مسألـة القضاء والقدر




بسـم اللـه الرحمـان الرحيـم
المقدمــة

إن ارتقاء الإنسان في وعيه بقوانين المادة وخواصها وقدرته في توجيه ذلك لخدمة أغراضه الحضارية لا يقتضي ارتقاء في كشف عالم النفس وخباياها ، فمعرفة أسرار النفس وفتح مغاليقها وإدراك ما بداخلها لا يكون إلا من خالق هذه النفس لأنه أعلم بماهيتها وجوهرها وأدوائها ودوائها ، وكتاب الله هو المجال الذي نجد فيه الحقائق الثابتة المتصلة بالنفس ، يقول تعالى : " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " ( 14 الملك ).
ومسألة القضاء والقدر تثيرها كل نفس إنسانية مدركة ، وتنظر إليها بعيدا عن التجارب المادية المحسوسة ، وهي مسألة فيها ازدواج مسائل الدنيا بالآخرة ، وحركة الإنسان وعلاقة النتائج التي يحصل عليها عبر تفاعله مع مقدماتها من جهة ، والخضوع لله وعلاقة ذلك بالنتائج من جهة ثانية.
ومسألة القضاء والقدر كذلك هي أقرب ما تكون من الفلسفة المرتبطة بالنفس ومنظارها إلى الحياة، لذلك تتأرجح بين الجبرية المطلقة التي تنفي عن الإنسان كل إرادة حرة وفعل مؤثر واختيار مسؤول ، وبين حرية مطلقة لا حدود لها ولا قيود.
وفي تناولنا لهذه المسألة سنتبع منهجا واضحا تكون مادته نصوص القرآن وحقائق العلم ومقتضيات المنطق ، وأساسه العقل –الخاصة المميزة للإنسان- وهدفه درك الحقيقة العقدية التي تطمئن إليها النفس ويطمئن إليها القلب، يقول تعالى : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " ( 53 فصلت ).
أول مراحل بحثنا سيتصل بالتاريخ حيث نعود إلى بواكير نشأة المسألة في الحضارات القديمة وفي الفلسفة اليونانية ، وعند العرب في جاهليتهم ، وعند المسلمين زمن النبوة ثم نتوقف عند المرحلة الكلامية متتبعين تطورات تفاعل الفرق معها وخصائص مقالاتها وتأثير الظروف السياسية والاجتماعية في صياغتها، وطرق الاحتجاج لها … ونتبين أخيرا موقف الفلسفة الإسلامية من خلال رؤية أبي الوليد محمد بن رشد للحرية الإنسانية.
بعد التعرض للمسألة في عمقها التاريخي والمعرفي نبسط مدلولات القضاء والقدر والمسائل المتصلة بعالم الغيب والمؤثرة في الفعل الإنساني كالوجود الإلهي والعلم الإلهي…
وفي نهاية الدراسة نقدم خلاصة فقه الإيمان بالقدر من خلال الآيات المبثوثة في كتاب الله والأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلص المؤمن من الشك والاضطراب وتحدد له مجال الجبر – عالم الغيب- ومجال الاختيار – عالم الشهادة -.
نشــأة الاهتمــام بالمسألــة:
في الفكــر القديــم:
لم تكن مسألة القضاء والقدر أمرا جديدا بحثه علماء الكلام لأن الفكر الإنساني انشغل بالاختيار والجبر أو بحرية الإرادة …منذ القديم ، وتساءل هل الإنسان حر في إحداث أفعاله أم مجبور في ذلك ؟.
ظهرت أولا في أساطير الحضارات القديمة ، في مصر الفرعونية وعند الفرس والهنود . وطرحها اليونانيون في معالجتهم للمسألة الأخلاقية : أبرز أرسطو أن الخير والشر مرتبطان بالإرادة الإنسانية وأن النشاط الفاضل يصدر عن الإرادة وبناء على الاختيار ، وإذا ما فشل الإنسان في مشاهدة الحق فهو مسؤول عن جهله وعماه . وذهب الأبيقوريون مذهبه ، واعتقد الرواقيون أن الإرادة الإنسانية مجبرة على السير في طريق لا يمكن أن تتعداها والإنسان لا يفعل شيئا بإرادته وإنما هو مجبر على أفعاله.
وتأثرت الديانتان اليهودية والنصرانية بالفلسفة اليونانية إلى حد بعيد حتى أصبحتا ملازمتين لها بأفكارها ومناهجها.
عنــد العــرب:
حسب المشركون شأنهم شأن الأمم الخالية التي أهلكها الله ، أن الإله يتولى تحريك الناس لأعمالهم كما يحرك صاحب اللعب أشباحه وتماثيله ، جهلا منهم بالفرق بين تكوين المخلوقات وبين ما يكتسبونه بأنفسهم ، واعتذارا عن شركهم ، يقول تعالى : " وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دون من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ " ( 35 النحل ).
وهذه الشبهة في الاحتجاج بالقدر هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في موضع آخر من القرآن ، يقول تعالى : " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم " ( 148 المائدة ).
في صــدر الإسلام :
آمن المسلمون في عهد النبوة بالقدر خيره وشره على أنه ركن من أركان الإيمان وعقيدة من عقائد الإسلام ، لا يمكن التكلف فيها أو الخوض في دقائقها ، خاصة وأنهم شهدوا التنزيل ورأوا معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن هذا البحث الفكري لم يكن يشغل بالهم كثيرا لانصرافهم إلى استيعاب مضامين الدعوة الجديدة والعمل على رفع راية الإسلام ونشره …وحتى في فترات فراغ الصحابة من القضايا العملية حاول بعضهم إثارة المسألة من منظور إشكالي فصدهم الرسول صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن الخوض في دقائقها ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " خرج علينا رسول الله ونحن نتنازع في القدر ، فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان ، فقال : أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم ؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر. عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه " ( الترمذي )
ونهج الصحابة نهج النبي صلى الله عليه وسلم للمحافظة على نقاء العقيدة. قال ابن الديلمي : " أتيت أبي بن كعب فقلت له : قد وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني لعل الله أن يذهبه من قلبي، فقال : لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال : ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك ، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك ، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك " ( أبو داود ).وقال رجل لأبي موسى الأشعري : " لا أجد أحدا أخاصم إليه ربي " فقال أبو موســــــى :" أنا ذلك المتحاكم إليه " فقال الرجل : " يقدر الله علي شيئا ثم يعذبني عليه " فأجابه أبو موسى بقوله نعم. فقال الرجل : " ولم ؟ " فقال أبو موسى : " لأنه لا يظلمك " ( الملل والنحل ج1 ) فسكت الرجل ولم يجد جوابا . ومعنى جواب أبي موسى للرجل الحيران أن الله يعلم بما سبق تقديره أزلا أنه سيعصيه فيذنب فقدر عليه العقوبة المستحقة لذنبه ذلك فهو غير ظالم له ، كعلم الله بأن آدم سيقرب الشجرة ويعصي أمره ويهبط من الجنة دون أن يضطره إلى ذلـك ،فكل ما فعله آدم عليه السلام هو باختياره ، يقول تعالى : " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير " ( 22 الحديد ).
