منتديات شبوة نت

يعد هذا الموقع أكبر موقع عربي للبرامج و شروحاتها ، وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب ، انضم الآن و احصل على فرصة استخدام و تحميل و تنزيل و تجريب افضل برامج وادوات الكمبيوتر.



+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 6 من 13
Like Tree0Likes

الموضوع: ظاهرة التكرار فى القرآن الكريم

  1. #1
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    5 ظاهرة التكرار فى القرآن الكريم

    ظاهرة التكرار فى القرآن الكريم
    إعداد
    أ د/ عبد الشافى أحمد على الشيخ
    أستاذ التفسير وعلوم القرآن المشارك
    جامعة الأزهر
    كلية الدراسات الإسلامية والعربية – القاهرة
    جامعة الملك فيصل
    كلية الآداب
    (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير )هود 1

    m
    الحمد لله الذى نور بكتابه القلوب ، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب ، فأعيت بلاغتُه البلغاء ، وأعجزت حكمتُه الحكماء، و أبكمت فصاحتُه الخطباء.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى ، ونبيه المرتضى ، معلم الحكمة، وهادى الأمة ، أرسله بالنور الساطع ، والضياء اللامع ، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار.
    أما بعد:
    فإن أولى ما أُعملت فيه القرائح الفحصُ عن أسرار التنزيل ، والكشفُ عن حقائق التأويل ، فهو العصمة الواقية ، والنعمة الباقية ، والحجة البالغة ، والدلالة الدامغة ، وهو شفاء الصدور، والحكَم العدل عند مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزل ، وهو الفصل الذى ليس بالهزل،وهو ما بقى من وحى فى هذه الدنيا ، سراج لايخبو ضياؤه ، بهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته على كل مقول ، ما شانه نقص ، ولا شابته زيادة ، فهو بحفظ الله مصون ، وبقاء هذا القرآن هو العزاء الوحيد عن ضياع مواريث النبوات الأولى ، فقد استوعب زبدتها 0
    والحياة مع كتاب اللّه نعمةٌ يدركها من أنعم الله بها عليه، وما أسعد الفرد المسلم إذا جعل هذا الكتاب إمامه ، فاهتدى بهديه بعد أن تدبر آياته ، وما أسعد المجتمع الذي يجمع مثل هذا الفرد ! وما أشد بؤس الذين حرموا أنفسهم من هدايته فتخبطوا في حياتهم يمنة ويسرة، وانتهوا إلى ضياع أعمارهم وضياع دنياهم وآخرتهم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا) الكهف 103-106
    القرآن جاء على قواعد البلاغة :
    لقد جرت عادة العرب على استخدام أسلوب التكرار ، محاولة منهم للتنبيه على مزيد عناية ووافر اهتمام بأمور مهمة ، وما أجمل ما قالت الخنساء وهى ترثى أخاها صخرا :
    وإن صخرا لوالينا وسيدنا *** وإن صخرا إذا نشتو لنحار
    وإن صخرا لتأتم الهداة به*** كأنه علم فى رأسه نار انظر الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى 4/ 155 ، والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسى 1/356
    فالتكرار أسلوب بلاغى معروف ، والقرآن الكريم – كما هو معلوم – لم يفاجئ العرب بغريب ، ولكنه أتاهم بجنس ما برعوا فيه ، ومع ذلك تحداهم فى أن يأتوا بمثله 0
    ومن هنا فلا غرو أن نجد لهذا الأسلوب فى القرآن الكريم مساحةً ليست قليلة ، ولذا فهى ظاهرة جديرة بالدراسة والبحث ، خاصة أن القرآن الكريم قد أجاد فى توظيفها ، كما أجاد فى عرضها ،فهى لم تأت فيه عبثا أو خبط عشواء ، ولكن وراءها من الحكم والأسرار ما يدهش العقول ، ويأسر الألباب 0
    خطتى فى البحث :
    قسمت هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد ومباحث أربعة وخاتمة :عرضت فى المقدمة لهذه الظاهرة ووجودها فى القرآن الكريم ، كما ذكرت فيها خطتى ومنهجى فى هذه الدراسة 0
    أما التمهيد : فقد عرفت من خلاله التكرار عند علماء اللغة ، وكذا عرفت بعض الألفاظ ذات الصلة بلفظ التكرار ، والفرق بينها وبينه 0
    ثم المبحث الأول :وعنوانه " التكرار فى لغة العرب" وفيه مطلبان :
    المطلب الأول :التكرار ظاهرة جمالية 0
    المطلب الثانى :التكرار عند علماء الإعجاز0
    ثم المبحث الثانى :وعنوانه :"القرآن الكريم وظاهرة التكرار" وفيه مطالب ثلاثة 0
    المطلب الأول :القرآن والتكرار 0
    المطلب الثانى :فوائد التكرار فى القرآن الكريم 0
    المطلب الثالث :أراء العلماء فى قضية التكرار فى القرآن الكريم 0
    ثم المبحث الثالث : وعنوانه "أنواع التكرار وخصائصه فى القرآن الكريم" وفيه مطلبان :
    المطلب الأول :أنواع التكرار فى القرآن الكريم ، وفيه :
    تكرار الأداة 0
    تكرار الكلمة 0
    تكرار الفاصلة 0
    تكرار القصة 0
    تكرار اللفظ والمعنى 0
    تكرار المعنى فقط 0
    المطلب الثانى :أسرار وخصائص التكرار فى القرآن الكريم 0
    ثم المبحث الرابع : وعنوانه "ظاهرة التكرار فى القرآن الكريم بين القدامى والمعاصرين " وفيه مطلبان :
    المطلب الأول : جهود علماء السلف فى دراسة ظاهرة التكرار 0
    المطلب الثانى :ظاهرة التكرار فى القرآن بين المعاصرين 0
    ثم الخاتمة وفيها عرض لنتائج هذه الدراسة 0
    منهجى فى البحث :
    حاولت فى هذه الدراسة – جاهدا – أن أطبق قواعد البحث العلمى فتحريت فيه الآتى :
    · كتابة الآيات القرآنية بخط مخالف لخط البحث مع تخريج الآيات بذكر السورة ورقم الآية 0
    · تخريج ما ورد فى هذه الدراسة من الأحاديث النبوية من مصادرها الأصلية ، وإن كان الحديث فى البخارى أو مسلم اكتفيت بهما وإلا ذكرت له مصدرا آخر 0
    · نسبة الشواهد الشعرية لقائليها ماتيسر لى ذلك من كتب الأدب 0
    · ترجمة لبعض الأعلام الواردة فى الدراسة بشكل موجز 0
    · نسبة الأقوال إلى أصحابها 0

    · تعريف المصطلحات من الكتب المتخصصة كالمعاجم العربية 0
    · عرض نتائج البحث فى نقاط محددة 0
    هذا ولا أدعى الكمال فى دراستى ، ولكنها بضاعة مزجاة ، وجهد المقل والمقصر ، فما كان فيها من خير فبفضل الله وحده ثم ما يسره الله لى 0
    وإن كانت الأخرى فالتقصير منى، ولكن حسبى أنها محاولة جادة يكفينى فيها أنى عايشت كتاب الله تعالى فترة 0
    والله أسأل ألا يحرمنى من ورائها الأجر يوم الدين ، إنه ولى ذلك والقادر عليه


