منتديات شبوة نت

يعد هذا الموقع أكبر موقع عربي للبرامج و شروحاتها ، وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب ، انضم الآن و احصل على فرصة استخدام و تحميل و تنزيل و تجريب افضل برامج وادوات الكمبيوتر.



+ الرد على الموضوع
صفحة 5 من 6 الأولىالأولى ... 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة
النتائج 25 إلى 30 من 33
Like Tree0Likes

الموضوع: نداءات القرآن لبـني الإنسان

  1. #25
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    19*﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات : 13 )
    ^وقال ألإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير (774 هـ ) رحمه الله
    يقول تعالى مخبراً للناس أنه خلقهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها, وهما آدم وحواء, وجعلهم شعوباً وهي أعم من القبائل, وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك, وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم, وبالقبائل بطون العرب, كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل....
    ... فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء, وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية وهي طاعة الله تعالى ومتابعة رسوله r, ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضاً, منبهاً على تساويهم في البشرية {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} أي ليحصل التعارف بينهم كل يرجع إلى قبيلته, وقال مجاهد في قوله عز وجل {لتعارفوا} كما يقال فلان بن فلان من كذا وكذا أي قبيلة كذا وكذا, وقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها, وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها, وقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد, حدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الملك بن عيسى الثقفي, عن يزيد مولى المنبعث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم, فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر» ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
    وقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} أي إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب, وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله r .
    -قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام, حدثنا عبدة عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد رضي الله عنه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله rأي الناس أكرم ؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم» قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله, ابن نبي الله, ابن نبي الله ابن خليل الله» قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألوني» ؟ قالوا: نعم. قال: «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان, ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله وهو ابن عمر العمري به.
    (حديث آخر) قال مسلم رحمه الله: حدثنا عمرو الناقد, حدثنا كثير بن هشام, حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r : «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سنان عن كثير بن هشام به.
    (حديث آخر) وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن أبي هلال عن بكر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن النبي r قال له: «انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الله»تفرد به أحمد رحمه لله.
    (حديث آخر) وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري, حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة, حدثنا عبيد بن حنين الطائي, سمعت محمد بن حبيب بن خراش العصري يحدث عن أبيه رضي الله عنه أنه سمع رسول الله rيقول: «المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى».
    (حديث آخر) قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي, حدثنا الحسن بن الحسين, حدثنا قيس يعني ابن الربيع عن شبيب بن غرقدة, عن المستظل بن حصين عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب, ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان».ثم قال لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه.
    (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان, حدثنا أسد بن موسى, حدثنا يحيى بن زكريا القطان, حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: طاف رسول اللهr يوم فتح مكة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمحجن في يده, فما وجد لها مناخاً في المسجد حتى نزل r على أيدي الرجال, فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت, ثم إن رسول الله r خطبهم على راحلته فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: «يا أيها الناس إن الله تعالى قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها, فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله تعالى, ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى, إن الله عز وجل يقول: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} ـ ثم قال r ـ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم»هكذا رواه عبد بن حميد عن أبي عاصم الضحاك عن مخلد عن موسى بن عبيدة به.
    (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق, حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح, عن عقبة بن عامر رضي الله عنهما قال إن رسول الله r قال: «إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد, كلكم بنو آدم طف الصاع لم يملؤوه, ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى, وكفى بالرجل أن يكون بذياً بخيلاً فاحشاً».وقد رواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن ابن لهيعة به ولفظه«الناس لاَدم وحواء طف الصاع لم يملؤوه, إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة, إن أكرمكم عند الله أتقاكم».وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.
    (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك, حدثنا شريك عن سماك عن عبد الله بن عميرة زوج درة بنت أبي لهب, عن درة بنت أبي لهب رضي الله عنها قالت: قام رجل إلى النبي r وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال r: «خير الناس أقرأهم وأتقاهم لله عز وجل, وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم».
    (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا أبو الأسود عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أعجب رسول الله r شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى, تفرد به أحمد.
    وقوله تعالى: {إن الله عليم خبير} أي عليم بكم خبير بأموركم, فيهدي من يشاء ويضل من يشاء, ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء, ويفضل من يشاء على من يشاء, وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله, وقد استدل بهذه الاَية الكريمة وهذه الاَحاديث الشريفة من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط ولا يشترط سوى الدين لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وذهب الاَخرون إلى أدلة مذكورة في كتب الفقه .... وقد روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلاً من بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله rفقال غيره: أنا أولى به منك ولي منه نسبة.
    $ وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( 671هـ ) رحمه الله
    الآية: 13{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}
    قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم بن ذكر وأنثى" يعني آدم وحواء. ونزلت الآية في أبي هند، ذكره أبو داود في (المراسيل)، حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قالا حدثنا بقية بن الوليد قال حدثني الزهري قال: أمر رسول الله r بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول الله r : نزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله عز وجل: "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا" الآية. قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة. وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس. وقوله في الرجل الذي لم يتفسح له: ابن فلانة، فقال النبي r: [من الذاكر فلانة]؟ قال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال النبي r: [انظر في وجوه القوم] فنظر، فقال: [ما رأيت]؟ قال رأيت أبيض وأسود وأحمر، فقال: [فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى] فنزلت في ثابت هذه الآية. ونزلت في الرجل الذي لم يتفسح له: "يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس"[المجادلة: 11] الآية. قال ابن عباس: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي r بلالا حتى علا على ظهر الكعبة فأذن ، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم. قال الحارث بن هشام: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا. وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا يغيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء، فأتى جبريل النبي r وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. زجرهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، فإن المدار على التقوى. أي الجميع من آدم وحواء، إنما الفضل بالتقوى. وفي الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله r خطب بمكة فقال: (يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها. فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"). خرجه من حديث عبدالله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف، ضعفه يحيى بن معين وغيره. وقد خرج الطبري في كتاب (آداب النفوس) وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة قال: حدثني أو حدثنا من شهد خطب رسول الله r بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير فقال: [أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ - قالوا نعم قال - ليبلغ الشاهد الغائب]. وفيه عن أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله r : [إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم]. ولعلي رضي الله عنه في هذا المعنى وهو مشهور من شعره:
    الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حــواء
    نفس كنفس وأرواح مشاكلة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء
    فإن يكن لهم من أصلهم حسب يفاخرون به فالطين والمـاء
    ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
    وقدر كل امرئ ما كان يحسنه وللرجال على الأفعال سيمـاء
    وضد كل امرئ ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعـداء.
    بين الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، وكذلك في أول سورة "النساء" في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء : 1 ). ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه لآدم، أو دون ذكر كخلقه لعيسى عليه السلام، أو دون أنثى كخلقه حواء من إحدى الجهتين. وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود. وقد جاء أن آدم خلق الله منه حواء من ضلع انتزعها من أضلاعه، فلعله هذا القسم، قاله ابن العربي.
    خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا وقبائل وشعوبا، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل للحكمة التي قدرها وهو أعلم بها، فصار كل أحد يحوز نسبه، فإذا نفاه رجل عنه استوجب الحد بقذفه، مثل أن ينفيه عن رهطه وحسبه، بقول للعربي: يا عجمي، وللعجمي: يا عربي، ونحو ذلك مما يقع به النفي حقيقة. انتهى.
    ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد من الدم الذي يكون فيه. واحتجوا بقوله تعالى: "ألم نخلقكم من ماء مهين. فجعلناه في قرار مكين" [المرسلات: 21]. وقوله تعالى: "ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين"[السجدة:8]. وقوله: "ألم يك نطفة من مني يمنى"[القيامة:37]. فدل على أن الخلق من ماء واحد. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية، فإنها نص لا يحتمل التأويل. وقوله تعالى: "خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب"[الطارق: 6] والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء، على ما يأتي بيانه. وأما ما احتجوا به فليس فيه أكثر من أن الله تعالى ذكر خلق الإنسان من الماء والسلالة والنطفة ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون الآخر. فدل على أن الماء والسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة ما ذكرنا. وبأن المرأة تمني كما يمني الرجل، وعن ذلك يكون الشبه، ... وقد قال في قصة نوح عليه السلام : "فالتقى الماء على أمر قد قدر" [القمر: 12] وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض، لأن الالتقاء لا يكون إلا من أثنين، فلا ينكر أن يكون "ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" [السجدة:8]. وقوله تعالى: "ألم نخلقكم من ماء مهين"[المرسلات: 21] ويريد ماءين. والله أعلم.
    قوله تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" الشعوب رؤوس القبائل، مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، وأحدها شَعْب بفتح الشين، سموا به لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجرة. والشعب من الأضداد، يقال شعبته إذا جمعته، ومنه المشعب (بكسر الميم) وهو الإشفي، لأنه يجمع به ويشعب. قال: = فكاب على حر الجبين ومتق بمدرية كأنه ذلق مشعب = وشعبته إذا فرقته، ومنه سميت المنية شعوبا لأنها مفرقة. فأما الشعب (بالكسر) فهو الطريق في الجبل، والجمع الشعاب. قال الجوهري: الشعب: ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والجمع الشعوب. والشعوبية: فرقة لا تفضل العرب على العجم. وأما الذي في الحديث: أن رجلا من الشعوب أسلم، فإنه يعني من العجم. والشعب: القبيلة العظيمة، وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه، أي يجمعهم ويضمهم. قال ابن عباس: الشعوب الجمهور، مثل مضر. والقبائل الأفخاذ. وقال مجاهد: الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك. وعنه أيضا أن الشعوب النسب الأقرب. وقال قتادة. ذكر الأول عنه المهدوي، والثاني الماوردي. قال الشاعر: = رأيت سعودا من شعوب كثيرة فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك = وقال آخر: = قبائل من شعوب ليس فيهم كريم قد يعد ولا نجيب=
    وقيل: إن الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر وسائر عدنان. وقيل: إن الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. وقال ابن عباس في رواية: إن الشعوب الموالي، والقبائل العرب. قال القشيري: وعلى هذا فالشعوب من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والجبل والترك، والقبائل من العرب. الماوردي: ويحتمل أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل هم المشركون في الأنساب. قال الشاعر: = وتفرقوا شعبا فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر = وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه: الشعب أكبر من القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ. وقيل: الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة ثم العشيرة، وقد نظمها بعض الأدباء فقال:
    اقصد الشعب فهو أكثر حي عددا في الحواء ثم القبيلـه
    ثم تتلوها العمارة ثم الـبطن والفخذ بعدها والفصيلـه
    ثم من بعدها العشيرة لكن هي في جنب ما ذكرناه قليلــه
    وقال آخر:
    قبيلة قبلها شعب وبعدهمــا عمارة ثم بطن تلوه فخـذ
    وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته ولا سداد لسهم ماله قذذ..

    قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" .... وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى هي المراعى عند الله تعالى وعند رسوله دون الحسب والنسب. وقريء "أن" بالفتح. كأنه قيل: لم يتفاخر بالأنساب؟ قيل: لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وفي الترمذي عن سمرة عن النبي r قال: (الحسب المال والكرم التقوى). قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وذلك يرجع إلى قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقد جاء منصوصا عنه عليه السلام: (من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله). والتقوى معناه مراعاة حدود الله تعالى أمرا ونهيا، والاتصاف بما أمرك أن تتصف به، والتنزه عما نهاك عنه..... وفي الخبر من رواية أبي هريرة عن النبي r : (إن الله تعالى يقول يوم القيامة إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان وأنا اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم أين المتقون أين المتقون). وروى الطبري من حديث أبي هريرة أن رسول الله r قال: (إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب. يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد فأقول هكذا وهكذا). وأعرض في كل عطفيه. وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو قال: سمعت رسول الله r جهارا غير سر يقول: (إن آل أبي ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين). وعن أبي هريرة أن النبي rسئل: من أكرم الناس؟ فقال: (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فأكرمهم عند الله أتقاهم) فقالوا: ليس عن هذا نسألك، فقال: (عن معادن العرب؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) وأنشدوا في ذلك:
    ما يصنع العبد بعز الغني والعز كل العز للمتقي
    من عرف الله فلم تغنـه معرفة الله فذاك الشقي

    - ذكر الطبري حدثني عمر بن محمد قال حدثنا عبيد بن إسحاق العطار قال حدثنا مندل بن علي عن ثور بن يزيد عن سالم بن أبي الجعد قال: تزوج رجل من الأنصار امرأة فطُعِن عليها في حسبها، فقال الرجل: إني لم أتزوجها لحسبها إنما تزوجتها لدينها وخلقها، فقال النبي r : (ما يضرك ألا تكون من آل حاجب بن زرارة). ثم قال النبي r: (إن الله تبارك وتعالى جاء بالإسلام فرفع به الخسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم فلا لوم على مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية). وقال النبي r: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) ولذلك كان أكرم البشر على الله تعالى. قال ابن العربي: وهذا الذي لحظ مالك في الكفاءة في النكاح. روى عبدالله عن مالك: يتزوج المولى العربية، واحتج بهذه الآية. وقال أبو حنيفة والشافعي: يراعى الحسب والمال. وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة - وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم - تبني سالما وأنكحه هندا بنت أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار. وضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود.
    قلت: وأخت عبدالرحمن بن عوف كانت تحت بلال. وزينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة. فدل على جواز نكاح الموالي العربية، وإنما تراعى الكفاءة في الدين. والدليل عليه أيضا ما روى سهل بن سعد في صحيح البخاري أن النبي r مر عليه رجل فقال: (ما تقولون في هذا)؟ فقالوا: حَري إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يُشْفَّع وإن قال أن يُسْمَع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: (ما تقولون في هذا) قالوا: حري إن خطب ألا يُنْكَح، وإن شفع ألا يُشَفّع، وإن قال ألا يُسمَع. فقال رسول الله r : (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا). وقال r : (تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها - وفي رواية - ولحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك). وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ابنته فأجابه، وخطب إلى عمر ابنته فالتوى عليه، ثم سأله أن ينكحها فلم يفعل سلمان. وخطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها، قال بلال: يا رسول الله، ماذا لقيت من بني البكير خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني، فغضب رسول الله r من أجل بلال، فبلغهم الخبر فأتوا أختهم فقالوا: ماذا لقينا من سببك؟ فقالت أختهم: أمري بيد رسول الله r، فزوجوها. وقال النبي rفي أبي هند حين حجمه: (أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه). وهو مولى بني بياضة. وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا هند مولى بني بياضة كان حجاما فحجم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي r: (من سره أن ينظر إلى من صور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند). وقال رسول الله r(أنكحوه وأنكحوا إليه). قال القشيري أبو نصر: وقد يعتبر النسب في الكفاءة في النكاح وهو الاتصال بشجرة النبوة أو بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أو بالمرموقين في الزهد والصلاح. والتقي المؤمن أفضل من الفاجر النسيب، فإن كانا تقيين فحينئذ يقدم النسيب منهما، كما تقدم الشاب على الشيخ في الصلاة إذا استويا في التقوى.....


    أَيَا مَنْ لَيْسَ لِى مِنْهُ مُجِيرٌ... بَعَفْوِكَ مِنْ عَذَابِكَ أَسْتَجِيرُ
    أَنَا العَبْدُ المُقِرُّ بِكُلِّ ذَنْبٍ... وَ أَنْتَ السَّيّدُ المَوْلَى الغَفُورُ
    فَإِنْ عَذَّبْتَنِي فَبِسُوءِ فِعُلِى... وَإِنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ بِهِ جَدِيرُ
    أَفِرُّ إِلَيْكَ مِنْكَ وَأَيْنَ... إِلاّ إِلَيْكَ يَفِرُّ مِنْكَ المُسْتَجِيرُ


  2. #26
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    20*****يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ .................................................. ..........