ولما أدرك المسلمون الأوائل أن القدر حقيقة من حقائق الإيمان لا تحول الإنسان إلى كائن عاجز تعاملوا مع الأحداث والوقائع بفطنة ووعي ومسؤولية ، فهذا عمر بن الخطاب حين خرج بالمسلمين من المدينة إلى الشام في عام الطاعون فيذكره بعض أجناده بشدة إصابة الطاعون ، يتشاور مع المسلمين ويقرر العودة إلى المدينة فيلقاه أبو عبيدة بن الجراح فيقول له : " أتفر من قدر الله يا عمر ؟ " فيرد عليه الفاروق : " لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله … أرأيت لو أن رجلا هبط وادياله عدوتان ، إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس يرعى من رعي الجدبة بقدر الله ويرعى من رعي الخصبة بقدر الله ؟ "
إن الإيمان بالقدر – كما فهمه الصحابة – أن يمتثل المؤمن لأوامر الله ويجتنب نواهيه ، فمما أمر به الله الأخذ بالأسباب ، ومن جملة ما نهى الله عنه التواكل والعجز والتقاعس … وهم في كل أعمالهم يستحضرون رقابة الله الذي سيجازيهم وفق ما قدمت أيديهم ، يقول تعالى : " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى" ( 39-41 النجم)
عنــد المتكلميـــن :
إن تفصيل الحديث عن مواقف المتكلمين من القضاء والقدر لا يتأتى إلا بعد بيان العوامل التي ساهمت في ظهور علم الكلام في التاريخ الإسلامي ، وفي آن التعرض إلى الظروف السياسية والعوامل الحضارية التي أثرت في المسألة.
لما خفت حركة الجهاد وبدأ المسلمون يركنون شيئا فشيئا إلى الراحــة،ظهرت بواكير البحث والنظر في مسائل الدين وقضاياه بمنزع عقلي فلسفي، تعمق عند تناول الآيات القرآنية بالدراسة والتحليل ليجد العقل نفسه محاطا بأصناف ثلاثة من الآيات :
-صنف يشعر بأن الإنسان مجبور على العمل ، وأن إرادته مرتبطة بأسباب مقدرة مثل قوله تعالى: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم " ( 7 البقرة ) وقوله تعالى : " انا كل شيء خلقناه بقدر " ( 49 القمر ) وقوله تعالى : " والله خلقكم وما تعملون " ( 96 الصافات ) وقوله تعالى : " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " ( 100 يونس ) وقوله تعالى : " ذلكم الله ربكم خالق كل شيء فآعبدوه " ( 102 الأنعام)
-صنف يشعر بأن الإنسان يعمل وفق إرادته الحرة ما يشاء مثل قوله تعالى : " إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون " ( 44 يونس ) وقوله تعالى : " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " ( 9-10 الشمس ) وقوله تعالى : "قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ " ( 104 الأنعام ) وقوله تعالى : " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ( 29 الكهف )
-صنف ثالث يجمع بين الجبر والاختيار مثل قوله تعالى : " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( 11 الرعد ) وقوله تعالى : " أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله" ( 165-166 آل عمران )
هذه الأصناف من الآيات وغيرها كثير دفعت العقل إلى بذل الجهد من أجل الموازنة بين الآيات المتعارضة في ظاهرها فأدى ذلك إلى اختلاف في المقالات وتنوع في الحجج والبراهين … وكان هذا الاختلاف أساسا من أسس ظهور علم الكلام وتأسيس الفرق الكلامية.
ويتداخل الجانب العقدي الفكري بالجانب السياسي فيفرض بنو أمية الفكر الجبري على العامة ويجعلوه عقيدة دينية باستغلال النصوص التي يفيد ظاهرها الجبر لإضفاء الشرعية على حكمهم -الذي وصلوا إليه بالقهر والخديعة- والدفاع عنه ، فالله قدر أن تصل أسرة بني أمية إلى الحكم ولا حيلة لأحد في تجنب قضاء الله وما قدر يكون .
وقد جند بعض المفكرين أنفسهم لمناصرة هذه الدعوة وتهيئة العقول لقبول فكرة الجبر نذكر منهم زعيم الجبرية جهم بن صفوان الذي لم يترك للإنسان أي قدرة على أفعاله.
ويعمد العباسيون- في صراعهم من أجل الحكم مع خصومهم بني أمية- إلى تثبيت الفكر الحر و يطلبون السند من أهل الاعتزال الذين نقبوا عن الآيات التي تثبت الحرية للإنسان واختياره لأفعاله وأولوها بما يخدم توجهاتهم الفكرية والسياسية.
وقد ساهم العامل الحضاري والفكري في تأكيد مسألة القضاء والقدر من ذلك :
-دخول أصحاب الديانات السماوية والوضعية في الإسلام وقد حملوا معهم رواسب عقائدهم وتصوراتهم القديمة ، وبدأوا يثيرونها داخل المجتمع الإسلامي مما ولد التناظر والتجادل في صلتها بتعاليم الإسلام وعقائده فتكونت الفرق الإسلامية التي اطلعت على أفكار الوافدين وأدلتهم وردت عليهم.
-انصراف المفكرين المسلمين إلى الإلمام بالفلسفة اليونانية والإحاطة بالمنطق للتمرس عليهمـــا
واستخدامهما في الدفاع عن العقائد الإسلامية.
هكذا كانت بدايات نشأة علم الكلام وظهور المتكلمين في التاريخ الإسلامي ، وكان طرح المسائل الغيبية كالتوحيد وخلق القرآن وأفعال العباد والعدل الإلهي…فما هي مواقف المدارس الكلامية من القضاء والقدر ؟ وماهي الظروف التي صاحبت ظهور مقالاتهم ؟

مواقــف الفــرق الكلاميــة

-1- القدريــــــــة:
تذكر بعض الروايات التاريخية أن أسبق الناس حديثا عن القدر والقول بحرية الإنسان المطلقة في فعل الخير والشر …هما معبد الجهني وغيلان الدمشقي :
أما معبد فقيل أنه من التابعين ، وكان يجالس الحسن البصري. قال بأن الإنسان حر الإرادة ، وأن فعله باختياره ، وتبعه أناس كثيرون من أهل البصرة. قتله الحجاج بتهمة الزندقة ولكن لا يخفى من خلال مقالته أن القتل كان سياسيا لأن القول بالحرية يتعارض مع ممارسات الحكم الأموي القائم على الاستبداد والقهر.
وأما غيلان الدمشقي ، فكان رجلا فصيحا ، يملك قدرة فائقة على الإقناع. قال بالحرية الإنسانية زمن خلافة هشام بن عبد الملك فقطع يديه ورجليه وصلبه .
وقد أطلق الخصوم على القائلين بقدرة الإنسان على الفعل " القدرية " وهو إطلاق مشين لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " القدرية مجوس هذه الأمة "
-2- الجبريــــــــة:
المؤسس : جهم بن صفوان من خرسان أقام بالكوفة.أخذ علومه عن
الجعد بن درهم . اشتهر ببلاغته وفصاحته. استعمله بنو أمية ، ووظفوا مقولته في الجبر لتدعيم
حكمهم وتبرير ظلمهم. قتلوه سنة 128 ه.
المقالـة : يقول الجهمية بأن الإنسان مجبور على فعله ، ولا يملك إرادة ولا قدرة على خلق أفعاله ، فالتدبير في الأفعال كلها لله تعالى. وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش والعروق. وإضافتها للخلق مجاز. وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى حمله دون ما يضاف إلى محصله، فقولنا ضرب زيد ، وذهب عمرو ، بمنزلة قولنا طال الغلام، وابيض الشعر.
وبناء على هذا التصور ، يصبح الإنسان كالريشة في مهب الرياح ، وكالخشبة بين تلاطم الأمــــواج ويصبح التكليف جبرا ، والطاعة جبرا ، والمعصية جبرا… وتغيب معاني المسؤولية ومغزى الوجود…
الأدلـة :استدل الجهمية على مقالتهم بأدلة نقلية وأخرى عقلية :
فمن الأدلة النقلية قوله تعالى : " والله خلقكم وما تعملون " ( 96 الصافات ) وقوله تعالى : " انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " ( 56 القصص ) وقوله تعالى : " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " ( 30 الإنسان ) وقوله تعالى : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ( 17 الأنفال )…وأما الآيات التي تخالف مقالتهم وتدل على الإرادة الحرة وقدرة العبد على الفعل فانهم أولوها بما يستجيب لأراءهم ، كما ذهبوا إلى أن ما يتولد من فعل العبد من خواص الأشياء كالجوع والعطش واللذة والشهوة … هي من فعل الله تعالى ولا قدرة للعبد على اختراعها .
ومن الأدلة العقلية قولهم أننا إذا قلنا بأن العبد يخلق أفعاله فإننا نكون قد حددنا قدرة الله وأنها لا تشمل كل شيء ، وأن العبد شريك لله في إيجاد ما في هذا الكون.
ولا يمكن أن يكون بعض الشيء مخلوق بقدرة الله والبعض الآخر بقدرة العبد لأن الله هو الخالق لأفعال خلقه وبإرادته وحده ، فليس لقدرة العبد تأثير على قدرة الله ، وما الإنسان إلا محلا لما يجريه الله على يديه ، فهو مجبر جبرا مطلقا وهو والجماد سواء .
-3 – المعتزلــــــة :
المؤســس : واصل بن عطاء ، تلميذ الحسن البصري. اختلف معه في مرتكب الكبيرة ، فخرج عنه ، وانضم إليه صديقه عمرو بن عبيد ، فسمي أتباعهما معتزلــة. يقول الشهرستاني في الملل والنحل في أصل التسمية : " إن الحسن دخل عليه رجل يسأله عن أهل الكبائر ، وقبل أن يجيبه الحسن تقدم واصل بن عطاء وكان في مجلسه فقال : أنا أقول إن صاحب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر ، بل هو في منزلة بين المنزلتين ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به فقال الحسن : اعتزلنا واصل فسمي هو وأصحابه معتزلة "
وكان خصومهم يسمونهم القدريـة تشنيعا بهم وتكفيرا لهم ، وهم لا يرتضون حتى تسمية المعتزلة ويفضلون تسمية أنفسهم أهل العـدل والتوحيـد.
والمعتزلة طبقات وفرق يختلفون فيما بينهم لكنهم متفقون في القول بأن الإنسان مسؤول عن أفعاله ، وصانع مصيره لأنه حر مريد مختار.
المقالـة : أجمعوا على أن العبد خالف لأفعال نفسه ومخترع لها مع التسليـم بأن الله على كل شيء قدير ، وأنه هو العليم الحكيم ، ولكن الخالق بمقتضى حكمته وعدله وعلمه الأزلي لا يريد أن يكون له صنع في أفعال العباد ، لا في حال وجود الشيء وهو يريد إيجاده ، ولا في حال عدمه وهو يريد إعدامه .
ويميز المعتزلة بين نوعين من الأفعال : أفعال متولدة يتهيأ وقوعها دون قصد أو تعمد ، وأفعال غير متولدة تحتاج في كل جزء من أجزاءها إلى حزم متجدد والرادة متجددة والتمييز بين النوعين من الأفعال خول للمعتزلة القول بأن الإنسان حر الإرادة وفاعل مختار ، يتصرف بما منحته الإرادة الإلهية الأزلية من مقدرة على العمل واستطاعة له.
ويرون أن في أمر الله المسلمين بمراعاة التعاليم إشعارا لهم بمدى قدرتهم على التقيد بما كلفوه ، واجتناب ما نهوا عنه ، ولو لم يكن العبد أهلا لاختيار عمله لما كان للتكاليف معنى ، ولبطل مفهوم الوعد لمن أحسن والوعيد لمن أساء.

الأدلــة : من النقل : استدلوا بآيات تضيف الفعل إلى العبد مثل قوله تعالى : " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله " ( 79 البقرة ) وقوله تعالى : " ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( 53 الأنفال ) وبعض آيات فيها مدح أو ذم كقوله تعالى : " وإبراهيم الذي وفى " ( 37 النجم ) وقوله تعالى : " كيف تكفرون بالله " (28 البقرة ) وبعض آيات فيها وعد ووعيد كقوله تعالى : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها "( 160 الأنعام ) وقوله تعالى : " ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم " ( 23 الجن ) وبعض آيات دالة على أن أفعال الله منزهة عما يشتمل عليه فعل العبد ويتصف به كقوله تعالى : " ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت " ( 3 الملك ) وقوله تعالى : " الذي احسن كل شيء خلقه " ( 7 السجدة ) وبعض الآيات تتضمن تعليق أفعال العباد بمشيئتهم كقوله تعالى : " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ( 29 الكهف )
من العقل :استدل المعتزلة على مقولتهم بوجوه :
الوجه الأول : بديهة العقل تفرق بين بعض الأفعال وبعضها الآخر ، وأن الأفعال التي مصدرها العبد على ضربين :
أحدهما : ما يحدث قسرا عنه ولا اختيار له فيه ومثاله حركة المرتعش وانتفاضة المحموم.
والثاني : ما يحدث باختياره وإرادته وقصده وذلك كالمشي ونحوه ، فحيث ورد نص يفيد أن الله يخلق أفعال العبد فان اللازم حمله على أحد هذين النوعين ، وهو يحدث قسرا بلا إرادة ولا اختيار لأنه لو حمل عليهما معا للزم على هذا الحمل التسوية بينهما ، وذلك باطل لأنه يناقض بديهة العقل الحاكمة بالتفرقة . وإذا بطلت التسوية بينهما بطل ما أدى إليه وهو حمل النص على النوعين جميعا.
الوجه الثاني : لو صح القول بأن الله هو الخالق لجميع الأفعال لكان العبد كالريشة المعلقة في الهواء يصرفها حيث اتجه، ضرورة أنه لا عمل له. وإذا كان كذلك لزم بطلان القول بالثواب والعقاب ، إذ كيف يثاب أو يعاقب على ما لم يفعله ، ولم يكن من عمله أو له يد به. ويلزمه أيضا وجوب ألا يكلفه الله بشيء من الأوامر والنواهي لأنه لا يعقل أن يكلف القادر الحكيم،العاجز المجبور الذي ليس في مكنته أن يعمل.وكل هذه اللوازم باطلة فبطل ما يؤدي إليها ، وهو أن الله تعالى خالق لجميع أفعال العباد.
-4-الأشاعــــــرة :
المؤســـس : أبو الحسن الأشعري ( 260ه-324ه ). ولد ونشأ بالبصرة ثم انتقل إلى بغداد التي عاش بها حتى وفاته. تخرج على المعتزلة في علم الكلام إذ كان تلميذا لشيخهم أبي علي الجبائي ( 235ه- 303ه ). أجاد طريقة الاعتزال في إقامة الحجة ونصب الدليل وفارقهم في مواقفهم وانتصب للرد عليهم بأسلحتهم.
يعبر الأشاعرة عن موقف أهل السنة والجماعة ، وهم أهل الحديث والفقهاء وجمهور الأمة.
المقالـــة : أفعال العباد مخلوقة لله وحده ، وليس للعبد تأثير فيها البتة ، بل إن الله قد أجرى عادته –ما لم يكن هناك مانع – بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا ، ويوجد فعله المقدور مقارنا لهما.
إن الله قد خلق أفعال العباد خيرها وشرها لكن للإنسان استطاعة على الفعل واختيارا بقدرة حادثة ، فحين يريد الإنسان أداء فعل باختياره بقدرة حادثة فان الله هو الذي يخلق فيه الاقتدار على هذا الفعل وقت أدائه ، وبذلك يكون فعل الإنسان من الله خلقا وإبداعا ومن الإنسان كسبا واستطاعة ، وذلك معنى نظرية الكسب التي نادى بها الأشاعرة ، يكتسب الإنسان قدرة على ما يريد لكن الله يخلق فيه هذه القدرة وقت أدائه الفعل ، وبذلك تكون استطاعة الإنسان للفعل مصاحبة للفعل لا سابقة عليه .
وينكر الأشعري أن تكون للإنسان قدرة على أداء فعل أو الامتناع عنه ، وإنما للإنسان قدرة على الفعل فقط بتوفيق الله ، إذ من شرط القدرة الحادثة وقت الفعل أن يلزم في وجودها وجود مقدورها.
الأدلــة : - النقلية : استدلوا بما ورد من النصوص ، ومنها قوله تعالى: " والله خلقكم وما تعملون " ( 96 الصافات ) وقوله تعالى : " ذلكم الله ربكم خالق كل شيء " ( 62 غافر ) وقوله تعالى : " أفمن يخلق كمن لا يخلق " ( 17 النحل ) وقوله تعالى : " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " ( 82 يس ) وقوله تعالى : " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد " ( 18 الإسراء ) وقوله تعالى : " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " ( 286البقرة )
العقلية : استدلوا على أن الله خالق لجميع أفعال العباد اضطراريها واختياريها بوجوه:
الوجه الأول : بإبطال مذهب خصمهم من المعتزلة بقولهم لو صح ما ذهب إليه المعتزلة من أن العبد خالق لأفعاله للزم على ذلك بالضرورة أن يكون العبد عالما بتفاصيل هذه الأفعال ، وهو باطل لأنا نشاهد من أنفسنا غيره في أبسط أفعالنا وما سهل منها فكيف في معقداتها ودقائقها ، فيكون الله هو الخالق.
الوجه الثاني : أن فعل العبد في نفسه ممكن ، وكل ممكن فهو مقدور لله ، ولا شيء مما هو مقدور لله بواقع بقدرة العبد.
الموقــف الفلسفـي : -ابن رشد نموذجا-

لم نجد لفلاسفة الإسلام موقفا واحدا من مسألة القضاء والقدر ، بل تنوعت مواقفهم واختلفت إلى حد التناقض ، ويكفينا – في دراستنا هذه – أن نعرض موقف ابن رشد ونتناوله بالتحليل والبيان باعتباره رمزا من رموز فلاسفة المسلمين المتأخرين الذين استوعبوا آراء السابقين ومحصوها ، وتوقفوا عند مقولات المتكلمين وزادوا عليها.
اهتدى ابن رشد إلى أن للإنسان إرادة وقدرة على الاختيار بين أنواع من الأفعال يطلق عليها -اختيارا بين أضداد- إلا أنها مرتبطة بالقوانين والأسباب الخاصة التي وضعها الله في الكون . ولا بد أن يفسر كل شيء بأسباب.
وأفعالنا الإرادية تتم بنوعين من الأسباب داخلية فينا ، وخارجة علينا :
ومن النوع الأول : إرادتنا ورغباتنا وانفعالاتنا … فالإرادة تحركها رغبة ، والإرادة تدفع إلى فعل أو " هناك أسباب خلقها الله داخل أبداننا " والإرادة " شوق يحدث لنا عن تخيل ما "
ومن النوع الثاني : ما يحدث حولنا من أشياء وظروف ومثيرات وعوائق في البيئة أو " هي أسباب سخرها الله من خارج "
وإذا اعترف ابن رشد بفكرة السنن والقوانين في الأفعال التي نقوم بها ، فانه بين أن الجبر لا يمكن أن يكون محضا ، وأن الاختيار لا يمكن أن يكون مطلقا ، وبذلك يكون مجبرا في اختياره في أكثر الأحايين لأنه يستعمل قدرته في حدود ما خلق الله " فالأفعال المنسوبة إلينا يتم فعلها بإرادتنا وموافقة الأفعال التي من خارج لها ، وهي المعبر عنها بقدرة الله "
رأي في المواقف الكلامية والموقف الرشدي :
-1- لم يهتم المتكلمون – حين بحثوا الجبر والاختيار – بمشكلة حرية الإنسان كمشكلة شغلت الناس في حياتهم اليومية وتطلبت حلا وإنما اهتموا بمشكلة عقدية تتعلق بتوحيد الله وعدله …ومشكلة الحرية ومشكلة توحيد الله وعدله مشكلتان متميزتان تماما. ولا علاقة بين الإيمان بالله وعدله من جهة وجبرية أفعال الإنسان وحريته من جهة ثانية بدليل أننا نجد من الفلاسفة والمفكرين من يؤمن بالله ويدعو إلى الجبرية ، ومنهم من يؤمن بالله ويدعو إلى الحرية ، ومنهم من ينكر وجود الله ويدعو إلى الحرية…
-2- أرادت الجهمية أن تدافع عن توحيد الله وتنزهه عن الشريك ، ولكنها ضحت في سبيل ذلك بالعدل الإلهي حيث جردت الإنسان من كل إرادة حرة واختيار مسؤول مع إقرارها بالتكليف.
وجاءت المعتزلة تدافع عن عدل الله بثمن غال وهو التضحية بمبدا التوحيد الخالص ، حيث أدى قولهم بحرية الإنسان وخلقه لأفعاله إلى فتح ثغرات هددت التوحيد.
ورام الأشاعرة التوسط بقولهم إن الإنسان حر ومستطيع على ما يريد من أفعال لكنهم أكدوا في الوقت نفسه أن الله هو خالق هذه القدرة والاستطاعة عند قيام الإنسان بفعله فوقعوا في جبرية مطلقة وأصبح الإنسان عندهم كما يقول ابن الهمام " مضطر في صورة مختار ".
-3- على الرغم من مواطن الضعف البادية في مواقف الجهمية والمعتزلة وتأرجح موقف الأشاعرة في حل مشكلة الجبر والاختيار ، فقد كانت لهم إسهامات طيبة في الفكر الإنساني من ذلك سبقهم فلاسفة الغرب في تمييزهم بين الأفعال الاضطرارية التي لا إرادة للإنسان فيها ولا حول له على منعها ، والأفعال الإرادية التي للإنسان فيها اختيار واقتدار. وذهب معظمهم إلى القول بوجود إحساس طبيعي في الإنسان يشعره بأنه صاحب إرادة واختيار. وأقر بعضهم بأن الأفعال مرتبطة بالعلل والأسباب دون نفي للحرية الإنسانية.
-4- يبدو الجهد الذي بذله ابن رشد واضحا في محاولته التوفيق بين حرية الإنسان والإيمان بالقضاء والقدر فقد جمع بين الأمرين : الجبر والاختيار ، فتجاوز بذلك خلافات المتكلمين وأزال التعارض الظاهري بين الآيات القرآنية مما يحقق اكتمال إيمان المؤمن وسعادته في الدارين.
وامتاز ابن رشد بوصوله إلى فكرة القوانين العلمية في القرن الثاني عشر للميلاد ، وتطبيقها لا على العالم الطبيعي فحسب بل على الظواهر النفسية ، في حين يذهب المعاصرون إلى أن فكرة القانون العلمي من أحدث المخترعات العلمية.
وأثر ابن رشد بمواقفه في الفلسفة الغربية حيث يرى مؤرخو الفلسفة أنه كان أحد مصادر سبينوزا الفلسفية .


مدلــولات القضــاء والقــدر
القضـــاء:
لم يجر استعمال كلمتي القضاء والقدر مجتمعتين بمعنى الجبر والاختيار أي هل أن الإنسان مسير أو مخير لا في كتاب الله ولا في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يستعمل القرآن مصطلح القضاء وإنما وردت مشتقاته في سياقات عديدة لتفيد معاني لغوية نذكر منها:
- الحكم والفصل : يقول تعالى : " إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " ( 47 آل عمران ) ويقول تعالى : " … ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " ( 65 النساء ) ويقول تعالى : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " ( 24 الإسراء )
-الإتمام والإنهاء : يقول تعالى : " وقضي الأمر والى الله ترجع الأمور " ( 210 البقرة ) ويقول تعالى: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " ( 41 يوسف ) ويقول تعالى : " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض " ( 10 الجمعة )
-الإعلام والإخبار : يقول تعالى : " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين " ( 4 الإسراء ) ويقول تعالى: " وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر " ( 44 القصص )
-الصنع والتقدير : يقول تعالى : " فقضاهن سبع سماوات في يومين " ( 12 فصلت ) والمعنى صنعهن وأحكم خلقهن .
ومما قدمناه من إيضاح لمعاني كلمة القضاء في اللغة يتبين لنا أن هذا اللفظ من الألفاظ المشتركة ذات اللفظ الواحد والمعاني الكثيرة.
وفي الاصطلاح اختلف العلماء في تحديد معنى القضاء فمنهم من قال هو الحكم الكلي في الكليات فقط ، ومنهم من قال أن القضاء هو الإنجاز ومنهم من جعله ملازما للقدر لا ينفك عنه فيقال القضاء هو القدر، والقدر هو القضاء.
ويمكن اعتبار تباين العلماء في تعريف محدد للمصطلح عاملا من عوامل الإشكال في المبحث بصفة عامة.
إن القضاء- بمعانيه الواردة في النصوص النقلية- يرتبط ارتباطا وثيقا بالإرادة والقدرة ، وهما صفتان لله تعالى منح منهما جزءا للإنسان ليختبره من خلالهما.
ويكون النظر إلى القضاء الإلهي من خلال زاويتين لكل منهما خصائصه ومجاله :
فأما الزاوية الأولى فتتعلق بالجبر وهو القضاء الكوني الذي يتجاوز قدرات الإنسان وطاقاته ويخرجه من دائرة التكليف ، بل لا يملك الإنسان في هذا القضاء الكوني حرية ولا اختيارا مثل الولادة واللون والجنس والأسرة والبيئة …فهو لم يخترها بنفسه.
ويكون القضاء الكوني وفقا لعلم الله وحكمته ، فهو الذي يحدد المعايش والأمكنة والأزمنة لمخلوقاته ، وكل ما يصيبها خارج حدود قدراتها وطاقاتها … والناس أمام هذا القضاء صنفان :
صنف يعتبره ضربا من الظلم للبشر أو هو عبث يخضع للصدفة والحظ… فالسعيد عند هذا الصنف من الناس هو من أقبلت الدنيا إليه والشقي هو من أدبرت عنه ، والموازين التي تقاس بها الأمور هي موازين مادية دنيوية بعيدة كل البعد عن موازين الغيب والآخرة.
وصنف آخر يعتبر القضاء أمرا إلهيا يرضى به احتسابا لله عملا بقوله تعالى : " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " ( 51 التوبة ).
وأما الزاوية الثانية فتتعلق بقضاء الاختيار ، وهو حكم الله الذي اختاره لعباده وكلفهم به في إطار الإرادة الحرة والاختيار الفردي.
واختيار هذا القضاء ما هو إلا أمانة التزم الإنسان بحملها وهو في حالة "الروح" قبل أن ينزل إلى عالم المادة ، يقول تعالى : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " ( 172 الأعراف ).
وبهذا القضاء توزن أعمال الإنسان ويكون الجزاء ، فالمؤمن يقبل على المنهج الإلهي باختياره ويلتزم بأحكامه ويحقق الاستخلاف في الأرض ، يقول تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حنى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " ( 65 النساء ). والكافر يعرض عن حكم الله باختياره وإرادته ويتبع هواه ، يقول تعالى : " فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم " ( 50 القصص )
إن كل ما يتعلق بالقضاء المنهجي لا يحمل معنى الجبر للبشر وإلا لما كان هناك عقاب لمن يعرض عن هذا القضاء …وثواب لمن رضي به … فهو حقيقة واقعة في دنيا الناس ويملكون القدرة على القبول والرفض.
وأما ما يتعلق بالقضاء الكوني فهو حتمي الوقوع بالنسبة لجميع البشر لأنه مرتبط بالغيب ولا يملك الناس أمامه أي قدرة أو خياإن ما يقضيه الله في الكون لا بد أن يحصل ، ولكن ما قضاه للناس قد يلتزم به الناس وقد يرفضونه. والله سبحانه وتعالى لا يحاسب الإنسان على أمر فرضه عليه وإنما يحاسبه على أمر اختاره هو بنفسه بعد أن وفر له كل الخيارات المتناقضة وبين له الخيار السليم .
والخلاصة التي يمكن الخروج بها بعد بيان معاني القضاء ودلالاته أن الله تعالى خلق الكون وهيأ فيه أسباب الحياة وسخر كل ما فيه لصالح الإنسان من أجل اختباره في مرحلة حياته ، ويكون القضاء في فترة الاختبار وفق محورين :
* محور القضاء الكوني الذي يسير في اتجاه واحد من الميلاد إلى الموت ، يكون فيه الإنسان مدفوعا ، مجبرا ، مضطر …لأنه " غيب "
* محور القضاء الاختياري وله اتجاهان ، أحدهما يمثل الطاعة والالتزام بتحقيق الاستخلاف في الأرض، والآخر يمثل العصيان والإعراض عن أحكام الله.
حدود الجبر والاختيــار:
ولكن السؤال الذي يطرحه العقل البشري وهو يباشر مسألة القضاء والقدر وحدود العلاقة بين عالم الشهادة وعالم الغيب هل أن المجال الذي تتعلق به إرادة الإنسان هو مجال مرسوم مسبقا في علم الله أم أن حركة الإنسان الاختيارية في عالم الحضور هي مستقلة عن الرسم المسبق ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تزيل الكثير من اللبس الذي رافق المسألة منذ ظهور الفرق الكلامية كعلاقة الفعل البشري بعدل الله والقديم بالحادث… والإجابة عن هذا السؤال تتوقف على بيان أمرين هما :
-معنى الوجود الإنساني والوجود الإلهي والفارق بينهما.
-معنى العلم الإنساني والعلم الإلهي والفارق بين العلمين.
إن وجود المخلوقات داخل إطار الزمان والمكان مرتبط في كل لحظة بقدرة الله ومشيئته. ووجود الناس بين عدمين ، اللحظة التي ذهبت ولا يقدر الإنسان اللحاق بها أو إعادتها ، واللحظة الآتية لا يستطيع الإنسان القفز إليها ولا عيشها قبل اللحظة التي هو فيها .
وهكذا فان الإنسان موجود في اللحظة التي يعيشها فقط –الحاضر- والمندفعة باتجاه المستقبل ، ولا يملك التحكم في الزمن أو التصرف فيه.
أما وجود الله فلا تحكمه مادة ولا مكان ولا زمان ، فهو موجود دائما في مراحل الزمن الثلاث : الماضي والحاضر والمستقبل، ووجوده في الماضي هو وجوده في الحاضر ووجوده في المستقبل ، ووجوده لا يرتبط كذلك بمكان.
ومسألة القدم مرتبطة بمفهوم الزمن ، ولا توجد إلا في تصوراتنا الخاضعة لقوانين المكان والزمان ، ولا قيمة لها بالنسبة لله لأنه متعال عن المادة ، مطلق عن حدود عالم الشهادة.
وخروج الحوادث من العدم إلى الوجود الذي نحس به له قيمة بالنسبة للمخلوقات ، وعلمنا بالحوادث وإحساسنا بها لا يتم إلا في إطار المكان والزمان. أما بالنسبة لله تعالى فلا فارق عنده للعلم بالحادثة بين الزمن السابق والزمن الذي يليها لأن علمه تعالى هو علم محيط بكل شيء ووسع كل شيء ، ولا يخضع لعامل الزمان. أما العلم البشري فانه حقيقة كونية ناتجة عن اكتساب معرفة الشيء أو الحصول على خبرة أو إدراكه بالعقل أو مشاهدته…
ولما كان العلم مكتسبا فانه يرتبط بمجالين اثنين :
- مجال الكون الذي أبدعه الله وأتقن صنعه ، وفيه يدرك الإنسان صفاته والنظم والنواميس التي تحكمه…
- مجال كتاب الله الذي يباشره العقل ليسترشد بمبادئه ويحقق الاستخلاف بناء على قيمه وأحكامه وتعاليمه.
والعلم البشري هو علم مقيد بحدود الزمان والمكان ، نسبي…لا يمكن أن يطال مجال الغيب أو يمزق حجبه…أما علم الله فهو علم مطلق ، خارج عن قيود الزمان والمكان…ولذلك إذا عدنا إلى كتاب الله نقرأه وندرسه نجد أن الخالق سبحانه وتعالى يذكر لنا أحداثا –هي بالنسبة لنا- من عالم الغيب الذي لم يحن الكشف عنه بعد ، ويعرض صورها أمام أعيننا كما ستكون ، يقول تعالى : " فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أانك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أانا لمدينون قال هل أنتم مطلعون فآطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين " ( 50- 57 الصافات ).فأي حادثة يعلمها الله قبل أن توجد في عالم الحضور، ويعلمها أثناء وجودها فيه ، وبعد خروجها منه.
ولما كان علم الله المطلق ووجوده المطلق في الماضي والمستقبل –بالنسبة إلينا- هو ذاته في الحاضر فان تسخير الله للأسباب التي يستطيع الإنسان الأخذ بها ومنحه الخيارات الممكنة المتاحة أمامه في أي مرحلة من مراحل حياته يتناسب مع علم الله المطلق بما سيختاره الإنسان.
وبناء على معرفتنا لمسألتي الوجود والعدم ، نرى أي اختيار للإنسان في مستقبل الأيام –ضمن الإرادة الإنسانية المقيدة يعلم الله تعالى- هو غيب بالنسبة إلينا لأننا لا ندرك إلا لحظة الآن ، ولكن بالنسبة لله الموجود وجودا مطلقا هو عالم شهادة ، فلا يعجزه شيء عن رؤية مسيرة العبد قبل وجوده في عالم المادة والزمان والمكان ، وقبل أن يوجد تعالى الأسباب والخيارات الممكنة للإنسان.
إن الإنسان حر في مجالات اختيارية مستقلة عن الجبر المسبق ، وحريته هذه هي التي سيترتب عليها الثواب والعقاب في الآخرة ، وتعالى الله عن الظلم والجور بأن يجبر المخلوق على المعصية ثم يحاسبه عليها ، يقول تعالى:" إن الله لا يظلم الناس شيئا " ( 44 يونس )ويقول تعالى: " وما ربك بظلام للعبيد " ( 46 فصلت ).
ولا تعني الحرية في أن يفعل الإنسان ما يشاء دون علم الهي مسبق ، بل إن ذلك مسجل ، معلوم عند الله، يقول تعالى : " وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين " ( 75 النمل ) ويقول أيضا: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير" ( 22 الحديد ) فالعلم الإلهي المقدر في أم الكتاب لا ينافي الإرادة الإنساني ، وإنما هو علم متعال عن المادة ، ولا يمكن لعقولنا المحدودة أن تدرك خصائصه ، يقول تعالى : " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " ( 59 الأنعام )
القــــــدر :
للقدر معان لغوية عديدة ، نذكر منها :
- المقدار الذي قدره الله في سابق علمه كما في قوله تعالى : " انا كل شيء خلقناه بقدر " ( 49 القمر ) وقوله تعالى : " ولكن ينزل بقدر ما يشاء انه بعباده خبير بصير " ( 27 الشورى )
- القسمة ، فالله يخلق ، ويقسم الحياة بين الخلق ، فهم ما بين قصير العمر ومتوسطة وطويلة ، يقول تعالى : " نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين " ( 6 الواقعة )
الاستطاعة والقوة كما في قوله تعالى : " لا يقدرون على شيء مما كسبوا " ( 264 البقرة ) وقوله تعالى : " بلى قادرين على أن نسوي بنانه " ( 4 القيامة )
- الإحاطة بالشيء كما في قوله تعالى : " قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له " ( 39 سبأ ) ويقول تعالى : " ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير " ( 29 آل عمران ).
-الحكم والقضاء وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء ويحكم به من الأمور. قال الله عز وجل : " إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين " ( 60 الحجر )
واختلف العلماء أيضا في المعنى الاصطلاحي للقدر فمنهم من قال هو تفصيل الحكم الكلي بتعيين الأسباب ، وتخصيص إيجاد الأعيان بأوقات بحسب قابليتها المقتضية للوقوع منها ، ومنهم من قال القدر هو إيجاد الله الشيء في وقت خاص بكيفية مخصوصة طبقا لعلمه الأزليومن خلال ما تقدم من معني كلمتي القضاء والقدر ، نقول إن القضاء ما اختاره الله لعباده وأراده لهم والقدر ما علمه الله بعلمه المطلق لما سيكون وما سيقع ، وما سيختار الإنسان علما قدره في أم الكتاب قبل أن يخلق الإنسان ، وهذا العلم الإلهي لا يعني إجبار الإنسان على هذا الاختيار.
وهكذا يزول التساؤل الذي حير الإنسان طويلا وهو كيف أن ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ سيحدث باختيار الإنسان ؟
فالقدر لا يعني حصول الأشياء بعيدا عن أسبابها ، وقدر الله له وجهان :
الوجه الأول : قدر الإرادة المرتبط بالوجود الإلهي المطلق وبالإرادة الإلهية ، وبالعلم الإلهي ، ويمثل هذا الوجه الجانب الروحي للقدر الخارج عن حدود المادة والزمان والمكان …
الوجه الثاني : قدر المشيئة المرتبط بالوجود الحادث للمخلوقات وبالمشيئة الإلهية وبالعلم الإلهي المشاهد، ويمثل هذا الوجه الجانب المادي للقدر المتصل بالمادة والزمان والمكان.فقدر المشيئة هو ترجمة قدر الإرادة في عالمنا المادي…:
فمن قدر الإرادة قوله تعالى :" ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير " ( 22 الحديد ) وقوله تعالى : " وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين " ( 75 النحل )
ومن قدر المشيئة قوله تعالى : " إن رسلنا يكتبون ما تمكرون " ( 21 يونس ) وقوله تعالى : " انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " ( 29 الجاثية )
ولتقريب الفهم نضرب مثالا واقعيا ، ففي علم الله المطلق أن آدم وزوجه سيأكلان من الشجرة التي نهاهما الله عنها ، وسيهبطان من الجنة وذلك كله قدر الإرادة الذي سيترجم إلى أحداث في عالم المادة والزمان والمكان ، فآدم سيأكل من الشجرة بكامل إرادته الحرة ، ولم يجبره الله على المعصية لأنه نهاه عن ذلك مسبقا ، يقول تعالى : " ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " ( 35 البقرة ) والنتيجة أنه سيهبط هو وزوجه من الجنة …وهذا هو قدر المشيئة.
ومما سبق يتبين أن إرادة الله وقضاءه يتعلقان بذاته العلية لا يحملان الشر للبشر ، أما المشيئة الإلهية المحيطة بمشيئة الإنسان فتكون بدفع الإنسان للأسباب ، فالمشيئة الإلهية والقدر قد يحملان الشر بسبب اختيار الإنسان ودفعه الأسباب تجاه الشر.
وإذا عدنا إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأدركنا أنه قال في معرض ذكره لأركان الإيمان " وأن تؤمن بالقدر خيره وشره " ولم يقل بالقضاء لأن القضاء لا يحمل الشر أبدا ولذلك لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم : " … القضاء والقدر خيرهما وشرهما ".

الخاتمـــــــة :
شغلت مسألة القضاء والقدر الفلاسفة والعلماء…منذ وقت طويل ، فحاولوا جاهدين معرفة ما إذا كان الإنسان حرا مختارا فيما يفعل من أفعال أم أنه مجبور على أمره ؟ ولم يظفروا بنتيجة. ولا تزال المحاولات قائمة ولكنها تبدو فاشلة ، والحق أن الفشل يرجع إلى أسباب نذكر منها :
أن القضاء والقدر من عالم الغيب الذي يستحيل أن يتحول إلى عالم الشهادة أو أن تتمكن الأداة التي تخوض غماره –وهي العقل- من إدراك حقيقته ، لأنها نسبية والغيب مطلق ، ولا يطال النسبي المطلق.
أن ما سكت عنه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور العقيدة كالقدر ليس لأحد أن يفصل فيه الأمر لأنه إذا ما أراد معرفة دقائقه أوشك أن يقع في المحظور ولو كان عن حسن نية-تجربة الجهمية والمعتزلة- يقول تعالى : " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " (36 الإسراء )
أن العلم الحديث أثبت أن الإنسان لا يعلم إلا ظواهر الأشياء فقط ، وهو ليس أقل من أن يعرف نفسه التي بين جنبيه ، بل هو أقل من أن يعرف حقيقة المادة المحسوسة إذ وقف عاجزا عن معرفة الكهيرب السالب والكهيرب الموجب. فإذا كان هذا هو مدى علم الإنسان طبقا لما اكتشفه العلماء الماديون فكيف يتأتى لأحد أن يدرك حقيقة القدر وهو من عالم الغيب والذي هو سر من أسرار الله المكفوف عنا إلى يوم القيامة ؟ يقول تعالى : " وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون " ( 92 النحل )
أن الإيمان بقدر الله ركن هام من أركان التوحيد ، فلا يقبل الإيمان إلا به ، وجوهره أنه يستحيل أن يحصل شيء في الوجود بغير إرادة الله ، كما يستحيل أن يخرج شيء في الوجود عن إرادته. انه سبحانه خالق الخير والشر جميعا عن علم وحكمة. وهو خالق كل شيء. يخلق الخير لحكمة ، ويخلق الشر لحكمة. وقد بين الله في كتابه أنه خلق الشر ليركمه جميعا في جهنم يوم القيامة ، يقول تعالى : " ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون " ( 37 الأنفال ).
ومن حكمة خلق الشر امتحان البشر به حتى يصل كل منهم إلى الدرجة المعدة له لأنه لا يمكن الوصول إليها إلا بعد الامتحان الإلهي. يقول تعالى : " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " (35 الأنبياء )



قائمــة المراجــع والمصــادر:
1- التحرير والتنوير : الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
2- التفسير المنيـر : الدكتور وهبة الزحيلي.
3- النظم الإسلامية : الصبحي صالح.
4- فجر الإسلام : أحمد أمين.
5- ضحى الإسلام : أحمد أمين.
6- المسامرة بشرح المسايرة : كمال بن الهمام.
7- القدر : الدكتور عدنان الرفاعي.
8- مسألة القضاء والقدر : عبد الحليم محمد قنبس – خالد عبد الرحمان العك.
9- تاريخ الفلسفة اليونانية : يوسف كرم.
10- في معرفة الخير والشر : فيليب بلير رايس- ترجمة عثمان عيسى شاهين.
11- عالم الفكر – المجلد 13 – العدد1- أفريل / ماي 1982.
12- مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – السنة 5- العدد 12- ديسمبر 1988.