    التمهيد
    إن لفظة التكرار ومشتقاتها تدور فى اللغة حول معنى الرجوع إلى الشئ مره أخرى ، أو الإتيان به مرة بعد مرة(كتاب العين للفراهيدى 1/424، التعريفات للجرجانى 1/21)
    فالتكرار فى اللغة أصله من الكر بمعنى الرجوع ويأتى بمعنى الإعادة والعطف,فـ "كرر الشئ" وكرره أى أعاده مرة بعد أخرى ويقال كررت عليه الحديث وكررته إذا رددته عليه0
    والكر الرجوع , قال أبو سعيد الضرير:قلت لأبى : مابين تِفعال وتَفعال ؟ بكسر التاء وفتحها فقال : تِفعال بالكسر اسم وتَفعال بالفتح مصدر(راجع لسان العرب لابن منظور مادة كرر 5/135وبعدها)
    وقد وردت بعض تصريفات "الكر" فى القرآن الكريم قال تعالى :" ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ" ( الإسراء )6" فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين" الشعراء 120" وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا" البقرة 167" قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ" النازعات12" ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ "الملك4
    وقد يأتي له تصريف آخر وهو "التكرير" يقول الرازى فى مختاره :(الكر الرجوع ,يقال كررت الشئ تكريراً وتكراراً مختار الصحاح لزين الدين محمد بن أبى بكر الرازى ص 567ط مؤسسة الرسالة ط سابعة مادة كرر , القاموس المحيط )
    ويقول ابن سيده فى مخصصه :"والألف فى "تكرار" عوضا عن الياء فى "تكرير" ويجعلون ألف التكرار والترداد بمنزلة ياء تكرير وترديد "(المخصص لابن سيده 3/412)
    وفى الاصطلاح : تكرار كلمة أو لفظ أكثر من مرة فى سياق واحد لنكتة ما كالتوكيد أو الانتباه أو التهويل أو التعظيم 0 راجع أسرار التكرار فى لغة القرآن د شيخون ص11 وبعدها 0
    وهذا التعريف يتفق مع ما عرفه به الإمام الزركشى حيث قال : "وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى" ( البرهان فى علوم القرآن 3/10)
    ولعلنا ندرك من خلال هذا التعريف أن التكرار كما يكون فى كلمة واحدة تعاد أكثر من مرة , قد يكون أيضا فى جملة وهى التى تشمل أكثر من كلمة , لكنه أيضا اشترط أن تكون هذه الإعادة فى سياق واحد , وعليه فلو اختلف السياق , وتغير الموضوع ولو أعيد فيه بعض الألفاظ فلا تكرار عندئذ.
    الألفاظ ذات الصلة :
    هناك ألفاظ قريبة من التكرار مثل "الإعادة , التوكيد "وقد يظن المطالع لها لأول مرة أن لا فرق بينها وبين التكرار , لكن علمائنا الأجلاء أوضحوا لنا هذه الفروق وإن كانت دقيقة ، وهى تكشف عن بعض مزايا اللغة العربية .
    ففى بيان الفرق بين التكرار والإعادة يقول أبو هلال العسكرى فى الفروق اللغويه : الفرق بين التكرار والإعادة أن التكرار يقع على إعادة الشئ مرة وعلى إعادته مرات , أما الإعادة فتكون للمرة الواحدة فقط 0
    ثم يزيد الأمر وضوحا فيقول : "ألا ترى أن قول القائل : أعاد فلان كذا , لا يفيد إلا إعادته مرة واحدة , وإذا قال كرر كذا , كان كلامه مبهما لم يدر أعاده مرتين أو مرات....ولا يخلط بينهما إلا عامي لا يعرف الكلام "(الفروق اللغوية لأبى هلال العسكرى 1/138)
    التوكيد :يوجد فروق دقيقة بين التوكيد وبين التكرار ، وممن أظهر هذه الفروق علماء البلاغة وقد عرض لها الزبيدى حيث يقول عارضا لهذا الفارق التأكيد شرطه الاتصال وأن لا يزيد على ثلاثة, والتكرار يخالفه فى الأمرين ومن ثم بنوا على ذلك أن قوله تعالى " فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ " (الرحمن 13 )
    تكرار لا تأكيد , لأنها زادت على ثلاث مرات وكذا قوله تعالى : " وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ "(تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدى1/ 3448 والآية فى سورة المرسلات 15 )
    ويضيف الزركشى فى برهانه فرقا آخر بين التكرار والتأكيد فيقول : " واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد لأنه وقع في تكرار التأسيس أى يؤسس معنى جديدا يغاير الأول ولو من جهة 0
    وهو أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز ، فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى " كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ " (التكاثر 3، 4)
    قال:إن الثانية تأسيس لا تأكيد "(البرهان 3/ 11)
    هل كل تكرار يورث الكراهة :

    لاشك أن النفس البشرية تحب التجديد والتحول من حالة إلى حالة ، وسريعا ما تصاب بالملل .
    وهنا سؤال يطرأ ، وهو :هل كل تكرار يورث الملل والساَمة ؟
    وللإجابة على هذا الطرح , ننظر فى الأشياء من حولنا فالتجديد والتغيير الجذرى لكل الأشياء من حولنا أمر مستحيل ، فلا شك أن هناك أشياء تتكرر ، ومع ذلك فنحن نألفها ونتعايش معها دون ساَمة أو ملل فليس كل مكرر مكروه 0
    ولذا يقول الإمام السكاكى صاحب كتاب مفتاح العلوم : " إن التوفيقَ بين حكم الإلْف وبين حكم التكرار, أحوجُ شئ على التأمل فليفعل لأن الإلْف مع الشئ لا يتحصل إلا بتكرره على النفس ، ولو كان التكرار يورث الكراهة لكان المألوف أكره شئ على النفس , وامتنع إذ ذاك نزعها من مألوف , والوجدان يكذب ذلك " مفتاح العلوم للسكاكى 1/155
    نعم الوجدان والواقع أيضا يكذبان هذه المقولة الضالة : " إن كل مكرر مكروه "
    فالشمس مثلا لها من الرتابة ما لا يخفى ، ولكن لا يملها أحد ، ولا يستغنى عنها كائن ، فضلا عن غيرها من نعم الله تعالى التى تتسم بالرتابة فى حياتنا ، ولو كان ذلك كذلك لمل الإنسان أولاده مثلا وهذا ما لا يقول به عاقل 0


    أَيَا مَنْ لَيْسَ لِى مِنْهُ مُجِيرٌ... بَعَفْوِكَ مِنْ عَذَابِكَ أَسْتَجِيرُ
    أَنَا العَبْدُ المُقِرُّ بِكُلِّ ذَنْبٍ... وَ أَنْتَ السَّيّدُ المَوْلَى الغَفُورُ
    فَإِنْ عَذَّبْتَنِي فَبِسُوءِ فِعُلِى... وَإِنْ تَغْفِرْ فَأَنْتَ بِهِ جَدِيرُ
    أَفِرُّ إِلَيْكَ مِنْكَ وَأَيْنَ... إِلاّ إِلَيْكَ يَفِرُّ مِنْكَ المُسْتَجِيرُ