    1* ﴿ يا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ*فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ *كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ *كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ *وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ *﴾ (الإنفطار : 6 - 19 )
    ^قال ألإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير (774 هـ ) رحمه الله
    قوله تعالى : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) قال ابن عمر : غره والله جهله... قال وروي عن ابن عباس والربيع بن خثيم والحسن مثل ذلك وقال قتادة : ( ما غرك بربك الكريم ) شيء ما غر ابن آدم غير هذا العدو الشيطان... وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي ما غرك بي لقلت ستورك المرخاة ... وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي ما غرك بربك الكريم لقلت غرني كرم الكريم... وقال بعض أهل الإشارة إنما قال( بربك الكريم )دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة ؛ وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابَل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور ... وقد حكى البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق ضرب النبي ولم يعاقب في الحالة الراهنة فأنزل الله تعالى ( ماغرك بربك الكريم ) وقوله تعالى: ( الذي خلقك فسواك فعدلك ) أي ما غرك بربك الكريم ( الذي خلقك فسواك فعدلك ) أي جعلك سويا مستقيما معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال
    -قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا جرير حدثني عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول اللهr بصق يوما في كفه فوضع عليها أصبعه ثم قال: قال الله عز وجل يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة ... وكذا رواه بن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن جرير بن عثمان به قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي وتابعه يحيى بن حمزة عن ثور بن يزيد عن عبد الرحمن بن ميسرة .. وقوله تعالى ( في أي صورة ما شاء ركبك ) قال مجاهد في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم... وقال بن جرير حدثني محمد بن سنان القزاز حدثنا مطهر بن الهيثم حدثنا موسى بن علي بن رباح حدثني أبي عن جدي أن النبي rقال له: ما ولد لك ؟ قال يا رسول الله ما عسى ان يولد لي إما غلام وإما جارية.. قال: فمن يشبه ؟ قال يا رسول الله من عسى أن يشبه إما أباه وإما أمه .. فقال النبي عندها : مه لا تقولن هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية في كتاب الله تعالى ( في أي صورة ما شاء ركبك ) قال شكلك... وهكذا رواه بن أبي حاتم والطبراني من حديث مطهر بن الهيثم به وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثابت لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس كان متروك الحديث وقال بن حبان يروي عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات... ولكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود .. قال : هل لك من إبل ؟ قال نعم.. قال : فما ألوانها ؟ قال حمر .. قال: فهل فيها من أورق؟ قال نعم.. قال: فأنى أتاها ذلك ؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق.. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق .... وقد قال عكرمة في قوله تعالى ( في أي صورة ما شاء ركبك ) إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير وكذا قال أبو صالح ( في أي صورة ما شاء ركبك ) إن شاء في صورة كلب وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة خنزير وقال قتادة ( في أي صورة ما شاء ركبك ) قال قادر والله ربنا على ذلك ومعنى هذا القول عند هؤلاء أن الله عز وجل قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام حسن المنظر والهيئة ...
    وقوله تعالى ( كلا بل تكذبون بالدين ) أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب .. وقوله تعالى ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم ...
    - قال بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان ومسعر عن علقمة بن مرثد عن مجاهد قال ، قال رسول الله r: أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه ... وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر فقال حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا عبيد الله بن موسى عن حفص بن سليمان عن علقمة بن مرثد عن مجاهد عن بن عباس قال ، قال رسول اللهr : إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره ...ثم قال حفص بن سليمان لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال ، قال رسول اللهr : ما من حافظين يرفعان إلى الله عز وجل ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله تعالى قد غفرت لعبدي مابين طرفي الصحيفة ... ثم قال تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث قلت وثقه بن معين وضعفه البخاري وابو زرعة وبن أبي حاتم والنسائي وبن عدي ورماه بن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره ...وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال، قال رسول اللهr: إن لله ملائكة يعرفون بني آدم وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان نجا الليلة فلان وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا هلك الليلة فلان ... ثم قال البزار سلام هذا أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث .
    قوله تعالى :( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ*يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ *وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ * ) يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم وهم الذين أطاعوا الله عز وجل ولم يقابلوه بالمعاصي وقد روى بن عساكر في ترجمة موسى بن محمد عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن عبيد الله عن محارب عن بن عمر عن النبي قال إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم ولهذا قال: ( يصلونها يوم الدين ) أي يوم الحساب والجزاء والقيامة ( وما هم عنها بغائبين ) أي لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوما واحدا.. وقوله تعالى ( وما أدراك ما يوم الدين ) تعظيم لشأن يوم القيامة ثم أكده بقوله تعالى ( ثم ما أدراك ما يوم الدين ) ثم فسره بقوله ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ) أي لا يقدر أحد على نفع أحد ولا خلاصة مما هو فيه إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ونذكر ها هنا حديث : يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من الله شيئا.....ولهذا قال ( والأمر يومئذ لله ) كقوله ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) وكقوله ( الملك يومئذ الحق للرحمن) وكقوله ( مالك يوم الدين ) قال قتادة ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) والأمر والله اليوم لله ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد ....
    $ وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( 671هـ ) رحمه الله
    قوله تعالى : {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، الذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك، كلا بل تكذبون بالدين}
    قوله تعالى: "يا أيها الإنسان" خاطب بهذا منكري البعث. وقال ابن عباس: الإنسان هنا: الوليد بن المغيرة. وقال عكرمة: أبي بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي. عن ابن عباس أيضا: "ما غرك بربك الكريم" أي ما الذي غرك حتى كفرت؟ "بربك الكريم" أي المتجاوز عنك. قال قتادة: غرة شيطانه المسلط عليه. الحسن: غرة شيطانه الخبيث. وقيل: حمقه وجهله. رواه الحسن عن عمر رضي الله عنه. وروى غالب الحنفي قال: لما قرأ رسول الله r"يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم" [الانفطار: 6] قال: "غره الجهل" وقال صالح بن مسمار: بلغنا أن رسول الله r قرأ "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم"؟فقال: "غره جهله". وقال عمر رضي الله عنه: كما قال الله تعالى "إنه كان ظلوما جهولا" [الأحزاب: 72]. وقيل: غره عفو الله، إذ لم يعاقبه في أول مرة. قال إبراهيم بن الأشعث: قيل: للفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى يوم القيامة بين يديه، فقال لك: "ما غرك بربك الكريم"؟[الانفطار: 6] ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول غرني ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار. نظمه ابن السماك فقال:
    يا كاتم الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا
    غرك من ربك إمهالــه وستره طول مساويكا
    وقال ذو النون المصري: كم من مغرور تحت الستر وهو لا يشعر ...
    وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري:
    يا من غلا في العجب والتيـــــه وغره طول تماديه
    أملى لك الله فبارزته ولم تخف غب معاصيه
    وروي عن علي رضي الله عنه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه فنظر فإذا هو بالباب، فقال: مالك لم تجبني؟ فقال. لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه فأعتقه. وناس يقولون: ما غرك: ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما وجب عليك؟ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وسيخلو الله به يوم القيامة، فيقول له: يا ابن آدم ماذا غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ "الذي خلقك" أي قدر خلقك من نطفة "فسواك" في بطن أمك، وجعل لك يدين ورجلين وعينين وسائر أعضائك "فعدلك" أي جعلك معتدلا سوى الخلق؛ كما يقال: هذا شيء معدل. وهذه قراءة العامة وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ قال الفراء: وأبو عبيد: يدل عليه قوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" [التين: 4]. وقرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي: "فعدلك" مخففا أي: أمالك وصرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنا وإما قبيحا، وإما طويلا وإما قصيرا. وقال [موسى بن علي بن أبي رباح اللخمي عن أبيه عن جده] قال: قال لي النبي r"إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم". أما قرأت هذه الآية "في أي صورة ما شاء ركبك" فيما بينك وبين آدم، وقال عكرمة وأبو صالح: "في أي صورة ما شاء ركبك" إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وقال مكحول: إن شاء ذكرا، وإن شاء أنثى. قال مجاهد: "في أي صورة" أي في أي شبه من أب أو أم أو عم أو خال أو غيرهم. و"في" متعلقة بـ"ركب"، ولا تتعلق بـ"عدلك"، على قراءة من خفف؛ لأنك تقول عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلت في كذا؛ ولذلك منع الفراء التخفيف؛ لأنه قدر "في" متعلقة بـ"عدلك"، و"ما" يجوز أن تكون صلة مؤكدة؛أي في أي صورة شاء ركبك. ويجوز أن تكون شرطية أي إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة قرد أو حمار أو خنزير، فـ"ما" بمعنى الشرط والجزاء؛ أي في صورة ما شاء يركبك ركبك.
    قوله تعالى: "كلا بل تكذبون بالدين" يجوز أن تكون "كلا" بمعنى حقا و"ألا" فيبتدأ بها. ويجوز أن تكون بمعنى "لا"، على أن يكون المعنى ليس الأمر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله محقون. يدل على ذلك قوله تعالى: "ما غرك بربك الكريم"[الانفطار: 6] وكذلك يقول الفراء: يصير المعنى: ليس كما غررت به. وقيل: أي ليس الأمر كما يقولون، من أنه لا بعث. وقيل: هو بمعنى الردع والزجر. أي لا وقتروا بحلم الله وكرمه، فتتركوا التفكر في آياته. ابن الأنباري: الوقف الجيد على "الدين"، وعلى "ركبك"، والوقف على "كلا" قبيح. "بل تكذبون" يا أهل مكة "بالدين" أي بالحساب، و"بل" لنفي شيء تقدم وتحقيق غيره. وإنكارهم للبعث كان معلوما، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة.
    {وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون}
    قوله تعالى: "وإن عليكم لحافظين" أي رقباء من الملائكة "كراما" أي علي؛ كقوله: "كرام بررة"[عبس: 16]. وهنا ثلاث مسائل:
    الأولى: روي عن رسول الله r(أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند حدى حالتين: الخراءة أو الجماع، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم [حائط] أو بغيره، أو ليستره أخوه). وروي عن علي رضي الله عنه قال: (لا يزال الملك موليا عن العبد ما دام بادي العورة) وروي (إن العبد إذا دخل الحمام بغير مئزر لعنه ملكاه).
    الثانية: واختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟ فقال بعضهم: لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد؛ قال الله تعالى: "يعرف المجرمون بسيماهم"[الرحمن: 41]. وقيل: بل عليهم حفظة؛ لقوله تعالى: "كلا بل تكذبون بالدين. وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون"[الانفطار: 9 - 12]. وقال: "وأما من أوتي كتابه بشمال"[الحاقة: 25] وقال: "وأما من أوتي كتابه وراء ظهره"[الإنشقاق:10]، فأخبر أن الكفار يكون لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة. فإن قيل: الذي على يمينه أي شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شمال يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدا على ذلك وإن لم يكتب. والله أعلم.
    الثالثة: سئل سفيان: كيف تعلم الملائكة أن العبد قد هم بحسنة أو سيئة؟ قال: إذا هم العبد بحسنة وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة وجدوا منه ريح النتن. وقد مضى في "ق" قوله: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"[ق: 18] زيادة بيان لمعنى هذه الآية. وقد كره العلماء الكلام عن الغائط والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك. … وعن الحسن: يعلمون لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وقيل: يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم. والله أعلم.
    {إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين، وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله}
    قوله تعالى: "إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم" تقسيم مثل قوله: "فريق في الجنة وفريق في السعير"[الشورى: 7] وقال: "يومئذ يصدعون"[الروم: 43] الآيتين. "يصلونها" أي يصيبهم لهبها وحرها "يوم الدين" أي يوم الجزاء والحساب، وكرر ذكره تعظيما لشأنه؛ نحو قوله تعالى: "القارعة ما القارعة. وما أدراك ما القارعة" [القارعة: 1] وقال ابن عباس فيما روي عنه: كل شيء من القرآن من قوله: "وما أدراك" فقد أدراه. وكل شيء من قوله "وما يدريك" فقد طوي عنه. "يوم لا تملك نفس" قرأ ابن كثير وأبو عمرو "يوم" بالرفع على البدل من "يوم الدين" أو ردا على اليوم الأول، فيكون صفة ونعتا لـ "يوم الدين". ويجوز أن يرفع بإضمار هو. الباقون بالنصب على أنه في موضع رفع إلا أنه، نصب، لأنه مضاف غير متمكن؛ كما تقول: أعجبني يوم يقوم زيد. وأنشد المبرد:
    من أي يومي من الموت أفر أيومَ لم يقدر أم يوم قدر
    فاليومان الثانيان مخفوضان بالإضافة، عن الترجمة عن اليومين الأولين، إلا أنهما نصبا في اللفظ؛ لأنهما أضيفا إلى غير محض. وهذا اختيار الفراء والزجاج. وقال قوم: اليوم الثاني منصوب على المحل، كأنه قال في يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. وقيل: بمعنى: إن هذه الأشياء تكون يوم، أو على معنى يدانون يوم؛ لأن الدين يدل عليه، أو بإضمار اذكر. "والأمر يومئذ لله" لا ينازعه فيه أحد، كما قال: "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم"[غافر:17]
    !وقال الإمام أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي ( 1376 هـ ) رحمه الله
    ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون )
    يقول تعالى ، معاتبا للإنسان المقصر في حقه ، المتجرىء على معاصيه : " يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم " أتهاونا منك في حقوقه ؟ أم احتقارا منك لعذابه ؟ أم عدم إيمان منك بجزائه ؟ أليس هو " الذي خلقك فسواك " في أحسن تقويم ؟ " فعدلك " وركبك تركيبا قويما معتدلا ، في أحسن الأشكال ، وأجمل الهيئات . فهل يليق بك أن تكفر نعمة المنعم ، أو تجحد إحسان المحسن ؟ إن هذا إلا من جهلك وظلمك ، وعنادك وغشمك ، فاحمد الله إذ لم يجعل صورتك صورة كلب أو حمار أو نحوهما من الحيوانات . ولهذا قال تعالى : " في أي صورة ما شاء ركبك " . وقوله :
    " كلا بل تكذبون بالدين " ، أي : مع هذا الوعظ والتذكير ، لا تزالوا مستمرين على التكذيب بالجزاء . وأنتم لا بد أن تحاسبوا على ما عملتم ، وقد أقام الله عليكم ملائكة كراما يكتبون أقوالكم وأفعالكم ويعلمونها ، فدخل في هذا أفعال القلوب ، وأفعال الجوارح ، فاللائق بكم ، أن تكرموهم وتجلوهم . " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله " المراد بالأبرار ، هم القائمون بحقوق الله ، وحقوق عباده ، الملازمون للبر ، في أعمال القلوب ، وأعمال الجوارح ، فهؤلاء جزاؤهم النعيم في القلب ، والروح والبدن ، في دار الدنيا ، وفي دار البرزخ ، وفي دار القرار . " وإن الفجار " الذين قصروا في حقوق الله وحقوق عباده ، الذين فجرت قلوبهم ففجرت أعمالهم
    " لفي جحيم " ، أي : عذاب أليم ، في دار الدنيا ، ودار البرزخ ، وفي دار القرار . " يصلونها " ويعذبون بها أشد العذاب " يوم الدين " ، أي : يوم الجزاء على الأعمال . " وما هم عنها بغائبين " ، أي : بل هم ملازمون لها ، لا يخرجون منها . " وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين " في هذا تهويل لذلك اليوم الشديد ، الذي يحير الأذهان . " يوم لا تملك نفس لنفس شيئا " ولو كانت قريبة أو حبيبة مصافية فكل مشتغل بنفسه لا يطلب الفكاك لغيرها . " والأمر يومئذ لله " فهو الذي يفصل بين العباد ، ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ، والله أعلم .




  3. #27
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    2*﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا *وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ *فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا *إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا *َفلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ *لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ * فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ*بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * (الانشقاق : 6 - 25)
    ^قال ألإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير (774 هـ ) رحمه الله
    قوله تعالى : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) أي إنك ساع إلى ربك سعيا وعامل عملا ( فملاقيه ) ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر قال، قال رسول الله r ، قال جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب ما شئت فانك مفارقه وأعمل ما شئت فإنك ملاقيه... ومن الناس من يعيد الضمير على قوله ربك أي فملاق ربك ومعناه فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك وعلى هذا فكلا القولين متلازم قال العوفي عن بن عباس ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) يقول تعمل عملا تلقى الله به خيرا كان أو شرا وقال قتادة ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) إن كدحك يا بن آدم لضعيف فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله ؛ ثم قال تعالى: ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) أي سهلا بلا تعسير أي لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة ..
    - وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل أخبرنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله r : من نوقش الحساب عذب.. قالت: فقلت أفليس قال الله تعالى ( فسوف يحاسب حسابا يسيرا )؟ قال: ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب... وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث أيوب السختياني به ...
    - وقال بن جرير حدثنا بن وكيع حدثنا روح بن عبادة حدثنا أبو عامر الخزاز عن بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول اللهr : إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبا ..فقلت: أليس الله يقول ( فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) قال : ذاك العرض إنه من نوقش الحساب عذب ..وقال بيده على إصبعه كأنه ينكت... وقد رواه أيضا عن عمرو بن علي عن بن أبي عدي عن أبي يونس القشيري عن بن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري واسمه حاتم بن أبي صغيرة به قال بن جرير حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا مسلم عن الحريش بن الخريت أخي الزبير عن بن أبي مليكة عن عائشة قالت من نوقش الحساب أو من حوسب عذب قال ثم قالت إنما الحساب اليسير عرض على الله تعالى وهو يراهم وقال أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا محمد بن إسحاق حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت سمعت رسول الله r يقول في بعض صلاته : اللهم حاسبني حسابا يسيرا ... فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك... صحيح على شرط مسلم..
    وقوله تعالى ( وينقلب إلى أهله مسرورا ) أي ويرجع ألى أهله في الجنة قاله قتادة والضحاك ( مسرورا ) أي فرحا مغتبطا بما أعطاه الله عز وجل وقد روى الطبراني عن ثوبان مولى رسول اللهr أنه قال: إنكم تعملون أعمالا لا تعرف ويوشك الغائب أن يثوب إلى أهله فمسرور أو مكظوم..
    وقوله تعالى ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) أي بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك ( فسوف يدعو ثبورا ) أي خسارا وهلاكا ( ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا ) أي فرحا لا يفكر في العواقب ولا يخاف مما أمامه فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل ( إنه ظن أن لن يحور ) أي كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته قاله بن عباس وقتادة وغيرهما والحور هو الرجوع قال الله ( بلى إن ربه كان به بصيرا ) يعني بلى سيعيده الله كما بدأه ويجازيه على أعماله خيرها وشرها فإنه كان به بصيرا أي عليما خبيرا ....
    روي عن علي وبن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وشداد بن أوس وبن عمر ومحمد بن علي بن الحسين مكحول وبكر بن عبد الله المزني وبكير بن الأشج ومالك وبن أبي ذئب وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا الشفق الحمرة وقال عبد الرزاق عن معمر عن بن خثيم عن بن لبيبة عن أبي هريرة قال الشفق البياض فالشفق هو حمرة الأفق إما قبل طلوع الشمس كما قاله مجاهد وإما بعد غروبها كما هو معروف عند أهل اللغة قال الخليل بن أحمد الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الاخرة فإذا ذهب قيل غاب الشفق وقال الجوهري الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة وكذا قال عكرمة الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن رسول اللهr أنه قال: وقت المغرب ما لم يغب الشفق.. ففي هذا كله دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية ( فلا أقسم بالشفق ) هو النهار كله, وفي رواية عنه أيضا أنه قال الشفق الشمس رواهما بن أبي حاتم وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى ( والليل وما وسق ) أي جمع كأنه أقسم بالضياء والظلام وقال بن جرير أقسم الله بالنهار مدبرا وبالليل مقبلا وقال بن جرير وقال آخرون الشفق اسم للحمرة والبياض وقالوا هو من الأضداد قال بن عباس ومجاهد والحسن وقتادة ( وما وسق ) وما جمع قال قتادة وما جمع من نجم ودابة واستشهد بن عباس بقول الشاعر = مستوسقات لو يجدن سائقا =
    وقد قال عكرمة ( والليل وما وسق ) يقول ما ساق من ظلمة إذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه وقوله تعالى ( والقمر إذا اتسق ) قال بن عباس إذا اجتمع واستوى وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ومسروق وأبو صالح والضحاك وبن زيد ( والقمر إذا اتسق ) إذا استوى وقال الحسن إذا اجتمع إذا امتلأ وقال قتادة إذا استدار ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر جعله مقابلا لليل وما وسق وقوله تعالى ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال البخاري أخبرنا سعيد بن النضر أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال بن عباس ( لتركبن طبقا عن طبق ) حالا بعد حال قال هذا نبيكم هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ وهو محتمل أن يكون بن عباس أسند هذا التفسير عن النبي r كأنه قال سمعت هذا من نبيكم فيكون قوله نبيكم مرفوعا على الفاعلية من قال وهو الأظهر والله أعلم كما قال أنس لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه سمعته من نبيكم وقال بن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد أن بن عباس كان يقول ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال يعني نبيكم يقول حالا بعد حال هذا لفظه وقال علي بن أبي طلحة عن بن عباس طبقا عن طبق حالا بعد حال وكذا قال عكرمة ومرة والطيب ومجاهد والحسن والضحاك ومسروق وأبو صالح ويحتمل أن يكون المراد ( لتركبن طبقا عن طبق ) حالا بعد حال قال هذا يعني المراد بهذا نبيكم فيكون مرفوعا على أن هذا ونبيكم يكونان مبتدأ وخبرا والله اعلم ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة كما قال أبو داود الطيالسي وغندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال محمد ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر وبن مسعود وبن عباس وعامة أهل مكة والكوفة ( لتركبن ) بفتح التاء والباء وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل عن الشعبي ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال لتركبن يا محمد سماء بعد سماء وهكذا روي عن بن مسعود ومسروق وأبي العالية ( طبقا عن طبق ) سماء بعد سماء قلت يعنون ليلة الإسراء وقال أبو إسحاق والسدي عن رجل عن بن عباس ( طبقا عن طبق ) منزلا على منزل وكذا رواه العوفي عن بن عباس مثله وزاد ويقال أمرا بعد أمر وحالا بعد حال وقال السدي نفسه ( لتركبن طبقا عن طبق ) أعمال من قبلكم منزلا بعد منزل قلت كأنه أراد معنى الحديث الصحيح لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن وهذا محتمل وقال بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة حدثنا بن جابر أنه سمع مكحولا يقول في قول الله ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال في كل عشرين سنة تحدثون أمرا لم تكونوا عليه وقال الأعمش حدثنا إبراهيم قال قال عبد الله ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال السماء تتشقق ثم تحمر ثم تكون لونا بعد لون قال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن بن مسعود ( طبقا عن طبق ) قال السماء مرة كالدهان ومرة تنشق وروى البزار من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ( لتركبن طبقا عن طبق ) يا محمد يعني حالا بعد حال ثم قال ورواه جابر عن مجاهد عن بن عباس وقال سعيد بن جبير ( لتركبن طبقا عن طبق ) قال قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم فارتفعوا في الآخرة وآخرون كانوا أشرافا في الدنيا فاتضعوا في الآخرة وقال عكرمة ( طبقا عن طبق ) حالا بعد حال فطيما بعد ما كان رضيعا وشيخا بعد ما كان شابا وقال الحسن البصري ( طبقا عن طبق ) يقول حالا بعد حال رخاء بعد شدة وشدة بعد رخاء وغنى بعد فقر وفقرا بعد غنى وصحة بعد سقم وسقما بعد صحة وقال بن أبي حاتم ذكر عن عبد الله بن زاهر حدثني أبي عن عمرو بن شمر عن جابر هو الجعفي عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول اللهr يقول : إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له إن الله تعالى إذا أراد خلقه قال للملك أكتب رزقه أكتب أجله أكتب أثره أكتب شقيا أو سعيدا ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكا آخر فيحفظه حتى يدرك ثم يرتفع ذلك الملك ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته فإذا حضره الموت ارتفع ذانك الملكان وجاءه ملك الموت فقبض روحه فإذا دخل قبره رد الروح في جسده ثم ارتفع ملك الموت وجاء ملكا القبر فامتحناه ثم يرتفعان فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فانتشطا كتابا معقودا في عنقه ثم حضرا معه واحدا سائقا وآخر شهيدا ثم قال ، قال الله تعالى :( لقد كنت في غفلة من هذا )... قال رسول اللهr( لتركبن طبقا عن طبق ) قال :حالا بعد حال ؛ ثم قال النبي r:إن قدامكم لأمرا عظيما لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم.... هذا حديث منكر وإسناده فيه ضعفاء ولكن معناه صحيح والله سبحانه وتعالى أعلم ...ثم قال بن جرير بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الاية من القراء والمفسرين والصواب من التأويل قول من قال لتركبن أنت يا محمد حالا بعد حال وأمرا بعد أمر من الشدائد والمراد بذلك، وإن كان الخطاب موجها إلى رسول اللهr ، جميع الناس وأنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأحواله أهوالا وقوله تعالى ( فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) أي فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وما لهم إذا قرئت عليهم أيات الله وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظاما وإكراما واحتراما... وقوله تعالى ( بل الذين كفروا يكذبون ) أي من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق ( والله أعلم بما يوعون ) قال مجاهد وقتادة يكتمون في صدورهم ( فبشرهم بعذاب أليم ) أي فأخبرهم يا محمد بأن الله عز وجل قد أعد لهم عذابا أليما وقوله تعالى ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) هذا استثناء منقطع يعني لكن الذين آمنوا أي بقلوبهم وعملوا الصالحات أي بجوارحهم ( لهم أجر) أي في الدار الآخرة ( غير ممنون ) قال بن عباس غير منقوص وقال مجاهد والضحاك غير محسوب وحاصل قولهما أنه غير مقطوع كما قال تعالى ( عطاء غير مجذوذ ) وقال السدي قال بعضهم غير ممنون غير منقوص وقال بعضهم غير ممنون عليهم وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحد فإن الله عز وجل له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم فله عليهم المنة دائما سرمدا والحمد لله وحده أبدا ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس وأخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
    !وقال الإمام أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي ( 1376 هـ ) رحمه الله
    " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " أي : إنك ساع إلى الله ، وعامل بأوامره ونواهيه ، ومتقرب إليه إما بالخير ، وإما بالشر ، ثم تلاقي الله يوم القيامة فلا تعدم منه جزاء بالفضل أو العدل ، بالفضل إن كنت سعيدا ، وبالعقوبة العادلة إن كنت شقيا . ولهذا ذكر تفصيل الجزاء ، فقال : " فأما من أوتي كتابه بيمينه " ، وهم أهل السعادة " فسوف يحاسب حسابا يسيرا " وهو العرض اليسير على الله ، فيقرره الله بذنوبه ، حتى إذا ظن العبد أنه قد هلك ، قال الله تعالى : ( إني قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أسترها لك اليوم ) ." وينقلب إلى أهله " في الجنة . " مسرورا " لأنه قد نجا من العذاب وفاز بالثواب . " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره " ، أي : بشماله من وراء ظهره . " فسوف يدعو ثبورا " من الخزي والفضيحة ، وما يجد في كتابه من الأعمال التي قدمها ولم يتب منها . " ويصلى سعيرا " ، أي تحيط به السعير من كل جانب ويقبل على عذابها ، وذلك " إنه كان في أهله مسرورا " لا يخطر البعث على باله ، وقد أساء ، ولا يظن أنه راجع إلى ربه وموقوف بين يديه . " بلى إن ربه كان به بصيرا " فلا يحسن أن يتركه سدى لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب .
    " فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون " أقسم في هذا الموضع بآيات الليل ، فأقسم " بالشفق " الذي هو بقية نور الشمس ، الذي هو مفتتح الليل . " والليل وما وسق " ، أي : احتوى عليه من حيوانات وغيرها . " والقمر إذا اتسق " ، أي : امتلأ نورا بإبداره ، وذلك أجسم ما يكون وأكثر منافع ، والمقسم عليه قوله : لتركبن " ، أي : أيها الناس " طبقا عن طبق " ، أي : أطوارا متعددة وأحوالا متباينة من النطفة إلى العلقة ، إلى المضغة ، إلى نفخ الروح . ثم يكون وليدا وطفلا ومميزا ، ثم يجري عليه قلم التكليف ، والأمر والنهي ، ثم يموت بعد ذلك ، ثم يبعث ويجازى بأعماله . فهذه الطبقات المختلفة الجارية على العبد ، دالة على أن الله وحده هو المعبود ، الموحد ، المدبر لعباده ، بحكمته ورحمته ، وأن العبد فقير ، عاجز ، تحت تدبير العزيز الرحيم . ومع هذا ، فكثير من الناس لا يؤمنون " وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون " ، أي : لا يخضعون للقرآن ، ولا ينقادون لأوامره ، ونواهيه . " بل الذين كفروا يكذبون " ، أي : يعاندون الحق بعد ما تبين ، فلا يستغرب عدم إيمانهم وانقيادهم للقرآن ، فإن المكذب بالحق عنادا ، لا حيلة فيه .
    " والله أعلم بما يوعون " ، أي : بما يعملونه وينوونه سرا ، فالله يعلم سرهم وجهرهم ، وسيجازيهم بأعمالهم ، ولهذا قال : " فبشرهم بعذاب أليم " ، وسميت البشارة بشارة لأنها تؤثر في البشرة سرورا أو غما . فهذه حال أكثر الناس ، التكذيب بالقرآن ، وعدم الإيمان به . ومن الناس فريق هداهم الله ، فآمنوا بالله ، وقبلوا ما جاءتهم به الرسل ، فآمنوا وعملوا الصالحات . فهؤلاء لهم أجر غير ممنون ، أي : غير مقطوع ، بل هو أجر دائم مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، والحمد لله .




  4. #28
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    21 ***** يَا بَنِي آدَمَ .................................................. ........................................

    1*﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ (الأعراف : 26 )

    ^قال ألإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير (774 هـ ) رحمه الله
    يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش, فاللباس ستر العورات وهي السوآت, والرياش والريش ما يتجمل به ظاهراً, فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات, قال ابن جرير: الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وحكاه البخاري عنه: الرياش المال وهكذا قال مجاهد وعروة بن الزبير والسدي والضحاك وغير واحد, وقال العوفي عن ابن عباس: الريش اللباس والعيش والنعيم, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش الجمال, وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون, حدثنا أصبع عن أبي العلاء الشامي, قال: لبس أبو أمامة ثوباً جديداً فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي, ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله r«من استجد ثوباً فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي, ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حياً وميتاً»ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية يزيد بن هارون عن أصبع هو ابن زيد الجهني, وقد وثقه يحيى بن معين وغيره, وشيخه أبو العلاء الشامي لا يعرف إلا بهذا الحديث, ولكن لم يخرجه أحد, والله أعلم.
    وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن عبيد, حدثنا مختار بن نافع التمار عن أبي مطر, أنه رأى علياً رضي الله عنه أتى غلاماً حدثاً فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين, يقول حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي, فقيل هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النبي r , قال: هذا شيء سمعته من رسول الله r يقول عند الكسوة: «الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي»ورواه الإمام أحمد, وقوله تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير} قرأ بعضهم ولباس التقوى بالنصب, وقرأ الاَخرون بالرفع على الابتداء, و{ذلك خير} خبره, واختلف المفسرون في معناه, فقال عكرمة: يقال هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة, رواه ابن أبي حاتم, وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ولباس التقوى الإيمان, وقال العوفي عن ابن عباس: العمل الصالح , قال الديال بن عمرو عن ابن عباس: هو السمت الحسن في الوجه, وعن عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ولباس التقوى يتقي الله فيواري عورته فذاك لباس التقوى, وكلها متقاربة, ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال: حدثني المثنى حدثنا إسحاق بن الحجاج, حدثني إسحاق بن إسماعيل عن سليمان بن أرقم عن الحسن, قال: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه على منبر رسول الله r عليه قميص فوهي محلول الزر, وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام, ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر, فإني سمعت رسول الله r يقول «والذي نفس محمد بيده ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية, إن خيراً فخير وإن شراً فشر» ثم قرأ هذه الاَية {وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله} قال: السمت الحسن, هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم, وفيه ضعف, وقد روى الأئمة الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة عن الحسن البصري, أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر, وأما المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير له شاهداً من وجه آخر حيث قال حدثنا....).

    $ وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( 671هـ ) رحمه الله
    (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون)
    قوله تعالى: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا"قال كثير من العلماء: هذه الآية دليل علىوجوب ستر العورة؛ لأنه قال: "يواري سوآتكم". وقال قوم إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها دلالة على الإنعام فقط.
    قلت: القول الأول أصح. ومن جملة الإنعام ستر العورة؛ فبين أنه سبحانه وتعالى جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم، ودل على الأمر بالستر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس. واختلفوا في العورة ما هي؟ فقال ابن أبي ذئب: هي من الرجل الفرج نفسه، القبل والدبر دون غيرهما. وهو قول داود وأهل الظاهر وابن أبي عبلة والطبري؛ لقوله تعالى: "لباسا يواري سوآتكم"،"بدت لهما سوآتهما"[الأعراف: 22]، "ليريهما سوآتهما"[الأعراف: 27]. وفي البخاري عن أنس: "فأجرى رسول الله r في زقاق خيبر - وفيه - ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله r". وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. وقال أبو حنيفة: الركبة عورة. وهو قول عطاء. وقال الشافعي: ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح. وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعي في السرة قولين. وحجة مالك قوله rلجرهد: (غط فخذك فإن الفخذ عورة). خرجه البخاري تعليقا وقال: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط حتى يخرج من اختلافهم. وحديث جرهد هذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة. وروي أن أبا هريرة قبل سرة الحسن بن علي وقال: أقبل منك ما كان رسول الله r يقبل منك. فلو كانت السرة عورة ما قبلها أبو هريرة، ولا مكنه الحسن منها. وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين.. على هذا أكثر أهل العلم. وقد قال النبي r : (من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها). ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وروي عن أحمد بن حنبل نحوه. وأما أم الولد فقال الأثرم: سمعته - يعني أحمد بن حنبل - يسأل عن أم الولد كيف تصلي؟ فقال: تغطي رأسها وقدميها؛ لأنها لا تباع، وتصلي كما تصلي الحرة. وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديها، ولها أن تبدي رأسها ومعصميها. وقيل: حكمها حكم الرجل. وقيل: يكره لها كشف رأسها وصدرها. وكان عمر رضي الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن ويقول: لا تشبهن بالحرائر. وقال أصبغ: إن انكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. وهذا خارج عن أقوال الفقهاء؛ لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله، تباشر الأرض به. فالأمة أولى، وأم الولد أغلظ حالا من الأمة. والصبي الصغير لا حرمة لعورته. فإذا بلغت الجارية إلى حد تأخذها العين وتشتهى سترت عورتها. وحجة أبي بكر بن عبدالرحمن قوله تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن"[الأحزاب: 59]. وحديث أم سلمة أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها. وقد روي مرفوعا. والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ؛ منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما. قال أبو داود: ورفعه عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله r . قال أبو عمر: عبدالرحمن هذا ضعيف عندهم؛ إلا أنه قد خرج البخاري بعض حديثه. والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر.
    قوله تعالى: "أنزلنا عليكم لباسا" يعني المطر الذي ينبت القطن والكتان، ويقيم البهائم الذي منها الأصواف والأوبار والأشعار؛ فهو مجاز مثل "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج"[الزمر: 6] على ما يأتي. وقيل: هذا الإنزال إنزال شيء من اللباس مع آدم وحواء، ليكون مثالا لغيره. وقال سعيد بن جبير: "أنزلنا عليكم" أي خلقنا لكم؛ كقوله: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أواج" أي خلق. على ما يأتي. وقيل: ألهمناكم كيفية صنعته.
    قرأ أبو عبدالرحمن والحسن وعاصم من رواية المفضل الضبي، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجعفي "ورياشا". ولم يحكه أبو عبيد إلا عن الحسن، ولم يفسر معناه. وهو جمع ريش. وهو ما كان من المال واللباس. وقال الفراء: ريش ورياش، كما يقال: لبس ولباس. وريش الطائر ما ستره الله به. وقيل: هو الخصب ورفاهية العيش. والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وأنشد سيبويه:
    فريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زياتـكم لمامــا
    وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهت له دابة بريشها؛ أي بكسوتها وما عليها من اللباس.
    قوله تعالى: "ولباس التقوى ذلك خير" بين أن التقوى خير لباس؛ كما قال:
    إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عيانا وإن كان كاسيا
    وخير لباس المرء طاعة ربــه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
    وروى قاسم بن مالك عن عوف عن معبدالجهني قال: "لباس التقوى" الحياء. وقال ابن عباس: "لباس التقوى" هو العمل الصالح. وعنه أيضا: السمت الحسن في الوجه. وقيل: ما علمه عز وجل وهدى به. وقيل: "لباس التقوى" لبس الصوف والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله تعالى ويتعبد له خير من غيره. وقال زيد بن علي: "لباس التقوى" الدرع والمغفر؛ والساعدان، والساقان، يتقى بهما في الحرب. وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله. وقيل: هو استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه.
    قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة. وقول زيد بن علي حسن، فإنه خض على الجهاد. وقال ابن زيد: هو ستر العورة. وهذا فيه تكرار، إذ قال أولا: "قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم". ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى؛ فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى، على ما يأتي مبينا إن شاء الله تعالى. وقرأ أهل المدينة والكسائي "لباس" بالنصب عطفا على "لباسا" الأول. وقيل: انتصب بفعل مضمر؛ أي وأنزلنا لباس التقوى. والباقون بالرفع على الابتداء. و"ذلك" نعته و"خير" خبر الابتداء. والمعنى: ولباس التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم، ومن الرياش الذي أنزلنا إليكم؛ فألبسوه. وقيل: ارتفع بإضمار هو؛ أي وهو لباس التقوى؛ أي هو ستر العورة. وعليه يخرج قول ابن زيد. وقيل: المعنى ولباس التقوى هو خير؛ "فذلك" بمعنى هو. والإعراب الأول أحسن ما قيل فيه. وقرأ الأعمش "ولباس التقوى خير" ولم يقرأ "ذلك". وهو خلاف المصحف. "ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون"أي مما يدل على أن له خالقا. و"ذلك" رفع على الصفة، أو على البدل، أو عطف بيان.
    !وقال الإمام أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي ( 1376 هـ ) رحمه الله
    ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون )
    أي : لما أهبط الله آدم وزوجته وذريتهما إلى الأرض ، أخبرهما بحال إقامتهم فيها ، وأنه جعل لهم فيها حياة ، يتلوها الموت ، مشحونة بالامتحان والابتلاء ، وأنهم لا يزالون فيها ، يرسل إليهم رسله ، وينزل عليهم كتبه ، حتى يأتيهم الموت ، فيدفنون فيها . ثم إذا استكملوا ، بعثهم الله ، وأخرجهم منها إلى الدار التي هي الدار حقيقة ، التي هي دار المقامة :( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ): ثم امتن عليهم بما يسر لهم ، من اللباس الضروري ، واللباس الذي المقصود منه ، الجمال ، وهكذا سائر الأشياء ، كالطعام ، والشراب ، والمراكب ، والمناكح ونحوها . قد يسر الله للعباد ضروريها ، ومكمل ذلك ، وبين لهما أن هذا ، ليس مقصودا بالذات ، وإنما أنزله الله ، ليكون معونة لهم على عبادته وطاعته ، ولهذا قال : " ولباس التقوى ذلك خير " من اللباس الحسي ، فإن لباس التقوى ، يستمر مع العبد ، ولا يبلى ولا يبيد ، وهو جمال القلب والروح . وأما اللباس الظاهري ، فغايته أن يستر العورة الظاهرة ، في وقت من الأوقات . أو يكون جمالا للإنسان ، وليس وراء ذلك منه نفع . وأيضا ، فبتقدير عدم هذا اللباس ، تنكشف عورته الظاهرة ، التي لا يضره كشفها ، مع الضرورة ، وأما بتقدير عدم لباس التقوى ، فإنها تنكشف عورته الباطنة ، وينال الخزي والفضيحة . وقوله : " ذلك من آيات الله لعلهميذكرون " أي : ذلك المذكور لكم من اللباس ، مما تذكرون به ، ما ينفعكم ويضركم ، وتستعينون باللباس الظاهر على الباطن.




  5. #29
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    2*﴿ يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَىَ وَفَرِيقاً حَقّ عَلَيْهِمُ الضّلاَلَةُ إِنّهُمُ اتّخَذُوا الشّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُم مّهْتَدُونَ ﴾(الأعراف : 27 - 30 )
    ^قال ألإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير (774 هـ ) رحمه الله
    يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله, مبيناً لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام, في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء, والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه, وما هذا إلا عن عداوة أكيدة, وهذا كقوله تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا}.
    **( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقاً هَدَىَ وَفَرِيقاً حَقّ عَلَيْهِمُ الضّلاَلَةُ إِنّهُمُ اتّخَذُوا الشّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُم مّهْتَدُونَ)
    قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة يقولون نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على قبلها النسعة أو الشيء وتقول: = اليوم يبدو بعضه أو كله ومـا بدا منه فلا أحلـه =
    فأنزل الله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} الاَية, قلت: كانت العرب ما عدا قريشاً لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها, وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم, ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه, ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه أحد, ومن لم يجد ثوباً جديداً, ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً, وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر فتقول: = اليوم يبدو بعضه أو كله ومـا بدا منه فلا أحلــه . =
    وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل, وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم واتبعوا فيه آباءهم, ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع, فأنكر الله تعالى عليهم ذلك, فقال {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} فقال تعالى رداً عليهم {قل} أي يا محمد لمن ادعى ذلك {إن الله لا يأمر بالفحشاء} أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة, والله لا يأمر بمثل ذلك {أتقولون على الله مالا تعلمون} أي أتسندون إلى الله من الأقوال مالا تعلمون صحته, وقوله تعالى: {قل أمر ربي بالقسط} أي بالعدل والاستقامة {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات, فيما أخبروا به عن الله وما جاؤوا به من الشرائع وبالإخلاص له في عبادته, فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين, أن يكون صواباً موافقاً للشريعة وأن يكون خالصاً من الشرك.
    وقوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} إلى قوله {الضلالة} اختلف في معنى قوله {كما بدأكم تعودون} فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد {كما بدأكم تعودون} يحييكم بعد موتكم, وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء, وقال قتادة {كما بدأكم تعودون} قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئاً ثم ذهبوا ثم يعيدهم, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولاً كذلك يعيدكم آخراً, واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير, وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال: قام فينا رسول الله r بموعظة فقال «يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً ..(كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ) » وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث شعبة, وفي صحيح البخاري أيضاً من حديث الثوري به, وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد عن مجاهد {كما بدأكم تعودون} قال يبعث المسلم مسلماً والكافر كافراً وقال أبو العالية {كما بدأكم تعودون} ردّوا إلى علمه فيهم وقال سعيد بن جبير كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون, وفي رواية كما كنتم عليه تكونون, وقال محمد بن كعب القرظي: في قوله تعالى: {كما بدأكم تعودون} من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إلى ما ابتدىء عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة, ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدىء خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء, كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدؤوا عليه, وقال السدي {كما بدأكم} تعودون {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} يقول {كما بدأكم تعودون} كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال, كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله {كما بدأكم تعودون فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً, كما قال {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمناً وكافراً: قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع, فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها, وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب, فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة». وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد, حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله r«إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار, وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم» هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد, وقال ابن جرير: حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن, حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر, عن النبي r أنه قال «تبعث كل نفس على ما كانت عليه» وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه, عن الأعمش به, ولفظه «يبعث كل عبد على ما مات عليه» وعن ابن عباس مثله, قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود, قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الاَية, وبين قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها} وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله r قال: «كل مولود يولد على الفطرة, فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه».
    وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله r يقول الله تعالى «إني خلقت عبادي حنفاء, فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم» الحديث, ووجه الجمع على هذا, أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال, وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره, كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقياً ومنهم سعيداً {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} وفي الحديث «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» وقدر الله نافذ في بريته, فإنه هو {الذي قدر فهدى} و {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} وفي الصحيحين «فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة, وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة» ولهذا قال تعالى: {فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة} ثم علل ذلك فقال {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} الاَية, قال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحداً على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها, إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عناداً منه لربه فيها, لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه مهتد, وفريق الهدى فرق, وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الاَية.
    !وقال الإمام أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي ( 1376 هـ ) رحمه الله
    ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون )
    يقول تعالى ، محذرا لبني آدم ، أن يفعل بهم الشيطان ، كما فعل بأبيهم : " يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان " بأن يزين لكم العصيان ، ويدعوكم إليه ، ويرغبكم فيه ، فتنقادون له " كما أخرج أبويكم من الجنة " وأنزلهما من المحل العالي ، إلى أنزل منه . فإياكم يريد أن يفعل بكم كذلك ، ولا يألو جهده عنكم ، حتى يفتنكم ، إن استطاع . فعليكم أن تجعلوا الحذر منه في بالكم ، وأن تلبسوا لأمة الحرب بينكم وبينه ، وأن لا تغفلوا عن المواضع التي يدخل منها إليكم .
    " أنه " يراقبكم على الدوام ، و " يراكم هو وقبيله " من شياطين الجن " من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " . فعدم الإيمان ، هو الموجب لعقد الولاية بين الإنسان والشطان . " إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " ...
    "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون "
    يقول تعالى ، مبينا لقبح حال المشركين ، الذين يفعلون الذنوب ، وينسبون لله أنه أمرهم بها . " وإذا فعلوا فاحشة " وهي : كل ما يستفحش ويستقبح ، ومن ذلك : طوافهم بالبيت عراة . " قالوا وجدنا عليها آباءنا " ، وصدقوا في هذا . " والله أمرنا بها " وكذبوا في هذا ، ولهذا رد الله عليهم هذه النسبة فقال : " قل إن الله لا يأمر بالفحشاء "أي : لا يليق بكماله وحكمته ، أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش ، لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره . " أتقولون على الله ما لا تعلمون " وأي افتراء أعظم من هذا . ثم ذكر ما يأمر به فقال : " قل أمر ربي بالقسط " أي : بالعدل في العبادات والمعاملات ، لا بالظلم والجور . " وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد " أي : توجهوا إلى الله ، واجتهدوا في تكميل العبادات ، خصوصا « الصلاة » أقيموها ، ظاهرا وباطنا ، ونقوها من كل نقص ومفسد . " وادعوه مخلصين له الدين " أي : قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له . والدعاء يشمل دعاء المسألة ، ودعاء العبادة أي : لا تريدوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم ، سوى عبودية الله ورضاه . " كما بدأكم " أول مرة " تعودون " للبعث ، فالقادر على بدء خلقكم ، قادر على إعادته ، بل الإعادة ، أهون من البدء . " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون "" فريقا" منكم " هدى " الله ، أي : وفقهم للهداية ، ويسر لهم أسبابها ، وصرف عنهم موانعها . " وفريقا حق عليهم الضلالة " أي : وجبت عليهم الضلالة ، بما تسببوا لأنفسهم ، وعملوا بأسباب الغواية . " إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله " ومن يتخذ الشيطاين وليا من دون الله ، فقد خسر خسرانا مبينا . فحين انسلخوا من ولاية الرحمن ، واستحبوا ولاية الشيطان ، حصل لهم النصيب الوافر ، من الخذلان ، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران . " ويحسبون أنهم مهتدون " لأنهم انقلبت عليهم الحقائق ، فظنوا الباطل حقا ، والحق باطلا . وفي هذه الآيات ، دليل على أن الأوامر والنواهي ، تابعة للحكمة والمصلحة ، حيث ذكر تعالى ، أنه لا يتصور أن يأمر بما تستفحشه وتنكره العقول ، وأنه لا يأمر إلا بالعدل والإخلاص ، وفيه دليل على أن الهداية ، بفضل الله ومنه ، وأن الضلالة بخذلانه للعبد ، إذ تولى ـ بجهله وظلمه ـ الشيطان ، وتسبب لنفسه بالضلال . وأن من حسب أنه مهتد ، وهو ضال ، فإنه لا عذر له ، لأنه متمكن من الهدى ، وإنما أتاه حسبانه ، من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى .




  6. #30
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    3*﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ *(الأعراف: 3134 )


    ^قال ألإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير (774 هـ ) رحمه الله
    هذه الاَية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه, من الطواف بالبيت عراة كما رواه مسلم والنسائي وابن جرير, واللفظ له من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء, الرجال بالنهار والنساء بالليل, وكانت المرأة تقول:
    اليوم يبدو بعضه أو كله ومـــا بدا منه فلا أحله
    فقال الله تعالى {خذوا زينتكم عند كل مسجد} وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله {خذوا زينتكم عند كل مسجد} الاَية, قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة, والزينة اللباس وهو ما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع, فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد, وهكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك, عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة, وقد روى الحافظ بن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي, عن قتادة, عن أنس مرفوعاً, أنها نزلت في الصلاة في النعال, ولكن في صحته نظر, والله أعلم, ولهذه الاَية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة, ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد, والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك.
    ومن أفضل اللباس البياض كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم, حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم, عن سعيد بن جبير وصححه عن ابن عباس مرفوعاً, قال: قال رسول الله r«البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم, وكفنوا فيها موتاكم وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» هذا حديث جيد الإسناد, رجاله على شرط مسلم ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به, وقال الترمذي: حسن صحيح, وللإمام أحمد أيضاً وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله r«عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم» وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميماً الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه, وقوله تعالى {وكلوا واشربوا} الاَية, قال بعض السلف جمع الله الطب كله في نصف آية {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقال البخاري قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة, وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى, حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب مالم يكن سرفاً أو مخيلة, إسناده صحيح, وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز, حدثنا همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, أن رسول الله r قال: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف, فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» ورواه النسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي r قال «كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة» وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة, حدثنا سليمان بن سليم الكلبي, حدثنا يحيى بن جابر الطائي سمعت المقدام بن معديكرب الكندي, قال: سمعت رسول الله r يقول «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلاً لا محالة, فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» ورواه النسائي والترمذي من طرق عن يحيى بن جابر به, وقال الترمذي: حسن وفي نسخة حسن صحيح.
    وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سويد بن عبد العزيز, حدثنا بقية عن يوسف بن أبي كثير عن نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله r«إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت» ورواه الدارقطني في الأفراد, وقال: هذا حديث غريب تفرد به بقية, وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم, فقال الله تعالى لهم: {كلوا واشربوا} الاَية, يقول لا تسرفوا في التحريم, وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله, وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {ولا تسرفوا} يقول: ولا تأكلوا حراماً ذلك الإسراف, وقال عطاء الخراساني: عن ابن عباس قوله {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} في الطعام والشراب, وقال ابن جرير: وقوله {إنه لا يحب المسرفين} يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدين حده في حلال أو حرام الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال, ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم وذلك العدل الذي أمر به.
    **( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )
    يقول تعالى رداً على من حرم شيئاً من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين, الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم {من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} الاَية, أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا, وإن شركهم فيها الكفار حباً في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة, ولا يشركهم فيها أحد من الكفار, فإن الجنة محرمة على الكافرين, قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين القاضي, حدثنا يحيى الحماني, حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون, فأنزل الله {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} فأمروا بالثياب.
    **( قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
    قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله r«لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن, ولا أحد أحب إليه المدح من الله» أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش, عن شقيق عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود, ... وقوله {والإثم والبغي بغير الحق} قال السدي: أما الإثم فالمعصية والبغي أن تبغي على الناس بغير الحق, وقال مجاهد, الإثم المعاصي كلها وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه, وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه, والبغي هو التعدي إلى الناس فحرم الله هذا وهذا, وقوله تعالى: {وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً} أي تجعلوا له شركاء في عبادته {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولداً ونحو ذلك مما لا علم لكم به, كقوله {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} الاَية.
    ** ( وَلِكُلّ أُمّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)
    يقول تعالى: {ولكل أمة} أي قرن وجيل {أجل فإذا جاء أجلهم} أي ميقاتهم المقدر لهم {لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون }
    $ وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( 671هـ ) رحمه الله
    {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}
    قوله تعالى: "يا بني آدم" هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا؛ فإنه عام في كل مسجد للصلاة. لأن العبرة للعموم لا للسبب. ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف؛ لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد، والذي يعم كل مسجد هو الصلاة . وهذا قول من خفي عليه مقاصد الشريعة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: من يعيرني تِطوافا؟ تجعله على فرجها. وتقول: =اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله =
    فنزلت هذه الآية: "خذوا زينتكم عند كل مسجد". التطواف (بكسر التاء). وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط؛ قاله القاضي عياض. وفي صحيح مسلم أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات. في غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا، وإما أن يطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى؛ قال قائل من العرب: = كفى حزنا كري عليه كأنه لقى بين أيدي الطائفين حريم =
    فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا r ؛ فأنزل الله تعالى: "يا بني آدم خذوا زينتكم" الآية. وأذن مؤذن رسول الله r : ألا لا يطوف بالبيت عريان. قلت: ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال؛ لما رواه كرز بن وبرة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي r أنه قال ذات يوم: (خذوا زينة الصلاة) قيل: وما زينة الصلاة؟ قال: (البسوا نعالكم فصلوا فيها).
    دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم. وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة. وقال الأبهري هي فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها. وهو الصحيح؛ لقوله r للمسور بن مخرمة: (أرجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة). أخرجه مسلم. وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سنن الصلاة، واحتج بأنه لو كان فرضا في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلي؛ لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أو بدله مع عدمه، أو تسقط الصلاة جملة، وليس كذلك. قال ابن العربي: وإذا قلنا إن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه فغطاه أجزأه؛ قاله ابن القاسم. وقال سحنون: وكل من نظر إليه من المأمومين أعاد. وروي عن سحنون أيضا: أنه يعيد ويعيدون؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة. أصله الطهارة. قال القاضي ابن العربي: أما من قال، إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطا، وأما من قال إن أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الاشتغال بها. وفي البخاري والنسائي عن عمرو بن سلمة قال: لما رجع قومي من عند النبي r قالوا قال: (ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن). قال: فدعوني فعلموني الركوع والسجود؛ فكنت أصلي بهم وكانت علي بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا إست ابنك. لفظ النسائي. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله r في الصلاة كأمثال الصبيان؛ فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال. أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود.
    واختلفوا إذا رأى عورة نفسه؛ فقال الشافعي: إذا كان الثوب ضيقا يزره أو يخلله بشيء لئلا يتجافى القميص فترى من الجيب العورة، فإن لم يفعل ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة. وهو قول أحمد. ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار، ليس عليه سراويل. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور. وكان سالم يصلي محلول الأزرار. وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به. وحكى معناه الأثرم عن أحمد. فإن كان إماما فلا يصلي إلا بردائه ؛ لأنه من الزينة. وقيل: من الزينة الصلاة في النعلين؛ رواه أنس عن النبي r ولم يصح. وقيل: زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه. قال أبو عمر: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي. وقال عمر رضي الله عنه: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل عليه ثيابه، صلى في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء - وأحسبه قال: في تبان وقميص - في تبان ورداء، في تبان وقباء. رواه البخاري والدارقطني.
    قوله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس؛ ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يضعف الجسد ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع وتدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا. وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. ثم قيل: في قلة الأكل منافع كثيرة؛ منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد بين النبي r هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن كلام الأطباء فقال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه). خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب. قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: "وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا". فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب. فقال علي: جمع رسول اللهr الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: (المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته). فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا.
    قلت: ويقال إن معالجة المريض نصفان: نصف دواء ونصف حمية: فإن اجمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصح. وإلا فالحمية به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية. ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء. ولقد قال رسول الله r: (أصل كل دواء الحمية). والمعني بها - والله أعلم - أنها تغني عن كل دواء؛ ولذلك يقال: إن الهند جل معالجتهم الحمية، يمتنع المريض عن الأكل والشراب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح.
    روى مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله rيقول: (الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في مِعىً واحد). وهذا منه r حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة. وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته. كما قال قائلهم: =تكفيه فلذة كبد إن ألم بها من الشواء ويروي شربه الغمر = ...
    وقالت أم زرع في ابن أبي زرع: ويشبعه ذراع الجفرة. وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل: فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا...
    وقال الخطاب: معنى قوله r : (المؤمن يأكل في معى واحد) أنه يتناول دون شبعه، ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره؛ فيقنعه ما أكل. والتأويل الأول أولى والله أعلم. وقيل في قوله عليه السلام: (والكافر يأكل في سبعة أمعاء) ليس على عمومه؛ لأن المشاهدة تدفعه، فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن، ويسلم الكافر فلا يقل أكله ولا يزيد. وقيل: هو إشارة إلى معين. ضاف النبي r ضيف كافر يقال: إنه الجهجاه الغفاري. وقيل: ثمامة بن أثال. وقيل: نضلة بن عمرو الغفاري. وقيل: بصرة بن أبي بصرة الغفاري. فشرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه ؛ فقال النبي r ذلك. فكأنه قال: هذا الكافر. والله أعلم. وقيل: إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوي على الطاعة، فأخذ منه قدر الحاجة، وحين كان مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تثلط. واختلف في هذه الأمعاء، هل هي حقيقة أم لا؟ فقبل: حقيقة، ولها أسماء معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح. وقيل: هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النهم: يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما. وقيل: المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء. والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا معى واحد؛ فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثال. والمعى في هذا الحديث هو المعدة.
    وإذا تقرر هذا فاعلم أنه يستحب للإنسان غسل اليد قبل الطعام وبعده؛ لقوله عليه السلام: (الوضوء قبل الطعام وبعده بركة). وكذا في التوراة. رواه زاذان عن سلمان. وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة. والاقتداء بالحديث أولى. ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو أم باردا؟ فإنه إن كان حارا فقد يتأذى. وروي عن رسول الله r أنه قال: (أبردوا بالطعام فإن الحار غير ذي بركة) حديث صحيح. ولا يشمه فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، ويصغر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يعد شرها. ويسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره. ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل؛ لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل. وآداب الأكل كثيرة ، هذه جملة منها. وسيأتي بعضها في سورة "هود" إن شاء الله تعالى. وللشراب أيضا آداب معروفة، تركنا ذكرها لشهرتها. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله r قال: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشمال ويشرب بشماله).
    وقوله تعالى: "ولا تسرفوا" أي في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة الشرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبط الإنسان عن خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثريدا بلحم سمين، فأتيت النبي r وأنا أتجشأ؛ فقال: (اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة). فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا، وكان إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى. قلت: وقد يكون هذا معنى قوله r : (المؤمن يأكل في معى واحد) أي التام الإيمان؛ لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده؛ فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته. والله أعلم. وقال ابن زيد: معنى "ولا تسرفوا" لا تأكلوا حراما. وقيل: (من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت). رواه أنس بن مالك عن النبي r ، خرجه ابن ماجة في سننه. وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله. وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة. قال: بشم! فقالوا: نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه. وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم: "خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " في تحريم ما لم يحرم عليكم.
    {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون}
    قوله تعالى: "قل من حرم زينة الله" بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم. والزينة هنا الملبس الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب؛ كما روي عن عمر: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا. وقد تقدم. وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدق به، أو باعه فتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع بمصر ممشقين ويقول: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق".
    وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان. قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله r : (إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة). فما أنكر عليه ذكر التجمل، وإنما أنكر عليه كونها سيراء. وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار. أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب. ويقول: "ولباس التقوى ذلك خير" [الأعراف: 26] هيهات! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى. قال خالد بن شوذب: شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال: يا فريقد، يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء، إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل. ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن يسار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، صوفت قلبك أو جسمك؟ صوف قلبك والبس القوهي على القوهي. وقال رجل للشبلي: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع، فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط، فأنشأ يقول:
    أما الخيام فإنها كخيامهـــم وأرى نساء الحي غير نسائه
    قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله: وأنا أكره ليس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه:
    أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة.
    والثاني: أنه يتضمن ادعاء الفقر، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم الله عليه.
    والثالث: إظهار التزهد؛ وقد أمرنا بستره.
    والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم ...وقال الطبري: ولقد أخطأ من أثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله. ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر. ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء. وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخزز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار. وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة، لا المترفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا. وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس؛ وكل ذلك مكروه منهي عنه. فإن قال قائل: تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يذم، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين. فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا. وذلك حظ للنفس لا يلام فيه. ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم. وقد روى مكحول عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله r ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء؛ فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره. فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: (نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال). وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي r قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: (إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة. وقد روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا مندل عن ثور عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله r يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل. وعن ابن جريج: مشط عاج يمتشط به. قال ابن سعد: وأخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن ربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله r يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء. أخبرنا يزيد بن هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله r مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين.
    قوله تعالى: "والطيبات من الرزق" الطيبات اسم عام لما طاب كسبا وطعما. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. وقيل: هي كل مستلذ من الطعام. وقد اختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات؛ فقال قوم: ليس ذلك من القربات، والفعل والترك يستوي في المباحات. وقال آخرون: ليس قربة في ذاته، وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا، وقصر الأمل فيها، وترك التكلف لأجلها؛ وذلك مندوب إليه، والمندوب قربة. وقال آخرون: ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: لو شئنا لاتخذنا صلاء وصلائق وصنابا، ولكني سمعت الله تعالى يذم أقواما فقال: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا" [الأحقاف: 20]. ويروى "صرائق" بالراء، وهما جميعا الجرادق. والصلائق (باللام): ما يلصق من اللحوم والبقول. والصلاء (بكسر الصاد والمد): الشواء: والصناب: الخردل بالزبيب. وفرق آخرون بين حضور ذلك كله بكلفة وبغير كلفة. قال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا: وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل؛ فإنه لم ينقل عن النبي r أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب، وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة. والله تعالى أعلم.
    قلت: وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات؛ واحتج بقول عمر رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضرواة الخمر. والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا، والمداومة على الشهوات، وشفاء النفس من اللذات، ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا، ولذلك كان يكتب عمر إلى عمال: إياكم والتنعم وزي أهل العجم، واخشوشنوا. ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيء أحله الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه. وقول الله عز وجل أولى ما امتثل واعتمد عليه. قال الله تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق". وقال r: (سيد آدام الدنيا والآخرة اللحم). وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي r كان يأكل الطبيخ بالرطب ويقول: (يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا). والطبيخ لغة في البِطيخ، وهو من المقلوب. وقد مضى في "المائدة" الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام. وهذه الآية ترد عليه وغيرها: والحمد لله.
    قوله تعالى: "قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا" يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له؛ فإن الله ينعم ويرزق، فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه. وفي صحيح الحديث (لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد). وتم الكلام على "الحياة الدنيا". ثم قال "خالصة" بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع. "خالصة يوم القيامة" أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة. فخالصة مستأنف على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا؛ وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: "في الحياة الدنيا" متعلق بـ "آمنوا". وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع؛ لأن الكلام قد تم دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على "الدنيا"؛ لأن ما بعده متعلق بقول "للذين آمنوا" حال منه؛ بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة؛ قاله أبو علي. وخبر الابتداء "للذين آمنوا". والعالم في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله: "للذين" واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف. "كذلك نفصل الآيات" أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصل لكم ما تحتاجون إليه.






معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 0 (0 من الأعضاء و 0 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 09-08-2012, 03:43 AM
  2. القُرْآن بَيْنَ التَّدَبُّر وَالهَجْر
    بواسطة سلمى العربية في المنتدى القرآن الكريم وعلومه
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 05-19-2011, 04:18 PM
  3. ثلاثون وصية لحفظ القرآن الكريم
    بواسطة صقر ريحان في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-20-2010, 08:59 PM
  4. خطبه لشيخ علي عبدالخالق القرني بعنوان ((هلموا إلى القرآن))
    بواسطة فتى حَمير في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08-19-2010, 03:10 AM
  5. {إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
    بواسطة ابومحمود في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 01-29-2010, 06:47 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك