1967، إلى قيام الدول العربية الراديكالية، وعلى رأسها مصر، بإعادة النظر في مواقفها. أضحت القضايا ذات الطابع القومي لدى الطرفين سبباً في قيام كل منهما بإعادة النظر ومراجعة السياسة الخارجية على أصعدة عدة مختلفة؛ فقامت تركيا بعد خطاب جونسون بتطوير علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي، وحتى يتسنى لها الخروج من عزلتها في الأمم المتحدة، سعت جاهدة لسد الفراغ الذي تركته لدى دول معسكر عدم الانحياز وفي مقدمها الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي. أما الدول العربية، فقد شرعت في اتخاذ خطوات من شأنها القضاء على الخلافات القائمة في ما بينها والمتولدة من انتمائها إلى معسكرات مختلفة، كما بدأت - لا سيما مصر- في إعادة النظر في علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي، الذي حملته مسؤولية جزئية عن هزيمة 1967.

    أدت المقاربات البراغماتية، التي أوجبتها الحاجة إلى الدعم الدبلوماسي المتبادل، إلى إخراج العوائق التاريخية -السيكولوجية من الحسابات؛ واتجهت العلاقات التركية - العربية نحو التحسن في السبعينات. وفي بدايات عقد الثمانينات، أخذت تلك العلاقات في بناء مجالات مصالح مشتركة من خلال روابط اقتصادية مكثفة، كان من نتائجها قيام مشروعات مثل خط أنابيب كركوك/يومورتالك، الذي قرب بين تركيا والعراق. وفي النصف الأول من عقد الثمانينات، عززت تركيا من تأثيرها في المنطقة عبر العلاقات التي طورتها مع دول عربية مهمة، مثل مصر والعراق والمملكة العربية السعودية، بوسائل وعلى محاور مختلفة. كما نهجت تركيا عدداً من السياسات الإقليمية، مثل تبني سياسة عدم انحياز فعال تجاه الحرب الإيرانية العراقية، ومساندة مصر في العودة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، بعد استبعادها منها بسبب معاهدة كامب ديفيد؛ إضافة إلى إقامة ارتباطات أمنية مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، التي كانت عرضة للتهديد الأمني بسبب الحرب الإيرانية العراقية. وتعد هذه السياسات الإقليمية بمثابة ميلاد لسياسة تركية جديدة في الشرق الأوسط، ولعلها أيضاً السياسة الأبرز والأكثر فاعلية لتركيا في المنطقة بعد انسحابها منها في الحرب العالمية الأولى.

    شهد الشرق الأوسط ثلاثة تطورات مهمة أدت إلى تغيير التوجه التركي: انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية، ونشوب حرب الخليج، وعملية السلام. وقد أدت الهدنة التي عقدت بين إيران والعراق، والتي دعمتها تركيا كخطوة مهمة من أجل تحقيق السلام في المنطقة، إلى ميل توازن القوى الإقليمي لمصلحة العراق. وعلىرغم أن العراق لم يستطع أن يحقق نجاحاً عسكرياً جاداً ضد إيران، إلا أنه بات يمتلك بنهاية تلك الحرب التي خاضها بدعم مالي من الدول العربية، ودعم تسليحي من القوى العالمية المعادية لإيران، مخزوناً للسلاح يمكّنه من التأثير على التوازنات سواء داخل المنطقة العربية، أو التوازنات الإقليمية في شكل عام. وإذ أدى ذلك الخلل، وميل ميزان القوة لمصلحة العراق، إلى إزعاج دول مثل المملكة السعودية، ومصر، وسوريا، وهي التي كانت تنظر إلى العراق في حربه الطويلة ضد إيران باعتباره درعاً واقياً للعالم العربـي، فقد دفع تركيا أيضاً إلى البحث عن توازن جديد، بعد أن شعرت بالاضطراب من جراء الفراغ الذي ظهر على حدودها بسبب الحرب. وعندما نجمع بين تصاعد مشكلة المياه وتفاقم التهديدات في الجنوب التركي خلال تلك الفترة، مع التغيير الذي جرى داخل دول المعسكر الشرقي، نجد أن اهتمامات تركيا تحولت من الشمال إلى الجنوب؛ وهو ما بدا في التصاعد الملحوظ في الممارسات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني، وإيواء سوريا له.

    كانت حرب الخليج الثانية بمثابة تحذير من محاولة العراق تحويل مخزون سلاحه إلى مكسب جيوسياسي واقتصادي - سياسي دائم في الكويت. وقد أفرزت هذه الحرب تأثيرات مهمة على العلاقات بين سياسات تركيا الإقليمية والدول العربية. دفعت الحرب بالتأثير المتبادل بين التوازنات الدولية والتوازنات الإقليمية، إلى مستوى غير مسبوق؛ كما عملت على تقليص مساحة المناورة الإقليمية لدى الدول، وفي مقدمها تركيا، التي شعرت بضرورة متابعة التوازنات الدولية متابعة دقيقة. إن إغلاق تركيا خط الأنابيب من تلقاء ذاتها، ودون طلب من الولايات المتحدة، التي اضطلعت بزعامة التحالف الدولي، وتبنيها خطاباً هجومياً شديد اللهجة مع فتحها قاعدة «إنجرلك» للعمليات العسكرية، قد أديا إلى استحضار صورة تركيا الخمسينات، الحليفة للقوى الغربية. بل إن الدول العربية استشعرت القلق من الموقف التركي، على رغم انـزعاجها من التهديد الذي شكله لها العراق.

    وقد تفاقمت حالة انعدام الأمن المتبادل بعد ما أعقب الحرب من تقسيم للعراق فعلياً إلى ثلاث مناطق، وخطورة تحول شماله إلى منطقة فراغ، وتحول الحدود التركية - العراقية إلى خط مواجهة بالنسبة لتركيا، ليس فقط من حيث الأمن الخارجي، بل أيضاً من حيث الأمن الداخلي. وسرعان ما أخذ ذلك الخط في التمدد نحو الداخل التركي بفعل اختراقات حزب العمال الكردستاني، ونحو العمق العراقي أيضاً من خلال التدخلات العسكرية التركية في شمال العراق، وهو ما أسفر عن ردود فعل مضادة من قبل الدول العربية التي نظرت إلى الحدود التركية - العراقية باعتبارها حدوداً بين دولتين فحسب. في الفترات اللاحقة، أثرت العمليات العسكرية التي انطلقت من قاعدة «إنجرلك» التركية مستهدفة معاقبة العراق، تأثيراً من شأنه تصعيد التوتر بين تركيا وبين الدول العربية، وأخذت ردود الأفعال العربية المشتركة تجاه هذه العمليات العسكرية، لا سيما بعد انتهاء التهديد العراقي الفعال للدول العربية، تتجه نحو تركيا، مبتعدة عن الولايات المتحدة وإنكلترا اللتين قامتا بقيادة الحرب. وهو ما يعني أن تركيا قد اضطرت لتحمل فاتورة الغموض الإقليمي بين القانون الدولي والمعيار الجيوسياسي الواقعي. ولعبت كل من مسألة المياه التي ترسخت في مركز اللوحة الاستراتيجية للخسائر الاقتصادية، ومشكلة الأمن الداخلي المتصاعدة التي تعرضت لها تركيا، أدواراً في تصعيد صِدام المصالح بين تركيا والعالم العربـي.

    كما أثرت عملية السلام في الشرق الأوسط، التي بدأت في ظل هذه الأجواء، تأثيراً سلبياً على العلاقات التركية - العربية؛ فلم تتبوأ تركيا موقعاً ما في مركز عملية السلام، ولم تدع بصفتها عضواً فاعلاً إلى اجتماعات عملية السلام المتعلقة بالمجال الاقتصادي، ما تسبب في ضعف تأثير تركيا في المنطقة. وبدلاً من أن تتجه تركيا نحو مشروعات من شأنها الإحاطة بالمنطقة كلها على نحو يعالج ذلك الضعف، إذا بها تدخل في علاقات مكثفة مع إسرائيل في ظل المناخ المواتي الذي وفرته عملية السلام. وطفا على السطح تدهور غير معلن في العلاقات التركية - العربية. بدأت علاقات تركيا مع إسرائيل بمبررات تكتيكية، تتعلق بمسائل أمنية مشتركة؛ وبمرور الوقت، نظرت الدول العربية إلى هذه العلاقات باعتبارها اتفاقاً استراتيجياً. وقد أدى رفع مستوى العلاقات التركية - الإسرائيلية في موازاة انتشار سيناريوات حول إقامة محور تركي - إسرائيلي - أردني بدعم أميركي إلى توفير فرصة لإثارة الرأي العام العربـي في الدول ذات العلاقات المتأزمة مع تركيا مثل سوريا. وبعد أن كانت القومية العربية، في المنظار العربـي، مهددة في الخمسينات من التحركات الاستعمارية الغربية، وفي الستينات والسبعينات من إسرائيل، وفي الثمانينات من إيران، باتت في منتصف التسعينات عرضة لمخاطر وتهديدات تركية؛ وهو ما انعكس على اجتماع القمة العربية في 1996.

    تزامنت الأزمة التي شهدها العالم العربـي مع التهديد الذي تعرضت له تركيا في ظل المناخ الاستراتيجي الجديد لفترة ما بعد الحرب الباردة. وكان لهذا التزامن دوره في دخول العلاقات التركية - السورية، والتركية - العراقية، مناخاً دينامياً جديداً ومتسارعاً. فقد تصاعدت وتيرة تراجع العلاقات من كلا الطرفين بعد تبني تركيا سياسة في شأن العراق وضعت في حسبانها مشكلة الفراغ في شمال العراق، وسياسة تجاه سوريا اختزلت العلاقات في حزب العمال الكردستاني الإرهابـي، والتأييد الدولي الذي حققه ذلك الحزب.

    مستقبل العلاقات التركية - العربية

    من المهم للغاية إعادة تأسيس العلاقات التركية - العربية على أرضية عقلانية، تأخذ في الاعتبار إعادة تحديد المقاييس العالمية والإقليمية، في فترة تشهد تحولات جادة في تركيا والدول العربية، مجتمعة وفرادى. ولا تقتصر هذه الأهمية على مستوى المصالح المتبادلة بين الأطراف، ولكنها تمتد إلى مستوى السلم الإقليمي أيضاً. ولعل بناء هذه الأرضية العقلانية يمكن أن يتيسر من خلال البدء بتجاوز التراكمات السيكولوجية المتبادلة، وترسيخ الوعي بمصير إقليمي مشترك، والحفاظ على العلاقات البينية من مؤثرات التوازنات العالمية. وفي هذا الإطار، يتعين على تركيا أولاً وقبل أي شيء، تطوير وجهة نظر تؤهلها لتحسس نبض العالم العربـي، وتلمس إيقاع التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تشهده مجتمعاته. فعلى سبيل المثال، يمكن تركيا العمل على فهم الوضع الجديد الذي طرأ على سوريا بعد حافظ الأسد، وطرح تفسير لهذا الوضع، لا سيما ما يتعلق بعملية التغيير الاجتماعي التي شهدتها سوريا في الأعوام الأخيرة؛ ويمكن الدبلوماسية تجاه هذه الدولة أن تقيم أرضية صحيحة بناء على مثل هذا التحليل والتفسير. وفي مرحلة إعداد على هذه الشاكلة، ينبغي الابتعاد عن المقاربات التعميمية والسطحية، التي تختزل المجتمعات العربية في تصنيف واحد. مثل هذه المقاربات، تجعل من العسير التوصل إلى رؤية صحيحة وتقييم دقيق للفروق المهمة بين المجتمعات المنتشرة من المغرب إلى عمان ومن العراق إلى السودان، والتي تحمل خصائص ثقافية وسياسية متباينة.

    وعند النظر إلى التصورات المتعلقة بالمستقبل، نجد أن مصدر الخطر الأكبر بالنسبة لسياسات تركيا الإقليمية، يكمن في تصاعد التيارات القومية المضادة؛ فالحركات القومية، لا سيما المدعومة من القوى العظمى، تمتلك خيارات هي الأخطر في توجهاتها الخارجية بالنسبة لسياسات تركيا في الشرق الأوسط. ويمكن لشرق أوسط تنمو فيه الحركات القومية، أن يغلق الأبواب أمام التأثير المباشر لتركيا في المنطقة، ويرهن المنطقة لكيانات سياسية تتحكم فها قوى أخرى. كما أن تصاعد التيارات القومية والحركات السياسية ذات الأساس العرقي سوف يسفر عن مشكلات ضخمة بالنسبة لوحدة الصف داخل تركيا، التي تضم كل العناصر المتبقية عن العهد العثماني. ولذا، ينبغي على تركيا الابتعاد عن المعايير التي من شأنها أن تضعها في تناقض مع الحركة القومية العربية. وعلى رغم ما نراه من انقسام في العالم العربـي، وضعف تأثيره السياسي خلال الأزمة مع سوريا، والذي نظر إليه وكأنه موقف مناسب، لا يجب أن ننسى أن الدول العربية المنقسمة على نفسها قادرة على توحيد ردود فعلها، بل ويمكنها تحريك كثير من المحافل الدولية وفي مقدمها معسكر عدم الانحياز. ثمة حقيقة مفادها أن تركيا، التي تواجه الآن اللوبـي العربـي في المحافل الدولية بعد اللوبـي اليوناني والأرميني، ستواجه صعوبات جمة عند انتهاجها دبلوماسية فاعلة.

    كما أن علاقات تركيا مع إسرائيل، التي اكتسبت بعداً استراتيجياً بتخطيها للسمة التكتيكية المحدودة المزعومة، كانت بدورها عاملاً مساعداً في تصاعد الحركة القومية العربية. إن تدهور العلاقات الثنائية بين تركيا ودول عربية مثل سوريا والعراق، في موازاة علاقات تركية متطورة مع إسرائيل، من شأنه حشد العالم العربـي كله ضد تركيا؛ وهو ما يعني بالأحرى إقصاء تركيا عن المنطقة إقصاء فعلياً. إن الخطر الأكبر في سياسة الشرق الأوسط يتمثل في الانعزال أمام حركة جبهة واسعة. ولا ينبغي أن ننسى حجم التأثير السلبـي الذي تعرض له دور مصر الإقليمي بعد الإقصاء الجماعي لها من قبل العالم العربـي بسبب معاهدة كامب ديفيد. أما النموذج العراقي، الذي عاش حالة من العزلة التامة في المنطقة بعد حرب الخليج، فيبرز جانباً من مخاطر السياسات التي لا تأخذ في الاعتبار ميزان القوى في المنطقة. ولعل الخطوة الأهم للحيلولة دون حدوث استقطاب وشيك، تتمثل في تطوير العلاقات الثنائية مع الدول العربية، كل على حدة، من خلال تنويع هذه العلاقات وتعميقها على نحو يوسع من مجالات المصالح المتبادلة. يمكن لمثل هذه السياسة أن تقلص من المخاطر التي قد تسفر عنها ردود الأفعال. ومن الأمثلة على هذه العلاقات الثنائية: العلاقات الدبلوماسية في المسار العام للعلاقات التركية - الأردنية، والعلاقات التركية - المصرية بعد كامب ديفيد، والعلاقات الثنائية في مجال المصالح المشتركة، كما في العلاقات التركية - العراقية خلال الفترة الممتدة من تشغيل خط أنابيب كركوك - يومورتاليك حتى انتهاء الحرب الإيرانية - العراقية، والعلاقات التركية - الليبية في عقد الثمانينات، وأثناء أزمة قبرص، حين اتسعت مشاريع المقاولات المشتركة.

    وينبغي إزاء احتمال تشكل استقطاب بفعل أوضاع معينة الاهتمام بالعلاقات مع إيران، وهي الدولة المسلمة غير العربية في المنطقة؛ ففي حال تعثر العلاقات التركية - العربية، يمكن للعلاقات التركية - الإيرانية كسر حالة العزلة الإقليمية. كما أن حرص تركيا في علاقاتها مع إسرائيل على أن لا تتولد عن هذه العلاقات نتائج تؤدي إلى فرض حالة من العزلة على تركيا داخل التوازن التركي - العربـي - الإيراني، هو عنصر مهم في سياسات المنطقة. أما الأمر المهم الآخر في العلاقات التركية -العربية، فيتعلق بتجاوز العلاقة القائمة بين التوازنات الدولية المعايير الإقليمية، وتجنب ما قد يفضي إلى استقطاب متبادل. فقد تتعرض صورة تركيا الإقليمية وتأثيرها للضعف إذا نظر الرأي العام العربـي إليها باعتبارها دولة محورية في حسابات الدول الأخرى وتستند إلى التوازنات العالمية. وكما أن تركيا دولة لم تحقق التكامل مع دول المنطقة بعد، فهي أيضاً دولة تفتقد إلى السلوك المعياري المتميز. وينبغي على الحسابات التكتيكية ذات المدى القصير ألا تؤدي إلى إفساد صورة تركيا الاستراتيجية الدائمة. فعمق تركيا التاريخي وموروثها داخل المنطقة يتناقضان مع وضع الامتداد الإقليمي لأي قوة أو معسكر عالمي. مثل هذا الوضع، الذي يمكن للوبـي المعادي لتركيا استغلاله في التأثير على الرأي العام العربـي، يحمل الكثير من المخاطر والمشكلات بالنسبة لتأثير تركيا الإقليمي، وليس فقط بالنسبة للعلاقات التركية - العربية.

    إن القدرة على تجاوز هذه الأنماط من الصور السلبية مرهونة قبل أي شيء بالاستخدام الأمثل لشبكة من الاتصالات الأفقية (العربية)، ولآلية تعمل على تشكيل الرأي العام. وإذا ما كانت هناك رغبة في إحداث تأثير فعال في الشرق الأوسط بعامة، وفي العلاقات التركية - العربية على وجه الخصوص، يتعين على تركيا اتباع سياسة اتصال أفقي، فضلاً عن سياسة التفاعل العمودي في المباحثات الدبلوماسية الرفيعة المستوى




معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 0 (0 من الأعضاء و 0 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 07-23-2010, 04:48 PM
  2. تقرير مفصل عن حصار الضالع أعده اكاديميون اختصاصيون (مدينة الضالع ومارس 2010 الاسود)
    بواسطة الاسد الجنوبي في المنتدى القســم السـياســي والاخباري لشؤون اليمنية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 04-07-2010, 02:40 PM
  3. فهرس الكتب الاسلامية
    بواسطة مهاجر الى الله في المنتدى قسم الكتب والبرامج والاسطوانات الاسلامية
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 11-19-2008, 10:28 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك