بعث الله سيدنا محمد r إلى العالمين وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وأيده بمعجزات باهرات وآيات مبصرات فهو أكثر الرسل معجزة وأبهرهم آية وأظهرهم برهاناً فله من المعجزات ما لا يحد ولا يعد .
وقد ألفت في معجزاته r المؤلفات الكثيرة وتناولها العلماء بالشرح والبيان وممن اعتنى بجمعها من الأئمة أبو نعيم الأصبهاني والبيهقي .ومعجزاته منها ما نقل إلينا نقلاً متواتراً من طرق كثيرة تقيد القطع عند الأمة ومنها ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع وذلك على نوعين :-
نوع مشتهر منتشر رواه العدد عن العدد وشاع الخبربة عند أهل العلم بالآثار ونقلته السير والأخبار كنبع الماء من بين أصابعه
جمع إلى مثله اتفقا في المعنى واجتمعا على الإتيان بالمعجز (1) .ولما كانت معجزة كل بني مناسبة لحال قومه وأهل زمانه فإن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث في زمن الفصاحة والبلاغة فأتى قومه بمعجزة يتحدى بها أهل ذلك الاختصاص معجزة نضم معجزات متجددة إلى قيام الساعة إنه القرآن الكريم ﴿الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾.
المبحث الأول
المطلب الاول
معجزة القرآن الكريم
-هو المعجزة الخالدة على وجه الدهر والآية الباقية على تمادي الزمن تتحطم الدهور ولا تفنى عجائبه ومعايشه كتباً لا يبلغها العدو ولا يحيط بها التدوين وهو لا يزال جديداً على كر العصور متطاول الأزمنة والأيام أنزل هدى للعالمين وهداهم إلى الصراط المستقيم وحدَّبه الأمم المتباعدة جعل دستوراً شاملاً تحدى به فرسان الفصاحة وهم الخطباء المصاتع والشعراء البواقع فخضعت أعناقهم لبلاغته وذلت كبرياؤهم لفصاحته ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً﴾ وقد ذكر ابن رشد إن دلالة القرآن على نبوة محمد r ليست كدلالة انقلاب العصا حية ولا إحياء الموتى فإن تلك وإن كانت فعلاً لا تظهر أولاً على أيدي الأنبياء وفيها ما ينفع الجماهير من العامة إلا أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة وأهداف الوحي ومعنى الشريعة .
أماَّ القرآن فدلالته على صفة النبوة وحقيقة الدين مثل دلالة الإبراء على الطب ولذلك اختبار الله لخاتمه الرسالات السماوية العامة للناس أجمعين المعجزة التي تدخل في صميم كتاب الرسالة نفسها وجعل هذا الكتاب الذي يطلع عليه الأحبار ويكون في كل زمان ويتلونه في كل عصر هو البرهان العظيم الذي يلامسون وجوه إعجازه فيستدلون بها على أمرين :
إن هذا الكتاب كلام الله حقاً وليس كلام البشر .
1- أن محمداً عليه الصلاة والسلام صادق في رسالته لأنه هو الذي بلغه إلينا عن ربه.
-مصدرنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
-سلطانه عجيب في هدايته وتأثيره في عقول الناس والخشية من تلاوته ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله﴾﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع فما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾.
-جمع حكم وأحكام وعظات وأخلاق ومبادئ وعقائد وتشريعات وأخبار عماَّ مضى وما هو آت ومع كل كمالاته أنزل على رجل أمي في أمة أمية ﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب﴾.وهذا الوليد بن المغيرة يسمعه فيرق له قلبه وهو أعلم بالسحر والشعر وغيره فيصف القرآن بهذا الوصف .(والله إنَّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلم ولا يعلى وإنه ليحطم ماتحته وما يقول هذا بشر).
المطلب الثاني :
انطوى كتاب الله عزوجل على وجوه كثيرة من وجوه إعجازه .
وقبل أن نبينها ندخل بذكر المزايا الإجمالية للقرآن الكريم كما سردها هبة الدين الحسين الهرستاني (2)
1) فصاحة ألفاظه الجامعة لكل شرائعها .
بلاغته بالمعنى المشهور .
عروبة العبارات الممثلة السذاجة البداوة مع اشتمالها على بسائط الحضارة .
توافر المحاسن الطبيعية فوق المحاسن البديعية .
إيجاز بالغ مع الإعجاز بدون أن يخل بالمقصود .
إطناب غير ممل في مبرراته .
سمو المعاني وعلو المرمى في قصد الكمال الأسمىٍ .
طلاوة أساليبه الفطرية ومقاطعه المبهجة وأزواجه المتنوعة .
فواصله الحسنى وأسجاعه الفطرية .
أنباؤه الغيبية وأخباره عن كوامن الزمان وخفايا الأمور .
أسرار علمية لم تهتد العقول إليها بعد عصر القرآن إلاَّ بمعونة الأدوات .
غوامض أحوال المجتمع وآداب أخلاقية تهذب الأفراد وتصلح شؤون العائلات .
قوانين حكيمة في فقه تشريعيه فوق ما في التوراه والانجيل وكتب الشرائع الأخرى.
سلامته عن التعارض والتناقض والاختلاف .
خلوصه من تنافر الحروف وتنافي المقاصد .
ظهوره على لسان أمي لم يعرف الدراسة ولا ألف محاضرة العلماء ولا جاب الممالك سائحاً مستكملاً .
طراوته في كل زمان كونه طرياً كلما تلي وأينما تلي .
اشتماله على السهل الممتنع الذي يعدل ملاك الإعجاز والتفوق النهائي .
قوة عبارته لتحمل الوجوه وتشابه المعاني .
قصصه الحلوه وكشوفه التاريخية من حوادث القرون الخالية .
أمثاله الحسنى التي تجعل المعقول محسوباً وتجعل الغائب عن الذهن حاضراً لديه .
معارفه الإلهية كأحسن كتاب في علم اللاهوت وكشف أسرار عالم الملكوت وأوسع سفر من مراحل المبدأ والمعاد .
خطاباته البديعة وطرق اقناعه الفذة .
تعاليمه العسكرية ومناهجه في سبيل الصلح وفنون الحرب .
سلامته من الخرافات والأباطيل التي من شأنها أجهاز العلم كلمات تكاملت أصوله وفروعه
قوة الحجة وتفوق المنطق .
اشتماله على الرموز في فواتح السور ودهشة الفكر حولها وحول غيرها .
جذباته الروحية الخلابة للألباب الساحرة للعقول الفتانة للنفوس .
تضمنه الأسس لشريعة إنسانية صالحة لكل زمان ومكان (3) .
2) المطلب الثالث:
…… هي كثيرة ولكن نذكرها سرداً دون ذكر أمثله :
1- ترك المعارضة مع توفير الدواعي وشره الحاجة يؤكد عجز البشر عن الإتيان بمثله .
استاق القرآن في أغراضه ومعانيه على طول المدة التي استغرقها في تجمعيه فخوتمه بعد ربع قرن جاءت مطابقة لفواتحه يصدق بعضها بعضاً ويكلمه كأنه نفس واحد.
سهولة حفظه كما قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. فهو ميسر على جميع الألسنة ومحفوظ في الصدور

إطنابه في خطاب اليهود وإيجازه في خطاب العرب للتفاوت بينهما فهماً وبلاغة .
ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلاَّ الفذ من أحبار أهل الكتاب .
وجود كلمات في جمل لا يسد مسدها غيرها مثل قوله تعالى : ﴿وأهش بها على غنمي﴾فليس بمقدور أحد أن يأتي بكلمة لسد مسدها.
نزاهته في التعبير كقوله تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾﴿نساءكم حرث لكم﴾(وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾.
خلوص ألفاظ الهجاء فيه من الفحش كقوله تعالى : ﴿أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله﴾ (4).
التدرج في الأحكام .
ما تضمنه من الأخبار عن الضمائر لقوله تعالى : ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذينا الله بما نقول﴾ (5).﴿يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك﴾ (6).
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما﴾ (7).
جمعه بين صفتي الجذالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالباً.
اقتران معانيه المتغايرة في السور المختلفة فتخرج في السورة من وعد إلى وعيد ومن ترغيب إلى ترهيب ومن ماض إلى مستقبل ومن قصص إلى مثل ومن حكمة إلى جدل فلا يتنافر .
إعجازه في الدلائل والبراهين حجج وبراهين قطعت كل مجتح وخصم .
إعجازه في التلاوة :- من هشاشة مخرجه وبهجة وسلاسة نظمه وحسن قبوله لا يكل قارئه وسامعه لا يمل .
إعجازه في كونه معصوماً من الزلل محفوظاً لفظاً ومعنى .
إعجازه في عدم القدرة على الإحاطة بمعانيه .
حوى من العلوم العليا في العقائد والشرائع التي ينتظم بها أمر المعاش وأحوال الناس وسياسة الدنيا .
فإذا ثبت إعجازه من هذه الوجوه صح أن يكون كل واحد منها معجزاً فإذا جمع القرآن سائرها كان إعجازه أقهر وحجاجه أظهر وبهذا يعلم أنه من الله وحده .
ومن وجوه إعجازه أيضاً
لا يخرج عن أسلوبه ولا يزول عن اعتداله باختلاف آياته في الطول القصر .
قارئه لا يمله وسامعه لا يحسه بل الاكباب على تلاوته تزيده حلاوة ومريده يوجب له محبة وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد ويميل على الترديد . (
الإعجاز العلمي :-
وإعجازه العلمي ليس مرهوناً بوقت نزوله ولا مخصوصاً لقوم في زمن معين بل إنه إعجاز قائم ومستمر إلى يوم الدين .
وسيظل العلماء والمفكرون يكتشفون في كل زمان ومكان جوانب متعددة وضيئة من معجزات الآيات القرآنية .
قال تعالى : ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ (9) .
وقال تعالى : ﴿وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون﴾ (10)
﴿إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ (11).وقد كشف الله سبحانه وتعالى للإنسان عن بعض آياته في الآفاق خلال القرون الأربعة عشر التي تلت هذا الوعد كما كشف عن بعض آياته في أنفس البشر ، وما يزال يكشف للإنسان في كل يوم غطاً جديداً (12).وهذا النَّوع من الإعجاز هو الذي تحدى الله به علماء الكون وعباقرة الاكتشافات الحديثة فأذعنوا وأسلم منهم من أسلم ومعلوم لكل ذي لب أن محمداً r من أعقل خلق الله بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في الأمر نفسه فما كان ليقدم على هذا الأمر إلاَّ وهو عالم بأنهَّ لا يمكن معارضته وهكذا وقع. فإنه من لدن رسول الله r وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه وهذا لا سبيل إليه أبداً فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فأنى يشبه كلام الخالق .
قال الحافظ بن حجر وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء .
1- حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة .
صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظماً ونثراً حتى حارت فيه عقولهم ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توافر دواعيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العجز عنه
ما اشتمل عليه من الأخبار رغم ما مضى من أحوال الأمم السالفة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه بعضه إلاّ النادر من أهل الكتاب .
الإخبار عماَّ سيأتي من الكوائن التي وقع بعضها في العصر النبوي وبعضها بعده (13) ومن غير هذه الأربعة أمور أخرى قد سبق ذكرها .