  2. #2
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    المبحث الأول
    التكرار فى لغة العرب
    وفيه مطلبان :
    المطلب الأول : التكرار ظاهرة جمالية 0
    المطلب الثانى: التكرار عند علماء الإعجاز0
    التكرار فى لغة العرب:
    أشرنا فى المقدمة أن اللغة العربية عرفت ظاهرة التكرار ، ولكن هل هذه الظاهرة أمر مذموم أم محمود ، وارد أم غير وارد ؟
    والحقيقة التى لا يمكن إغفالها أن التكرارَ باب من أبواب العربية ، ودرب من دروب بلاغتها ، ومسلك من مسالك فصاحتها ، يقول الإمام السيوطى فى إتقانه : "والتكرار فى اللغة العربية فن قولى من الأساليب المعروفة عند العرب ، بل هو من محاسن الفصاحة " الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى 3/ 179
    فالقائل بأن كل تكرار فى لغة العرب مذموم فهو قادح فى الفصاحة ،وهو إما واهم أو جاهل بلغة العرب ، وهو إلى العجمة أقرب 0
    ويزيدنا وضوحا فى هذا المقام الإمام الجاحظ وهو مَن هوَ فى فن البلاغة والأدب فلا خلاف على مرجعيته حيث يقول :
    " إن الناس لو استغنوا عن التكرار ، وكفوا مئونة البحث والتنقير لقل اعتبارهم ، ومن قل اعتباره قل علمه ، ومن قل علمه قل فضله ، ومن قل فضله كثر نقصه ، ومن قل علمه وفضله وكثر نقصه ، لم يحمد على خير أتاه ولم يذم على شر جناه " رسائل الجاحظ 1/210
    ومن خلال هذا النص يتبين لنا أن الاستغناء عن التكرار فى العربية قد يكون نقيصة يعاب بها المتكلم، وهذا الكلام للجاحظ يمكننا أن نوجهه لأولئك الذين اعتقدوا أن إيراد التكرار فى القرآن الكريم مما يعاب به فراحوا يبحثون عن تعبيرات بديلة ، وباتوا يعتذرون للقرآن وكأنه متهم ، وينزهونه عن التكرار، على اعتباره نقيصة يجب التنزه عنها 0
    المطلب الأول
    }التكرار ظاهرة جمالية {
    مهما تَقولَ البعض فلا يستطيع أحد إنكار ما لهذا الأسلوب البلاغى من أهمية بالغة ، يدركها من تذوق الكلام وعرف مداخله ومخارجه ، ويُحرم منها من فسد ذوقه ، وشيوعُه فى الكلام العربى قديما وحديثا، خير شاهد ودليل على أنه ظاهرة معروفه ، وإنما يكمن جمالها فى حسن توظيفها 0
    وعليه : فالحكم على التكرار "جزافا " أمر لا تقره قواعد العلم السليم ، ولكن يمكننا أن نقول فى الحكم عليه :" إنه أمر نسبى : بمعنى أنه تارة يحسن ويجمل ، وذلك إذا فطن المتكلم لمواطن استخدامه ، وقد يقبح إذا أساء المتكلم استخدامه كأن يستخدمه فى غير موضعه 0
    ولذا نجد العديد من الشعراء قد استخدم التكرار فأجاد ، بينما استخدمه البعض فأخفق ، فالأمر يعود إلى المستخدم ذاته ، هل استطاع أن يوظف هذا التكرار توظيفا بلاغيا مفيدا ، أم أنه عجز أمامه ، وألقى بالتكرار عشواء فى ثنايا كلامه ، فصار مستهجنا ؟
    ولذا يقول ابن رشيق القيروانى فى عمدته ::" للتكرار مواضع يحسن فيها ، ومواضع يقبح فيها " العمدة لابن رشيق القيروانى ص 683
    ولنأخذ بعض النماذج الشعرية والتى استخدم فيها التكرار فاستحسن تارة واستقبح تارة أخرى 0
    أولا : التكرار المحمود :يقول الحارث بن عُبَاد
    قربا مربط النعامة منى ***لقِحَت حرب وائل عن خيال
    الحارث بن عباد بن قيس بن ثعلبة البكري أبو منذر: حكيم جاهلي كان شجاعا، من السادات، شاعرا، انتهت إليه إمرة بني ضبيعة وهو شاب ، وفي أيامه كانت حرب (البسوس) فاعتزل القتال، ولما قتل المهلهل ولده بجيرا، ثار الحارث ونادى بالحرب، وارتجل قصيدته المشهورة التي كرر فيها قوله (قربا مربط النعامة مني) أكثر من خمسين مرة، والنعامة فرسهانظر الأعلام للزركلى 2/156
    فكرر قوله " قربا مربط النعامة منى " فى رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر ، وإرادة التنبيه والتحذير ، والتكرار أسلوب من أساليب التحذير 0
    وكذلك قول الأَسْعَر :
    وكتيبة لبستها بكتيبه***حتى يقول نساؤهم هذا فتى راجع ديوان المعانى لأبى هلال العسكرى 1/ 170 والأسعر لقب واسمه مرثد بن حمران الجعفيّ يكنى أبا حمران وهو جاهلي لّقب بالأسعر، انظر الأعلام 5/ 264
    أيضا كرر الشاعر الشطر الأول من البيت فى العديد من أبياته 0
    وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبى لهب :
    مهلا بنى عمنا مهلا موالينا***لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا انظر شرح ديوان الحماسة للمرزوقى 1/ 66 والكامل فى اللغة والأدب للمبرد 1/314
    يريد : رفقا يا بنى عمنا ، رفقا موالينا ، يريد التأكيد ، وقد وقع التكرار للتأكيد فى كلام العرب كثيرا كما فى قول الشاعر :
    أتاك أتاك اللاحقون أتاك

    وقول الآخر :
    كم نعمة كانت لكم***كم كم وكم كانت وكم صبح الأعشى للقلقشندى 1/ 317 وانظر الصناعتين لأبى هلال العسكرى 1/60
    إلى غير ذلك مما ورد فى كلامهم مما لا تأخذه الإحاطة ولن أطيل فى سرد النماذج من الشعر العربى وفيما ذكرته الكفاية من أرد الاستزادة فليطالع ديوان المهلهل بن ربيعة وديوان عمرو بن كلثوم وغيرهما 0، والمتدبر لبعض دوواين الشعراء ، يجد فيها تكرارا لبعض الكلمات ، ولم يؤثر هذا التكرار على فصاحة كلماته ، ولا على بلاغة أسلوبه ، وما ذلك إلا لأن الشاعر قد وظف التكرار توظيفا بلاغيا راقيا 0
    ثانيا :التكرار المذموم :
    على الطرف الآخر نجد هناك من الشعراء من أخفق فى توظيف التكرار ، فأقحمه فى شعره فانتقص من أجله ، ولنأخذ على ذلك بعض النماذج ومنها قول أبى تمام :
    لا أنت أنت ولا الديار ديار *** جف الهوى وتقضت الأوتار انظر المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير الكاتب 1/ 155
    وقول أبى الطيب المتنبى :
    قبيل أنت أنت وأنت منهم *** وجدك بشر الملك الهمام(العرف الطيب شرح ديوان أبى الطيب لليازجى 1/ 84)
    ولما كان استخدام التكرار هنا غير موفق تعقبه الصفدى فى كتابه نصرة الثائر على المثل السائر فقال : وحق له أن يقول :
    لا أنت ذاك الذى كنت أولا ***ولا هذه الديار تلك التى كانت أولا(نصرة الثائر على المثل السائر للصفدى / 24)
    ومن قبيح التكرار قول الشاعر :
    وازور من كان له زائرا *** وعاف عافى العرف عرفانه(البيت للحريرى فى مقاماته "المقامة التفليسية " 1/ 78)
    وقول الآخر :
    وقبر حرب بمكان قفر *** وليس قرب قبر حرب قبر(صبح الأعشى 1/ 294 ونسبه بعض العلماء للجن)
    كان هذا إيرادا لبعض النماذج من الشعر العربى ، وقد تتبع ابن رشيق فى عمدته العديد من النماذج الشعرية التى أبدعت فى توظيف التكرار أمثال امرئ القيس، وأبى كبير الهذلى ، كما أورد نماذج لشعراء أخفقوا فى توظيف التكرار فى شعرهم مثل بعض أشعار أبى تمام وغيره( العمدة لابن رشيق ص 683 ، 690 ، 693 وغيرها )وبالاستقراء يتضح لنا أن التكرار فى الشعر العربى أمر مقرر ومشهور ، فهو أسلوب عربى معروف، وقد تعددت صوره ، واختلفت أسبابه ، وقد عُنى بعض الباحثين المحدثين بهذه الظاهرة فدرسوها وسجلوا عليها ملاحظاتهم ، وبينوا أنواعها وأقسامها ، والحسن منها والقبيح ،أمثال الأستاذ : عبد الله الطيب فى كتابه المرشد إلى فهم أشعار العرب 0
    وقد تجددت ظاهرة التكرار فى الشعر المعاصر مما لفت نظر الأستاذة " نازك الملائكة " فبحثت هذه الظاهرة فى كتابها " قضايا الشعر المعاصر " وأوضحت من خلاله أن التكرار بالصفة الواسعة التى نملكها اليوم فى شعرنا ، موضوع لم تتناوله كتب البلاغة القديمة ، التى ما زلنا نستند إليها فى تقييم أساليب اللغة (قضايا الشعر المعاصر ص 241 نازك الملائكة)
    والمتدبر لهذا الكلام يجد أنه لا يخلو من حقيقة ، فالتكرار من حيث إنه أسلوب بلاغى ، لا يشغل إلا حيزا قليلا من كتب البلاغة ، مقارنة بغيره من ألوان البيان والبديع 0
    وعددت الكاتبة ألوانا من التكرار والتى منها :
    · تكرار كلمة واحدة فى أول كل بيت 0
    · تكرار العبارة 0
    · تكرار بيت كامل 0
    · تكرار المقطع كاملا 0
    · تكرار الحرف 0
    هذا وقد عُنيت الكاتبة بدلالة التكرار فى صوره المتعددة(للاستزادة يراجع كتاب " قضايا الشعر المعاصر " الفصل الثانى والثالث)




  3. #3
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    المطلب الثانى
    }التكرار عند علماء الإعجاز {
    إن القرآن الكريم لم يفاجئ الناس بلغة جديدة أو بأساليب غريبة عنهم ، ولكنه بالدرجة الأولى يجسد لغتهم العربية فى أزهى حُللها ، ولما كان التكرار أسلوب بلاغى ، لذا لم يخل منه القرآن الكريم ، فورد فيه بصور عديدة ، ولا شك أن علماء الإعجاز البيانى خاصة ، كانوا مؤهلين بحظ أوفر ممن سواهم ، لمعالجة ورصد هذا الموضوع ، والحديث عنه 0
    بيد أن الناظر والمطالع لهذا النوع من الكتب – كتب الإعجاز – لا يظفر فيها بما يروى غلته ، فمنهم من مر على هذه الظاهرة مرورا عابرا ، ومنهم من لم يلتفت إليها ، وأما الذين وهبوها قسطا من العناية والتفصيل فقليل ما هم 0
    ولو طالعنا ما خلفه لنا الباقلانى من خلال كتابه " إعجاز القرآن " فى مقام الحديث عن التكرار، لوجدناه يمر عليه مرور سريعا ، وهذا على شدة عنايته بتلمس مظاهر الإعجاز البلاغى وتتبعه فى القرآن الكريم ، وفيما يلى نص لكلام الباقلانى يتضح من خلاله أن هذا الرجل أشار إلى الموضوع إشارات ذكية وسريعة ، ولكنها لا تفى ولا تروى ظمآنا ، كما أنها لا تتناسب مع ما خصص هذا الكتاب من أجله من بيان لوجوه الإعجاز فى القرآن الكريم 0
    يقول الباقلانى : ومن البديع عندهم التكرار كقول الشاعر :
    هلا سألت جموع كنــــ *** ـــدة يوم ولو أين أينا ؟( البيت لعبيد بن الأبرص انظر الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى 5/ 477)
    وكقول الآخر :
    وكانت فزارة تصلى بنا *** فأولى فزارة أولى فزارا (البيت لابن الخرع انظر نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويرى 2/ 308)
    ثم يتطرق الباقلانى لموضوع التكرار فى القرآن الكريم فى إشارات سريعة فيقول : ونظيره من القرآن كثير كقوله تعالى : " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح 5،6 )
    وكالتكرار فى قوله تعالى: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"
    (الكافرون 1، 2) وهذا فيه معنى زائد على التكرار ، لأنه يفيد الإخبار بالغيب (إعجاز القرآن للباقلانى ص 106)

    وكما هو واضح فإن الباقلانى أشار فقط للتكرار إشارات سريعة ، لم يكن القارئ يتوقعها من رجل متخصص فى الإعجاز القرآنى 0
    وممن سار على نفس الدرب أى تناول القضية بصورة موجزة ، الإمام الخطابى ت 388هـ فى كتابه : "بيان إعجاز القرآن "
    (راجع ص 52 وما بعدها من الكتاب المشار إليه
    )

    ويمكننا أن نخلص من خلال ما قدمناه بما يلى :
    * أن التكرار المطلق لا يوصف بالذم ولا بالمدح ، إلا إذا كان مما يمكن الاستغناء عنه ، وكان الذى نكرره خاليا من أى معنى جديد يضاف إلى الأول ، فعندئذ يكون مذموما ولغوا ، لا فائدة منه ، ولا طائل من ورائه ، أما ماعدا ذلك كأن يوظفه المتكلم توظيفا بلاغيا يزيد من روعة الأسلوب ، ويضفى على كلامه بسبب التكرار رونقا وجمالا ، ويلبس تعبيراته بالتكرار ثوبا قشيبا ، فهو عندئذ أمر مطلوب ومرغوب فيه ، بل إذا خلا الكلام منه عندئذ كان مذموما 0
    * والتكرار واحد من الأغراض البلاغية ، وكتب البلاغة عنونت به فى العديد من المواطن ، كما أن التكرار من الناحية البلاغية لا يخلو من الفوائد التى ترسم درجة أهميته ومن هذه الفوائد إجمالا ما يلى:
    (التأكيد - التحذير - الاستلذاذ بالكلام - تعظيم الأمر وتهويله - زيادة التنبيه - طول الكلام الذى قد يسبب نسيانه تعدد المتعلق - تجزئة الأفكار المراد بيانها حول موضوع واحد لتتكامل النصوص فيما بينها مؤدية غرض التأكيد لأصل الفكرة مع إضافات جديدة ) راجع أسرار التكرار فى لغة القرآن د . شيخون ص 14 ط الكليات الأزهرية
    وهذه بعض فوائد التكرار فى اللغة العربية على وجه العموم 0




  4. #4
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    المبحث الثانى
    القرآن الكريم وظاهرة التكرار
    وفيه مطالب ثلاثة :
    المطلب الأول : التكرار فى القرآن الكريم 0
    المطلب الثانى: فوائد التكرار فى القرآن الكريم0
    المطلب الثالث : أراء العلماء فى قضية التكرار فى القرآن الكريم 0
    المطلب الأول
    } القرآن والتكرار {
    لقد كان العرب عند نزول القرآن الكريم عليهم فى قمة رقيهم اللغوى ، شعرا ونثرا ، وأقاموا لذلك الأسواق المعروفة كسوق عكاظ وغيره ، ورغم ذلك فقد كان القرآن الكريم -ولا يزال – معجزة الرسول الكريم محمد r ، وحتى يلزم الخصم الحجة فلا بد أن يكون الإعجاز والتحدى من جنس ما برع فيه القوم ، وألا يكون هناك مانع أو صارف للتحدى ، فعيسى عليه السلام أرسله الله إلى قوم اشتهروا بالطب ، فأعطاه الله ما قهر به طبهم ، حيث أجرى على يديه إحياء الموتى مما لا يستطيعه الأطباء "أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ"( آل عمران 49)
    وموسى عليه السلام ، أرسله الله إلى قوم اشتهروا بالسحر وقدسوه ، فأعطاه الله ما أبطل به سحرهم " قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ " (يونس 81)
    ولما كانت بعثة النبى r إلى أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة ، نازلهم فى نفس تخصصهم حتى يلزمهم الحجة ، فلم يفاجئهم النبى بجديد عليهم ، بل جاءهم بجنس ما برعوا فيه ، لكنهم عجزوا عن محاكاته أو مجاراته 0
    وسرعان من انسحبوا من حلبة المصارعة ، وقد سجل عليهم التاريخ خزيهم وعجزهم أمام فصاحة القرآن التى قهرتهم ، فلقد أخذهم القرآن الكريم بقوة كلماته وفواصله ، وأساليبه وجزالة ألفاظه 0
    وقد فاق القرآن الكريم ما لدى العرب من كلام راق فصيح ، فبهرهم وهم فطاحل الشعر ، ولأن القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى وكلامه ، وهناك فارق بين كلام الخالق وكلام المخلوق تماما كالفارق بين الخالق والمخلوق 0
    من أجل هذا فقد أودع الله تعالى فيه الأسرار العظيمة الظاهرة والباطنة ، كما أن القرآن الكريم قد استخدم أفضل وأجمل الأساليب البليغة ، التى أخذت العقول ، وأسرت الألباب ، وجذبت إليها الأنظار والأفهام 0
    ومن الأساليب اللغوية والأدبية : أسلوب التكرار ، وهو مع هذا لا يسبب الملل ولا السآمة عند الإنسان الذى سرعان ما يمل ، والقرآن الكريم يحكى لنا كيف أن اليهود ملت تكرار الطعام مع كونه شهيا :" وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ......"( البقرة 61)
    ويختلف استخدام القرآن الكريم للتكرار عن استخدام غيره له ، ويكمن هذا فى جودة التوظيف للتكرار، وعدم الاستغناء عنه حيث جاء 0
    فالتكرار حيث جاء فى القرآن الكريم يؤدى وظيفة بلاغية ، ومهمة تربوية لا تُؤدى بدونه ، ولو فتشنا وبحثنا عن بديل للتكرار لأعيانا البحث وأجهدنا ولن نجد هذا البديل 0
    * إن التكرار فى القرآن الكريم أمر واقع لا شك فيه ، وهو حق لا ريب فيه، سواء ظهرت لنا الحكمة من ورائه أم لم تظهر 0
    والتكرار فى القرآن الكريم -كما سبق – يباين التكرار فى كلام البشر ، فالتكرار فى كلام البشر لا يسلم عادة من القلق والاضطراب ، وإذا لم يجيده المتكلم به صار عيبا فى الأسلوب 0
    أما فى القرآن الكريم فهو تكرار محكم ، ذو وظيفة يؤديها فى النص القرآنى ، وإنما يقف على ذلك من تفحص وأنعم النظر فى طبيعة النص القرآنى وخصائصه 0

    هذا :ولم تكن السنة النبوية المطهرة بعيدة عن ممارسة التكرار ، فهى قسيمة القرآن ، إذ المصدر واحد " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى " (النجم 4)
    وقد تضافرت الأدلة من كتب السنة على أن النبى r قد استخدم التكرار فى أحاديثه وأجاد فى توظيفها، وكان لها نفس الفوائد تقريبا التى تكمن فى التكرار فى القرآن الكريم ، من زيادة التنبيه على أمر لأهميته كما فى الحديث الذى رواه البخارى فى صحيحه عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ : (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ)(البخارى باب ما قيل فى شهادة الزرو برقم الحديث 2460)
    فالنبى r يكرر شهادة الزور زيادة فى التحذير منها ، فاحتاج هذا الأمر لتكرار اللفظ 0
    ومن ذلك أيضا ما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوك)(البخارى باب من احق الناس بحسن الصحبة برقم الحديث 5514)
    فكرر النبى r الأم هنا تأكيدا على أهمية الإحسان إليها ، واعتناء بمقامها ومنزلتها 0
    وفى قصة خِطبة بنى هاشم ابنتهم لعلى وكان علىٌ زوجا لفاطمة y ، رفض النبى r هذا الأمر وكرر رفضه ثلاثا تأكيدا ، واهتماما به ، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا " (البخارى باب ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة برقم الحديث 4829)
    وقد قال الزمخشري: "النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظوالنصيحة، فما لم يكرر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها ، ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانتعادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مراتوسبعا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم" ( تفسير الزمخشرى 4/ 57 من تفسير سورة الزمر)
    وهكذا تبين أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة استخدما التكرار فى نصوصهما ، وجاء هذا الاستخدام فى أرقى وأسمى صوره ، ولم يضف التكرار على هذه النصوص رونقا وجمالا بقدر ما أضافت نصوص الكتاب والسنة لظاهرة التكرار من الجمال والروعة والثقة 0
    ولو خلا القرآن أو السنة من أسلوب التكرار وهو أسلوب معروف لدى العرب ، لوجدنا من يعترض على القرآن والسنة تجاهلهما لهذا الأسلوب البلاغى المعروف 0




  5. #5
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    المطلب الثانى
    } فوائد التكرار فى القرآن الكريم{
    إن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز لأهل كل زمان ومكان ، ضمنه الله تعالى أرقى أساليب البلاغة والبيان , لا تدانيه بلاغة ، ولا تجاريه فصاحة ، ومن الأساليب التى تضمنها أسلوب التكرار وهو بالطبع لا يخلو من حكمة ، وإلا كان عبثا وهو أمر محال على الله وعلى كلامه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " وليس فى القرآن تكرار محض , بل لابد من فوائد فى كل خطاب " ( مجموع الفتاوى لابن تيميه 14/408)
    إذن فالتكرار فى القرآن بكل أنواعه فوائد جليلة تأخذ بمجامع القلوب وتصغى إليها الآذان والأفئدة 0
    وفيما يلى عرض لبعض هذه الفوائد وهى كالتالي :
    1_إثبات نبوة محمد r وإلزام المعاندين الحجة الراسخة , يقول الإمام اللغوي ابن فارس : " إن الله جل ثناؤه جعل هذا القرآن وعجْزَ القوم عن الإتيان بمثله آيةً لصحة نبوة محمد r ، ثم بين وأوضح الأمر فى عجزهم بأن كرر ذكر القصة فى مواضع , إعلاما أنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأى نظم جاء وبأى عبارة عبر" فهذا أولى ما قيل فى هذا الباب ( الصاحبى فى فقه اللغة لابن فارس 1/52)
    2_ الزيادة فى الموعظة خاصة فى الأمور العظيمة عندها لا يمل المتكلم ولا السامع من التكرار لأن أهمية الموضوع ومقام الموعظة تقتضى ذلك.
    ولذا كثيرا ما يذكرنا القرآن فى مواطن مختلفة وبأساليب متنوعة بيوم القيامة وأهواله نظرا لأهميته , فيكرر الحديث عنه باعتبار تعدد ما يقع فيه , لأن مقام الموعظة يقتضى الإطناب فى تعداد ما يستحق به التوبيخ , والتكرار من مقتضيات مقام الموعظة
    وقد أشار السيوطى لهذا الغرض من التكرار من خلال قول الله تعالى" الحاقة ماالحاقة " ، "القارعة ما القارعة " ، "وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين " حيث أكد رحمه الله على أن التكرار هنا يفيد التعظيم فى مقام الموعظة (الإتقان للسيوطى 3/ 282)


    3_ الدعوة إلى الله تعالى بأسلوب التكرار , بمعنى أن القرآن الكريم يجزئ الموضوع الواحد إلى عدة أجزاء , يلقى فى كل مناسبة جزء يفي بأصل الفكرة مع إضافات جديدة فى كل مرة , والدعوة إلى الله هى مهمة القرآن الكريم , ولذا يتفنن القرآن فى الوصول لهذه الغاية متوخيا تنوع الأساليب والدعوة إلى الله تحتاج إلى تذكير بين الحين والآخر كما قال تعالى : " وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين "
    فقد تستدعى الحكمة التربوية تكرار الموضوع المراد التذكير به , وذلك حسب مقتضيات الدعوة والتربية .
    4_التكرار يجعل القارئ للقرآن يقف على جمله من مقاصد القرآن الكريم فى القدر اليسير الذى يقرأه ، ومعلوم أنه يتعذر أن يتمكن شخص من قراءة القرآن الكريم كاملا فى المرة الواحدة , فبدون التكرار يفوته مقاصد كثيرة قد يحتاجها فى موضوع بعينه إذ القرآن شفاء لكل داء وفى كل وقت , ولذا أدرج الحكيم الرحيم أكثر المقاصد القرآنية فى أكثر سوره لاسيما الطويلة منها حتى صارت كل سورة قرآنا صغيرا يسهل السبيل لكل أحد 0
    5_ قد يأتي التكرار لهدف تثبيت معنى يقصده القرآن الكريم وذلك لأهميته , ولخطورة القضية فالقرآن لا يكررها فى مواضع مختلفة ومواطن متفرقة فى سور متعددة وحسب ، بل يزيد الأمر اهتماما بتثبيت هذا المعنى،فيكرر القضية المراد تثبيتها فى نفس المقام فى آيتين متتاليتين ، كما جاء فى سورة النساء حيث أراد القرآن تثبيت وتأكيد قضية مهمة جدا ، وهى قضية ملكية الله لجميع ما فى السماوات وما فى الأرض فكررها فى آيتين متتاليتين :
    قال تعالى : " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا "( النساء 131,132)
    فنلاحظ هنا أن قضية ملكية الله للسماوات والأرض وما فيهن - وهى قضية من الأهمية بمكان - كررها القرآن ثلاث مرات فى سورة واحدة فى مقام واحد فى آيتين متتاليتين ، وقد قيل إن الكلام إذا تكرر تقرر ويقول الله تعالى :" وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا "( الإتقان للسيوطى 3/281 والآية 113 من سورة طه)
    6_ من فوائد التكرار أن يصيب كل وفد من الوفود التى كانت تفد على النبى r فيقرئها شيئا من القرآن الكريم فيصيبوا قدرا كافيا من مقاصد القرآن ، والأمر ليس قاصرا على القصص وحسب , ولكن كل ما كرره القرآن الكريم فى مواطن متعددة , وتحتاج إليه الوفود وغيرهم .
    7- ومن فوائد التكرار فى القرآن الكريم : زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ، ليكمل تلقى الكلام بالقبول ومنه قوله تعالى : " وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ...."
    فهنا كرر النداء بقوله " يا قوم " استعطافا لهم ، ولينبههم على أنه حريص على مصلحتهم إذ هو من القوم ، فأراد أن ينفى عن نفسه شبهة التغرير بقومه فكرر هذا النداء ، يقول الزمخشرى فى هذا المقام :" فإن قلت : لم كرر نداء قومه ؟ قلت : أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة . وفيه : أنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم ، وهو يعلم وجه خلاصهم ، ونصيحتهم عليه واجبة ، فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم ، ويستدعي بذلك ، أن لا يتهموه ، فإنّ سرورهم سروره ، وغمهم غمه ، وينزلوا على تنصيحه لهم ، كما كرر إبراهيم عليه السلام في نصيحة أبيه : { يا أبت } " ( الكشاف للزمخشرى 3/ )367ومثل هذا فى القرآن الكريم كثير ، وهو من الحنكة فى الدعوة إلى الله 0
    8- من الحكمة أن تتكرر آيات العذاب والنعيم-على سبيل المثال - فى القرآن الكريم كى يصادفها الإنسان كلما قرأ القرآن الكريم فيخشع قلبه ، ويطمع فى الجنة فيعمل لها ، ولعل قلة تكرار العذاب والنعيم فى الأناجيل قد أسلم بعض النصارى إلى القول بإنكار الجنة والنار جملة وتفصيلا ، والتجئوا إلى تفسيرهما بتفاسير مجازية تبعدهما عن المعنى الحقيقى لهما 0
    9- التربية - والتى هى غاية القرآن الكريم – ليست قولة ترمى مرة واحدة وتترك هملا بعدها ، وكل من مارس التربية فى أى مجال يدرك مدى احتياج التربية إلى التذكير بالشيء مرة تلو الأخرى ، حتى يستقيم الأمر على المطلوب ، ويأتى العلم الحديث ليؤكد هذا الأمر، لأن القناعة العقلية لا تكفى لتقويم الإنسان بل يجب أن تدخل هذه القناعة إلى العقل الباطن ، والذى أثبت العلم أنه بحاجة إلى تكرارها كى تترسخ فيه وتصبح جزءا منه 0
    10- لكل سورة من سور القرآن الكريم وحدة موضوعية ، وعندما يتكرر شيء فى أى سورة من السور سواء أداة أو كلمة أو فاصلة أو قصة فإنه- ولا شك – يخدم هذا المضمون ، والتكرار فيها يكون بالقدر الذى يفى بالغرض0
    ومع هذا التكرار فالقارئ لا يشعر أبدا بالملل من كثرة القراءة وإن قرأه مرارا وتكرارا ، بينما يمل من راجع كتابا واحدا كائنا ما كان لأكثر من مرة أو لعدة مرات ، وصدق الله إذ يقول" وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"(القرآن ونصوصه د / عدنان زرزور ط خالد بن الوليد 1407هـ دمشق ص 123)
    وبالجملة يمكننا القول بأن التكرار فى القرآن الكريم له فائدتان يعود إليهما ما ذكرناه من الفوائد
    الفائدة الأولى :فائدة دينية: باعتبار أن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد وتشريع لا يخلو منها فى فن من فنونه , وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية , هو تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به , ليكون فى السلوك أمثل وللاعتقاد أبين .
    الفائدة الثانية : فائدة أدبية : ودور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه فى جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعانى وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان .
    وليس هذا حصرا لجميع فوائد التكرار ، وإنما هو غيض من فيض ويفيض الله على من يشاء من عباده بحكمه وأسراره فى أفعاله وأقواله 0




  6. #6
    إداري سابق ومشرف الأقسام الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    10,018

    المطلب الثالث
    }أراء العلماء تجاه قضية التكرار فى القرآن الكريم {
    والعلماء إزاء قضية التكرار فى القرآن الكريم على أقوال أربعة :
    1)القول الأول : وهم الكثرة الكثيرة من المتدربين والمتفحصين ، وهؤلاء يرون أن فى هذا التكرار سحر بيان ، وتثبيت بنيان ، فعدوه بلاغة وإعجازا ، ووجدوا فيه منهجا قويما ، وهدفا عظيما من مناهج التربية وأهدافها ، وراحوا يبرهنون عليه ببراهين من كلام العرب شعرا ونثرا 0
    ومن هؤلاء الذين أقروا بالتكرار الإمام القرطبى فى تفسيره حيث قال رحمه الله عند تفسير لقول الله تعالى :" قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون ...." : " وأما وجه التكرار فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم ، قال أكثر أهل المعاني: نزل القرآن بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز ، لان خروج الخطيب والمتكلم من شئ إلى شئ أولى من اقتصاره في المقام على شئ واحد ، كل هذا على سبيل التأكيد "( تفسير القرطبى 10 / 387)
    ولم يكتفى القرطبى فى هذا المقام بذكر كلام أهل المعانى ولكنه استدل على وجود التكرار فى السنة وفى أشعار العرب وكلامهم 0
    والإمام البغوى فى تفسير قوله تعالى { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } يقول :" وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرًا للنعمة وتأكيدًا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع، يعدد على الخلق آلاءه ، ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها ، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها : ألم تكن فقيرًا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ألم تكن عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا ؟ ألم تك خاملا ؟ فعززتك أفتنكر هذا ؟ ومثل هذا التكرار شائع في كلام العرب وقد حسن تقريرًا"( معالم التنزيل للبغوى 7/442 ط دار طيبة للنشر ط رابعة 1997م)
    ومن العلماء الذين أجادوا أيضا فى هذا المذهب الإمام الكرمانى من أعلام القرن السادس الهجرى حيث يقول فى كتابه " أسرار تكرار القرآن " موضحا الفرق بين تعبيرات القرآن الكريم فيما يظن البعض أنه تكرار محض ، مبرزا من خلال كلامه علو مرتبة القرآن فى البلاغة ومراعاة مقتضى الحال ، وأن كل لفظة جاءت فى موضعها فهى حقيقة به ، لا يمكن الاستغناء عنها بغيرها فيقول مقارنا بين آيتين أحداهما فى سورة البقرة : " وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ"( البقرة 58 ) والثانية فى سورة الأعراف : " وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" ( الأعراف 161)
    يقول الكرمانى : " قوله "وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا " بالفاء ، وفي الأعراف بالواو لأنالدخول سريع الانقضاء فيتبعه الأكل ، وفي الأعراف: وإذا قيل لهم اسكنوا ، المعنى : أقيموا فيها وذلك ممتد فذكر بالواو أي اجمعوا بين الأكل والسكون ، وزاد في البقرةرغدا لأنه سبحانه أسنده إلى ذاته بلفظ التعظيم وهو قوله وإذ قلنا خلاف ما فيالأعراف فإن فيه وإذ قيل0
    وقدم وادخلوا الباب سجدا على قوله وقولوا حطة في هذهالسورة وأخرها في الأعراف لأن السابق في هذه السورة ادخلوا فبين كيفية الدخول ، وفيهذه السورة خطاياكم ، وفي الأعراف خطيئاتكم لأن خطايا صيغة الجمع الكثير ومغفرتها أليق في الآية بإسنادالفعل إلى نفسه سبحانه0
    وفي هذه السورة فبدل الذين ظلموا قولا ، وفي الأعراف : ظلموا منهم لأن فيالأعراف "ومن قوم موسى" ، ولقوله "منهم الصالحون ومنهم دون ذلك" ، وفي هذه السورةفأنزلنا على الذين ظلموا ، وفي الأعراف فأرسلنا ، لأن لفظ الرسول والرسالة كثرتفي الأعراف فجاء ذلك وفقا لما قبله وليس كذلك في سورة البقرة " ( انظر أسرارالتكرار فى القرآن للكرمانى ط دار الفضيلة ص 74)
    وهكذا أبرز الكرمانى بعض الأسرار الكامنة وراء تعبيرات القرآن الكريم ، مقارنا بين آيتين من كتاب الله ، والحق يقال : لقد أجاد الشيخ فى توضيح ما رمى إليه 0
    2)القول الثانى : وهو جماعة من العلماء لم ينكروا وجود هذه الظاهرة فى القرآن الكريم ، ولكنهم رفضوا أن يطلقوا عليها لفظ " تكرار " فراحوا يسمونها تارة بالتنوع وتارة بالتكامل ، وكان دافعهم تنزيه القرآن عما اعتقدوه نقصا فى الكلام ، وهذا وإن كان عذرا مقبولا إلا أنه كان رد فعل لما تقوله المستشرقون على كتاب الله ، فرأوا أن ينزهوا القرآن عن هذا اللفظ 0
    ونقول لهم : لا ينبغى أن يكون كلام العلماء رد فعل لشبه تثار حول القرآن ، ولكن عليهم أن يوطنوا أنفسهم على الحق ولو كره المجرمون 0
    لماذا نعتذر عن القرآن الكريم لوجود التكرار فيه ، والتكرار أسلوب بلاغى ، وقد أجاد القرآن الكريم فى توظيفه وعرضه ، وعظمة القرآن لن يضرها قول المتقولين عليه ، ولن يرفعها قول من سانده ، وذلك لأنها عظمة مستمدة من عظمة منزله وهو الله تعالى 0
    3) القول الثالث : وهم جماعة من العلماء رفضوا أن يعترفوا بالتكرار فى القرآن الكريم ،وهم يختلفون عن أصحاب القسم الثالث فى أنهم لم يسموه بغير اسمه ، ولكن اجتهدوا فى تخريج كل ما جاء فى القرآن الكريم مما يوهم التكرار ، ولقد أبدع الإمام الزمخشرى فى هذا المجال متأثرا بالقاضى عبد الجبار ، وشيخه أبى على الجبائى ، حيث يقول فى قوله تعالى من سورة الشعراء " وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ " حيث تكررت هذه الفاصلة ثمان مرات : " فإن قلت : كيف كرّر في هذه السورة في أوّل كل قصة وآخرها ما كرّر؟ قلت : كل قصة منها كتنزيل برأسه ، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها ، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها ، وأن تختتم بما اختتمت به "(تفسير الكشاف للزمخشرى 3/ 142)
    وفى قوله تعالى : " قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ "( الأنعام 130)
    يقول الزمخشرى : " فإن قلت : لم كرّر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت : الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون ؟ والثانية : ذمّ لهم ، وتخطئة لرأيهم ، ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم ، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة ، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر" (تفسير الزمخشرى 2/ 174)
    وفى قوله تعالى : " وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ " ( المؤمنون 9 )يقول : " فإن قلت : كيف كرّر ذكر الصلاة أوّلاً وآخراً ؟ قلت : هما ذكران مختلفان فليس بتكرير ، وصفوا أَوّلاً بالخشوع في صلاتهم ، وآخراً بالمحافظة عليها"( تفسير الزمخشرى 3/ 67)
    وليس الزمخشرى وحسب هو من تبنى هذا المذهب ، ولكن هو ممن أبدع فى عرضه 0
    4)القول الرابع(هذا القول ينفى العلم عن صاحبه ، وذكرناه فى زمرة أقوال العلماء تجوزا على استحياء): وهم جماعة تسلل الحقد إلى قلوبهم حتى تمكن منها فعميت تلك القلوب ، وطُمست تلك الأفئدة ، وباتوا يقدحون فى التكرار خاصة فى القرآن الكريم ، وهو عندهم نقيصة ومطعنة فى كتاب الله تعالى 0
    ولكن مما يجدر الإشارة إليه هنا أن هذه الفئة الحاقدة التى أعمى الحنق والغل بصيرتها ، لم يكن لها وجود فى عصر نزول القرآن الكريم ، ولا العصر الذى تلاه ، مع أن الأعداء عندئذ كانوا للقرآن بالمرصاد ، ولم يدعوا شيئا يعاب به القرآن – فى زعمهم – إلا سجلوه وتناقلوه ، ولو قالوه لتواتر النقل عنهم ولكن لم يحدث ، لأن أعداء القرآن فى هذه الفترة كانوا أعلم الناس بقوة القرآن وبلاغته حتى أنهم شهدوا ، وهذا هو الوليد بن المغيرة زعيم المشركين سجل عليه التاريخ كلمات صارت شهادة للقرآن من أعدائه ، والحق ما شهدت به الأعداء ، حيث قال : " إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وإنه يعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته ....."( السيرة النبوية لابن كثير 1/ 499، وانظر دلائل النبوة للبيهقى 2/75 برقم505 )
    هذا كله بعد أن نزهه عن السحر وشعر الكهان 0
    فالملاحظ أن هذه الفئة ، وهذه الشبهة التى رُمى بها القرآن الكريم زورا وحقدا وحسدا لم تظهر مبكرا ولكنها ظهرت بعد فترة من الزمن ، ريثما فسد الذوق البلاغى والبيانى ، وضعفت السليقة العربية ، والعجيب المجمع عليه أن هؤلاء الناشطين لهذه الشبهة لم يصلوا بحال من الأحوال إلى درجة فصاحة ولا بلاغة الذين سكتوا عنها قديما 0
    وفى هذا أبلغ رد عليهم ، وبان أن دافعهم هو الحنق والحقد على دين الله تعالى وعلى المسلمين : " مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"( البقرة 105)
    ومن هؤلاء الذين فسد ذوقهم اللغوى لافتنانهم بالعجمة والدراسات المادية البحتة د. محمد أحمد خلف الله فى رسالته الجامعية بكلية الآداب وعنوانها " الفن القصصى فى القرآن" وهى رسالة عرض فيها لعدة آراء فى القصص القرآنى منها : عدم تحريه الصدق فى أخباره ومنها نقد التكرار ، ونحن نقف معه فقط فى قضية التكرار حيث قال فيها : " سؤال سأله العقل الإسلامى نفسه فيما يخص هذا التكرار، وهو أنه على فرض قدرته على الوقوف على الأسرار التى من أجلها كان التكرار فلماذا هذا الاختلاف ؟ لماذا اختلف إيراد القصة الواحدة فى موطن عنه فى آخر ؟ لماذا اختلف وصف القرآن لموقف موسى من ربه فى سورة طه عنه فى غيره من السور ، مع أن هذا الموقف واحد ، والحادثة واحدة ؟ " ( الفن القصصى فى القرآن رسالة جامعية بمكتبة كلية الآداب بالقاهرة ص 32)
    وبقليل تدبر نلاحظ خبث هذه الأسئلة والتى تشير بأصابع الاتهام إلى القرآن الكريم وتقدح فيما عده العلماء وجها لإعجاز القرآن ، والملاحظ أيضا أن خلف الله قد أُشربَ حب المدرسة الأمينية(أى التى أرسى قواعدها الأستاذ أمين الخولى وآخرون)وتأثر بها أيما تأثر ، وانجرف مع تيار الدراسة الفنية للأدب العربى ، فسولت له نفسه أن يطبق -دون تدبر – تلك الدراسة بجميع حيثياتها على القصص القرآنى ، وأن يعرض القرآن عرضا فنيا محضا 0
    وما أظن إلا أن هذا بقية إرث الاستشراق ، روج له أذنابهم ، خاصة بعد فساد الذوق العربى ، واختفاء التمرس بالأساليب العربية فى الكلام 0
    وغاب عن فكر خلف الله أن قواعد البشر فى القصص والأدب ، لا يمكن تحكيمها فى القصص القرآنى ، خاصة وأن القرآن أضاف لقضية التكرار الكثير والكثير 0
    وأنا أتساءل هنا : كيف ساغ لخلف الله أن يتقول على القرآن بما لم يتقول به أرباب البلاغة وفرسان الفصاحة ممن كانوا متربصين به الدوائر ، إن هذا لهو الضلال المبين ، وهذه من آثار العجمة التى افتتن بها البعض تحت مسميات أغرتهم بدينهم وتراثهم ، حتى طعنوا فى القرآن ونالوا من بلاغته وإعجازه 0




معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 0 (0 من الأعضاء و 0 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. القُرْآن بَيْنَ التَّدَبُّر وَالهَجْر
    بواسطة سلمى العربية في المنتدى القرآن الكريم وعلومه
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 05-19-2011, 04:18 PM
  2. قرآنكم فى رمضان
    بواسطة ابومحمود في المنتدى خيمة رمضان كريم 2013
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 08-06-2010, 12:34 AM
  3. افتتاح الملتقى الأول لحفاظ القرآن الكريم الثلاثاء بصنعاء:
    بواسطة الشاعلر في المنتدى القســم السـياســي والاخباري لشؤون اليمنية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-12-2010, 12:26 AM
  4. حمل هنا ما تريد من اجمل التلاوات كاملة بملف واحد وبرابط مباشرة - أسرع
    بواسطة monygold في المنتدى أرشيف برامج الكمبيوتر والأنترنت
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 03-18-2010, 10:30 PM
  5. أسـهـل طــريقة لحفظ القرآن الكريم بإتقان (خلال سنة)
    بواسطة خلود ماهر في المنتدى المنتدى الإسلامي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 01-29-2010, 04:39 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك